العودة الى الصفحة السابقة
مقياس المحبة

مقياس المحبة

جون نور


قال يسوع لتلاميذه :«وصيةً جديدة أنا أعطيكم أن تحبوا بعضكم بعضاً. كما أحببتكم أنا تحبون أنتم أيضاً بعضكم بعضاً، بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حب بعضاً لبعض» (يو 34:13، 35).

لا توجد وصية ذكرت مراراً وتكراراً، أكثر من هذه الوصية، ألا وهي المحبة الأخوية المتبادلة. ولقد اعتبرها يسوع – له المجد – بمثابة التعويض الإلهي لتلاميذه عن عدم وجوده معهم بالجسد بعد أن يتركهم، حيث قال: «يا أولادي أنا معكم زماناً قليلاً بعد ... وصية جديدة أنا أعطيكم: أن تحبوا بعضكم بعضاً» (يو 34:13 ، 35). وتكلم عنها سيدنا المبارك كأنها وصيته الوحيدة (مع أنها ليست الوحيدة) حيث قال لهم: «هذه هي وصيتي، أن تحبوا بعضكم كما أحببتكم»(يو 12:15). بل لقد قدرها سيدنا كأنها الأهم والأسمى، حيث قال للتلاميذ: «بهذا أوصيكم»، وبعدها لم يتكلم إلا عن هذه الوصية قائلاً: «بهذا أوصيكم حتى تحبوا بعضكم بعضاً».

نحن لسنا فقط أمام وصية تكررت كثيراً، ولكننا أمام أسمى وأروع الوصايا: ففي قيمتها هي غالية، إذ هي آخر وصية قالها الرب قبل ذهابه للصليب، وفي مقياسها هي عجيبة، إذ يأمرنا السيد قائلاً: «تحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم»، وفي نتيجتها فهي رائعة، إذ يخبرنا الرب قائلاً: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي إن كان لكم حبٌ بعضاً لبعض».

إننا أمام وصية إلهية غالية، ومقياس إلهي فريد، فإن ربنا الغالي يأمرنا أن نحب بعضنا بعضاً بمقياس إلهي عجيب. وفي وقت تغير فيه هذا المقياس الإلهي وظهرت مقاييس أدنى كثيرة بفعل الظروف والضغوط ومحبة العالم، لا سبيل لنا للرقي بمحبتنا للبلوغ إلى المقياس الإلهي إلا بالنظر والشبع بمحبة سيدنا الكريم وكيف أحبنا هو.

يخبرنا الكتاب «لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة، مولوداً تحت الناموس، ليفتدي ...». «الله بين محبته لنا لأنه ونحن بعد خطاة مات المسيح لأجلنا». كان عدلاً أن يديننا ويقضي علينا إذ أخطأنا؛ لكنه لأجلنا ضحى بأغلى ما عنده باذلاً إياه لأجلنا على الصليب. إننا أمام بحر محبة لا يحد، إذ يقول الكتاب أيضاً «لأنه إن كنا ونحن أعداء قد صولحنا مع الله بموت ابنه» (رو 10:5). ففي سبيل محبته لنا ضحى بابنه الوحيد الحبيب الغالي على قلبه. هذا هو حقاً الحب الإلهي.

حكي عن راعي كان يرعى الغنم، وتقابل مع صديق له وهو في رعب شديد ووجهه شاحب، فقال له الصديق: لماذا أراك على هذه الحال خائفاً وشاحباً؟ فقال الراعي: منذ ثلاث ساعات وأنا أرعى القطيع، رأيت فجأة هذا الذئب يسير خلفي (وأشار بيده ناحية الذئب). واستطرد الراعي قائلاً: ومذ رأيته وهو ما زال يسير ورائي، وأنا خائف منه. فالذئب لا يرجع إلا إذا نال ما أراد.

فقال الصديق: وماذا يريد منك؟ فأجابه: إما أحد الخراف وإما أنا. فصاح صديق الراعي قائلاً: لكنني أرى معك هذه البندقية، فلماذا لا تستخدمها؟ فقال له: إنها لا تعمل وآخذها معي شكلاً. فساد الصمت برهة. وفجأة عاد الراعي يقول لصاحبه: لا فائدة، لا يوجد أمامي سوى هذا الحل. فقال له: وما هو؟ فقال الراعي: سترى بعينيك. ذهب الراعي إلى القطيع، وأخذ واحدة منه، وهي الأصغر والأهدأ والأجمل، ثم حملها وذهب بها في اتجاه الذئب، وما أن اقترب إليه بمسافة ليست بعيدة حتى وضعها على الأرض أمام عيني الذئب، ثم عاد لصديقه لينظرا ماذا سيحدث لهذه الشاة. وإذا بالشاة تصرخ بأعلى صوتها، لكن ماذا عساها أن تفعل؟ وإذ بالذئب يقترب ويقترب، حتى أطبق بأنيابه على رقبتها الرقيقة وحملها وذهب بها بعيداً حتى اختفى عن الأنظار ليفتك بها ويفترسها.

إن فادينا لم يتركنا للذئب ليفترسنا، ولكنه – له المجد – قال: «أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف». وأما الأجير، الذي ليس هو راعياً، الذي ليست الخراف له، فيرى الذئب مقبلاً، فيترك الخراف ويهرب، فيخطف الذئب الخراف ويبددها».

إننا أمام محبة قوية، بل أمام محب عظيم، ضحى بنفسه لأجل سلامة الخراف. يليق بفادينا أن يعبر عن مقياس حبه لنا قائلاً: «ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه».

وعن مقياس محبة يسوع المسيح يقول القديس يوحنا في رسالته الأولى والإصحاح الثالث: «بهذا قد عرفنا المحبة إن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الأخوة» (1 يو 16:3). ربنا يسوع ضحى بنفسه لأجل من أحبهم، فهل لنا أيضاً أن نضحي بأنفسنا لأجل إخوتنا؟

أمام هذا المقياس الإلهي البديع يسقط سريعاً ما يظنه البعض أن المحبة هي القبلات والأحضان وبعض كلمات المدح والثناء، ليس إلا. كلا، ليست هذه المحبة الإلهية. لكن المحبة الإلهية هي نبع ينبع من الداخل، وبها نعبر عن طبيعة إلهنا، وبها أيضاً نتجه تلقائياً إلى الآخرين لخدمتهم وفائدتهم دون أن تكتسب الذات من وراء ذلك شيئاً؟ في هذا قال الرسول:«يا أولادي لا نحب بالكلام واللسان، بل بالعمل والحق» (1 يو 18:3).

فليكن الحب عادة متأصلة فينا، والعلامة المميزة لنا كتلاميذ المسيح، والسمة البارزة في حياتنا كما كان سيدنا. فلقد صدق أحد الأفاضل حين قال: «إن العالم لا يرى إيماننا، وربما لا يفهم رجاءنا، ولكنه حتماً سيتأثر بمحبتنا». لقد تأثر الوثنيون قديماً حين رأوا المحبة المتبادلة بين القديسين وقالوا: انظروا كيف يحبون بعضهم بعضاً!

إن القلب المحب وليمة دائمة مهما لاقى في طريق المحبة الذي يسير فيه.