العودة الى الصفحة السابقة
إفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا

إفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا

تفسير رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي

عبد المسيح وزملاؤه


List of Tables

1.

Bibliography

إفرحوا في الرب كل حين وأقول أيضاً إفرحوا. عبد المسيح وزملاؤه. Copyright © 2005 All rights reserved Call of Hope. الطبعة الأولى. 1971. SPB 3800 ARA. English title: Rejoice in The Lord! (Philippians). German title: Freuet euch im Herrn! (Philipperbrief) . Call of Hope. P.O.Box 10 08 27 70007 Stuttgart Germany http: //www.call-of-hope.com .

التمهيد لرسالة فيلبي

كتب بولس رسول الأمم هذه الرسالة الفائضة بالفرح إلى أهل الكنيسة في مدينة فيلبي المكدونية سنة 62 م، لما كان سجيناً في روما، ومحبوساً من أجل اسم المسيح، لشكاية اليهود ضده، ينتظر محاكمته النهائية أمام القيصر، التي ستقرر حياته أو موته. وفي غمرة هذا التوتر العصبي وفي انتظار الحكم الفاصل، اختبر الرسول قرب المسيح وقوته المعزية، حتى عزى هو أصدقاءه ودعاهم إلى الفرح الإلهي المتفوق.

وكانت غاية بولس من هذه الرسالة إظهار محبته وشكره للمؤمنين في فيلبي، لأجل الهبة المالية الكبيرة التي قدموها له ليخففوا ضيقه، لأن وجوده في السجن منعه من العمل بيديه ليكفي حاجاته. فشكراً لهذه البادرة الطيبة، كتب الرسول هذه الرسالة الممتلئة بالفرح، وقوى بها المضحين في الكنيسة، مظهراً لهم عواطفه ومفيضاً عليهم لطف اللّه، وطالباً لأجلهم مزيد البركة والمعرفة من القدير.

لقد أسس الرسول هذه الكنيسة في جولته التبشيرية الثانية، كأول كنيسة في أوروبا. واختبر خلال تأسيسها اضطهاداً وآلاماً عنيفة في السجن هناك. ولكن الرب بارك رسوله، ومنحه باكورة شهية، أي التاجرة ليديا والسجان، اللذين أصبحا من أركان الكنيسة الحية.

وفرح الرسول خاصة لأن جميع أعضاء الكنيسة في فيلبي اشتركوا في نشر الإنجيل منذ بداية إيمانهم، ورافقوا رحلات الرسول بصلواتهم، ومّوَلوا خدماته بتبرعاتهم رغم الاتهام والضغط عليهم في بلدتهم الخاصة. فشجعهم الرسول الأسير المربوط بسلاسل بيد أحد حراسه. وأثَّرت بشارته قولاً وسلوكاً في الجند حتى آمنوا بالمسيح وتجددوا. وذاع هذا الخبر إلى بيت القيصر. فاهتم البعض بالسجين وإنجيله، ومالوا إلى المخلص. وأصبح أفراد منهم قديسين.

وسمع الرسول في سجنه أن كنيسة فيلبي كانت عرضة لتجارب متنوعة. حيث كانت مدينة فيلبي مركزاً للمعسكر الروماني في الجبال اليونانية، ليس بعيداً عن تسالونيكي.

ولم يمنع الفرح في الروح بولس أن يحذر كنيسته المحبوبة من خطر الانشقاق الذي يتبع المشاريع المبنيَّة على الكبرياء، فدلهم على سيرة المسيح المركزة على التواضع وبذل النفس، ليتعلم كل عضو أن يتواضع مثله، ويعتبر نفسه أصغر من جميع الإخوة.

وكان خطر آخر مقبل على الكنيسة بتعليم الختان وحفظ السبت، كأن الإنسان يستطيع أن يضيف بمجهوداته الشخصية على نعمة المسيح، ليتقدس إلى التمام. فحذرهم بشدة من الفهم الخاطئ للكمال، وأراهم ينابيع سرمدية للغلبة على الذات والفرح الحقيقي، ليثبتوا في الرب وقدرته الفادية.

وأراد بولس أن يرسل إلى كنيسة فيلبي مرة أخرى تيموثاوس لتقوية المؤمنين. وهذا الشاب كان بعد طرد الرسول خليفته هناك مع لوقا الطبيب، ليعمِّقا الكنيسة في ملء كلمة اللّه، ويقوداها إلى النضوج في الخدمات والمحبة. وتمنى الرسول أن يسمح الرب له أيضاً بزيارة كنيسة فيلبي مرة أخرى، بعد إطلاقه من السجن. فأرسل مسبقاً أبفرودتس المرسل إليه بالهبة المالية، والذي كان قد شُفي من مرض مميت، ليمهد الطريق له. فيكمل فرحهم إذ يجتمعون مرة أخرى مبتهجين.

هذه الرسالة المكتوبة وبولس على مشارف الموت فاضت بالمحبة والغبطة والشكر أكثر من كل الرسائل الأخرى من يد الرسول. فتستطيع أن تملأنا بفرح اللّه، وتريحنا من مشاكل عصرنا. لأن منها تجري قوى عظيمة إذ عاش الرسول قرب ربه، مفارقاً دنيانا وداخلاً إلى الحياة الحقة ولربما كانت هذه الرسالة آخر ما كتبه الرسول إلى المؤمنين. فأصبح «الفرح في الرب».

1 - متى وأين كتب بولس هذه الرسالة؟

2 - ماذا كانت أهم الحوادث عند تأسيس كنيسة فيلبي؟ (إقرأ أعمال الرسل 16: 11 - 40).

3 - ما سبب وغاية هذه الرسالة؟

4 - بما تمتاز هذه الرسالة على رسائل بولس الأخرى؟

1 - التحيات والبركة الرسولية (1: 1 - 2)

الأصحاح الأول 1 بُولُسُ وَتِيمُوثَاوُسُ عَبْدَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، إِلَى جَمِيعِ ٱلْقِدِّيسِينَ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، ٱلَّذِينَ فِي فِيلِبِّي، مَعَ أَسَاقِفَةٍ وَشَمَامِسَةٍ.

لم ينفرد الرسول بكتابة رسالته، بل بحثها قبلاً مع رفيقه الأمين تيموثاوس. وصلى معه لأجل الفيليبيين، لتصبح رسالتهما مشحونة بقوة اللّه وبركاته. وكان تيموثاوس خليفة الرسول في رعاية الكنيسة والمسؤول عن مصيرها روحياً وإيمانياً.

وكلاهما لم يسميا نفسيهما أساقفة أو رعاة، بل عبدي المسيح، لأنهما لم يريدا التكبر المستعلي ولا الكتابة بأفكارهما الخاصة، بل كتبا بإرشاد روح المسيح، فلم يريدا الحركة أو الكتابة مستقلين عنه، بل اعتبرا أنفسهما عبديه في كل مراحل حياتهما، حرين كانا أم سجينين.

وكتبت هذه الرسالة إلى المؤمنين بالمسيح، الذين حل فيهم الروح القدس فجعلهم قديسين بكل معنى الكلمة، لا لصلاحهم الشخصي بل لأجل إيمانهم بالحي، الذي تعاهد معهم وشملهم بلطفه، حتى تغيروا جميعاً إلى صورته.

وهكذا دخلوا إلى رحابه، وثبتوا في ملكوته. فأصبحوا «في المسيح» واحداً في الروح القدس، واختبروا يومياً حمايته. فمن يثبت في المسيح يعش كأنه في السماء، رغم المضايقات في دنيانا التي تحيط به.

ووجد في كنيسة فيلبي أساقفة متواضعون وخدام للرب، معينين من الروح القدس للخدمات والأتعاب في تضحية الذات. ولكن أصحاب الرتب لم يعتبروا ذواتهم أعظم وأحسن من بقية أعضاء الكنيسة، عالمين أن الروح القدس واحد والمغفرة واحدة. أما المسيح فيوزع الخدمات حسب اختياره، ويعطي المواهب لمن يشاء. والسر في سلطان الأحبار هو التواضع. كما أن ذكرهم هنا يأتي بعد القديسين، كأن شعب الكنيسة أهم من رعاتها.

وإن تعمقت في الرسالة لأهل فيلبي، ترى أن كلمتين تتكرران هما «يسوع المسيح». وهذه العبارة ليست اسماً بل جملة تامة دالة على معنى، أن يسوع هو المسيح. فمن هو يسوع، وما تعني كلمة المسيح؟ إن الإنسان يسوع مولود من المرأة تحت الناموس. وعاش في المدينة الصغيرة الناصرة من منطقة الجليل. وتعلم القراءة والكتابة واشتغل نجاراً إلى أن صار عمره حوالي ثلاثين سنة. وجُرِّب كما نحن، ولكن بقي بلا خطية. فقد كان الإنسان الوحيد القدوس. وتجلت فيه صورة اللّه. وتوقف كماله على الحقيقة أنه غير مولود من أب دنيوي، بل من الروح القدس مباشرة. فيستحق الاسم «ابن العلي». وفي قوة أبيه السماوي قام بمعجزات كثيرة، وغفر الخطايا، وصالح العالم مع اللّه. فيسوع هو ابن الإنسان، وابن اللّه بنفس الوقت.

أما لقب المسيح فمعناه الممسوح بملء الروح القدس، حتى أن كل صفات اللّه حلت فيه. وأدرك اليهود من نبوات العهد القديم أن اللّه سيرسل مسيحه إليهم. إنما فسروا هذا الوحي بطريقتهم الخاصة، كأن مسيا هو ملك سياسي ينشئ دولة السلام التي مركزها أورشليم، ويقيم الموتى ويجلب العلماء على الأرض.

ولكن عندما دعا يسوع اليهود إلى التوبة، ولم ينصرهم على الرومان ولم ينكر بنوته للّه، سلموه للصلب. أما المسيح فغلب الموت وقام من القبر، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين الآب، وأرسل قوة الروح القدس إلى جميع المؤمنين به.

وهكذا دعا مختاريه من العالم وعانقهم لكيلا يكونوا منعزلين فيما بعد، بل «في المسيح يسوع». فاسمه يعني قوة روحية عظيمة تشملنا وتحملنا وتضمننا. ومن يختبر هذا السر في حفظ المسيح يسجد له. ويعتبر نفسه عبداً لمحبته، كما قال بولس وتيموثاوس عن نفسيهما. فهل ثبتَّ في المسيح يسوع وجعلت نفسك عبداً لرحمته؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح المقام من بين الأموات المنتصر. نسجد لك، لأنك دعوتنا من عالم الخطية بواسطة رسلك الكرام، لندخل إلى رحابك. ونثبت في قدرتك. ونختبر حماية اسمك. اغفر لنا ذنوبنا. واجعلنا قديسين بلا لوم قدامك في المحبة.

السؤال:

5 - ماذا تعني العبارات (يسوع المسيح) و(في المسيح) و(عبد المسيح)؟

1: 2 نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلامٌ مِنَ ٱللّٰهِ أَبِينَا وَٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

بعد التحية الافتتاحية أفاض الرسول بركته على الرعية كخلاصة تعليمه وقوته. فمن يضع نفسه تحت هذه البركة الرسولية ويتمسك بها، لا يبقى إنساناً عادياً فيما بعد، بل يتغير، ويتبرر ويمتلئ نعمة وحقاً. ويثبت في سلام مع اللّه.

فالنعمة في العهد الجديد تعني محبة اللّه المستمرة الشرعية للدنسين غير المستحقين. فهذه النعمة تتوقف على الصليب، لأن بدون موت المسيح نيابة عنا لا توجد نعمة حقة، ولا يحق للّه أن ينعم علينا، بل لمتطلبات قداسته ينبغي أن يهلكنا. ففي المسيح ابتدأ عصر النعمة. وصارت رحمة اللّه حقاً شرعياً لكل مؤمن به.

وإن درست الكلمات الافتتاحية لرسالة بولس إلى أهل فيلبي، تكون قد أمسكت المفتاح لرسالة الفرح كلها.

الصلاة: أيها الآب، نعظمك لبحر محبتك. فبركتك قرَّبتنا إليك. وموت ابنك كفر عن خطايانا. وروحك القدوس يقدسنا إلى التمام. فنسجد لك ولابنك. ونلتمس منك الامتياز أن نشترك في نشر ملكوتك، ليتقدس اسمك الأبوي. ويخلص كثيرون من عالم الفساد.

السؤال:

6 - ما هي المعاني البارزة في البركة الرسولية؟

2 - صلاة الرسول لأجل الكنيسة (1: 3-11)

1: 3 أَشْكُرُ إِلٰهِي عِنْدَ كُلِّ ذِكْرِي إِيَّاكُمْ 4 دَائِماً فِي كُلِّ أَدْعِيَتِي، مُقَدِّماً ٱلطِّلْبَةَ لأَجْلِ جَمِيعِكُمْ بِفَرَحٍ، 5 لِسَبَبِ مُشَارَكَتِكُمْ فِي ٱلإِنْجِيلِ مِنْ أَّوَلِ يَوْمٍ إِلَى ٱلآنَ. 6 وَاثِقاً بِهٰذَا عَيْنِهِ أَنَّ ٱلَّذِي ٱبْتَدَأَ فِيكُمْ عَمَلاً صَالِحاً يُكَمِّلُ إِلَى يَوْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

كان بولس إنساناً مصلياً في سلطان الروح القدس. ففاض من فمه الشكر والتسبيح لأجل نعمة اللّه، المعطاة لأهل فيلبي. إن القدوس نفسه حضر في كنيسته وسط الدنيا المضطربة. وهذه هي المعجزة الكبرى في زمننا اليائس، إن اللّه العظيم يحل في المؤمنين الممسوحين بالروح القدس. فهل تحمده لهذا الامتياز. وتقدم له الشكر على الدوام؟

ذكر بولس في صلاته كل عضو في كنيسة فيلبي. وابتهل لأجلهم فرداً فرداً بالأمانة في أدعيته اليومية. وسبح الآب السماوي لأجل عمل روحه المتشابك في الجميع. إن الكنيسة الخالية من الابتهال المتبادل تموت. فأول ما نلاحظ في رسائل الرسول بولس هو دائماً الصلاة، وبعدئذ التعليم. هذا النظام يغير دروسنا وتقوانا مبدئياً، لأن ليس العلم والفكر والعقائد أساس الكنيسة، بل الشكر والابتهال والصلاة للرب الحي، لأنه هو العامل والمعطي. فلا حركة روحية إلا به.

وقد سمع أهل فيلبي بشارة الخلاص وآمنوا بها.. ولم يسترخوا بعدئذ كسولين في أفراحهم متكلين على معرفة خلاصهم، بل انتعشوا وتحركوا وتقدموا إلى الآخرين وأشركوهم في قوة الإنجيل. ورافقوا الرسول بولس واجتهاداته بصلواتهم وتبرعاتهم المستمرة. فقوة الإنجيل تجعلنا عبيد محبة المسيح، لا منتفخين بالعلم الجاف.

كان أعضاء كنيسة فيلبي مبتدئين في الإيمان والمحبة والرجاء. ولكن حيث يستسلم الأفراد للمسيح وكلمته، فهو الشفيع ويتم خلاصه فيهم. هل وضعت يدك في يد المسيح لعهد أبدي؟ عندئذ يظل هو أميناً لك ويغيرك إلى صورته في التواضع وإنكار الذات والفرح والسرور.

وعندئذ تترقب أهم يوم في التاريخ إذ يأتي الفادي المجيد ليجتذب كنيسته إليه. فمجيء المسيح هو الهدف الواحد لحياتنا. عندئذ يظهر صحة ديننا، ويتجلى الجوهر الموهوب لنا من أبينا السماوي. علماً أن ذلك اليوم ليس يومنا بل يوم يسوع المسيح، الذي أخلى نفسه وصار إنساناً لخلاصنا. وصُلب محتقراً فأعطاه اللّه اسماً فوق كل اسم، لتجثو كل ركبة ليسوع لأنه الرب بالذات.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح. نسبحك لأنك اشتريتنا بدمك الثمين من عبودية الخطية في العالم الشرير. ودعوتنا إليك بكلمتك الخالقة. اغفر لنا بطء قلوبنا وإهمال أذهاننا. واملأنا بروح محبتك لنسابق بعضنا بعضاً في الإحسان والتبشير والتبرعات، لنشر ملكوتك، معدين طريقك. تعال أيها الرب يسوع، ليعظم اسمك في يومك المجيد.

السؤال:

7 - ما هو مضمون صلاة بولس لأجل أهل فيلبي الأحباء؟

1: 7 كَمَا يَحِقُّ لِي أَنْ أَفْتَكِرَ هٰذَا مِنْ جِهَةِ جَمِيعِكُمْ، لأَنِّي حَافِظُكُمْ فِي قَلْبِي، فِي وُثُقِي، وَفِي ٱلْمُحَامَاةِ عَنِ ٱلإِنْجِيلِ وَتَثْبِيتِهِ، أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ جَمِيعُكُمْ شُرَكَائِي فِي ٱلنِّعْمَةِ. 8 فَإِنَّ ٱللّٰهَ شَاهِدٌ لِي كَيْفَ أَشْتَاقُ إِلَى جَمِيعِكُمْ فِي أَحْشَاءِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 9 وَهٰذَا أُصَلِّيهِ: أَنْ تَزْدَادَ مَحَبَّتُكُمْ أَيْضاً أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ فِي ٱلْمَعْرِفَةِ وَفِي كُلِّ فَهْمٍ، 10 حَتَّى تُمَيِّزُوا ٱلأُمُورَ ٱلْمُتَخَالِفَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا مُخْلِصِينَ وَبِلا عَثْرَةٍ إِلَى يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ، 11 مَمْلُوئِينَ مِنْ ثَمَرِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ وَحَمْدِهِ.

لا تعني كنيسة المسيح اجتماعات أفراد لإظهار الأزياء الجديدة، ولا مكاناً لعرض الوجوه المتفاخرة. ولا فرصة لانشغال الأفكار أثناء الوعظ فيما عسى أن تعده الزوجات من الطعام اللذيذ، أو سائر الأمور الدنيوية التافهة. بل الكنيسة الحية هي شركة القديسين العاملين في المحبة، المتسابقين في الاحترام والتعاون والتضحية.

وحمل بولس جميع أعضاء رعيته في أحشاء قلبه، لأن له قلباً واسعاً أبوياً وقوة للاحتمال المستمر، إذ محبة اللّه قد انسكبت في ذهنه.

ولم يخجل أعضاء رعيته من إلقاء الرسول في السجن، بل حملوا عوضاً عنه إنجيل الخلاص بجرأة وجسارة إلى محيطهم، عالمين أن بولس كان محبوساً لأجل الدفاع عن الإنجيل الصحيح، وللشهادة أمام الملوك وحتى القيصر نفسه. فلم يخافوا رغم الاضطهاد، إنما اشتركوا جميعاً في الشهادة والصلاة لنشر بشرى السماء. وهكذا برهنوا عن أنفسهم، أنهم شركاء في النعمة والقوة الإلهية. وكل من ينقل الإنجيل لا يبشر بتعليم فقط، بل يقدم قوة العلي للآخرين. فمن يؤمن يخلص. ومن يعترف بيسوع، يسر في مسرته.

واشتاق الأسير بولس إلى شركائه الأحباء ليراهم، وليساهم معهم في خدمة الرب، لأنه وجد فيه نفس الشعور والدوافع، التي أنزلها المسيح سابقاً من السماء. ألا وهي المحبة الإلهية والرثاء والرحمة. فكأنه وهو داخل المسيح وبأحشاء رأفته أحب زملاءه.

وبولس في عزلته التي لم تسمح له بالإشتراك في الجهاد الروحي، ناب عن شهود الخلاص، مصلياً لأجلهم أمام عرش النعمة بحرارة وقوة، ليمنحهم الآب السماوي أهم شيء في التبشير: وهو الامتلاء بالمحبة المقدسة. فينموا في قوة معرفة اللّه، ويحصلوا على موهبة تمييز الأرواح والأحوال، ويستطيعوا كأطباء ماهرين أن يعالجوا أخطاء الضالين وينشئوا خلاصهم، بلياقة وشعور لطيف.

وكان لتفكير الرسول هدف واحد كشعار رئيسي لحياته، وهو مجيء الرب، الذي أعطى لكلماته وصلواته توجيهاً أبدياً. وفي هذا الروح تأكد أن المسيح نفسه سيخلص كنيسته، ويعمل فيها ويحفظها ويثمرها ويكملها. لأن الفضائل الروحية المطلوبة منا تنضح منه شخصياً. وكما أن الرأس يحرك أعضاء جسده، هكذا يرشد المسيح مؤمنيه إلى خدمات لطفه. ليعظم حمد اللّه ويتقدس اسمه الأبوي. فهل أنت عضو في جسد المسيح مجتهد في كنيستك، أو تضيع وقتك خارج الرحاب المقدسة.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت رأسنا ونحن أعضاؤك. املأنا برقيق محبتك. وأنرنا لمعرفة مشيئتك في كل أحوال حياتنا لكيلا نخاف من السجون والاضطهادات لأجل إنجيلك، بل نمتلئ فرحاً ويقيناً أنك تأتي قريباً لخلاص العالم القلق. تعال أيها الرب يسوع.

السؤال:

8 - كيف أحب بولس أهل فيلبي. وماذا صلى لأجلهم؟

3 - حالة الرسول في السجن انتشار الإنجيل في روما (1: 12-26)

1: 12ثُمَّ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنَّ أُمُورِي قَدْ آلَتْ أَكْثَرَ إِلَى تَقَدُّمِ ٱلإِنْجِيلِ، 13 حَتَّى إِنَّ وُثُقِي صَارَتْ ظَاهِرَةً فِي ٱلْمَسِيحِ فِي كُلِّ دَارِ ٱلْوِلايَةِ وَفِي بَاقِي ٱلأَمَاكِنِ أَجْمَعَ. 14 وَأَكْثَرُ ٱلإِخْوَةِ، وَهُمْ وَاثِقُونَ فِي ٱلرَّبِّ بِوُثُقِي، يَجْتَرِئُونَ أَكْثَرَ عَلَى ٱلتَّكَلُّمِ بِٱلْكَلِمَةِ بِلا خَوْفٍ. 15 أَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ حَسَدٍ وَخِصَامٍ يَكْرِزُونَ بِٱلْمَسِيحِ، وَأَمَّا قَوْمٌ فَعَنْ مَسَرَّةٍ. 16 فَهٰؤُلاءِ عَنْ تَحَّزُبٍ يُنَادُونَ بِٱلْمَسِيحِ لا عَنْ إِخْلاصٍ، ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يُضِيفُونَ إِلَى وُثُقِي ضِيقاً. 17 وَأُولٰئِكَ عَنْ مَحَبَّةٍ، عَالِمِينَ أَنِّي مَوْضُوعٌ لِحِمَايَةِ ٱلإِنْجِيلِ. 18 فَمَاذَا؟ غَيْرَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلَّةٍ أَمْ بِحَقٍّ يُنَادَى بِٱلْمَسِيحِ، وَبِهٰذَا أَنَا أَفْرَحُ.

شكر الرسول السجين لأجل مؤمني فيلبي، واشتاق إليهم، وصلى لأجلهم بحرارة وأمانة. ورغم قيوده بقي مبشراً، ولم يهمل الناس في محيطه القريب. فكان شاهداً للمسيح في السجن داخل المعسكر. وعلم حراسه بتصرفاته وطول أناته اللطيفة صورة المسيح ونوعية البشرية الجديدة. قد كان تحت ضبط فرقة جنود القيصر المختص بحماية الإمبراطور، فقاد بولس بعضهم إلى تفكير جديد، أن يسوع المسيح هو المخلص ورب العالمين، أعظم من كل محاكم الدنيا.

وكان الشيطان يقصد أن يعزل بولس ويبطل شهادته، عندما أخذه من حريته الجزئية، إذ كان مراقباً في بيته، وغير مسموح له بالخروج منه، ونقله إلى داخل الثكنة. فانفصل عن أصدقائه والعالم. ولكن المسيح استخدم وجود بولس في مركز السلطة، شهادة خارقة للكثيرين، حتى أن بشرى الخلاص وصلت إلى أفراد حاشية القيصر. فتيقنوا من مصدر الإنجيل الإلهي بواسطة الأسير بولس.

واعتبر الرسول نفسه عبد المسيح وأسيره، حراً كان أم محبوساً. وقد سلم نفسه له. وكانت إرادته مقيدة في مشيئته، ولسانه مربوطاً بروح ربه وأخضع عواطفه لإرشاد رأسه يسوع. فلم يولول ولم يحزن للضيقات، بل علم أن المسيح كان معه في السجن، لأن الرب حمل المسؤولية عن حياته.

ورغم توقيف رسول الأمم أراد المخلص استمرار تبشير العالم الهالك. فاختار الصغار للخدمة. كما أنه اليوم لا يدعو أساقفة ورعاة ومعلمين للخدمة فقط، إنما يدعو أيضاً إخوة وشيوخاً وشباناً ممتلئين بمحبة المخلص يندفعون برأفة على الضالين.

هل دعاك المسيح للخدمة وعيَّنك شاهداً له عند الغوغائيين أو المتعلمين؟ فتقدم إليهم ولا تسكت، بل أعلن خلاص ربك واسمه بتواضع وحكمة في المحبة.

ولم يكن في زمن بولس هؤلاء الشهود كاملين بلا خطية بل كانوا محتاجين يومياً إلى التوبة والغفران. ووجد بينهم الحسد وخطف الخراف والأنانية والكبرياء على الأثمار الموهوبة لهم. وربما مال البعض إلى أفكار ناموسية، كالختان وحفظ السبوت. والبعض الآخر تأثر بالبلاغة أو العبقرية الفلسفية الفارغة، التي كافح الرسول ضدها طويلاً. وهؤلاء المنحرفون فرحوا عندما سجن بولس، لأن الحقل صار لهم مفتوحاً، فقدروا أن يُضلوا الناس بمبادئهم العوجاء. واستهزأوا على الأسير في القيود، قائلين: انظروا، المسيح ليس معه. وقد تركه وهو في السجن. أما نحن فالرب معنا. وإنجيلنا هو الصحيح.

فماذا عمل بولس في هذه الحالة المرهقة المؤلمة؟ لقد وثق بربه، وأعلن خبث الحاقدين. وفرح رغم تخطيطهم الملتوي، لأنه آمن باسم يسوع، فوثق بالقدرة العاملة في اسم يسوع أكثر مما خاف من أخطاء حاسديه، الذين لم يصلبوا حياتهم كاملاً مع المسيح، ولم ينكروا أنفسهم يومياً. وبولس لم يرفض دعوتهم بل كان يصلي لأجلهم لتتقدس حياتهم كلياً وتأتي بثمر كثير.

أما أصدقاء بولس فأدركوا أن الرسول لم يسجن لذنب خاص، بل المسيح أوقفه في هذا المكان العاري ليدافع عن حق الإنجيل. فأدركوا إرشاد اللّه وتقدم ملكوته حتى في السجن وبيت القيصر. وتشجعوا بهذه البصيرة وبشروا بجرأة كل الناس حولهم. ففرح الرسول مرتين. أولاً لغيرة أعدائه، وثانياً لمحبة أصدقائه. اللذين خدما هدفاً واحداً، ليعلنوا المسيح ملك الملوك ورب الأرباب.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لكل شاب وشابة وشيخ وامرأة، يشهدون باسمك جهراً ليعترفوا بك ويستسلموا لمحبتك. أرسل كثيرين من المؤمنين في أيامنا إلى الذين لا يعرفونك وإلى بلدتنا. وأعطهم القوة والصبر والفرح، ليحتملوا الإخوة الذين لا يحبونهم. وقدسهم جميعاً إلى التمام ليتجلى لطفك في الجميع.

السؤال:

9 - لماذا فرح الرسول في السجن؟

1: 18... بَلْ سَأَفْرَحُ أَيْضاً. 19 لأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ هٰذَا يَؤُولُ لِي إِلَى خَلاصٍ بِطِلْبَتِكُمْ وَمُؤَازَرَةِ رُوحِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، 20 حَسَبَ ٱنْتِظَارِي وَرَجَائِي أَنِّي لا أُخْزَى فِي شَيْءٍ، بَلْ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ كَمَا فِي كُلِّ حِينٍ، كَذٰلِكَ ٱلآنَ، يَتَعَظَّمُ ٱلْمَسِيحُ فِي جَسَدِي، سَوَاءٌ كَانَ بِحَيَاةٍ أَمْ بِمَوْتٍ.

فرح بولس وسط التوتر وتشابك الأفكار قبيل محاكمته النهائية. وتمنى من كل قلبه أن يمثل أمام القيصر شخصياً ليعلن له اسم الرب يسوع غالب الموت وقاهر الشيطان. وكان بولس متأكداً أن نتيجة الحكم ستكون لصالحه، لأنه لا يمكن أن ينزل عليه حكم إلا بإرادة ربه.

وعلم الرسول أن أهل كنيسة فيلبي صلوا بأمانة لأجله. وتيقن أن الروح القدس شخصياً قواه وخدمه وأرشده وملأه بمواهب وفرح.

وسمى بولس الروح الإلهي في هذه المناسبة «روح يسوع المسيح» لأن وحدة الأقانيم الثلاثة لا ريب فيها. فالروح القدس كان صميم يسوع بالذات. وهو حال في الأسير وسط السجن. فطمأن الرسول، عالماً أنه لا يحدث شيء بدون علم وإرادة ربه الذي هو عبده المطيع.

ولم يرج بولس لنفسه التحرر من السجن بالدرجة الأولى، بل ثبات شهادة سلوكه بلا لوم، وألا يفشل بواسطة الضغط والحيل وإيقاع الآلام عليه، فيقلل من مجد اسم يسوع. فكانت له أمنية واحدة، أن يعظم المسيح بحياته وموته. وهذا تماماً عكس الاستكبار. فما هي نيتك: هل تعظم اسمك أم اسم المسيح؟ الروح القدس يشاء أن يقودك وكل المؤمنين إلى تمجيد المصلوب الحي، لأنه هو الحمل المذبوح المستحق أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة والقوة والكرامة والمجد والبركة.

وعزم بولس أن يمجد المسيح بجسده، ليس بإيمانه وأفكاره وعواطفه فقط. فجسده كان محبوساً، ولكن نفسه وأفكاره كانت حرة في المسيح طاهرة ومقدسة. فلم يعتبر بولس جسده كالفلاسفة اليونان شيئاً دنساً ضئيلاً، بل وجد فيه وسيلة لتمجيد اللّه، حتى كتب لأهل رومية الكلمة الشهيرة: أطلب إليكم أيها الإخوة برأفة اللّه أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند اللّه، عبادتكم العقلية.

وقد رأى بولس طريقتين لتعظيم المسيح بجسده. إما بثمار حياته أو بشهادة موته. فالحياة تعني لأجل الرسول ملء الثمار بقوة الروح القدس. وموته اعتُبر تتويجاً لسيرة إيمانه بالمقام من بين الأموات. الذي أقامه معه عندما اتحد مؤمناً به. فديننا دين الحياة ولا يخيم علينا تشاؤم الموت. المسيح قد أحيانا بحياته ففقد الموت رعبه أمامنا.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، المقام من بين الأموات الحي والحاضر معنا والساكن فينا. نشكرك لأنك لم تتركنا في ساعات الخطر. ولا تتركنا في ساعة الموت. أو عند هجوم الاتهامات الكاذبة علينا. ولا يحدث بنا شيء إلا بموافقتك. أنت ربنا وروحك يعزينا. قد أحييتنا، فالموت لا يجد فينا حقاً وقوة.

السؤال:

10 -لماذا تيقَّن بولس أنه في المحكمة سيكون له الأفضل، مهما كانت نوعية الحكم؟

1: 21لأَنَّ لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ وَٱلْمَوْتُ هُوَ رِبْحٌ. 22 وَلٰكِنْ إِنْ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ فِي ٱلْجَسَدِ هِيَ لِي ثَمَرُ عَمَلِي، فَمَاذَا أَخْتَارُ؟ لَسْتُ أَدْرِي! 23 فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ ٱلٱثْنَيْنِ: لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. 24 وَلٰكِنْ أَنْ أَبْقَى فِي ٱلْجَسَدِ أَلْزَمُ مِنْ أَجْلِكُمْ. 25 فَإِذْ أَنَا وَاثِقٌ بِهٰذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَمْكُثُ وَأَبْقَى مَعَ جَمِيعِكُمْ لأَجْلِ تَقَدُّمِكُمْ وَفَرَحِكُمْ فِي ٱلإِيمَانِ، 26 لِكَيْ يَزْدَادَ ٱفْتِخَارُكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ فِيَّ، بِوَاسِطَةِ حُضُورِي أَيْضاً عِنْدَكُمْ.

يحب بعض الناس سياراتهم أو أمور أخرى في الدنيا. والبعض الآخر يحب إنساناً ويدور حوله ليلاً نهاراً. وكثيرون يحبون أنفسهم وينتفخون. أما بولس، فأحب يسوع، ونسي ذاته. فإرادة الرب كانت هي خطة الرسول. وقوة المسيح كملت في ضعف خادمه. فوحدة المحبة بين المسيح وعبده عظمت بمقدار أنه سكن فيه. فالعهد الجديد ليس عقيدة معقدة، بل تعاهد وارتباط والتصاق واتحاد مع المسيح. فهل يسوع هو حياتك؟ لقد حمل خطاياك، ومات موتك، واحتمل الدينونة عنك، وحررك من غضب اللّه. فمحبته لك عظيمة، حتى أنه عاش حياتك البشرية بضعفاتها، لتبغض وتترك خطيتك في قوته، وتثبت في حياته المقدسة. هل يسكن المسيح فيك؟ وهل ملئه هو معنى حياتك؟ استطاع الرسول بولس أن يوجز جميع مقاصده وأفكاره وأمنياته بعبارة موجزة شهيرة، «لي الحياة هي المسيح». فعبد الرب هذا، مات لنفسه وشهواته. ومحبته للمصلوب أشركته في صلبه. فثبت الروح القدس فيه، ألا وهو حياة يسوع بالذات. فعمل الرب بواسطته بسلطانه. فهل الحياة لك هي المسيح، أو لا تزال عائشاً لذاتك، وفي قدرتك المهلهلة؟ كل حياة في عالمنا بدون المسيح، ليست حياة حقة، بل مسممة بالموت. ولكن الشركة بالمخلص، تجعل حياتك مستحقة أن تسمى حياة.

إن الموت هو للمؤمن سبب فرح. لأن بحصوله تظهر وحدتنا بالمسيح بطريقة مجددة. فلا نخاف من ساعات الوفاة، بل نعرف أننا نثبت في الوحدة مع يسوع بدون انقضاء. وتجرأ بولس للقول إن الموت لأجله أفضل جداً من الحياة. ولو تجاوب مع عواطفه لفضَّل الموت حالاً، ليلتقي بالمسيح، ويكون معه في المجد والمسرة والغبطة. ولم يفكر الرسول بالبرزخ، بل بإظهار وحدته مع الرب، التي هي سر سيرته. أن لنا رجاء عظيماً ومستقبلاً مجيداً. والموت ارتبط بالحياة الغالبة.

وعلم بولس أن الأنانية الروحية هي خطية. فاختار الحياة المتعبة في دنيانا، ليس ليُخدَم بل ليَخدِم، وليعذب نفسه بسفرات وعظات وأشغال يدوية لكسب معيشته، لتنمو جميع الكنائس في محبة يسوع وتزداد معرفتهم العملية للخدمة بواسطة معرفة اللّه المتزايدة والمسببة فرحاً فوق فرح وغبطة على غبطة. وكان بولس متيقناً، أن الرب سيوفره لخدمات جديدة. ورأى في تحريره من السجن انتصاراً ليسوع، الذي سيبين نفسه أقوى من القيصر. فبقاء وكيان بولس بعد المحاكمة سيكون فخراً ليسوع. فيحق للمؤمنين الافتخار به لأجل تدخل يسوع، لأن سلطته تفوق سلطة الإمبراطور. والبرهان هو بولس المتحرر.

هل أدركت كم مرة استخدم الرسول وهو مشرف على الموت إعداماً، كلمة الفرح؟ فضع شحطة تحت هذه الكلمة في كتابك. فتدرك الخيط الأحمر في رسالة الفرح، لأن الابتهاج في المؤمن يتفوق رغم السلاسل والسجن والحكم والموت. فحقيقة المسيح تغلب كل الضيق.

الصلاة: أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك غرستنا في ابنك يسوع. ساعدنا لنكرمه دوماً بسلوكنا وشهاداتنا ونعيش لتعظيمه. وننسى أنفسنا في الخدمات للكثيرين الذين لا يعرفون حياتك بعد. اغفر لنا اهتمامنا بأنفسنا، وثبتنا في محبتك، لكيلا نخاف من الموت، بل نتمسك بالرجاء الحي الموضوع أمامنا، ونثبت في المسيح حياتنا.

السؤال:

11 - لماذا سمى بولس الحياة بالنسبة له أنها المسيح؟

4 - نصائح للوحدة والتواضع (1: 27-2: 18)

ا - السلوك حسب الإنجيل (1: 27-30)

1: 27 فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ ٱلْمَسِيحِ، حَتَّى إِذَا جِئْتُ وَرَأَيْتُكُمْ، أَوْ كُنْتُ غَائِباً أَسْمَعُ أُمُورَكُمْ أَنَّكُمْ تَثْبُتُونَ فِي رُوحٍ وَاحِدٍ، مُجَاهِدِينَ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ لإِيمَانِ ٱلإِنْجِيلِ، 28غَيْرَ مُخَّوَفِينَ بِشَيْءٍ مِنَ ٱلْمُقَاوِمِينَ، ٱلأَمْرُ ٱلَّذِي هُوَ لَهُمْ بَيِّنَةٌ لِلْهَلاكِ، وَأَمَّا لَكُمْ فَلِلْخَلاصِ، وَذٰلِكَ مِنَ ٱللّٰهِ. 29 لأَنَّهُ قَدْ وُهِبَ لَكُمْ لأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ لا أَنْ تُؤْمِنُوا بِهِ فَقَطْ، بَلْ أَيْضاً أَنْ تَتَأَلَّمُوا لأَجْلِهِ. 30إِذْ لَكُمُ ٱلْجِهَادُ عَيْنُهُ ٱلَّذِي رَأَيْتُمُوهُ فِيَّ، وَٱلآنَ تَسْمَعُونَ فِيَّ.

هل أدركت فداءك في يسوع المسيح، وقبلته بفرح وثبات؟ هل ملأتك حياة اللّه، مشركة إياك في محبته؟ فعش لمجد ربك، لتصبح سيرتك كلها شكراً لخلاصك. وافتح نفسك لقيادة الروح القدس في كل نواحي حياتك، لتتقدس في أفكارك وأقوالك وأعمالك. فقوة إيمانك تتحقق في سلوكك، فتظهر فيك العفة والطهارة واللطف والفرح.

والروح القدس، لا يتركك وحدك منعزلاً، بل يرشدك إلى شركة الإخوة في كنيستك وجمعيتك، لكيلا تؤمن منفرداً وتصلي انطوائياً فقط، إنما تنضم لجماعة القديسين، وتكون أصغرهم. هل تختص بكنيستك كما تخص المسيح؟ هل ربطتك محبته مع المؤمنين الآخرين إلى فرقة الجهاد الروحي؟

للمؤمنين سلام في قلوبهم، إذ يثبتون متواضعين ومحتملين بعضهم بعضاً في الكنيسة. ولكن الكفاح الروحي يعصف حولهم، إما نتيجة لاشتراكهم في الحملات التبشيرية، أو للدفاع بصبر عن اتهامات كاذبة. فالشرط الأساسي لنجاح الكنيسة، هو الوحدة الروحية والانسجام الفكري.

ورغم الصعوبات تستمر الدعوة للخطاة ليتركوا إهمالهم وتعصبهم، ويلتجئوا إلى المسيح وبره. فلا تتعجبوا إن هاجمتكم جهنم بمكر وتجارب وضيق وسلطة لتسقطكم من وحدة المحبة والإيمان الصحيح، ولتسقطوا إلى اليأس والشكوك والانشقاقات. اثبتوا في المحبة الخالية من الرياء ولا تستكبروا، لأننا لا شيء بنسبة قدرة المسيح العاملة في المتواضعين. ولا تخافوا عدواً أو تقليداً أو جماهير لأن محبتكم البسيطة توحدكم مع اللّه، فالذي معكم أعظم من الذين ضدكم.

أتعيش للمسيح كما يعيش هو لك؟ هل تخدمه عملياً، لأنه حمل خطاياك؟ هل تتألم لأجله بفرح، لأنه تألم بلا تمتمة لأجلك؟ إن يسوع وهب محبته لك، لتستطيع تضحية نفسك في سبيل رحمته. وهذا الجهاد لا يتم بأقوال وأعمال فحسب، بل بآلام وعذاب أيضاً. فهل تعتبر آلامك ليسوع امتيازاً وسبباً للفرح والشكر؟

مثل الرسول بولس للكنيسة حياة التضحية عندما سبح اللّه مع سيلا رفيقه وهما مقيدان في سجن فيلبي، وظهراهما متمزقان من الجلد. ومرة أخرى مثل فرح يسوع وسط الآلام، وهو في سجن روما. ففرح الرب، لا يسقط إلى الأبد، لأن حياتنا مستترة في الحي. فهل تعترف بهذه الحقيقة، أو لا تزال جباناً تنكر محبة ربك؟

الصلاة: أيها الرب، نشكرك، لأنك دعوتنا إلى شركة القديسين، لنشهد معاً في وحدة الروح القدس باسمك. أعطنا الجرأة والثبات في أيام الخطر، لكيلا تفتر محبتنا، ولا تنشق وحدتنا مع الإخوة. فنستطيع محبة أعدائنا ونباركهم باسمك، ونكرمك بالشهادة الواضحة الفعالة.

السؤال:

12 - كيف أرشد بولس كنيسته إلى الكفاح المسيحي؟

ب - لا بد من الوحدة في الكنيسة (2: 1-4)

الأصحاح الثاني 1 فَإِنْ كَانَ وَعْظٌ مَا فِي ٱلْمَسِيحِ. إِنْ كَانَتْ تَسْلِيَةٌ مَا لِلْمَحَبَّةِ. إِنْ كَانَتْ شَرِكَةٌ مَا فِي ٱلرُّوحِ. إِنْ كَانَتْ أَحْشَاءٌ وَرَأْفَةٌ، 2 فَتَمِّمُوا فَرَحِي حَتَّى تَفْتَكِرُوا فِكْراً وَاحِداً وَلَكُمْ مَحَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، مُفْتَكِرِينَ شَيْئاً وَاحِداً، 3 لا شَيْئاً بِتَحَّزُبٍ أَوْ بِعُجْبٍ، بَلْ بِتَوَاضُعٍ، حَاسِبِينَ بَعْضُكُمُ ٱلْبَعْضَ أَفْضَلَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. 4 لا تَنْظُرُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لِنَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا هُوَ لآخَرِينَ أَيْضاً.

وهب المسيح للكنيسة موهبة العظة والتعزية في الخلاص. فالناموس يكشف خطاياك، ويدين خبثك. والإنجيل يريحك ويؤكد لك الغفران الأكيد بالمصلوب. وإيمانك به يملأك بقوة المحبة القدوسة، لتسامح وتحب خصومك.

وكل هذه الدوافع هي أعمال الروح، الذي أشركنا بجوهره الخاص، لنخدم بعضنا بعضاً بلطف اللّه في نعمة المسيح. فالكنيسة هي عبارة عن الشركة مع الثالوث الأقدس.

فلا تعرف الكنيسة تخطيطاً بشرياً أو مقاصد سياسية، بل الإصغاء المتبادل بالاحترام واحتمال الصعبين بصبر. ونتجنب المجادلات الغبية حول العقائد المختلفة، ونطلب من الرب أن يغلب الآراء والمعارف المتناقضة، مصلين لينهي الكبرياء والتحزب والأنانية بين المؤمنين.

طلب الرسول بولس عدة مرات وبكلمات حبية شديدة، من أعضاء الكنائس أن يسعوا نحو الوحدة الفكرية والانسجام في المحبة، رغم الاختلافات المتنوعة في الأخلاق والتقاليد. فلا نقرأ أن المسيح مثلاً قص للتلاميذ شعرهم على نمط واحد. ولم يعطهم ملابس معينة رسمية، بل أكد لهم أنه سيسكب في قلوبهم محبته الخاصة، ليستطيعوا هم أيضاً، محبة بعضهم بعضاً، كما أحبهم هو. فلا بد من وحدة الكنيسة مهما كلف الأمر. إلا أننا لا نفقد الحق في محاولتنا لتوحيد الفرقاء المختلفين. فالمحبة بدون الحق كذب، كما أن الحق بدون المحبة قتل. فلنسع لتوحيد حبي بين الكنائس بالاحترام المتبادل، طالبين من الرب ليوحد الأفكار في العقائد والتعاليم والطقوس، ليتجسد هو فينا لأنه هو الحق الواحد.

أتقصد الظهور والشرف والأبهة في جماعة كنيستك؟ فتسقط من إيمانك. ابق صغيراً وخادماً، لأن العبد الأمين هو أفضل الجميع. اعتبر أصدقاءك أهم من نفسك، فتظل ركناً متيناً لجمعيتك. ولا تدن الكنائس الأخرى. بل أحبها واعتبرها أقوى وأمجد من جماعتك.

هل تشتاق للسلطة والمال والملك؟ فيملكك الشيطان. لأن روح المسيح يقودك للتضحية وإنكار النفس. فلا تفكر بنفسك أولاً. بل اشعر بضيقات الآخرين. فالتوبة الحقة، تعني تغيير الفكر من الدوران حول الذات إلى الإهتمام باللّه والناس سواسية. فهل تحب أعضاء كنيستك عملياً؟ فكيف تظهر محبتك؟

الصلاة: أيها الرب القدوس. رأسي ممتلئ بأفكار دنيوية ومقاصدي أنانية وأحلامي غير مقدسة. اغفر لي عدم محبتي وجدد ذهني بروحك القدوس، لكي أصغي لأصدقائي وأجعل قلبي شفوقاً ورحيماً. وساعدني لأنكر نفسي، وأعتبر ذاتي أصغر وأضعف وأكثر احتياجاً إليك في جماعتنا.

السؤال:

13 - كيف نحصل في كنيستنا على وحدة القلوب والأفكار؟

ج - المسيح قدوتنا الحقة (2: 5-11)

2: 5فَلْيَكُنْ فِيكُمْ هٰذَا ٱلْفِكْرُ ٱلَّذِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ أَيْضاً: 6 ٱلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ ٱللّٰهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلّٰهِ. 7 لٰكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ. 8 وَإِذْ وُجِدَ فِي ٱلْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى ٱلْمَوْتَ مَوْتَ ٱلصَّلِيبِ.

يقصد الإنسان عادة التدرج في سير حياته إلى العلاء. ويتمنى الزيادة في المال والشرف والاعتبار من الجميع. وهذه هي خطيتنا الأصلية أن نشتاق إلى التفوق. فنسقط إلى الأسفل، ونخرب أنفسنا بأنفسنا محاولين الفوز على الآخرين.

أما بولس فيعلمنا عكس ذلك: التنازل والتواضع وإنكار الأنا. فادخل إلى مدرسة الروح القدس. هناك تتعلم التفكير الجديد كما افتكر يسوع نفسه.

حقاً ما كان الرب يسوع مستكبراً أو منتفخاً، رغم أنه كان معادلاً للّه منذ البدء، حاوياً في ذاته ملء اللاهوت حقاً. ولم يرتفع المسيح على أبيه ثانية، كما جرب الشيطان في شهوته إلى الاستقلال، وكما رغب الإنسان الأول في الجنة. بل قد خضع المسيح لأبيه طوعاً ودائماً، رغم أنه في ذاته كان مجيداً وحاملاً كل صفة لاهوتية. ولم يخطئ بكونه ابن اللّه لأنه كان إلهاً حقاً من إله حق، ذا جوهر واحد مع الآب مولوداً غير مخلوق قبل كل الدهور، ومالكاً معه ومع الروح القدس في وحدة المحبة الأبدية.

واختارت مسرة الثالوث الأقدس ليسوع طريقاً منحدراً، لا يقدر العقل البشري المتكبر أن يتصوره. فأخلى المسيح مجده، وترك أباه المحبوب، ونزل من السماء وصار إنساناً محتقراً كعبد، ليبيد افتخارنا وانتفاخنا. وقد احتمل أحمال جسد خطيتنا، ليغلب الشهوات الدنسة في جسمه ودمه. فالمجيد ظهر وديعاً محتاجاً في المذود إلى أقمطة. وشبع في حياته من التعب والحزن والدموع. هكذا أصبح ابن اللّه ابن الإنسان، لكي يصبح أبناء البشر أبناء اللّه. ولكن لا يتم هذا فينا إلا إذا خلعنا كبرياءنا ولبسنا المسيح ذاته. فلا بد من نزولنا إلى أوطى درجة أمام اللّه والناس.

ونزل يسوع لأسفل ضيقتنا، وغلب تمردنا بطاعته لمشيئة أبيه. وحمل في محبته العظيمة خبثنا الشرير وذنوبنا القبيحة، مستعداً أن يشرب كأس الغضب عوضاً عنا. ومات حقاً على خشبة العار، مرفوضاً متروكاً محتقراً من الجميع. ولم يحتقر إنسان كما احتقر المسيح، لأنه احتمل احتقار اللّه على خطايانا. فغضب القدوس على آثامنا أماته، وعصياننا صلب ابن اللّه. لكنه بتواضعه حررنا من استكبارنا، لنوافق على التنازل، ونحب التواضع. فهل يسكن فكر المسيح فيك حقاً؟ عندئذ لا تسعى إلى التدرج المتصاعد نحو العلياء في دنيانا، بل تنكر نفسك وتتنازل، وتتبع المسيح الذي اتضع لمستوى الخطاة، ليشركهم بقدرة محبته.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك، لأنك أخليت نفسك، وأصبحت إنساناً ضعيفاً، ونزلت إلى درجة عبد محتقر، لتحررنا من فخرنا وخبثنا الشرير. اغفر لنا كبرياءنا وعصياننا. وحررنا إلى تواضعك، لنخلع أنفسنا، ونلبس روحك ونترك أهداف الدنيا. ونتبعك في خدمة الغوغائيين، ونحبهم وننسى أنفسنا ونكون من الخادمين.

السؤال:

14 - ماذا يعلمنا تجسد المسيح؟

2: 9لِذٰلِكَ رَفَّعَهُ ٱللّٰهُ أَيْضاً، وَأَعْطَاهُ ٱسْماً فَوْقَ كُلِّ ٱسْمٍ 10 لِكَيْ تَجْثُوَ بِٱسْمِ يَسُوعَ كُلُّ رُكْبَةٍ مِمَّنْ فِي ٱلسَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى ٱلأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ ٱلأَرْضِ، 11 وَيَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ ٱللّٰهِ ٱلآبِ.

قبل اللّه ذبيحة ابنه، الذي صالح العالم مع القدوس، واحتمل انسكاب الغضب على نفسه. فاحتمل يسوع عذاب الجحيم عوضاً عنا، ونزل إلى أسفل درجة الكون. ولكن بهذا التواضع كسر سلطة الظلمة، وغلب على غضب اللّه بمحبته الصافية. هذا الخلاص لم يقدر عليه ملاك ولا بار. وحتى اللّه القدوس في شخصيته لم يقدر أن يموت عوضاً عنا ويدين العالم بنفس الوقت. فالمسيح هو الفادي الوحيد والمخلص الفريد، الذي غفر خطاياك حقاً. وهذا الغفران سر عظيم، وحقيقة ملموسة لكل من يؤمن. ولا يوجد اسم آخر في السماء وعلى الأرض يعطيك خلاصاً. فاسم يسوع هو أهم اسم من كل الأسماء. ونرجو ألا يقدر أحد أن يطفئ هذا الاسم من شعورك الباطني لأن اسم يسوع هو المفتاح الوحيد إلى اللّه.

إن كثيراً من الناس لا يعرفون قوة هذا الاسم بعد، لأن غبطة السماء لم تدخل قلوبهم. فبقيت وجوههم حزينة. أسرع وأخبرهم ببشرى الخلاص أن يسوع قد غفر ذنوبهم. والروح القدس يوشك أن يحل فيهم ويفك قيود قلوبهم.

وعرفت الملائكة والشيطان منذ الصليب أن المسيح هو المنتصر، لأن اللّه رفعه إلى يمينه، حيث يجلس حياً ومالكاً مع أبيه، إلهاً واحداً في وحدة الروح القدس. وجماهير الملائكة تحمده وتسبحه ليلاً نهاراً، لأن هبة مصالحة العالم لم يتمها أحد إلا هو والشياطين ترتجف من الفائز، لأنها تعرف أن لها وقتاً قصيراً إلى أمد مجيئه. واسم يسوع يُجبِر كل شيطان أن يجثو أو يهرب، لأن المسيح هو الرب الحق. وعند مجيئه الثاني سيقوم الأموات. فسيسجدون له متعجبين متهللين، مع جماهير الأحياء والأرواح والملائكة، هل ستكون في صفوف الفرحين الساجدين، والمؤمنين بأن يسوع المسيح هو الرب؟

وهذه هي المعرفة والاعتراف في الكنيسة الحقة، والركن اليقين، أن يسوع هو الرب. وليس أحد يستطيع أن يسمي المسيح رباً، إلا بالروح القدس. ولا فيلسوف ولا نبي يقدر أن يدرك سر وحدة الثالوث الأقدس، إلا المولود ثانية من محبة اللّه. والاسم الجديد ليسوع إنما هو عثرة للهالكين. ولكن لنا نحن المخلصين هو قوة اللّه.

لقد أهملنا السجود للرب يسوع، الذي يريد تبشير العالم كله، ويرشد الكنيسة إلى الوحدة. وهو ضابط الكون، ويستحق الاحترام. فمتى تجثو أمامه وتشكره، وتهب حياتك كلها له؟ لأن اللّه القدوس أصبح أباك الحنون لأجل ذبيحته الفريدة.

والسجود للرب يسوع لا يعني التضييق على مجد اللّه الآب. بالعكس فإنه بسجود الابن تظهر أبوة اللّه وبنوتنا له. فمنذ مجيء المسيح ظهر الاسم الجديد للّه أنه أبونا. فليس العلي منفرداً بل له عائلة مؤلفة من المولودين روحياً والمطهَّرين بذبيحة الابن. فكل متجدد عائش في روح يسوع يمجد الآب، كما علمنا يسوع أن نصلي: ليتقدس اسمك الأبوي.

الصلاة: أيها الآب القدوس، نسجد لك ولابنك في إرشاد الروح القدس لأنك فديتنا بموته من سلطة الخطية وخداع جهنم. لقد أصبحنا أولادك المحروسين بدم إبنك إلى الأبد. فنسرع إليك بتسابيح، ونقبل يدي ورجلي يسوع المثقوبة. ونبشر باسم المخلص يسوع فادي العالمين. مخلص الملبوسين بأرواح العالم في محيطنا، ليتحرروا ويسجدوا معنا ليسوع لمجدك الأبدي.

السؤال:

15 - ما هو الاسم الأعلى ليسوع واللقب الفريد للّه اللذان تعترف بهما كل كنيسة بفرح؟

د - خضوعنا لمشيئة اللّه يحررنا للنشاط (2: 12-18)

2: 12إِذاً يَا أَحِبَّائِي، كَمَا أَطَعْتُمْ كُلَّ حِينٍ، لَيْسَ كَمَا فِي حُضُورِي فَقَطْ، بَلِ ٱلآنَ بِٱلأَوْلَى جِدّاً فِي غِيَابِي، تَمِّمُوا خَلاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، 13لأَنَّ ٱللّٰهَ هُوَ ٱلْعَامِلُ فِيكُمْ أَنْ تُرِيدُوا وَأَنْ تَعْمَلُوا مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسَرَّةِ.

بعد ما رسم بولس الرب يسوع ومجد الآب أمام أعين الفليبيين، فسَّر لهم كيف يتحقق فيهم الخلاص الذي قد تم على الصليب.

فأول شرط هو طاعة روح المسيح، لأن الإيمان لا يعني تفكيراً مجرداً أو إرادة متزمتة أو شعوراً بعقائد وطقوس، بل طاعة وخضوعاً، لأن اللّه القدوس ضحى بابنه لنا. فيدعونا الرسول بالنداء الإلهي: تصالحوا مع اللّه. فالجواب الوحيد لهذه الدعوة هو قبول المصلوب، الذي خلصنا من غضب اللّه.

وإن أطعنا جذب الروح القدس، يكشف لنا خطايانا حين نقترب من اللّه العظيم، ويسبب فينا ارتعاباً وفزعاً وخجلاً وندامة. هل اختبرت ساعات الرعب في حضور القدوس؟ طوبى لك إن انكسرت في كبريائك، وأدركت نفسك الدنسة وصرخت: النجدة النجدة، خوفاً من الديان وهلاكه المبين! وهذا الانكسار لا ينتهي ما دمت حياً. فكلما اقتربت من عظمة اللّه، تدرك أكثر نقائصك في ضوء محبته. فالقديسون هم الذين يعرفون خطاياهم ونعمة اللّه معاً. فاطلب من الرب أن يكشف لك خطاياك تماماً، وامتحن نفسك في ناموس المسيح، فتعرف أصول خبثك، وتتمتم: اللهم ارحمني أنا الخاطئ.

ولكن أكثر من نقصانك تدرك في دراسة الإنجيل محبة اللّه الواسعة الظاهرة في المسيح، الذي ختم صراعه على الصليب بالصرخة: قد أُكمل! فإنه غفر ذنوبك مجاناً وخلص العالمين. فإن آمنت به وارتبطت بمحبته يحل الروح المبارك كمجد اللّه في قلبك المطهر. ولكن هذا الروح، لا يحل فيك بدون إرادتك بل يطلب قبولك للخلاص عمداً وواعياً.

وحيث تضعف إرادتك ويبطل جسدك في تقديس سيرة حياتك، يمنحك روح اللّه شيئين جديدين، إرادة إلهية وقوة أزلية، لإتمام أعمال المحبة المطلوبة منك. إنما بمقدار ما يهب اللّه لك إرادة مصممة وقوة روحية، يريد منك أيضاً استعمالهما. عندئذ تحب الرب بملء إرادتك من كل قلبك وكل قدرتك، وقريبك كنفسك عملياً ودائماً.

والناضج في الإيمان يدرك يومياً هذا التوتر الغريب بين نعمة اللّه المخلصة ومسؤوليتنا الشخصية لإتمام خلاصنا. فالمسيح يطلب منك طاعة الإنجيل، وبذل نفسك للآخرين طوعاً، رغم أنه قد أتم الخلاص على الصليب، ومنحك الفداء هبة. فإن آمنت بهذا السر المزدوج، لا تتكل على برك الذاتي، ولا تحاول تقديس نفسك بتقشف وصوم، بل تقف مسؤولاً أمام اللّه واثقاً بالمسيح رئيس إيمانك ومكمله.

راجع هذه الآية مراراً، واحفظها غيباً، وحركها في قلبك، فتجد كنزاً عظيماً «تمموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن اللّه هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا من أجل المسرة».

الصلاة: أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك لم تجعلنا عبيداً لمشيئتك، بل اخترتنا أبناء مسؤولين. فنعترف أمام قداستك بخطايانا، خائفين مرتعبين. ونقبل بالشكر والحمد تطهيرنا بدم ابنك الوحيد. امنحنا كل يوم مجدداً الإرادة القوية، لإتمام المحبة، لنعيش لمسرتك، ويتمجد اسمك الأبوي لأجل أعمالنا الصالحة.

السؤال:

16 - لماذا يجب أن نتمم خلاصنا بخوف ورعدة ما دام قد أكمله يسوع على الصليب؟

2: 14اِفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ بِلا دَمْدَمَةٍ وَلا مُجَادَلَةٍ، 15 لِكَيْ تَكُونُوا بِلا لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاداً لِلّٰهِ بِلا عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَّوَجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي ٱلْعَالَمِ.

بعدما علَّم بولس كنيسة فيلبي نظرياً كيف تؤثر وتنظم النعمة الإلهية إيماننا وحياتنا مبدئياً، أوضح لهم كيف يتحقق العيش حسب الإنجيل عملياً. فإن قبلنا عمل قدرة اللّه الآب فينا، فإننا عندئذ ننكسر لكبريائنا ونخضع لإرشاده طوعاً، ولا نعمل شيئاً بدونه. فالتواضع يتوقف على البصيرة، إن اللّه هو القادر على كل شيء. وأنه يحب الخطاة، ويمنحهم الهدى. فندرك أن المسيح المخلص هو ضابط الكل. فلا يحدث شيء في حياتنا بدون إرادته. عندئذ نمارس واجباتنا في كل حين بلا تذمر ولا تقلقل، واثقين أن الرب يهتم بنا كل الاهتمام. ولا يطلب منا إتمام بعض الواجبات بدون تذمر وحسب، بل جميع خدماتنا وتصرفاتنا وأعمالنا بلا معارضة وحقد واختلاف.

فهل تذمرت على الناس والأوضاع في مهنتك المرهقة ومدرستك الظالمة وعائلتك المتعبة، أو سلمت أثقالك ومشاكلك مصلياً إلى المسيح، وانتظرت منه جواباً حالاً وحلاً عملياً وهدى مباركاً؟ فالمؤمنون يغيرون الأوضاع، ليس بفتنة أو شدة، بل بصبر وصلاة.

ولقد أوصى بولس العبيد في رسائله عدة مرات، الذين اشتراهم الأسياد من السوق وأخضعوهم لمشيئتهم وسلبوهم الحرية، أن يمارسوا أعمالهم بلا دمدمة ليبرهنوا للعالم الملحد أنهم «في المسيح» صاروا أحراراً في الروح، لأنه حررهم وكل أتباعه من عبودية الذنوب ومن سجن الكبرياء، ووهبهم وداعة وصبر تواضعه ليعيشوا بلا لوم ككهنة ملوكية مصلين، ومبتهلين في سلام وفرح القلب وسط الكد والشتائم والعذاب. ولا يخدمون بخداع ومرارة بل كأنما يخدمون الرب يسوع بالذات بالمحبة والإخلاص.

ومن يثبت في مشيئة اللّه الآب، وأنكر نفسه الخاصة وأمات أنانيته، فقد تغير وصار ابناً للّه مختاراً من جيل دنيانا الملتوي إلى ملكوت السماوات.

عادة ينفذ الإنسان إرادته الخاصة بعنف وحيلة. ويشترك مع اليهود، الذين تذمروا في البرية وثاروا ضد طرق اللّه. فلم يدخلوا إلى الراحة. وأما بولس فعلمنا الثبات في هدى محبة اللّه في كل مراحل حياتنا، لكيلا نفلس كأهل العهد القديم.

هل تعيش راضياً وقنوعاً في إرشاد اللّه ومحبته، أو تخدم أمنياتك وشهواتك كعبد لأنانيتك؟ هل أصبحت خادماً للّه والناس، شاكراً لهذا الامتياز الإلهي، أو تتذمر بمرارة وتعارض طرق الرب؟ الجواب على هذه الأسئلة يقرر نوعيتك. فأما تلمع ككوكب متلألئ في عالم البغضاء، مفعم بقوة الروح القدس. أو تشبه الظلمة في عالمنا الظالم حاقداً منتقماً خداعاً.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت رب الأرباب والقادر على كل شيء. فسامحني إن تذمرت على الطقس والسياسة، وعارضت أفكارك وهداك في بيتي ومهنتي. غير ذهني وإرادتي، لكي أتواضع وأصبح وديعاً مثلك. وأحتمل كل الناس في المدرسة والكنيسة وعائلتي. أقلب قلوبهم وبدل شعورهم الباطني، لكي يكونوا أولاداً لأبينا السماوي ممتلئين بتواضعك ولطفك.

السؤال:

17 - لماذا طلب بولس إلى الناس أن يعملوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة؟

2: 16مُتَمَسِّكِينَ بِكَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ لٱفْتِخَارِي فِي يَوْمِ ٱلْمَسِيحِ بِأَنِّي لَمْ أَسْعَ بَاطِلاً وَلا تَعِبْتُ بَاطِلاً. 17 لٰكِنَّنِي وَإِنْ كُنْتُ أَنْسَكِبُ أَيْضاً عَلَى ذَبِيحَةِ إِيمَانِكُمْ وَخِدْمَتِهِ، أُسَرُّ وَأَفْرَحُ مَعَكُمْ أَجْمَعِينَ. 18 وَبِهٰذَا عَيْنِهِ كُونُوا أَنْتُمْ مَسْرُورِينَ أَيْضاً وَٱفْرَحُوا مَعِي.

يعلمنا الكتاب المقدس أن الإنسان الطبيعي، ليس عنده قوة روحية إيجابية، فلا يقدر أن يطيع اللّه حقاً. وحتى المؤمن ما كان في وسعه أن يعيش متواضعاً بدون نظر يومي إلى المسيح والثبات فيه. ويتم استمداد هذه القوة عملياً بتعمق في الإنجيل وصلوات متواصلة. فلقد خلق الخالق عالمنا بكلمة قدرته. والمسيح هو الكلمة المتجسد بالذات، المانح لنا الحياة الأبدية. فمن يفتكر أن فلسفة ما أو ديناً أو علماً ينيره في معرفة اللّه ويمنحه قوة بناءة، فهو مسكين خادع نفسه. لأن كلمة المسيح وحدها وشهادة رسله، هي التي تخلق فينا الحياة الأبدية. أصغ يومياً إلى الإنجيل الشريف، فتحيا إلى الأبد. اعكف على كلمة اللّه، فتحل فيك قوة من العالم الغير المنظور تغير قلبك الشرير إلى محبة وحنان.

وهذا هو فخر الرسل، أنهم نقلوا إلينا بتعب كلمة اللّه الصحيحة كما بشرنا المسيح شخصياً. وبدون شهادتهم، لا نحصل على الحياة الأبدية. فسفرياتهم المتعبة واضطهاداتهم المرة، حملت لنا الخلاص.

ولكن شهاداتهم لا تعني كلمات وتعليمات فقط. إنها مبنية على التضحية وشهادة الموت. لأن من يخدم الإنجيل، ينكر نفسه ويموت للأنا وسط الاستهزاء والرفض العام. وعندئذ تحب أعداءك، وتصلي لأجل المتمردين، لأن رئيس الكهنة يسوع دعاك لممارسة الشكر والابتهال لأجل كل العصاة والخطاة. وهذه الخدمة تعتبر الذبيحة الإيمانية اليومية والتسابيح المرضية عند اللّه. فاشهد للبعيدين عن الخلاص، وأدخلهم إلى رحاب المسيح. فتمارس الطقوس المقبولة عند اللّه.

واعتبر بولس موته وسفك دمه بالسيف والحكم عليه بالإعدام متوقع الحدوث. لكن سمى قتله ذبيحة صغيرة بسيطة. كذبائح الشرب المنسكبة على المذبح في العهد القديم، بجانب المحرقات الرسمية الكبيرة. فاعتبر الذبيحة الكبرى هي موت المؤمنين عن الأنانية وكفاح إيمانهم في فيلبي. وأما موته فلا شيء. ما أعظم التواضع.

وقد فرح بولس لبذل المؤمنين حياتهم للمسيح في خدمة المحبة. كما سره موته الخاص لمجد الرب. فطلب إليهم الفرح والغبطة، وليس البكاء واللطم إذا قتل عن قريب. فهذا النظر إلى الموت يختلف كل الاختلاف عن العادات والتقاليد في أكثرية الناس، الذين يولولون عند الوفاة. فبولس يحرضنا جميعنا على تسليم كامل لإرادة الآب السماوي ولخدمة المسيح أثناء حياتنا الدنيوية. ويؤكد لنا أن مناسبة الموت تتيح الفرح والإبتهاج لا الحزن.

الصلاة: أيها الآب، نعظمك لأن كلمة ابنك جعلتنا أحياء في الروح القدس. فلن نموت إلى الأبد، بل قد انتقلنا إلى حياتك. ساعدنا لنسمع كلمتك يومياً، ونمارس محبتك في التضحية والابتهالات والاهتمام بالناس من حولنا. ونشكرك لجهد الرسل الباذلي حياتهم، لنسمع نحن بشارة الخلاص.

السؤال:

18 - كيف اعتبر الرسول قتله بالسيف بالنسبة لخدمة الكنيسة؟

5 - الأخبار عن سفريات تيموثاوس وأبفرودتس (2: 19-30)

2: 19عَلَى أَنِّي أَرْجُو فِي ٱلرَّبِّ يَسُوعَ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ سَرِيعاً تِيمُوثَاوُسَ لِكَيْ تَطِيبَ نَفْسِي إِذَا عَرَفْتُ أَحْوَالَكُمْ. 20 لأَنْ لَيْسَ لِي أَحَدٌ آخَرُ نَظِيرُ نَفْسِي يَهْتَمُّ بِأَحْوَالِكُمْ بِإِخْلاصٍ، 21 إِذِ ٱلْجَمِيعُ يَطْلُبُونَ مَا هُوَ لأَنْفُسِهِمْ لا مَا هُوَ لِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 22 وَأَمَّا ٱخْتِبَارُهُ فَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ أَنَّهُ كَوَلَدٍ مَعَ أَبٍ خَدَمَ مَعِي لأَجْلِ ٱلإِنْجِيلِ. 23 هٰذَا أَرْجُو أَنْ أُرْسِلَهُ أَّوَلَ مَا أَرَى أَحْوَالِي حَالاً. 24 وَأَثِقُ بِٱلرَّبِّ أَنِّي أَنَا أَيْضاً سَآتِي إِلَيْكُمْ سَرِيعاً.

في الألفي سنة الماضية أرسل المسيح مرة تلو المرة خدامه المجتهدين إلى كنائسه. كما كان عنده تلاميذ متنوعون أثناء وجوده على الأرض، فدربهم وعلمهم وقواهم وأرسلهم إلى تبشير العالم. ولكن ليس كلهم أمناء، ولا يضحون بأنفسهم كاملة. وكثيرون في تاريخ الكنيسة حاولوا خدمة اللّه والآن معاً. وهذا يشبه الانفصام في الذات. فكيف أنت؟ هل تعتبر المال والكتب والشهادات وتقدم نفسك وأمنك أهم أو بذات الأهمية التي تعتبر بها المسيح وملكوته، أو تقصد تعظيم مخلصك وحده؟ لا تقدر أن تخدم سيدين. فأما تحب الواحد وتبغض الآخر، أو تحتقر الواحد وتلازم الآخر. لا تستطيع خدمة اللّه والمال.

وقد منح المسيح لرسوله بولس نعمة خاصة. فأعطاه زميلا في الخدمة، كان أميناً في القليل والكثير. فأقامه بولس عدة مرات نائباً عنه في الأماكن التي كان مطروداً منها. وأرسله بالتتالي كسفير المسيح إلى الكنائس، ليحل المشاكل المتعددة. وهذا السفير هو تيموثاوس ابن رجل أممي وسيدة يهودية، آمنت بالمسيح. لهذا كان له امتياز معرفة لغتين مختلفتين. كما أنه عاش في تقاليد حضارتين متنافرتين. وأهم شيء أنه كان ممتلئاً بالروح القدس وموافقاً عليه من شيوخ الكنائس، ومعتبراً بالنسبة لبولس كابن روحي. فخدم الرسول كأب له في المسيح بحنان وأمانة مستمرة وبانسجام تام. وبنفس الوقت اهتم بالكنائس، واعتنى بها بمواظبة، لأن له قلباً شفوقاً. فأشفق على الأفراد، وفهم الضرورات في الجميع. وحمل مشاكل الشيوخ، وعاش مع الشبيبة ونبههم وعزاهم وقواهم للحياة في القداسة والخدمة.

وثبت تيموثاوس في المسيح، حتى صار عبد محبته كبولس تماماً. فخرجت منه أنهر قوى روحية، لأن يسوع ملأ قلبه. فلم يطلب تيموثاوس ما هو لنفسه، بل عاش وتألم لأجل فاديه المصلوب الحي. هل سلمت نفسك ومالك للمسيح، أو لا تزال عائشاً في تيارات شهواتك؟ الكنيسة اليوم بحاجة ماسة إلى خدام أمناء. فهل أنت أحدهم؟

الصلاة: أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك منحت لبولس زميلاً أميناً في الخدمة. لكن إن نظرنا إلى أنفسنا، فعلينا الاعتراف بالميول إلى الأنانية والانفصام الذاتي. علمني أن أخدمك، ليس جزئياً بل كاملاً إلى الأبد. وأضحي بنفسي، ليتقدس اسمك الأبوي، ويأتي ملكوتك السرمدي، وتجري مشيئتك الخلاصية في كل أمتنا وبلادنا. وامنح لكنائسك في عصرنا خداماً أمناء، يبذلون ذواتهم لمجد إسمك القدوس.

السؤال:

19 - ما هي الصفات البارزة في تيموثاوس؟

2: 25وَلٰكِنِّي حَسِبْتُ مِنَ ٱللازِمِ أَنْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ أَبَفْرُودِتُسَ أَخِي، وَٱلْعَامِلَ مَعِي، وَٱلْمُتَجَنِّدَ مَعِي، وَرَسُولَكُمْ، وَٱلْخَادِمَ لِحَاجَتِي. 26 إِذْ كَانَ مُشْتَاقاً إِلَى جَمِيعِكُمْ وَمَغْمُوماً، لأَنَّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ كَانَ مَرِيضاً. 27 فَإِنَّهُ مَرِضَ قَرِيباً مِنَ ٱلْمَوْتِ، لٰكِنَّ ٱللّٰهَ رَحِمَهُ. وَلَيْسَ إِيَّاهُ وَحْدَهُ بَلْ إِيَّايَ أَيْضاً لِئَلا يَكُونَ لِي حُزْنٌ عَلَى حُزْنٍ. 28 فَأَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ بِأَوْفَرِ سُرْعَةٍ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتُمُوهُ تَفْرَحُونَ أَيْضاً وَأَكُونُ أَنَا أَقَلَّ حُزْناً. 29 فَٱقْبَلُوهُ فِي ٱلرَّبِّ بِكُلِّ فَرَحٍ، وَلْيَكُنْ مِثْلُهُ مُكَرَّماً عِنْدَكُمْ. 30 لأَنَّهُ مِنْ أَجْلِ عَمَلِ ٱلْمَسِيحِ قَارَبَ ٱلْمَوْتَ، مُخَاطِراً بِنَفْسِهِ، لِكَيْ يَجْبُرَ نُقْصَانَ خِدْمَتِكُمْ لِي.

اختارت كنيسة فيلبي رجلاً رصيناً من أعضائها، وكلفته بتوصيل المال الذي جمعته لمساعدة الرسول في سجن روما. وهذا الرجل المختار اسمه أبفرودتس. وكان ماهراً في اللغات والسفريات والعلاقة بالجمارك. وبنفس الوقت أميناً موثوقاً به ومؤمناً بالمسيح.

وقد دعاه بولس أخاه في الروح، لأن اللّه كان أباهم الحقيقي. فعلينا أن نتخاطب بالكلمة أخ في كنائسنا وجمعياتنا بحذر، لأن هذا اللقب يدل على أحد الصفات العليا، التي تربطنا باللّه أبينا.

فمن يخص عائلة اللّه، يصبح عاملاً مجتهداً حسب طبيعته الجديدة، وخادماً متواضعاً ومتجنداً مع المسيح وسفيره إلى العالم الملحد. لأن كل أعضاء عائلة اللّه ممتلئون بروح محبة المسيح، الذي يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة وحدة الثالوث القدوس يقبلون. هل أنت أخونا بيسوع؟ فبأي دوافع تظهر قرابتك للّه؟ هل تكون عاملاً ومجنداً لخدمة يسوع، أو كسولاً مهتماً بنفسك؟

وأثناء خدمته لبولس في رومية، مرض أبفرودتس وشارف على الموت. إن خدام المسيح عرضة للتجارب قبل كل الآخرين، وليس المرض دائماً نتيجة خطية ما. بل العكس ممكن عند المؤمن. هذا ما أراد بولس أن يفهمه للكنيسة، لكي لا يظن البعض أن سفيرهم قد اختلس شيئاً من الأمانة، فلذلك عاقبه اللّه، فحمد الرسول أبفرودتس بألقاب شريفة سامية روحية.

والرب القدوس شفى المريض، واعتبره مستحقاً لخدمات أخرى. فكان على أهل فيلبي أن يستقبلوه بشرف، ويشتركوا مع بولس بالفرح والشكر للّه لأجل الشفاء العجيب لخادم الرب هذا.

إن كل المشاكل والتجارب والآلام، توحّد أعضاء الكنيسة ببعض بالصلاة لكي يحفظوا معاً في محبة يسوع. وصلاة البار تقتدر كثيراً في فعلها.

الصلاة: أيها الآب السماوي، نحمدك ونعظمك لأنك جعلتنا أولاداً لك في المسيح. اغفر لنا قلة إيماننا والشك في الإخوة. وقونا لخدمات متنوعة لنثبت في فرح إبنك، لكيلا يجد العدو الشرير سلطة فينا. واحفظنا من الأمراض. واشفنا إن دخل ميكروب في أجسادنا. أنت القدير وعليك اتكالنا ونشكرك لأنك شفيتنا حقاً.

السؤال:

20 - ما هي الألقاب التي منحها بولس لأبفرودتس؟

6 - جواهر إيماننا الغنية (3: 1-4: 9)

ا - وجودنا في المسيح أبطل بر الناموس (3: 1-11)

الأصحاح الثالث1 أَخِيراً يَا إِخْوَتِي ٱفْرَحُوا فِي ٱلرَّبِّ. كِتَابَةُ هٰذِهِ ٱلأُمُورِ إِلَيْكُمْ لَيْسَتْ عَلَيَّ ثَقِيلَةً، وَأَمَّا لَكُمْ فَهِيَ مُؤَمِّنَةٌ.

لخص بولس رسالته، مبرزاً شعارها مرة أخرى. قائلاً: «افرحوا معاً في المسيح». وهذا السرور يبثه الإنجيل فينا دائماً. فلا يمكن أن المؤمن يمشي كامداً متمرمراً، بل مسروراً وفرحاناً، لأن اللّه صالحه وغفر ذنوبه القبيحة، فيفيض منه الشكر والغبطة. فمن يقل: اللّه لا يحب الفرحين يكذب، لأن العكس صحيح. المسيح منحنا فرحه الخاص، ويقصد اكتمال فرحنا. كما أن إلهنا ليس حجراً صلباً بلا شعور وعواطف، بل ممتلئ المسرة والفرح. فإيمانك بالمسيح يحررك من كل عقد وحقد، لأن إلهنا محبة.

منذ قبول الغفران لا يفصلنا شيء من الخطأ والذنب أو الغضب أو الدينونة عن القدوس. لأنه أصبح أبانا بالروح والحق. فللمسيحي الاستحقاق للفرح، حتى في الضيق والموت. لأن حياته مستترة في المسيح الحي. فاقبلوا وصية الرسول، وافرحوا في الرب. لأن المؤمنين متضامنون ومضمونون فيه.

وحتى في أوقات الحروب الفتاكة والتشاؤم العام، ينبغي أن نفرح ونقول للبشر المساكين: ليتكم تعرفون دواء اللّه لأمراض مجتمعنا، إنه الإنجيل الذي يقدر على شفاء كل علة وخطية وهموم. ودم المسيح يطهرنا من كل إثم. والروح القدس يمنحك الغلبة على خطاياك. فلست متروكاً بدون رجاء. وليس الشر في أخلاقك أقوى من ربك. أنه يجعلك من صانعي السلام وسط الجيل الملتوي الكاذب. آمن إن اللّه شخصياً يحررك من قيود الظلمة وشهواتك القبيحة، آمن ولا تيأس، فيجري الفرح من إيمانك في قلبك.

إن المسيح هو المنتصر على الشر وسلطان جهنم المتصاعد في أيامنا. فاحفظ كلمة الرسول: افرحوا «في الرب». لأن فيه تجد قوة عظيمة، وحماية من هجومات إبليس. امتحن نفسك هل تعيش «في المسيح»؟هل دخلت رحابه وثبتَّ فيه؟ أهو مصدر انتصارك؟ هل ابتدأ فرحه فيك بنعمته المفرحة؟ وعندئذ ترنم وترتل وتسبح وتبتهل في فؤادك، متجنباً أغاني الحب الخداعة وأناشيد الحرب الصلبة، معترفاً بأن المسيح هو المخلص وينبوع أفراحنا. فمن يؤمن به يعش في غبطة، ومن يتمسك به لن يموت.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح. أنت معلم فرحنا ومصدره وواهبه. وموتك على الصليب فدانا من خطايانا القبيحة والموت الخانق والشيطان الشرير. فنحمدك ونسجد لأبينا السماوي لأننا أصبحنا أولاداً أبديين لمحبتك. ونسبحك مع كل القديسين على كرتنا الأرضية لأن فرحك فينا يدوم.

السؤال:

21 - كيف يستطيع الرسول أن يأمرنا إفرحوا في الرب؟

3: 2اُنْظُرُوا ٱلْكِلابَ. ٱنْظُرُوا فَعَلَةَ ٱلشَّرِّ. ٱنْظُرُوا ٱلْقَطْعَ. 3 لأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْخِتَانَ، ٱلَّذِينَ نَعْبُدُ ٱللّٰهَ بِٱلرُّوحِ، وَنَفْتَخِرُ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ، وَلا نَتَّكِلُ عَلَى ٱلْجَسَدِ.

أثناء إملاء هذه الرسالة ربما استخبر الرسول أو سمع أن بعض المسيحيين الذين من الأصل اليهودي اندسوا ككلاب برية في قطيع الغنم، مفترسين ومبلبلين الحظيرة. فأخذوا يؤذون المسرورين في المسيح ويزعجون الكنائس كلها. فعندئذ انفجر رسول الأمم، وقطع رسالة الفرح وهاجم بأشد الكلمات مخربي الكنيسة. والمسيح سمى هؤلاء المرائين ذئاباً في لباس حملان. لأنهم يضرون المختارين أكثر من الأعداء الكاشفي عداوتهم والهاجمين للقتل. فأعداء الكنيسة يوحدونها، ويقوونها ويرسخونها. ولكن المرائين من الداخل يفسدون ويمزقون الوحدة والمحبة.

فما هو العمل الشرير والتعليم السام في رسل جهنم، الذين يغيرون فرح المؤمنين إلى آلام مرة؟ إنهم علَّموا أن الختان مع حفظ الناموس والفرائض المتنوعة، هو الطريق الوحيد إلى اللّه، وليس الإيمان بالمسيح المصلوب وحده. فرفعوا أعمال الإنسان فوق النعمة، وخلطوا الخلاص في المسيح بالبر الذاتي.

أما بولس فما اعترف بفداء آخر، إلا المبني على الصليب والروح القدس. لأن الغفران والولادة الثانية أوجدت فينا أفقاً إلهياً جديداً. لقد اختبرنا حقيقة نعمة اللّه، وفاز المسيح في أنفسنا. فعرف بولس أن كل صلاة وصوم وزكاة وحج وتقوى مبنية على الفرائض الكنسية، لا تخلص الإنسان البتة. ولا تصلحه قليلاً، ولا تملأه محبة. فكل أديان وكنائس تقوم على الشرائع والتعاليم الإنسانية، بعيدة عن روح الصليب ومضادة له. فهي معدة من أكاذيب الشيطان، لأنها تجعل أفراداً متكلين على ذواتهم.

المسيح وحده مخلصنا، الذي منح لنا بر اللّه وقوته مجانا. فكل عمل بشري وإرادة دنيوية باطلة بجانب خلاصه. لا يخلصك اللّه لأنك بار أو مضح أو مصل أو متدين محترم، بل لأنه يحبك أنت الخاطئ. واختارك بفرط مسرته وضحى بابنه لأجلك. مكافأة لإنسانيتنا الموهوبة عند اللّه، لأنه يبررنا لأجل الإيمان وليس لأجل الأعمال. ويل للذي يبني رجاءه على اجتهاداته وتقشفه وحسناته، فيسقط معها إلى جهنم. أما نحن فنصلي:

Table 1. 

دم المسيح زينتيوبره قداستي  
ولستُ أدخل السماإن كنت لم أنهلها  
أيضاً عزائي في الحياةكذاك من بعد الممات  
فليكن الدم الثمينرجاي في الرب الأمين  

السؤال:

22 - لماذا سمى بولس معلمي الختان كلاباً؟

3: 4مَعَ أَنَّ لِي أَنْ أَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ أَيْضاً. إِنْ ظَنَّ وَاحِدٌ آخَرُ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى ٱلْجَسَدِ فَأَنَا بِٱلأَوْلَى. 5 مِنْ جِهَةِ ٱلْخِتَانِ مَخْتُونٌ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ، مِنْ جِنْسِ إِسْرَائِيلَ، مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، عِبْرَانِيٌّ مِنَ ٱلْعِبْرَانِيِّينَ. مِنْ جِهَةِ ٱلنَّامُوسِ فَرِّيسِيٌّ. 6 مِنْ جِهَةِ ٱلْغَيْرَةِ مُضْطَهِدُ ٱلْكَنِيسَةِ. مِنْ جِهَةِ ٱلْبِرِّ ٱلَّذِي فِي ٱلنَّامُوسِ بِلا لَوْمٍ. 7 لٰكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهٰذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ خَسَارَةً.

كان بولس يهودياً أصيلاً. فوالداه ما كانا دخيلين في دين العهد القديم، بل عبرانيين هاجرا من فلسطين إلى طرطوس. وحفظا الناموس والأحكام والتقاليد بشدة مثالية فسميا ابنهما باسم الملك الأول الذي من سبطهم بنيامين «شاول» الذي رفع معنويات الأسباط الاثني عشر بالسيف والعنف. وقصدا بتلك التسمية أن يعطيا لابنهما شعار الزعامة لحياته. وختناه في اليوم الثامن، ليبني بره من البداية على أساس الجسد والناموس. فكان بولس شرعاً ودماً يهودياً أصيلاً.

ومن جهة موقفه الخاص كان مثالياً. لأنه لم يختر كفارة الذبائح ولا الحرية المحدثة كطريق هين لإراحة الضمير، بل درس الشريعة وحفظ أحكام الناموس بشدة، وقصد بغيرة متحمسة وضبط الجسد إنشاء بر كامل في ذاته وفي المجتمع، مهما كلف الأمر.

فلهذا جن الشاب المتعصب تقريباً لما سمع أن المسيحيين من الأصل اليهودي آمنوا بالإنسان يسوع واعتبروه المسيح المنتظر. في حين اعتبره المجلس اليهودي مضلاً ومحكوماً عليه بالإعدام. فهاجم بآخر عنف وشدة، وكافح للّه بلا شفقة ليعيد شرف أمته ويحفظها بلا عار. وهكذا لمع في البر الذاتي أكثر من كل الفقهاء الآخرين. ولكن عندما أراد دخول دمشق متكبراً ومرتفعاً على فرس، أسقطه المسيح من عُلا فخره، واخترق بواسطة مجده البهي خداع ذاته، فأشرق شخص المسيح في ظلمة شاول الحاقد، وأظهر له أن تقواه المتزمتة هي وهم وتجديف واضطهاد وجريمة. فكان خادم اللّه بالحقيقة عدوه.

ففي كفاحه مع الروح القدس، انقلبت حياته. فأدرك هذا الأعمى المنكسر، نعمة المسيح المنعمة عليه. وفهم أن القدوس لا يرفضه ولا يبيده بل أعلن له اسمه، وكلمه وأرشده ودعاه إلى الخدمة بسلطان روحه. إنها لعجيبة كبرى أن المسيح اختار عدوه ومضطهده لإنارة العالم. عندئذ ألقى بولس كل شرفه وتقواه القديمة بعيداً عن نفسه. وبنى حياته ومستقبله على المسيح ونعمته وحده.

فما هو أساس حياتك؟ استقامتك وتقواك، أو دم المسيح ونعمته العظيمة؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت حي ومجيد. اغفر لنا إن خضعنا للفساد، أو لغيرة مضادة لروحك القدوس. أنت تحبنا وتهبنا برك، وتدعونا إلى عائلة أبيك، وخلصتنا. فأمت كبرياءنا لنتعلق بك وحدك، ونترك كل اعتقاد خاطئ، ونسعى في خدمة الضالين.

السؤال:

23 - ماذا كان بولس قبل ظهور المسيح له وبعد ظهوره؟

3: 8 بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ ٱلْمَسِيحَ 9 وَأُوجَدَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِي بِرِّي ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّامُوسِ، بَلِ ٱلَّذِي بِإِيمَانِ ٱلْمَسِيحِ، ٱلْبِرُّ ٱلَّذِي مِنَ ٱللّٰهِ بِٱلإِيمَانِ. 10 لأَعْرِفَهُ، وَقُّوَةَ قِيَامَتِهِ، وَشَرِكَةَ آلامِهِ، مُتَشَبِّهاً بِمَوْتِهِ، 11 لَعَلِّي أَبْلُغُ إِلَى قِيَامَةِ ٱلأَمْوَاتِ.

عرف بولس كثيراً من الناس والفلسفات والأديان والدول والجيوش والملوك وأسرار الشرائع. وكان مفتخراً بمعلوماته. ولكن عندما عرف المسيح، رمى كل هذه المعاني تماماً ورفضها، ليربح ويعيش في كلمة وحيدة: يسوع المسيح هو ربي. لأن معرفته تفوق كل عقل وعلم. وقد أدرك الرسول في المصلوب محبة اللّه المتجسدة، وعرف أن المقام من بين الأموات هو المنتصر الحقيقي في عالمنا.

فكيف نتمسك بعد بأشياء دنيوية، واللّه قد وهبنا في إبنه كل شيء؟ ففي يسوع تكمن جميع كنوز الحكمة والمعرفة والبر والقداسة والفداء والمحبة. فبدون المسيح، لا معنى لحياتك. إنما هو قيمتك لا غير.

فبجانب عظمة المسيح يظهر كل مخلوق نفاية. فاترك كل ما أحببته في دنيانا لتربح المسيح حقاً. استسلم له ليصبح هو ربك ليس اسمياً فقط، بل عملياً أيضاً. إنك مدعو لتربح المسيح اليوم بإيمانك.

وإن وقفت أمامه منكسراً نادماً يرحمك ويغفر خطاياك، ويضمك إلى صدره. ويتحد معك في روحه، لتصبح عضواً لجسده «فتوجد فيه». ما أعظم العبارة، التي تصف تماماً جوهر إيماننا.

عندئذ لا ترجو شيئاً من برك الذاتي، وتضحك على ما كنت تحسبه شرفك قبلاً. وترفض كل أجرة ومكافأة متصورة. وتدرك فسادك الشامل في ضوء بر اللّه. الذي وهبه لك يسوع بواسطة سفك دمه، لتتبرر وتتقدس إلى الأبد. فالمؤمن بالمسيح ينال جوهر بر اللّه مجاناً بواسطة الإيمان. وهذا البر الجديد يلاشي البر الناموسي القديم، ويبطل تقوانا المنتفخة وإنسانيتنا المتخيلة. فكل من تحرر من جودته الكاذبة يعرف المسيح ربه ومخلصه أكثر فأكثر، ويشترك في قوة قيامته، فتجري حياة اللّه فيه. عندئذ يموت الأنا القديم في المؤمن المسلّم، وتبقى خطيته مصلوبة في المصلوب. إن كيان المسيحي يعني كفاحاً عنيفاً ضد الخطية، وإماتتها يومياً، ليس في قوة الأدب أو الصوم بل بالإيمان وبالشركة مع المسيح، الذي لا يحتمل أن يظل فيك نجاسة أو كذب أو بغضة، إنما يغلبك ويطهرك ويقويك إلى الحياة الأبدية.

وكل من يعيش مع المسيح وفيه، يمتلئ من مقاصده ويعمل معه لفداء العالم. ويشهد لحقيقة الخلاص، حتى تحت الضغط والاضطهاد والآلام. لأن المسيح نفسه اختبر الإحتقار والرفض والموت لأجل عمله الخلاصي. فمن يتبعه يتبعه في الآلام أيضاً. لأن لا خلاص إلا بالصليب، كما قال يسوع «إن أراد أحد أن يتبعني فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني».

وفي هذا الكفاح ضد الخطية في أخلاقنا والمصارعة مع الأرواح النجسة والاضطهاد من أعداء المسيح، نشتاق إلى مجيء مخلصنا، لتظهر شركتنا معه في المجد. فنبلغ القيامة إلى الحياة. مع العلم أن بولس لم يكن متيقناً كسولاً بنسبة خلاص نفسه الخاصة، بل عاش حسب قوله تمموا خلاصكم بخوف ورعدة.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح. أنت مخلصنا وربنا وفادينا. فنشكرك من صميم قلوبنا، لأنك وهبت لنا بر أبيك وجودته وأحييتنا بروحك. ساعدنا لنعتبر الكنوز العالمية نفاية. ونربحك ونختبر قوتك، ونعظم إسمك قدام الناس. ونؤمن أنك ستنشلنا عند مجيئك من بين الأموات مع كل الأحياء في روحك.

السؤال:

24 - ماذا يتضمن إيماننا بالمسيح؟

ب - سباق المتبررين إلى الكمال (3: 12-16)

3: 12لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلٰكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ ٱلَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضاً ٱلْمَسِيحُ يَسُوعُ. 13 أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلٰكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئاً وَاحِداً: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ. 14 أَسْعَى نَحْوَ ٱلْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ ٱللّٰهِ ٱلْعُلْيَا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. 15 فَلْيَفْتَكِرْ هٰذَا جَمِيعُ ٱلْكَامِلِينَ مِنَّا، وَإِنِ ٱفْتَكَرْتُمْ شَيْئاً بِخِلافِهِ فَٱللّٰهُ سَيُعْلِنُ لَكُمْ هٰذَا أَيْضاً. 16 وَأَمَّا مَا قَدْ أَدْرَكْنَاهُ، فَلْنَسْلُكْ بِحَسَبِ ذٰلِكَ ٱلْقَانُونِ عَيْنِهِ، وَنَفْتَكِرْ ذٰلِكَ عَيْنَهُ.

يقول بولس لكل المتجددين المعتدّين بأنفسهم إنه هو نفسه ما زال غير كامل. بل إنه يجد ذاته على الطريق إلى الشركة الظاهرة مع اللّه، التي ستتحقق عند مجيء المسيح ثانية. فهذا الهدف التاريخي هو مهم له بمقدار أن شبَّه نفسه برياضي في سيرك ملعب كبير، وهو يستعد بين المتسابقين للانطلاق. وينطلق بكل قوة ليصل إلى الهدف، وينال الجائزة الثمينة.

لذلك لا يجلس المسيحيون في الظل، متخيلين كسالى، ومتكلين على اللّه بدون اجتهاد. بل يتحركون، ولهم هدف واضح، فيبذلون آخر قوة ويسرعون إلى اللّه العظيم. وهم لا ينظرون إلى الوراء، ولا يهتمون بما كان من تخطيطات ومشاكل وذنوب ماضية، لأن الكل دُفن في موت المسيح. فالمؤمن الساعي ينال من اللّه القوة والحكمة ليستمر في السباق الروحي. فيصبح قديساً في المحبة ومتواضعاً في الطهارة وأميناً في خدماته.

وهذا السباق إلى اللّه قد ابتدأ، لما أوقف المسيح المؤمنين به على خط السباق الأبدي. فدعاهم من جماهير التافهين المتفرجين المسترخين لكي يركضوا، غير مبالين بما يقولونه عنهم، وينتقدونهم به. والراكضون إن سقطوا، فلا يبقون في سقوطهم، بل يقومون وينهضون فوراً، ويجرون حتى الهدف، ألا وهو الرب بالذات. إلى الأمام سر. أركض لكي تصبح الأول في كنيستك بالمحبة والصدق والتواضع والطهارة.

يسمّي الرسول كل المشتركين في السباق الروحي كاملين لأن المسيح طهرهم حقاً، والروح القدس ملأهم بجوهره. فهل تركض في الطريق إلى اللّه؟ وهل يدفعك الروح القدس بهداه؟ عندئذ تشترك في كمال اللّه، ليس لصلاحك بل لفضل دم المسيح وبره الكامل.

هل ترتقب القيامة من بين الأموات؟ أنها تتحقق في ظهور مخلصك الذي سيعطيك إكليل الحياة، إن ثبتَّ في سبيل النعمة. عندئذ يظهر كمال اللّه فيك. كما قال يسوع «كونوا كاملين كما أن أباكم في السماء هو كامل».

الصلاة: أيها الآب، نشكرك. لأنك أوقفتنا في سباق المحبة والحق والطهارة. ومنحتنا بغفران المسيح وحلول الروح القدس فينا الشركة في كمالك. من نحن لنخدمك؟ ساعدنا لكيلا نصير كسالى ولا نكل، بل نسعى دائماً إلى هدف الأهداف. وهو مجيء ابنك مع كل مدعوي العالم.

السؤال:

25 - ماذا يعني فكر الكمال عند المسيحيين؟

ج - رجاؤنا المجيد يشمل أجسادنا كذلك (3: 17-21)

3: 17كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِي مَعاً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، وَلاحِظُوا ٱلَّذِينَ يَسِيرُونَ هٰكَذَا كَمَا نَحْنُ عِنْدَكُمْ قُدْوَةٌ. 18 لأَنَّ كَثِيرِينَ يَسِيرُونَ مِمَّنْ كُنْتُ أَذْكُرُهُمْ لَكُمْ مِرَاراً، وَٱلآنَ أَذْكُرُهُمْ أَيْضاً بَاكِياً، وَهُمْ أَعْدَاءُ صَلِيبِ ٱلْمَسِيحِ، 19 ٱلَّذِينَ نِهَايَتُهُمُ ٱلْهَلاكُ، ٱلَّذِينَ إِلٰهُهُمْ بَطْنُهُمْ وَمَجْدُهُمْ فِي خِزْيِهِمِ، ٱلَّذِينَ يَفْتَكِرُونَ فِي ٱلأَرْضِيَّاتِ.

ليس تبشير بلا تقديس المبشر، لأن كل كلامك عن المسيح لا ينفع ما لم يطابق سلوكك. إن تصرفاتك وأعمالك تتكلم أوضح من كلمات شهاداتك.

كان بولس في المسيح قدوة صالحة. لأن قوة المقام من بين الأموات، غيرت حياته، وجبلت سيرته إلى محبة عملية. فبولس لم يبشر بعظاته فقط، بل أيضاً بأتعابه في المهن. فيداه تورَّمتا. وكان يسلم لرب العمل شغله متقناً أميناً، كما علمنا أن كل ما نعمله فلنعمله من القلب كأنه للرب وليس للناس. فبهذه القاعدة المهنية، يصبح كل شغل في المهن أو المدرسة أو المطبخ خدمة للّه وعبادة مقدسة، وليس لمجرد كسب المال.

وأكثر من هذا فقد أشرق من الرسول الفرح وقوة المسيح. وبدون كلمات شعر الذين حوله ببشارته. لأن الرسول مات لبره الخاص، وأنكر أمنياته البشرية والتصق بربه وتعلق بإرادته، فأصبح أسيره. ولم يكن محبوساً حسب قرار اليهود أو الرومان، بل بمشيئة ربه الحي. فهذا الالتصاق الكامل بيسوع يجعل حياته قدوة لنا. لأن فرح حرية بولس ثبت رغم قيوده وضيقه.

ولم تكن للكنيسة في بداية وجودها تقاليد أو مقاييس معينة أو مثلاً عليا ولا قدوات صالحة. فلم يعرفوا كيف يتحقق الإيمان بالإنجيل في بحر الحياة اليومية. فما علم يسوع تلاميذه فقط، إنما قدم نفسه أيضاً قدوة عظمى. قائلاً: «تعلَّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب. فتجدوا راحة لنفوسكم» والرسل الأمناء، عاشوا في ضبط الروح القدس، حتى أن كل كيانهم أصبح شهادة عن الخليقة الجديدة وبشرية المستقبل، التي ابتدأها يسوع فيهم.

وإننا لا نعرف تماماً من هم الذين سماهم الرسول بولس أعداء صليب المسيح في مدينة فيلبي. ولكن علينا الاعتراف، بأن كل الذين يحاولون الخلاص بناموس وصيام في قوتهم الخاصة، ويريدون قمع الوحش الساكن فيهم بالاجتهادات والطقوس، هم معقدون ووجوههم كابية. ولا يلمع فرح المسيح وانفراجه فيهم. وكلما حاولوا السيطرة على بطونهم، تنشب أفكارهم وأحلامهم ضد الخلاص البشري. فكل تقشف هو عداوة لصليب المسيح مضيقاً فخره، فكأنما الإنسان يجد خارج المسيح إمكانيات وقوى لخلاصه وتقديسه الذاتي. فما أشد خطأه وضلاله البعيد.

ولم يتكلم بولس في هذا النص عن المتبطرين والسكيرين الذين يجدون في بطنهم إلههم ويعبدون شهواتهم. فإنهم يشبهون الحيوانات لا الناس. بيد أن بولس يدلنا على الناموسيين الذين يحاولون بأساليب بشرية تقديس أجسامهم النجسة وروحهم الفاسد. فهم منافقون وأكثر شراً من المتبطرين السكيرين لو كانوا يعلمون. فلا خلاص إلا بصليب المسيح. والإيمان الحق به يغيرنا ويغير حتى أجسادنا فنعيش بطهارة في قدرته. ومحبتنا له تقدسنا تقديساً حقاً.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك متَّ على الصليب لأجلنا، وضحيت بجسدك المقدس لأجلنا. نعظمك ونحمدك لأن دمك يطهر أجسادنا الفاسدة. فاحفظنا من التقشف ومن التقديس الذاتي. فنتكل عليك إن تقدسنا حسب قدرتك الإلهية، لكيلا نهلك، بل نتغير ونمتلئ بحضورك. أنت رجاؤنا فننكر أنفسنا ونلتجئ إليك.

السؤال:

26 - لماذا تكون شهادة السلوك مهمة أكثر من شهادة كلامك؟

3: 20 فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، ٱلَّتِي مِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ، 21 ٱلَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ، بِحَسَبِ عَمَلِ ٱسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ.

يوجد نوع من الناس هم أفقر وأشد مسكنة من غيرهم. إنهم عديمو الرعوية، الذين ليس لهم وطن ينتسبون إليه على كرتنا الأرضية. وكل دولة تطردهم. وفي حالة الضيق والاضطراب يبغضهم الجميع.

وأما المسيحيون فليسوا بلا وطن. إذ وطنهم الحقيقي هو في السماء. ولهم الحق أن يعيشوا عند اللّه. ولربما يفقدون على الأرض حقوقهم المدنية ويُطرَدون من بلادهم. ولكن في السماء تُكتب أسماؤهم في سفر الحياة بدم يسوع المسيح. فلنا قدوم إلى الآب لأجل ذبيحة شفيعنا. وسابقاً ما كان يقدر أن يتقدم إلى اللّه إلا رئيس الكهنة. إنما الآن فها هوذا كل مسيحي مدعو، ليقترب من القدوس ويكون كاهناً مبتهلاً ومبشراً مباركاً. فينبغي أن تتقدم إلى العظيم، طالباً منه مزيد البركة للضالين، وتعود إلى مضطهديك وتباركهم. فكل مؤمن حق يكون نائب اللّه في عالم الفساد وسفير المسيح للخطاة ونوراً لامعاً في الظلمة المتصاعدة.

وكل من يتعمق واعياً في إتمام النبوات المختصة بنهاية العالم ويقارنها بالتطورات السياسية والإقتصادية والكونية، ير نضوج الشر عامة ونشر ملكوت الشيطان خاصة. أما نحن فلا نيأس، بل نعرف شفيعنا وأنه يأتي أكيداً. وكلما حاول الشر ابتلاعنا، كلما ننظر إلى المسيح بترقب أكثر، ونشتاق إلى قداسته. فليس أحد فينا عائشاً بلا تجربة، لأنه من يمش في الشوارع، يشاهد الدعاية للأفلام النجسة والصور العارية في المجلات. والنداءات للثورة والعصيان. والتحريض إلى البغضة والطمع والاسترخاء، تضج في آذاننا من مكبرات الصوت. وإذا بشعورنا الباطني يمتص ويتشبع بدعوات الشر. لكنما الروح القدس يكافح فينا مبكتاً ضمائرنا على كل فكر شرير أو كلمة باطلة أو عمل سيء. وعند ذلك نصرخ: تعال أيها الرب يسوع، وخلصنا من أنفسنا، واحفظنا في قربك المقدس. وغيِّر أجسادنا الضعيفة ونقِّ شعورنا الباطني، لئلا نوافق على أي نوع من تجربة.

ووعد يسوع أهالي ملكوته مكافأة سامية، لكفاحهم الإيماني، الفائقة كل تصوراتنا. ألا وهي مجد اللّه بالذات. حتى أن صورة الآب تظهر في أولاده. وفي هذه الحالة لا نشبه الأرواح أو الملائكة أو الأشباح، بل المسيح بالذات. ونكون طبق الأصل لمجده. وكما كان له في قيامته جسد ملموس ظاهر معروف، هكذا سنحصل على جسد مشابه لجسدنا القديم. ولكن ممتلئ المجد وطهارة اللّه. ومجيء المسيح سيعلن بهاء مجيداً يفوق كل العقل ويشملنا حتى كأننا سنعيش داخل الشمس.

وأما يسوع فيبتدئ تغيير جسدك اليوم، إن فتحت نفسك لكلمته وروح فرحه. فلا يدعوك لانتحار شنيع بل إلى تسليم لمحبته. عندئذ تنكر نفسك وتتجه إلى المخلص وتختبر سلطانه فلا يصدر منك شيء صالح إذ الكل منه.

وربنا أعلن بإحدى كلماته الأخيرة، أنه قد دفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. فهل تؤمن بهذه الكلمة؟ فإن تقشفك وصيامك باطل لتقديس نفسك. فاطلب من يسوع تدخله مباشرة فيقدسك. هو الذي غلب جهنم والموت والخطية وغضب اللّه. فيستطيع أن يغلبك أيضاً إن سلمت نفسك إليه كاملاً. المسيح قادر أن يخلص إلى التمام الذين يتقدمون به إلى اللّه إذ هو حي في كل حين ليشفع فيهم.

الصلاة: نعظمك أيها المخلص القدوس، لأنك القادر على كل شيء. ولم ترفضنا لحياتنا النجسة، بل قدستنا كما ينظف الأب طفله الساقط في الوحل. وستنظفنا مرة أخرى وتربينا وتمنحنا محبتك لنتقدس بقدرتك. ونشكرك لأنك وعدتنا أن تغير أجسادنا إلى المجد، لنشابه جسدك المجيد، ومحبتك الملتهبة وحقك المبين. أيها الرب مخلصنا، أكمل قداستك فينا. نحن بين يديك منتظروك. آمين.

السؤال:

27 - ما هدف المسيح بأجسادنا البشرية وكيف يحقق مقاصده؟

د - الثبات في المسيح يأتي بالوحدة والتواضع (4: 1-3)

الأصحاح الرابع 1 إِذاً يَا إِخْوَتِي ٱلأَحِبَّاءَ وَٱلْمُشْتَاقَ إِلَيْهِمْ، يَا سُرُورِي وَإِكْلِيلِي، ٱثْبُتُوا هٰكَذَا فِي ٱلرَّبِّ أَيُّهَا ٱلأَحِبَّاءُ. 2أَطْلُبُ إِلَى أَفُودِيَةَ وَأَطْلُبُ إِلَى سِنْتِيخِي أَنْ تَفْتَكِرَا فِكْراً وَاحِداً فِي ٱلرَّبِّ. 3 نَعَمْ أَسْأَلُكَ أَنْتَ أَيْضاً، يَا شَرِيكِي ٱلْمُخْلِصَ، سَاعِدْ هَاتَيْنِ ٱللَّتَيْنِ جَاهَدَتَا مَعِي فِي ٱلإِنْجِيلِ، مَعَ أَكْلِيمَنْدُسَ أَيْضاً وَبَاقِي ٱلْعَامِلِينَ مَعِي، ٱلَّذِينَ أَسْمَاؤُهُمْ فِي سِفْرِ ٱلْحَيَاةِ.

اشتاق بولس إلى أهل كنيسة فيلبي، وتاقت نفسه إلى هذه الهيئة الحية المفعمة بالمحبة. وقد استخدمه اللّه في السابق لينقل هؤلاء الأفراد إلى الحياة الأبدية. فأصبحوا ثمار إيمانه وتعزيته في السجن، وإكليله في المجد.

لهذا طلب إليهم مرة أخرى أن يثبتوا في الإيمان اليقيني والمحبة الأمينة والرجاء الفعال. لأن المسيحيين الحقيقيين ليسوا سطحيين، بل متأصلين في المسيح الذي هو معلمهم وربهم وضابطهم. وهو أيضاً كرمتهم وخبزهم ورأسهم. أنهم يعيشون فيه ومعه ومنه وله. فالمسيح لهم هو الكل في الكل. وهل هو أساس حياتك أيضاً؟

وأسماء الأفراد المذكورين هنا من أهم أخبار هذه الرسالة. لأن بولس صلى وتألم من أجل هؤلاء الأحباء واعتنى بهم. كما أن المسيح نفسه شفع فيهم، وقصدهم عند موته وقيامته. فليس التعليم أن الكتب أو الأفكار هي هدف إيماننا، بل الإخوة والأخوات في المسيح. فلا توجد مسيحية بدون شركة القديسين. وأنت، هل تعيش منعزلاً انطوائياً؟

لقد ابتدأت كنيسة فيلبي بامرأة واحدة مؤمنة، إسمها ليدية. ثم آمنت نساء أخريات معها. فاشتركن مع بولس في نشر الإنجيل بنشاط. فليس واجباً على النساء المؤمنات أن يتصرفن كطبقة ثانية من البشر، بل هن أيضاً ممتلئات بالروح القدس، وفيهن قوة الشهادة الخارقة. فينبغي أن يدربن نفوسهن في التواضع وضبط اللسان، وإمساك المشاعر، لأن الوحدة في الكنيسة مهمة مثل الكفاح للإنجيل. فطلب بولس إلى نساء الكنيسة ليجتهدن في رباط الكمال وهو المحبة. فخير لنا أن نمرن أنفسنا للخضوع المتبادل، لكيلا نسبب حزناً وانشقاقاً في كنائسنا. مع العلم أننا جميعاً لا نكون في الرب لوحدنا، بل مع جميع المؤمنين. فيتاح لنا أن نعود أنفسنا للعيش المشترك على الأرض، لأننا في السماء سنكون إلى الأبد مع الذين نعتبرهم صعبين في الكنيسة، لكي نتعلم الصبر وقوة الاحتمال والتسامح والمحبة.

وعلى الرجال في الكنيسة، ألا يتسلطوا على النساء ويأمروهن أوامر متعجرفة، بل أن يساعدوهن ويخدموهن، ويرشدوهن في لطف وحكمة. كلنا يسيرون تحت نير المسيح. فلا حاجة داخل الكنيسة إلى الكفاح للشرف الباطل، لأن جميعنا محتاجون إلى الغفران والنعمة، كما أننا مجاناً نشترك في المجد والبنوة للّه. وقد سجلت أسُماؤنا بدم الحمل في سفر الحياة. هل تأكدت من تدوين اسمك في السماء؟ هذا هو أهم سؤال في حياتك؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك، لأنك اشتريتنا من عبودية الخطية إلى حرية الحياة الأبدية بسفك دمك الثمين. ثبتنا في الإيمان والمحبة، لكي نتجدد بأذهاننا، ونخضع بعضنا لبعض. وساعدنا لكيلا نكون من المتمردين، ونشق الشركة في الكنيسة، بل أرشدنا للطف والتواضع والمسامحة المستمرة.

السؤال:

28 - كيف نحافظ على الوحدة في الكنيسة؟

هـ -الوصية للفرح الدائم (4: 4-6)

4: 4اِفْرَحُوا فِي ٱلرَّبِّ كُلَّ حِينٍ وَأَقُولُ أَيْضاً ٱفْرَحُوا. 5 لِيَكُنْ حِلْمُكُمْ مَعْرُوفاً عِنْدَ جَمِيعِ ٱلنَّاسِ. اَلرَّبُّ قَرِيبٌ. 6 لا تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِٱلصَّلاةِ وَٱلدُّعَاءِ مَعَ ٱلشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى ٱللّٰهِ.

بوق الفرح يخترق حزنك، لأن الرسول يدعوك: افرح وسط المشاكل والكوارث. لا تفرح بقوتك الخاصة، لأن قلبك مفعم بالمرارة والحقد، وحياتك محاطة بالتجارب. لذلك افرح في المسيح الذي هو مصدر المحبة الدائمة والابتهاج السماوي.

وكرر بولس وصيته بالفرح. إنما لم يرشدنا إلى فرح البشر، بل إلى الفرح الفريد النابع من شركتنا مع المسيح.

وهذه العبارة «افرح في الرب»، تعلمنا الفرق بين المؤمن والملحد. فكل من يثبت في المسيح وجد الحياة الأبدية والقوة السرمدية والتعزية الإلهية.. فليس لك رجاء أو مستقبل إلا بيسوع الحي. هو غناك وفوزك وأخوك. ألا ينبغي أن تفرح، لأن ابن اللّه وهب لك بره ومحبته، وشركته مع جميع القديسين. اشكر المسيح لإمتياز إيمانك، اشكره من صميم قلبك. وافرح الآن في هذه الساعة، وفي كل أوان، لأن الموت لا يقدر أن يخفض فرحك. وحتى في اليوم الأخير تظهر قديساً لأن دم المسيح يطهرك ويحميك. فإلى متى تتأخر في الاشتراك بفرح المسيح؟

ومن يعش في هذا الإمتياز واعياً، يصبح لطيفاً وحليماً في قلبه، ومتسامحاً مع كل الناس، لأن فؤاده مفعم بجو السماء. والأمور الدنيوية صارت له ثانوية. الرب وحده أصبح محور تفكيره وهدف اشتياقه، فيبتهج عند ذكر مجيئه، عالماً أن ظهور مجد اللّه واقف على عتبة عصرنا.

وأعلن بولس بسلطانه الرسولي: الرب قريب. وبهذه العبارة قرر برنامجاً وموقفاً واتجاهاً للكنيسة كلها. فمستحيل للمرء من أن يعيش مع إنسان آخر في الخصام، وهو عارف أن إتيان الرب قريب. ويضع قلبه على الغنى، إن تيقن أن العالم يزول بضجيج في نار غضب اللّه.

إن الرب يسوع قريب. وقد أعلن بولس هذه الكلمة قبل ألف وتسعمائة سنة تقريباً. فكم بالحري لنا سبب أن نترقب في كل ثانية وصوله. وعقربا الساعة الكونية قد اقتربا من الالتقاء للتمام. فبماذا تفكر؟ هل أنت مستعد لاستقبال ربك؟ كيف أمانتك تجاه الأموال والأشياء الموضوعة من الآخرين في حيازتك؟ هل سارق أنت أم أمين في القليل؟ رتِّب أمورك إلى التمام قبل فوات الأوان.

وهموم الناس تظهر صغيرة أمام الحدث العظيم، الذي يجمع كل طرق تاريخ البشر. ولكن رغم هذه المبادئ العظيمة، لا يتركنا الرب وحيدين في مشاكلنا الصغيرة. وهو يمنحنا منفذ الصلاة التي تشبه اتصالاً هاتفياً بين الإنسان والسماء. هل تصلي؟ فربك يستمع لك. كم مرة تصلي في النهار؟ إن يسوع لا ينام، بل إن عيناه ترعيانك. هل تسمع صوته؟ عادة في مخابرة هاتفية لا يتكلم إنسان واحد، بل من الجهتين. فالصلاة الحقة هي مكالمة مع اللّه. ونحن نجاوب على خطابه المعلن في الإنجيل، ونصب همومنا وخطايانا أمامه. فتكلم مع اللّه، كأنك تتكلم مع أبيك. وحدثه لأن يسوع أخوك. إعترف بآثامك جهراً وكاملاً، ولا تتراءَ بمقاصد صالحة، علماً أنك لا تحفظها، لأنك فاشل. فاطلب الغفران، وآمن بوعد تبريرك. فربك يحبك كما أنت، ويغيّرك في داخل أخلاقك. فيسوع يغير الأحوال والناس. فواظب على الصلاة، لأن قوتنا وطاقتنا لا تصلح إنساناً. المسيح هو المخلص. والمصلون هم المشتركون في نصره. فبدون الصلاة، لا حركة إنتعاشية. وإن استمررت طيل حياتك بالصلاة لأجل الآخرين، وآمنت باستجابة طلباتك، تصبح من أعمدة هيكل الرب. إن دعاءك يحرك ذراع القدير، ويسبب حركات في السماء وجهنم وعلى الأرض. فلا تنس الشكر، لأن مواهب النعمة، أكثر بكثير مما تفكر. وربك المحب هو أعظم كنوزك. أسجد له وافرح في حضوره. قد حررك إلى انفراج ولا مبالاة بنسبة صعوبات العالم. فتستطيع العيش كطفل أمام الوالد المسؤول، وكفتى يترقب قبول العبد القريب. إن ربك يأتي قريباً. هل تفرح؟

الصلاة: نشكرك أيها الآب السماوي، لأنك سكبت فرحك بروحك القدوس في قلوبنا. اغفر لنا حزننا وهمومنا الباطلة، وطهرنا للإيمان الثابت والشكر الدائم والابتهالات الكثيرة لجيراننا المنكوبين، لكي يشتركوا معنا بفرحك، ويثبتوا في مسرتك. لأنك أنت رجاؤنا، ومجيء ابنك القريب قد غير اتجاه تفكيرنا.

السؤال:

29 - ما سبب فرح المسيحيين؟

و - سلام اللّه يحفظنا في فضائله (4: 4-9)

4: 7وَسَلامُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ.

العالم يتقاتل ويصرخ: السلام السلام! ولكن البشر مضطربون لأنهم يعيشون في ثورة ضد اللّه. وبالحقيقة ليس العلي مع الأفراد والشعوب، مؤيداً لطرقهم العوجاء، بل ضدهم وضدك أيضاً. فكل خطية صغيرة كانت أم كبيرة هي تعدٍّ ومحاربة للّه. فغضبه معلن على كل فجور الناس وإثمهم. وإهمال الوصايا يفسد الشعوب. فالعالم كله يعصى القدوس.

ولكن اللّه في محبته العظيمة لم يهلك الناس المتمردين. بل قدم للعصاة صلحه. فالمسيح مات لكي ينتهي الخصام بين البشر واللّه. والمقام من بين الأموات قال بكلمته الأولى بعد القيامة إن ثمر موته قد نضج قائلاً: سلام لكم.

وهذا السلام الإلهي، تحقق في المسيحيين منذ حل الروح القدس في قلوبهم. فكما أن اللّه محبة، هكذا هو سلام أيضاً. فلا خصام في وحدة الثالوث الأقدس. إذ كل أقنوم يحب الآخر في سلام كامل، بدون تمرد، في وحدة مقدسة. وهذا الروح روح السلام والمحبة والفرح، يثبت في قلوب المؤمنين التابعي يسوع بإنكار أنفسهم. فاللّه نفسه يسكن فيهم. فيرتاح القلب المضطرب.

ولا عقل في الدنيا يستطيع إدراك الروح القدس. لأن الروح الإلهي ليس روحاً مخلوقاً محدوداً كما في الإنسان. وحتى أفكار الفيلسوف العبقري لا شيء بنسبة روح الخالق المعزي، الذي يؤكد لنا صلحنا مع اللّه في ضمائرنا. والروح القدس يفحص أعماق اللاهوت، ويعلن لنا أن القدوس أبونا. ولا يستطيع إنسان النطق بهذه الحقيقة، لولا أن روح الرب يفتح فمنا للصلاة كأولاد «أبانا الذي في السماوات».

وكما ابتدأ روح الآب والابن فينا الإيمان والحياة الأبدية، هكذا يحفظنا فيها. ويشحذ ضمائرنا، ويملأ أذهاننا، ويغلب التقاليد الجامدة، ويحفظ باب قلبنا ويراقب الأفكار الخارجة منه، ويقدس شعورنا الباطني. فهو الذي يثبتنا في يسوع، ويجعل أمنياتنا وصلواتنا منسجمة بإرادة أبينا السماوي.

وحلول روح اللّه في المؤمنين بالمسيح، هو الثورة الروحية العظيمة في إيماننا. فتتغير صورة الإنسان الساقط في الحقيقة، لأن جوهر اللّه يشملنا. وقوته تدخلنا في رحاب المسيح. فسبع عشرة مرة يستخدم بولس في رسالته إلى أهل فيلبي هذه العبارة البارزة: «في المسيح». وقد وجد في هذه الكلمات أصدق تعبير عما أنشأه الروح القدس فينا. هل أنت «في المسيح» أو خارجه؟ اطلب من مخلصك اليقين عن هذا السؤال، ليحل روحه فيك. وربك مستعد أن يباركك، ويملأك بعنصر محبته، إن طلبته منه بشدة ومواظبة، لأن المسيح مات تماماً لهذه الغاية، ليحل روح اللّه فينا ويجددنا ويقدسنا.

ولقد كان بولس متيقناً إن سلام اللّه سيحفظ كنيسته في فيلبي، ويثبتها في المسيح، ويقدس النوايا. فلم يتكل بولس على محاولات الفيلبيين لإصلاح أنفسهم، بل اتكل على أمانة المسيح، وقدرته المتحققة في عمل روحه الأمين. فاتكل عليه أيضاً، ترَ أن روح اللّه يغير ذهنك ويعمل في قلبك، ويؤكد لك غفران الخطايا، ويحذرك من الخطايا، ويبكتك على كل ظلم، ويدفعك إلى سلوك طاهر، ويقويك لأعمال المحبة. كما أنه يكملك بالنعمة، ويملأك بملء سلام اللّه. هل تريد أن تتسلم هذا الروح المبارك، وتستسلم له؟

الصلاة: يا روح السلام النابع من قلب الآب والابن، تعال إلى أذهاننا واملأ قلوبنا، لنعرف المسيح مخلصنا ونحمده طيلة حياتنا أغلب رواسب الخطية فينا، لكيلا يفصلنا شيء عن اللّه، فنعيش في انسجام معه ونحب أعداءنا. لا تتركنا لأننا بدونك لا نستطيع أن نفعل شيئاً أنت واحد مع الآب والإبن، ولا تنسنا. ثبّتنا في الوحدة مع الإخوة والأخوات المولودين ثانية. لأننا لا نعرف الحياة إلا فيك.

السؤال:

30 - ما هو سلام اللّه وماذا يعمل؟

4: 8 أَخِيراً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ كُلُّ مَا هُوَ حَقٌّ، كُلُّ مَا هُوَ جَلِيلٌ، كُلُّ مَا هُوَ عَادِلٌ، كُلُّ مَا هُوَ طَاهِرٌ، كُلُّ مَا هُوَ مُسِرٌّ، كُلُّ مَا صِيتُهُ حَسَنٌ - إِنْ كَانَتْ فَضِيلَةٌ وَإِنْ كَانَ مَدْحٌ، فَفِي هٰذِهِ ٱفْتَكِرُوا.

أرشد بولس أعضاء كنيسة فيلبي لتتحقق محبة اللّه وفرحه وسلامه في حياتها اليومية، وأن يثبتوا في جو السماء وسط فوضى دنيانا، فأرشدهم ليعيشوا مع الذين لا يعرفون المسيح ولا يحبونه. فبولس لم يرفض الفضائل الإنسانية، ولكن أيضاً لم يأمر بتنفيذها بل قال: فكروا فيها أولاً. وامتحنوا مقياس الناس، وقارنوا مبادئهم بأثمار الروح القدس.

عادة يعرف الناس بعمق قلوبهم، ما هو حق وعادل وشريف وطاهر ونبيل. مع العلم أن بولس بدأ جدول الفضائل بكلمة الحق، أساس لكل الصفات الحسنة. وأما الفلاسفة والشعراء ومؤسسو الأديان فيطلبون أيضاً بخطب لاهبة أن يعيش كل الناس كرماء ومستقيمين. ولكن ليس عندهم القوة لتنفيذ مثلهم المتخيلة. لأنه يوجد عادة تحت جلد الإنسان المهذب، قلب معقد مفعم بالخطية والشهوات.

وكل تربية محترمة عالية، فإنها رغم تهذيبها لا تغير الشر داخل الإنسان. ولكن المؤمن بالمسيح حصل على قدرة من اللّه، لينفذ المحبة المبنية على فرح السلام. فالمؤمن لا يكذب. وإن سارع بكذبة بيضاء سهواً، يعترف بها أمام الذي كذب عليه، طالباً السماح منه. والمؤمن في المسيح يبغض كل نجس ويبتعد عن الكلام البذيء، ويدرب نفسه في طهارة يسوع. وهو أيضاً يرفض الظلم، ويحقق النظام مع النظافة. ويمارس الاستقامة والنبل في حياته البيتية والمهنية. وكذلك يقدر الجمال والصلاح والصدق في الكتب والجرائد، لأنه يحمل جوهر السماء في قلبه. فكل هذه الفضائل تحتاج إلى تمرين، ولا تخرج في يوم واحد من قلب المؤمن. فقد قبل الفيلبيون مبادئ الجودة والطهارة حمداً، وسمعوا عنه عدة مرات، حتى تيقنت عقولهم وامتلأت قلوبهم بدوافعه. ولكن أكثر من ذلك، قد رأوا تحقيق ناموس المحبة بأعينهم، لأن الرسول جعل نفسه مقياساً للحياة الجديدة. ولم يقل لأصدقائه: امتحنوا سلوكي كما قال سابقاً بالنسبة لفضائل محيطهم، بل أمرهم أن يفعلوا مثله.

إن الفضائل الحقيقية هي ظل لمجد اللّه. وهذا المجد تجسد في يسوع. ورسله تبعوه بفرح وتمثلوا به، فالمسيح كان حاضراً في بولس. وصار قدوة لكل المؤمنين. فأصبح أعظم من كل الفلاسفة، كأفلاطون وأرسطو وزرادشت وغيرهم. لأنه عمل ما قال ولم يتكلم فقط. هل صارت كلمة اللّه فيك جسداً أيضاً؟ هل أصبحت ممثل الحق والصلاح في كنيستك؟ إن سلام اللّه يعمل بلطفه في قلبك. وهو مستعد أن يكمل إيمانك لتنضج ثمار الروح القدس فيك، ليعم سلامك.

الصلاة: أيها الآب، محبتك تجعلنا نجتهد لنتمم الفضائل الحسنى. اغفر لنا تصرفاتنا الحمقاء، وامنحنا من حكمتك، لنستطيع تمييز الأفكار والتصرفات في محيطنا، لكي ننسجم مع الفضائل المقبولة عندك، رافضين الكذب والظلم والنجاسة. ولا ننكر الصليب، لأن من المصلوب تجري قوة المحبة في قلوبنا. قدسنا وثبتنا في ابنك، لكي نصبح قدوة صالحة للجميع حولنا، بدون رياء، ليتمجد اسمك العظيم.

السؤال:

31 - ما هو التدرُّج في الفضائل الذي ورد في رسائل بولس إلى أهل فيلبي؟

7 - شكر الرسول للهبة المالية (4: 10-20)

4: 10ثُمَّ إِنِّي فَرِحْتُ بِٱلرَّبِّ جِدّاً لأَنَّكُمُ ٱلآنَ قَدْ أَزْهَرَ أَيْضاً مَرَّةً ٱعْتِنَاؤُكُمْ بِي ٱلَّذِي كُنْتُمْ تَعْتَنُونَهُ وَلٰكِنْ لَمْ تَكُنْ لَكُمْ فُرْصَةٌ. 11 لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ ٱحْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ. 12 أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ ٱلأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. 13 أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَّوِينِي.

فرح بولس الرسول دائماً حتى أثناء سجنه، لأن المسيح كان فرحه وشمسه. فاستطاع الرسول أن يستمر في الفرح، سواء كان في الاضطهاد أو الشركة مع الأصدقاء. لأن يسوع حياته. فآمن به وبإرشاده المطلق في كل دقيقة من حياته. وهكذا لم يفارقه سروره.

وأرشد المسيح أهل فيلبي أن يرسلوا لبولس المحبوس هبة مالية. ولم يعتبر بولس هذا المال أهم شيء. بل فرح باعتناء المؤمنين به ومحبتهم النامية. فابتهج جداً لأجل نمو ثمار الروح القدس فيهم. وهذه المحبة أشبهت ازدهار زهور الربيع. فالنضوج يحتاج إلى وقت وصبر.

طوبى للذي لا يفتكر فقط بخلاص نفسه متهللاً. بل ينفذ أيضاً التضحية لأجل الآخرين ويعمل ما يقدره قلبه إليه. هل تعرف أخاً مؤمناً محتاجاً؟ فساعده فوراً.

وفتح بولس قلبه لننظر إلى مدرسة المبشرين التي تعارض مبادئ وتقاليد حياتنا المدنية مائة بالمائة. فكان على الرسول أن يتعلم الجوع والشبع، والصوم والقناعة. لأن الروح القدس دربّه ليعيش في كل الظروف بدون تذمر، وبدون أن يعتبر التقشف طريقاً وفضلاً للبر، فالصوم لا يخلصنا بل المسيح وحده الذي يحفظنا.

وفي مدرسة إرشادات اللّه، تعلم الرسول أن يغلب أيضاً تجارب الغنى والرفاهية. فليس تملك المال خطية، بل الخطاة يتصرفون بالمال بدون محبة، وخارج إشراف الروح القدس. إن شيئين يتطلبان منا فناً عظيماً وحكمة بالغة: الغِنى والفقر. وبالأسف لا تدرب المدارس والعلوم والآداب الأولاد لكفاح البقاء، فيفشلون عادة بعلاقتهم بالمال وتجربة الغنى أو الفقر. أما المسيح فيعلمنا أن نرضى بالجوع ونرحم في الغنى. ويحررنا من الكبرياء، لكيلا نعتبر امتلاك المال أو عدم وجوده معنا مقياساً لقيمة حياتنا، لأن درجة قبولنا عند اللّه متعلقة بالإيمان والمحبة والرجاء، وليس بقيمة رصيدنا في البنك.

فمن تعلم في مدرسة المسيح يستطيع أن يعيش غنياً أو فقيراً، لأنه قد تحرر من مطاليب الدنيا وتجاربها. فهو بالحقيقة متعلم إذ لديه قدرة لا توجد في الآخرين. فيحق له القول مع الرسول «أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني». وعندئذ يقبل من يد ربه كل ظروف الحياة بلا تمرد ولا تذمر. فتجري منه قوى وبركات كثيرة، لأنه قد مات لأنانيته، وحيَّ بالمسيح الذي ينفذ سلطانه الإلهي بواسطة صلوات المؤمنين وإيمانهم المشترك وشهاداتهم القوية.

الصلاة: أيها الرب يسوع، قد تذمرنا كثيراً في الجوع ونقص المال وارتفاع الأسعار والأمراض. اغفر لنا طمعنا، لأنك أنت الحي وتعتني بنا. علمنا التحرر من تجارب الفقر والغنى، من مبادئ الرأسمالية والشيوعية، لنتقدس حقاً فيك، ونختبر قدرتك. إنك لا تتركنا، بل تعتني بنا وتحفظنا ليلاً نهاراً.

السؤال:

32 - لماذا استطاع الرسول الفرح وسط الغنى والفقر؟

4: 14غَيْرَ أَنَّكُمْ فَعَلْتُمْ حَسَناً إِذِ ٱشْتَرَكْتُمْ فِي ضِيقَتِي. 15 وَأَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ أَيُّهَا ٱلْفِيلِبِّيُّونَ أَنَّهُ فِي بَدَاءَةِ ٱلإِنْجِيلِ، لَمَّا خَرَجْتُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، لَمْ تُشَارِكْنِي كَنِيسَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حِسَابِ ٱلْعَطَاءِ وَٱلأَخْذِ إِلا أَنْتُمْ وَحْدَكُمْ. 16 فَإِنَّكُمْ فِي تَسَالُونِيكِي أَيْضاً أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ لِحَاجَتِي. 17 لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ ٱلْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ ٱلثَّمَرَ ٱلْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ. 18 وَلٰكِنِّي قَدِ ٱسْتَوْفَيْتُ كُلَّ شَيْءٍ وَٱسْتَفْضَلْتُ. قَدِ ٱمْتَلَأْتُ إِذْ قَبِلْتُ مِنْ أَبَفْرُودِتُسَ ٱلأَشْيَاءَ ٱلَّتِي مِنْ عِنْدِكُمْ، نَسِيمَ رَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ، ذَبِيحَةً مَقْبُولَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ ٱللّٰهِ. 19فَيَمْلأُ إِلٰهِي كُلَّ ٱحْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي ٱلْمَجْدِ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ 20 وَلِلّٰهِ وَأَبِينَا ٱلْمَجْدُ إِلَى دَهْرِ ٱلدَّاهِرِينَ. آمِينَ.

شكر بولس أهل كنيسة فيلبي لأجل التبرعات المستمرة، التي أرسلوها إليه. وكانت له ثقة كبيرة فيهم حتى قبل تضحياتهم، وهو امتياز لم يمنحه لكنائس أخرى. لكن الفيلبيين كانوا ناضجين بالمحبة. وربما أغنياء بالمال، حتى وافق الرسول على قبول الهبات المتعددة. كأنهم تبرعوا للمسيح شخصياً.

إنما احتفظ أيضاً تجاه الفيلبيين باستقلاله وفخره. وقال إنه غير محتاج ولا يطلب المال منهم، بل يفرح أن يرى التبرعات ثماراً للروح القدس فيهم.

فليست محبة المسيح أفلاطونية أو عاطفية، بل عملية وتتحق بتضحيات. وتجعل الموهوبين شركاء المتضايقين. ليت قلوبنا أكثر شفقة، فتتغير ميزانية أموالنا كلياً.

ولا بد أن المحبة تدفعك في كنيستك إلى بذل تبرعات كبيرة. أليس عيباً أن بذر الأفراد للسينما والطعم والرحلات أكثر مما يضحّون لخدمات كنائسهم؟ كم تدفع سنوياً ثمناً لكتبك المدرسية وتعتبرها ضرورية، لأنك تحب الثقافة والتقدم في الحياة؟ وكم تدفع لأجل الكتب التي تفسر لك الإنجيل وتشركك بحياة اللّه الأبدية؟ ندعوك اليوم لتصبح شريكاً في نفقات كنيستك. ضع قربان شكرك، مناسباً للمواهب المادية والروحية المعطاة لك. إنك مديون لربك. فلا تسرق اللّه. بل قدم له حمداً وذبيحة حسب مسؤولية المؤمن الناضج.

وهذه التضحية تعني ثماراً روحية، إذ حيث لا يضحي الأفراد في الكنيسة، فهناك علامة لموت روحي وأنانية بشعة. ضحِّ على الأقل عشرة بالمائة من مدخولك كعطية مسرورة للّه طوعاً. فتتعجب أي بركة تمطر عليك وعلى بيتك.

قال تاجر مؤمن: من هذه السنة ربحنا قليلاً، فعلينا أن نضحي بأكثر. لقد فهم القوانين التجارية في السماء التي تعارض مبادئ الدنيا. إن للّه كل شيء وهو غير محتاج. لكنه يفرح من كل عطية صادرة من قلب شفوق. فينتظر شكرك وتضحيتك.

وهكذا فرح بولس أيضاً لأجل المال. ولكنه لم ينس أن يكتب رسمياً عن وصول المبلغ الكامل، لإبراء مسلم المبلغ.

وفي فرحه وشكره لم ينظر للعطية اللطيفة عينها، بل نظر إلى الوهَّاب، الذي يحول قلوب الناس كجداول المياه. وأدرك أن الهبة ليست معطاة له أولاً، بل للّه مباشرة، وأن كل قرش مضحّى به هو ملك اللّه. ولكن بما أن العلي رضي قبول العطية، هكذا رضي بولس أيضاً، أن يتواضع ويقبل المساعدة.

ولكن بنفس الوقت انفجر منه فخره الرسولي، وعبَّر عن إلهه الغني وملئه. فتأكد بولس أن الآب السماوي، يُسر بهبة أهل فيلبي، وسيمطر عليهم بالبركات المادية والروحية، لأن هذه هي فكرة اللّه أن نضحي، كما نرى في المسيح الذي ضحى بنفسه للخطاة فارتفع إلى المجد الإلهي. وقدرته الغير المحدودة. فكم بالحري يباركنا اليوم بكل ما عنده، أن تمثَّلنا بسيرته المضحية الحبية.

وهكذا رفع بولس عينيه في نهاية رسالته إلى مجد الثالوث الأقدس. كل غنى وبهاء وجلال يخص الآب والابن. وسجود الرسول يشبه رجوع الهبة إلى مصدرها. فمالك أيضاً هو لربك. فمتى تسجد له، وتضحي بكنوزك؟ أليس فيك محبة اللّه؟ فمتى تدفع حقاً؟

الصلاة: أيها الآب، أنت تمنحنا يومياً القوت والكسوة. فساعدنا لكيلا نحسد أو نطمع، بل نعطي بسخاء. فلا يصبح المال إلهنا. إنما نثبت عبيد رحمتك، ونضحي بفرح وحكمة. املأنا بمحبتك لكي نتبع المسيح في بذل الذات والمال عملياً. فنتبعه أيضاً إلى المجد، لأنك أنت المجيد مع ابنك في وحدة الروح القدس. آمين.

السؤال:

33 - ماذا تعلَّمت من حساب وشكر الرسول؟

8 - خاتمة الرسالة بالنعمة (4: 21-23)

4: 21سَلِّمُوا عَلَى كُلِّ قِدِّيسٍ فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. يُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلإِخْوَةُ ٱلَّذِينَ مَعِي. 22 يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ جَمِيعُ ٱلْقِدِّيسِينَ وَلا سِيَّمَا ٱلَّذِينَ مِنْ بَيْتِ قَيْصَرَ. 23 نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ.

المحبة تبتهل وتهدي الهدايا وتكتب الرسائل، لتبرهن بهذا عن نفسها للبعيدين، فيفرحوا ويتشجعوا ويشتركوا في البركة.

فطلب بولس من مستلمي رسالته أن يسلموا له على كل قديس في المسيح عندهم، الذي ثبت في المسيح ونعمته، ليتأكد الجميع بالوحدة الروحية، سواء كانوا مسجونين أو أحراراً. فهل أنت قديس مرتبط مع المؤمنين؟ طبعاً لا تكون قديساً إن نظرت إلى ماضيك ونفسك. ولكن إن آمنت بالمسيح، يمنحك حقوقاً وقوى أبدية، ويجعل منك خادماً للّه. وكل من يخدم الرب، هو ملكه المقدس المفروز لخدمته.

ونؤكد لك أننا نصلي لأجلك باستمرار. ولكننا لا نصلي لأجلك ونسلم عليك لوحدنا فقط، بل المسيح بالذات يعرفك ويشفع بك، فلتعرف يقيناً أنه يدفعنا للإيمان لأجلك. كما أنه يرشد جميع القديسين ليصلوا لأجلك، لأن الرب علم في صلاته الربانية كل أتباعه أن يصلوا في صيغة «نحن». فيضمّونك في صلاتهم أيضاً. أدرك أن جميع القديسين الأحياء، يبتهلون لأجلك كل يوم وفي كل مكان على الأرض. وإن غربت الشمس في منطقة من كرتنا الأرضية، فإنها تشرق على الأخرى بنفس الوقت. فسلسلة الصلاة المسيحية لا تنتهي. فهل أنت حلقة فيها؟

وشهد بولس خاصة أن بعض عبيد وأعوان القيصر، آمنوا بالمسيح وتقدسوا في سلوكهم. ودخول الإنجيل إلى حاشية الإمبراطور يعتبر عجيبة، لأنهم عاشوا في محيط يكرم فيه القيصر كإله. فهؤلاء المؤمنون أدركوا المسيح ربهم، وتركوا إلههم القديم إلى اللّه الحي بعزم وثبات، رغم خطر الاضطهاد والجو المخيف حولهم.

وهذا يؤكد لك أن ليس أحد في محيطك أيضاً يقدر على معارضة ظفر الإنجيل، رغم ما ظهر من فوز السلطات المضادة لملكوت اللّه مؤقتاً. في أيامنا لا يتذكر أحد القيصر، الذي تسلط أيام بولس. ولكن ملايين المؤمنين باسم يسوع يعتبرونه المخلص الوحيد.

ولا تنس أننا جميعاً في سباق الفرح. هذا الفرح الذي لا ينتج من تلقاء أنفسنا بل من المسيح الذي يغطي ضعفنا بنعمته العظيمة، ويطهرنا بدمه كل يوم من آثامنا. ويقدسنا إلى التمام. فاللّه القدوس قبلك، وإن تعبت أو وقعت فيوقفك على رجليك لتسير معنا في موكب انتصار المقام من بين الأموات.

إن المسيح حي. وهو ضامن إيمانك، ويقوي رجاءك، ويسند محبتك. وهو مخلصك. فانقل هذه النعمة إلى الكثيرين، ليتغيروا ويثبتوا معنا في حياة الثالوث الأقدس. فيزداد في عالم الشقاء السلام والفرح في المسيح.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت سبب فرحنا. لأنك فديتنا وثبتنا في سرورك. وستكلمنا بالنعمة. بارك خصوصاً المنعزلين في أمتنا، الذين لا يعرفون قديساً في محيطهم. كن قريباً لهم وصل فيهم ليختبروا قوتك المخلصة وحفظك. طهرهم باسمك إلى الأبد، لنعاين بعضنا بعضاً في مسرة مجدك الأبدي. آمين.

السؤال:

34 - كيف تتعلق الكلمات الثلاث ببعض، المسيح والنعمة والقديسين؟

المسابقة لرسالة فيلبي

أيها الأخ أجب على هذه الأسئلة لترسخ معلوماتك في كتاب اللّه وتأخذ منا جائزة الكتاب الذي تختاره من قائمة مطبوعاتنا. والحد الأدنى للنجاح هو أن تجيب على سبعة وعشرين سؤالاً بصواب.

  1. متى وأين كتب بولس هذه الرسالة؟

  2. ماذا كانت أهم الحوادث عند تأسيس كنيسة فيلبي؟

  3. ما سبب وغاية هذه الرسالة؟

  4. بماذا تمتاز هذه الرسالة على رسائل بولس الأخرى؟

  5. ماذا تعني العبارات (يسوع المسيح) و (في المسيح) و (عبد المسيح)؟

  6. ما هي المعاني البارزة في البركة الرسولية؟

  7. ما هو مضمون صلاة بولس لأجل أهل فيلبي الأحباء؟

  8. كيف أحب بولس أهل فيلبي. وماذا صلى لأجلهم؟

  9. لماذا فرح الرسول في السجن؟

  10. لماذا تيقن بولس أنه في المحكمة سيكون له الأفضل، مهما كان نوعية الحكم؟

  11. لماذا سمى بولس الحياة بالنسبة له أنها المسيح؟

  12. كيف أرشد بولس كنيسته إلى الكفاح المسيحي؟

  13. كيف نحصل في كنيستنا على وحدة القلوب والأفكار؟

  14. ماذا يعلمنا تجسد المسيح؟

  15. ما هو الاسم الأعلى ليسوع واللقب الفريد للّه واللذان تعترف بهما كل كنيسة بفرح؟

  16. لماذا يجب علينا إتمام خلاصنا بخوف ورعدة ما دام قد أكمله يسوع على الصليب؟

  17. لماذا طلب بولس إلى الناس أن يعملوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة؟

  18. كيف اعتبر الرسول قتله بالسيف لخدمة الكنيسة؟

  19. ما هي الصفات البارزة في تيموثاوس؟

  20. ما هي الألقاب التي منحها بولس لأبفرودتس؟

  21. كيف يستطيع الرسول أن يأمرنا « إفرحوا في الرب»؟

  22. لماذا سمى بولس معلمي الختان كلاباً؟

  23. ماذا كان بولس قبل ظهور المسيح له وبعد ظهوره؟

  24. ماذا يتضمن إيماننا بالمسيح؟

  25. ماذا يعني فكر الكمال عند المسيحيين؟

  26. لماذا تكون شهادة السلوك مهمة أكثر من شهادة كلامك؟

  27. ما هدف المسيح بأجسادنا البشرية وكيف يحقق مقاصده؟

  28. كيف نحافظ على الوحدة في الكنيسة؟

  29. ما سبب فرح المسيحيين؟

  30. ما هو سلام اللّه وماذا يعمل؟

  31. ما هو التدرج بالفضائل الذي ورد في رسائل بولس إلى أهل فيلبي؟

  32. لماذا استطاع الرسول الفرح وسط الغنى والفقر؟

  33. ماذا تعلمت من حساب وشكر الرسول؟

  34. كيف تتعلق الكلمات الثلاث ببعض، المسيح والنعمة والقديسين؟


Call of Hope
P.O.Box 100827 
D-70007 
Stuttgart 
Germany