العودة الى الصفحة السابقة
في موكب انتصار المسيح

في موكب انتصار المسيح

تفسير سفر أعمال الرسل

عبد المسيح وزملاؤه


Bibliography

في موكب انتصار المسيح. عبد المسيح وزملاؤه. Copyright © 2006 All rights reserved Call of Hope. الطبعة الأولى. 1973. SPB 3700 ARA. English title: In the Triumphant Crowd of Christ (Acts, combined volume). German title: Im Triumpfzug Christi? (Sammelband Apostelgeschichte) . Call of Hope. P.O.Box 10 08 27 70007 Stuttgart Germany http: //www.call-of-hope.com .

كيف انطلق موكب انتصار المسيح؟

التمهيد لسفر أعمال الرسل

إن الرب يسوع المسيح حي، وجسده لم يفسد في القبر، بل قام حقاً من بين الأموات، وظهر لتلاميذه أربعين يوماً، حتى صعد إلى السماوات، وجلس عن يمين أبيه، حياً ومالكاً معه، في وحدة الروح القدس، إلهاً واحداً، من الأزل إلى الأبد.

ومنذ صعوده إلى السماوات، يبني المسيح كنيسته بهدوء وتخطيط، وينميها رغم كل القوى المضادة لله، لأن كنيسته هي ثمر ونتيجة انتصاره على الصليب. فكل أعمال الرسل مبنية على المصالحة الكاملة مع الله. وكل أعضاء المسيح هم مشتركون في موكب انتصاه. فالصليب هو أساس الحق الشرعي لأعمال الرسل وكنيسة المسيح كلها.

وقبل صعوده إلى السماء أمر يسوع تلاميذه بأن ينتظروا موعد الآب في أورشليم ليملأهم بقوة الروح القدس، هذا الروح الذي يمكنهم لنشر الإنجيل من أورشليم إلى روما عاصمة الحضارة العالمية آنذاك. فوصية المسيح للرسل بتبشير العالم تعني إرسالهم وفويضهم، كما أن الروح القدس الحال فيهم هو القوة الدافعة في التبشير والكنيسة. وليس قوة غيرها.

شعار سفر أعمال الرسل

من يقرأ هذا الكتاب الفريد يجد سريعاً أن الكتاب لا يقصد أعمالاً صادرة من الرسل بقوتهم الذاتية، بل أعمال المسيح التي مكنهم من فعلها. ونسمع القليل عما عمله الرسل، إلا ما كان من بطرس. وبابتداء الأصحاح الثالث عشر نقرأ عنه كثيراً. أما مته فلم نعلم عنه شيئاً. وحتى أن خدمات بولس المذكورة بالتفصيل تنتهي أخبارها بمجرد وصوله إلى روما، حيث يصمت الكاتب عنه، لأن غايته ليست وصف سيرة الرسل بدقة وتتابع وتفصيل، بل يقصد الأخبار عن انتشار انجيل المسيح وإنشاء كنائس من أورشليم إلى روا. فأصبح خدام الرب كفرقة السباق، إذ يسلم كل منهم إلى الآخر مشعل الإنجيل إلى أن تصل بشرى الخلاص إلى العاصمة. فشعار سفر أعمال الرسل هو سيرة إنجيل الخلاص في إرشاد المسيح الحي من أورشليم إلى روما.

تنظيم الكتاب

لم يعدّ الرسل تخطيطاً للمعركة الروحية بالتفصيل لينشروا ملكوت الله، بل الرب الحي تدخل شخصياً في حياة الكنيسة الأولى مرة بعد الأخرى، حتى تشددت أخيراً، وانتشرت أولاً إلى سماريا وإنطاكية، ثم إلى روما. واختار الرب بولس العبراني بالذات،المتكلم باللغة اليونانية، ليحقق موكب نصرة إنجيله إلى روما. وبمدة قليلة قبل اختيار بولس كان تأثير الشماس استيفانوس وزملائه اليونانيين، ذوي الاصل العبراني، كبيراً على المسيحيين من الأصل اليهودي، المتوطنين في بلادهم فلسطين، فنشب في زمن بول صراع جهري بين الفرقتين. لهذا جمع الرب رسله بروح المحبة ليعقدوا اجتماعهم الرسولي الأول في أورشليم (الأصحاح 15). إذ قبلوا النعمة سبباً للخلاص وحده، ورفضوا البر الصادر من الأعمال. وبهذا التطور تحررت كنائس الأمم من الصبغة اليهودية وقيود الاموس. فأصبحت معرفة محبة المسيح ديناً عالمياً معداً للإنطلاق العام.

وبنفس الوقت أسس الرب الحي في انطاكية مركزاً ثانياً للمسيحية بجانب المركز الأول الذي في أورشليم. وابتدأ من انطاكية نشر الإنجيل، حتى عم آسيا الصغرى. وفي هذه القوة قفز الإنجيل إلى أوروبا، واقتحم المدن والمحافظات اليونانية، ووصل نهائيً إلى روما. فنجد في سفر الأعمال ثلاثة أقسام:

  1. الكنيسة الأصلية في أورشليم الأصحاح 1-7

  2. انتشار الإنجيل في سماريا حتى انطاكيا الأصحاح 8-12

  3. التبشير في آسيا الصغرى واليونان حتى وصول بولس إلى روما الأصحاح 13-28

من هو الكاتب

لم يسم كاتب السفر ذاته البتة، ولم يعطنا دليلاً واضحاً عن نفسه، لأنه لم يعتبر ذاته مهماً. ولكن من البداية كان إجماع مؤكد عند كل الكنائس، أن لوقا الطبيب اليوناني، الذي من انطاكية، هو كاتب هذا السفر الفريد من نوعه، لأنه يعرف الأحوال ي هذا المركز المسيحي بدقة. وكان هو نفسه أحد اليونانيين الماهرين باللغة، وكتب أخباره بمحبة ولطف، وذكر أقوال وخطب الرسل ببلاغته البارزة. وفي كتابه يشير إلى وجود أتقياء بين الأمم، لأنه كان منهم قبل أن ولد ثانية بشهادة الإنجيل. وقد التقى معبولس في رحلته الثانية ورافقه من مدينة ترواس إلى فيلبي، واشترك بالتبشير في هذه المدينة العسكرية. وفارقه بولس هناك، ليبني ويرعى الكنيسة الجديدة بعد انصرافه. وأخذه الرسول معه مرة أخرى في عودة سفره إلى أورشليم، حيث ترك لوقا معلمه بولس، ليجم مصادر إنجيله وسفره عن أعمال الرسل. ونجد أن لوقا كان يزور بولس دائماً اثناء اعتقاله في قيصرية بعدئذ. ويلازمه ويخدمه، ويتأثر بروحانيته، ويسجل دفاعه عن نفسه. ولم يفارقه في سفره الطويل والمخيف، حتى وصل إلى العاصمة روما نهائياً. وهذه الأخبا التي اختبرها مع بولس كشاهد عيان يصفها بصيغة «نحن».

لمن كُتب السفر؟

كتب البشير لوقا بوضوح أن مستلم هذا الكتاب هو ثاوفيلس، نفس الشخص الذي كتب لأجله إنجيله الشريف. فسفر أعمال الرسل هو الجزء الثاني والمكمل لإنجيل لوقا. وقد عرفنا شيئاً عن شخصية ثاوفيلس هذا في الاصحاح الأول: 1-2 من إنجيل لوقا. فثاوفيل سمعناه محب الله. وقد كان يتبوأ مركزاً عالياً في الدولة الرومانية. وخلال خدمته في انطاكية ابتدأ إيمانه بالمسيح. فأراد الحصول على تفصايل أكثر دقة عن تطور المسيحية روحياً وتاريخياً، وكيف عامل الموظفون الرومان الكنائس بالعدالة أو المظلمة، ولي مقدار تستطيع مبادئ الإنجيل أن تكون أساساً لعالم جديد. فجمع لوقا أثناء رفقته للرسول بولس وإرشاد الروح القدس كل التفاصيل من ولادة المسيح إلى دخول الرسول بولس روما. وقدم لثاوفيلس هذا التاريخ المتتابع لسيرة قوة الله ليثبت الذي آمن ويقوي يينه، كما قال بولس للسجان في فيلبي: آمن بالرب يسوع فتخلص أنت وأهل بيتك.

تاريخ التأليف

حيث كان وصول بولس إلى روما على الأغلب في السنة 61 ب.م، وحيث كان الوضع بعدئذ مضطرباً، ووجد في زمن كتابة إنجيل لوقا أناجيل عديدة، فمن المرجح أن الطبيب لوقا كتب سفر أعمال الرسل كجزء ثانٍ لإنجيله في السنوات ما بين 62-70 ب.م، بعدما استهم عن الحقائق بدقة واجتهاد وصلوات وتكلم مع شهود عيان لحياة المسيح ومع أمه مريم والشماس فيلبس، وكتب من المصادر المكتوبة أهم النصوص، التي اعتبرها ضرورية لوصف شخصية المسيح وأعماله ورسله، وقدمها للوالي ثاوفيلس.

ونشكر الرب يسوع المسيح من كل قلوبنا، لأنه دعا الطبيب اليوناني، وأرشده ألا يقف بكتابته في نهاية إنجيله، بل أناره بالمعرفة، أن الرب الحي لا يأتي مباشرة، إنما يريد تبشير الأمم قبل وصوله. وبينما كان الرسل الاثنا عشر ينتظرون في أورشليم مجيء المسيح مع الكنيسة الأصلية، التي كانت حولهم، فقد حصل المسيحيون في انطاكية على بصيرة من الروح القدس، لينشروا إنجيل الخلاص في العالم كله وليدفعوا مسيرة الإنجيل نحو روما. ولو لم يشتغل لوقا باجتهاد ودقة، ما كنا عرفنا تماماً كيف نشر المسح ملكوته في العالم اليوناني. أما الآن فإن الرب قد كتب لنا في هذا السفر نموذجاً للتبشير وإنشاء الكنائس، نستطيع حتى اليوم أن نتعلم منه، كيف يجدد الروح القدس المؤمنين ويدفعهم للخدمة، وينتصر في ضعفهم. فليس تدريب لخدام الرب أفضل من دراستهم سر أعمال الرسل، حيث يرون يد الرب يسوع عاملة مع المنطلقين بدعوته.

الجزء الأول: تأسيس كنيسة يسوع المسيح في أورشليم واليهودية والسامرة وسوريا برعاية الرسول بطرس المنقاد من الروح القدس الأصحاح 1 - 12

أولا: نشأة ونمو الكنيسة الأصلية في أورشليم (الأصحاح 1 - 7)

1 - افتتاحية السفر وآخر مواعيد المسيح (1: 1 - 8)

1 : 1 اَلْكَلامُ ٱلأَّوَلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ، عَنْ جَمِيعِ مَا ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ، 2 إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ فِيهِ، بَعْدَ مَا أَوْصى بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلرُّسُلَ ٱلَّذِينَ ٱخْتَارَهُمْ.

كثير من الناس كتبوا كتباً شتى. ولو رصفناها جميعاً لصارت جبلاً ضخماً كبيراً، يحترق ملتهباً في غضب الله لأن كل كلام الناس باطل مستكبر فارغ.

ولكن الكتابين اللذين كتبهما الطبيب لوقا، سيلمعان يوم الدين أعظم بهاء من الشمس ولا يزولان، ويرتفعان عالياً أمام عرش الله، لأن البشير لوقا وصف في كتابه الأول أعمال وكلام المسيح، علماً أنه ذكر عمله قبل أقواله، لأن المسيح ما جاء معلما فقط، بل مخلص العالم جميعاً، فإياه أراد البشير أن يمجد. وأرانا كيف تاب الخطاة قرب يسوع معترفين بخطاياهم، ومتبررين بإيمانهم في نعمة الرب، كما اختبر اللص الذي صُلب مع يسوع، حين دخل مع يسوع مباشرة نعيم الفردوس. فإنجيل لوقا هو كتاب الفرح الظيم، مثلما بشرنا الملاك عند ميلاد الطفل في المذود، لأن الرب بالذات تجسد إنساناً، ليطلب ويخلص ما قد هلك. بواسطة إنجيل لوقا. وأن أحرفه السوداء هذه، تنبع منها قوة الحياة الأزلية إلى عقول وقلوب المؤمنين.

وقد اختبر ثاوفيلس الموظف الروماني العالي هذا الخلاص العجيب من المسيح، فوكل صديقه الطبيب لوقا اليوناني، أن يجمع كل التفاصيل عن حياة يسوع الناصري، ويدون تاريخ انتشار بشرى الخلاص في الأمبراطورية الرومانية بدقة، لأن الوالي الروماني لميكتف بالشعور العاطفي، بل أراد أسساً تاريخية لإيمانه الحي. فلوقا الرجل المثقف كتب لهذا الوالي كتابيه ليثبته في حياته الروحية، وليجهزه كمؤمن لوظيفته وكخادم مهم في الدولة الرومانية. فشهد له، ألا رجاء لعالمنا القلق إلا في المسيح يسوع الحي.

كل دول عالمنا تزول، وكل فلاسفة باطلون، حتى إذا قدموا لنا أبنية فكرية من عقولهم العبقرية. فإن المسيح لم يبن مملكته على ذكاء مفكرين بارزين، ولم يستند على قدرة جيوش جبارة، بل اختار أناساً عاديين وصيادين غير مثقفين ودعاهم رسلاً. وهذا لاختيار للبسطاء يعني رفض كل ما هو كبير وقوي وذكي في العالم، لأن الله يقاوم المستكبرين، أما المتواضعون فيعطيهم نعمة.

وهذا ينسجم تماماً مع مقاصد الروح القدس الذي يقوي الغير مقتدرين ويحي الفانين. ولم يحقق المسيح كل أعماله مستقلاً، بل دائماً في الوحدة مع الروح القدس ثابتاً في مشيئة أبيه، لأن الله الآب والروح القدس والمسيح يسوع، وحدة كاملة أكثر مما عرف ونعلم. والثالوث القدوس قد عزم منذ الأزل أن يبني كنيسته وسط العالم الضال، وينشر السماء بين أموات الأرض. وتاريخ خلاص الله هذا، ابتدأ بدعوة الرسل حيث دعاهم المسيح ودربهم وفوضهم لتبشير الناس. والبشير لوقا هو الوحيد الذي وصف حركة هؤلاء امنطلقين، لأنه قد أدرك أن قوة محبة الله الحالة في الصيادين البسطاء، هي المعجزة الجديدة في العالم، والرجاء الحق لمستقبل أفضل.

والتمهيد لهذه المعجزة كان أن المسيح المقام من بين الأموات لم يبق بين تلاميذه في العالم، ليدبر كملك انتشار ملكوته بطريقة استراتيجية منظمة، بل صعد إلى السماء. فلم يخف الرب ويضطرب خوفاً من خطأ يقع فيه الرسل، لأنه عرف أن الروح القدس سحل فيهم مكملاً عمله. وقد صعد إلى السماء مطمئناً، وارتفع إلى أبيه، وجلس عن يمين المجد واحداً ومالكاً معه وبانياً في العالم الشرير كنيسته المقدسة، غالباً كل القوى المضادة لله، ومخلصاً ملايين الناس. فبهت لوقا من أعجوبة نمو ملكوت الله المستر على الأرض. ووصف في كتابه الثاني هذه الحركة من نقطة انطلاقها أورشليم إلى هدفها روما.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح الحي، نسجد لك ونبارك محبتك ومجدك العامل مستتراً في كنيستك حتى اليوم. ونشكرك لأن لطفك قد وصلنا أيضاً، علمنا إدراك أعمالك في أعمال الرسل الكرام. ونعظمك في تنفيذ أفكارهم في حياتنا العملية تعظماً كثيراً.

1: 3 اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضاً نَفْسَهُ حَيّاً بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ، بَعْدَ مَا تَأَلَّمَ، وَهُوَ يَظْهَرُ لَهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْماً، وَيَتَكَلَّمُ عَنِ ٱلأُمُورِ ٱلْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ. 4 وَفِيمَ هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لا يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ ٱلآبِ ٱلَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي، 5 لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِٱلْمَاءِ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ بِكَثِيرٍ».

إن إشراق ملكوت الله ابتدأ بقيامة المسيح من بين الأموات! تصور إنساناً ميتاً يقوم من القبر، ويري نفسه أربعين يوماً بين أصدقائه، ويجلس معهم هادئاً ويأكل أمامهم، ويأتي بلا صوت عابراً الجدران، ويخرج هادئاً بلا خبط الباب. فهذه الحوادث م المسيح المقام الحي فجرت عقول التلاميذ، لأنهم قد اختبروا سابقاً، كيف حُكم على يسوع بالظلم والعار. فمات مسكيناً على الصليب، مستهزءاً به من الرؤساء والعامة. ودفن حقاً في يوم الجمعة، وكأن في موته ودفنه نهاية لرجائهم.

وابتدأ اليوم الأول مشعلاً لعصر جديد، بدخول الأزلية في الزمن. وبرهن المسيح بحضوره أن مملكته ليست من هذا العالم بل أنها دولة روحية، غير قابلة للفناء، مفعمة الفرح والبر والمحبة والحق والتواضع والعفة والفرح. فرسائل الرسل ممتلئة بوصف هه الحقيقة السماوية، وسط البغضة والنجاسة والاستكبار والكذب والحروب والظلم. والمسيح فسر لتلاميذه طيلة أربعين يوماً من التوراة والمزامير والأنبياء ما هو سر الحركة العجيبة، التي أشارت إليها النبوة الحقة الصادرة من كل الأنبياء الصالحين، الذي اشتاقوا وترقبوا إشراق ملكوت الله. أما الآن فقد حضرت الدولة السماوية، وظهر الملك الأزلي واقفاً ملموساً بين أتباعه.

وملكوت الله هذا ابتدأ في أورشليم، قاتلة الأنبياء وساحقة ابن الله. أما الرب فأخرج سلامه من مدينة السلام هذه، وأمر الصيادين الجليليين، ألا يعودوا إلى مهنة الصيد في بحيرة طبريا، بل يبقوا مصلين في المدينة العدائية، منتظرين بإيمانهم تحقيق موعد الله فيهم.

والمسيح صرح منذ البداية لتلاميذه معنى هذا الوعد الإلهي، إنهم سيدركون الله كما هو، ولا يخافون بخساً ولا رهقاً من المهلك الجبار والقاضي المجهول، بل أنه يعلن لهم نفسه أباً يجعلهم أولاداً له آمنين. هذه هي رسالة المسيح الخصوصية أن اللهالقدوس، هو آب حنون. فمن هذا الإعلان تتغير حضاراتنا، ونفهم أن الملكوت الآتي هو ملكوت أبوي وأولاده هم أمراء خدام، وقضاة مصلون حسب قدوة يسوع، الذي مات لأجل الجميع، وفداهم من غضب الله العادل.

وبهذا سجل لنا لوقا إحدى الكلمات الأخيرة من فم يسوع: قد سمعتم مني موعد الآب. وهذه الجملة تعني خلاصة كل تعاليم ابن الله، أن القدوس العظيم، يتبنانا ويملأنا بجوهره ويجعلنا أولاده. هذا بالصواب هو هدف موت يسوع على الصليب. فغفر لنا خطاياا وقدسنا، لنجد الدخول إلى الله، ونحب الآب، ويتقدس اسمه بسلوكنا.

وقبل هذا علم يوحنا المعمدان الانقلاب الآتي المحرك السموات والأرض، ولكن الساعي للمسيح في البرية علم أيضاً أن ملكوت الله لا يقدر أن يأتي إلى الناس الأشرار والبشر الطبيعيين مباشرة، بل ينبغي قبل ذلك فلح القلوب المتحجرة وتغيير الأذهان لمرفوضة. فعمد التائبين في مياه نهر الأردن رمزاً لاستحقاقهم الموت. وفد دلت إقامتهم من المياه على ظهورهم خليقة جديدة ولكن يوحنا علم واعترف جهراً، أن معموديته لا تغير الإنسان حقاً، وأن الغمر بالماء هو رمز ألا إنسان يقدر أن يصلح نفسه، ولا يذب غيره، ولا ينقي ذاته متقشفاً. فكلنا أشرار طبيعيون خبثاء.

وأشار النبي في تلك البرية إلى حمل الله، الذي يعمد التائبين بالروح القدس، لأنه هو المولود من روح الله، وثبت بلا خطية، فبذل نفسه لله بهذا الروح بلا عيب، وصالح كل المؤمنين مع أبيه، لننال نصيباً في هذا الروح المبارك اللطيف. هل أدركت معد الآب؟ فإن الروح القدس يعزم أن يحل فيك. والمسيح ذاته يتمركز في قلبك. ويصبح جسدك هيكلاً لله الحي. فهل أنت مستعد لاستقبال الله اليوم؟

تواضع مستعداً لموعد الله، كما أن المسيح كان دائماً متواضعاً. فلم يقل «أنا» أعمدكم بروح القدس، كما أنبأ المعمدان عنه، بل يسوع ترك هذا المجد لأبيه، وعلم أن الروح القدس نفسه عزم أن يأتي إلينا. هكذا يهبنا الآب والابن والروح القدس ذاتهبوحدة كاملة، لأن هذا الروح من الآب والابن ليس إلا المحبة الإلهية. فهل أدركت مشيئة الله، وتستعد مصلياً لقبوله، كما أمر المسيح رسله بالانتظار والصلوات؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت القدوس وتعمد التائبين في وحدتك مع الآب بروحك القدوس، لكيلا نخاف فيما بعد من الله العظيم ودينونته، بل نحبه كأبينا الحق ونطيعه بفرح، وننطق باسمه ونصح في جوهرنا. نشكرك لأنك سمحت لنا أن نطق بهذا اللفظ الفريد: أبانا الذي في السماوات ليتقدس اسمك الأبوي. آمين.

1: 6 أَمَّا هُمُ ٱلْمُجْتَمِعُونَ فَسَأَلُوهُ: «يَا رَبُّ، هَلْ فِي هٰذَا ٱلْوَقْتِ تَرُدُّ ٱلْمُلْكَ إِلَى إِسْرَائِيلَ؟» 7 فَقَالَ لَهُمْ: «لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا ٱلأَزْمِنَةَ وَٱلأَوْقَاتَ ٱلَّتِي جَعلَهَا ٱلآبُ فِي سُلْطَانِهِ، 8 لٰكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُّوَةً مَتَى حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى ٱلأَرْضِ».

ما كان التلاميذ قد حصلوا على الروح القدس بعد، لما تقدموا بهذا السؤال الدنيوي السياسي إلى يسوع، حيث كانوا لا يزالون مفتكرين بوطنيتهم اليهودية، ومركزهم في القدس. وتصوروا أن المسيح الملك المقام من الأموات سيملك في مجد وبهاء ويحكم من ناك الشعوب كلها. وللعجب فإن المسيح لم يرفض هذا السؤال مطلقاً، بل أثبت المملكة الإلهية الآتية بلا شك، ولكنه أوضح لرسله، أن إنشاء هذه المملكة السماوية لا يتم حسب تصوراتهم البشرية، وليس في زمنهم الحاضر.

إن لله تخطيطاً خاصاً. وأنه أبصر منذ الأزل تاريخ الشعوب أمامه. وأعطى لكل قبيلة وأمة وقتاً للتوبة النصوحة والإيمان الحي. وحدد زمن صبره تحديداً. ولكن مسيرة التاريخ هذه المعينة، لا تقف أمامنا كقضاء مهلك وقدر مخيف. لأننا عالمون أن أبان هو الذي عين مسيرة الأزمنة المكتوبة. فنعرف أن محبته عملت وتعمل الخير للعالم، ولأن محبته هي مالكة للأزمنة، لا نخاف شيئاً. فأبونا هو الحاكم والسلطان الحق. وكل الأعمال الثورية وجمع الأسلحة، لا تنفع فتيلاً، ولا تغير تنفيذ خطته، لأن ملكوته سأتي ليس روحياً مستتراً فقط، بل ظاهراً مجيداً قاهراً. وسلطان الله هذا مبني على المحبة والحق، لا على اللامبالاة والظلم. فمن يعرف الله أباً يفرح للمستقبل.

فقد حذف المسيح كل الأفكار السياسية من عقول تلاميذه، وأعد أتباعه لموعد الآب الجوهري، وسمى تنفيذه تناولاً للقوة. هل أدركت أنك ضعيف؟ أنك ستموت ككل الناس، لأنك فانٍ غبي قبيح شرير بنسبة مجد الله وقداسته وحكمته. فلا تحل قدرته على إنسان بيعي، ولا تستطيع إصلاح ذاتك بذاتك، لأنك ضعيف ككل الناس وعبد للخطية. فعمل المسيح الأول لإنشاء مملكته المستترة، هو إعطاء قوة لأتباعه. والكلمة اليونانية للقوة تعني ديناميت. فقوة الله تفجر قلوبنا المتحجرة، وتجعل فينا قلوباً رحيمة، وتغلب أذهننا القاسية، لنفكر أفكار الله. فهبة الله السماوية لأجل المؤمنين بالمسيح، هي قوته الخاصة، التي خلق بها العوالم، الظاهرة في يسوع.

فهل حصلت على قوة الله أو لا تزال ميتاً في الخطية؟ هل تعيش في محبة الآب، وتستطيع كل شيء، في الذي خلصك؟ إن قوته تكمل في ضعفك. وصلاة البار تقتدر كثيراً في فعلها.

وقوة الله ليست سراً، بل انها الروح القدس بالذات، الروح الذي هو من الأزل إلى الأزل، أحد الأقانيم الثلاثة في الله الواحد، مستحق سجودنا وتسليمنا. فنسجد لهذا الروح الإلهي بكل فرح وشكر، ونعظم هذا النور من الآب والابن. لأنه حل حقاً فينا نحن المساكين، وأكد لنا خلاصنا في المسيح، وفتح لنا أعيننا الباطنية لحقيقة الله، إنه أبونا السماوي. فليس إنسان طبيعي هو حامل هذا الجوهر الإلهي في ذاته تلقائياً، بل إنه يأتي من خارج دنيانا، وينير أحباء المسيح، ويملأهم بحياته ومحبته وسلامه.

فليس أحد يقدر أن يسمي المسيح رباً، إلا من يرشد من روح الحق، الذي يؤسس فينا الإيمان الصحيح. وروح الابن يفتح لنا أفواهنا ويعلمنا نطق اللغة السماوية، ويشجعنا لنقول: أبانا الذي في السموات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في لسماء كذلك على الأرض. فهل انفتحت لهذا الروح الصالح؟ إنه حاضر وعازم، أن يملأك.

والروح القدس هو الذي أقدر الرسل الغير قادرين أن يدركوا المسيح في ألوهيته. وأنشأ الإيمان فيهم، وقادهم ليشهدوا بكلماتهم لحقيقته، وقواهم ليعملوا إرادته بتواضع. فالروح القدس يجعلنا شهوداً للمسيح. فليس ضرورياً أن نبرز تجديدنا الخاص، ونبختر في ولادتنا الثانية، بل ندل على مخلصنا ومجددنا. فنعترف بفسادنا ونشهد بسلطان يسوع لغفران خطايانا. وندل كل الناس على أن المولود من الروح القدس هو ابن الله الحق، الذي قدسنا بدمه ويقوينا بروحه. ونعلم ونؤمن أن الرب يسوع يغير اليوم كثيرين بروح إنجيله، ويخرج منهم الأرواح الشريرة بكلمته، ويبني ملكوته بقلوب منكسرة. ولا ننسى أن كلمة «الشهود» مشتقة من كلمة شهداء. فلا نتعجب إن قام روح هذا العالم ضدنا، لأنه صلب ربنا قبلاً.

إن بزوغ روح الله ابتدأ في أورشليم، وجرى كنار بين اليهودية ووصل إلى السامرة. وتقدم إلى أنطاكية، وغطى آسيا الصغرى. وانتشر بنفس الوقت إلى أفريقيا الشمالية، وأثيوبيا والعراق. ودخل اليونان، وفتح العاصمة روما. فلقد أدرك لوقا البشير سيرةنار محبة الله، وسجلها لنا في كتابه. وها نحن الآن نضع اليوم باسم المسيح مشعل الإنجيل في يدك. ونقول لك: أنر محيطك بمحبة ابن الله، لأنكم أنتم نور العالم. ولكن امتحن نفسك أولا، فهل حصلت على قوة الله ويسكن الروح القدس فيك؟ وإلا فانتظر موعد اآب، واطلبه مصلياً في الإنجيل، حيث تجده موضوعاً مفتوحاً أمامك.

الصلاة: أيها الآب، نسجد لك ونحبك، لأنك جعلتنا بموت ابنك أولاداً لمجدك المتحقق فينا بروحك القدوس. احفظنا في محبتك. أنت أبونا. نسلم لك حياتنا شكراً، طالبين امتلاءنا بروحك القدوس، ليستنير محيطنا باسم المسيح.

2 - صعود المسيح إلى السماء (1: 9 - 12)

1: 9 وَلَمَّا قَالَ هٰذَا ٱرْتَفَعَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ، وَأَخَذَتْهُ سَحَابَةٌ عَنْ أَعْيُنِهِمْ. 10 وَفِيمَا كَانُوا يَشْخَصُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُنْطَلِقٌ، إِذَا رَجُلانِ قَدْ وَقَفَا بِهِمْ بِلِبَاسٍ أَبْيضَ 11 وَقَالا: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْجَلِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ وَاقِفِينَ تَنْظُرُونَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ؟ إِنَّ يَسُوعَ هٰذَا ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ عَنْكُمْ إِلَى ٱلسَّمَاءِ سَيَأْتِي هٰكَذَا كَمَا رَأَيْتُمُوهُ مُنْطَلِقاً إِلَى ٱلسَّمَاءِ». 12 حِينَئِذٍ رَجَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنَ ٱلْجَبَلِ ٱلَّذِي يُدْعَى جَبَلَ ٱلّزَيْتُونِ، ٱلَّذِي هُوَ بِٱلْقُرْبِ مِنْ أُورُشَلِيمَ عَلَى سَفَرِ سَبْتٍ.

أدرك التلاميذ أن المسيح حي، وله جسد روحي، غير خاضع للقوانين الطبيعية. لقد كان إنساناً حقاً وإلهاً حقاً. وقد أرشد أتباعه طيلة الأيام الأربعين، لينيرهم بمعاني النبوة من العهد القديم الدالة على موته وقيامته. وكلل تعليمه أخيراً بموعد انسكاب الروح القريب عما قليل، ليمتلئ الرسل بقوة الله.

وهذا الإعلان كان آخر ما تكلم به يسوع على الأرض. وما كان هناك ضرورة لأكثر من ذلك. فالروح القدس أتم وأكمل عمل المسيح. وبعد ذلك مضى نهائياً، فليس كما اختفى مدة الأربعين يوماً الماضية اختفاءاً مفاجئاً ودخل عبر الجدران والأبواب المغلقة كلا بل أن المقام من بين الأموات ارتفع ظاهراً رويداً رويداً، في هدوء وجلال، أمام أعين التلاميذ. لقد غلب جاذبية الأرض. وكان أخف من النور. واجتذب بقوة المحبة إلى أبيه مصدره.

والسحابة التي تحيط الله المجيد القدوس. غطته بلطف. قد أكمل المسيح عمله، فترك كونه الإنساني. ودخل مجد الله أبينا الغير المنظور.

إن الخالق الأزلي لا يسكن من فوق في السماء، لأن كرتنا الأرضية تدور حول نفسها. فمرة الفوق تحت. كما التحت فوق. وحتى الشمس ليست هي فوق، لأنه تصبح ككرة نارية هائلة في الفضاء بين مجموعات من الشموس هاربة الى المجهول. فأين الله وأين المسيح؟ أن ربنا جاوب على هذا السؤال بصواب قاطع قائلاً: وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.

فليس الله فوق أو تحت، بل هو حاضر حولنا، وفي كل مكان، لأنه غير مقيد بالزمن والمكان. فلا يستطيع إنسان أدراك عظمة مجد الله. فاستخدم المسيح طرق التفكير في تلاميذه، وارتفع ظاهراً، لأنهم فكروا أن السماء فوق. وهكذا علم المسيح أتباعه بهذه الصورة. إنه يتركهم الآن نهائياً، ويرجع إلى أبيه، ويجلس عن يمينه. ويملك معه في وحدة أبدية. إن المسيح والآب واحد. والابن في الآب، والآب في الابن. ومن ير المسيح ير الله. فنؤمن بالثالوث القدوس إله واحد، الآب والابن والروح القدس. ولا يقدر إنان أن يوضح سر هذه الوحدة الذاتية كافياً. أما الإنجيل فيعلمنا أن المسيح قد انطلق بعد قيامته من بين الأموات بأربعين يوماً، وترك كياننا البشري، ودخل السماء كون الله. ويجلس الآن على عرش النعمة مع أبيه ذي المجد الكامل والمحبة العظمى والسلطان الأكبر.

وشعر التلاميذ أن صعود يسوع إلى السماء سبب تغييراً جذرياً في حياتهم وتاريخ خلاصهم. فشخصوا إلى الأعلى، حيث ارتفع ربهم محجوباً بالسحاب. ومن الخير العميم لنا، أن ننظر إلى فوق، ونرفع قلوبنا إلى المسيح، حيث يكون المسيح عند الآب. لأن سيرنا في السماء. ووطننا عند الله أبينا.

والرب الحي ما أراد من تلاميذه، أن يتخيلوا السماوات والأمور الآخرة، ويتخذوا بسراب ديني، بل ثبتهم على الأرض، وارسل لهم ملاكين حقيقين. وهذان الملاكان أقبلا فجأة من خلف ستار العالم اللامنظور، وظهرا بطهارة عظيمة. وأثبتا للتلاميذ أن يسو قد ارتفع حقاً ونهائياً إلى السماء. فصعوده ليس خداع النظر، بل حقيقة ثابتة.

وبنفس الوقت شهد المرسلان من المسيح، أن رجاء المؤمنين لم ينته، بل أن الرب سيأتي ثانية شخصياً ظاهراً في السحاب كما انطلق. وبهذا الاعلان تركز هدف تاريخ العالم. أن الرب يسوع المسيح يأتي للمرة الثانية. والمسيحية تتمسك بهذه العقيدة بلا زعزع: ربنا حي وآت لأنه يحبنا ويشتاق إلينا. لا نعلم زمن مجيئه، ولكننا نعرف أنه يأتي سريعاً وأكيداً مبيناً. هل تترقب يسوع؟ هل هو هدف أفكارك؟ هل تحب المسيح؟ كم مرة يومياً تفكر فيه؟ وكيف تنطلق صلواتك نحوه؟ انتظر مجيئه؟ لا يعيش إنسان حقاً واياً إلا منتظرو الرب.

وبفرح عظيم من قلوبهم نزل التلاميذ الى وادي قدرون، ومشوا إلى أورشليم، لأنهم كانوا واقفين مع ربهم على جبل الزيتون، غير بعيدين من جنينة جثسيماني، حيث نام الكل لما كافح ربهم قبلئذ الموت وغضب الله، حتى قبضوا عليه بالقيود. أما الآن، فهملا يفزعون من كابوس تلك الحادثة المرعبة، بل امتلأت قلوبهم بفرح انتصار المسيح. وبشرى الملاكين رنت في عقولهم وقلوبهم كرعد أجراس كبيرة: الرب يأتي. أنه يأتي. الرب آت عن قريب.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنتحي وأعداؤك يعرفون صعودك. وأنت المنتصر والثابت في الله الآب. وإنك تأتي، علمنا انتصارك في فرح وحرك ايدينا وقلوبنا بواسطة كلمتك، لنعمل في عالمنا حتى تأتي.

3 - النخبة الذين انتظروا الروح القدس (1: 13 - 14)

1: 13 وَلَمَّا دَخَلُوا صَعِدُوا إِلَى ٱلْعِلِّيَّةِ ٱلَّتِي كَانُوا يُقِيمُونَ فِيهَا: بُطْرُسُ وَيَعْقُوبُ وَيُوحَنَّا وَأَنْدَرَاوُسُ وَفِيلُبُّسُ وَتُومَا وَبَرْثُولَمَاوُسُ وَمَتَّى وَيَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى وَسِمْعَانُ ٱلْغَيُورُ وَيَهُوذَا بْنُ يَعْقُوبَ. 14 هٰؤُلاءِ كُلُّهُمْ كَانُوا يُواظِبُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى ٱلصَّلاةِ وَٱلطِّلْبَةِ، مَعَ ٱلنِّسَاءِ، وَمَرْيَمَ أُمِّ يَسُوعَ، وَمَعَ إِخْوَتِهِ.

لقد أمر يسوع تلاميذه باكتساح العالم كله. ولكن يا للعجب! لم ينطلقوا في قوتهم الشخصية، ولم يتكلموا بكلمات فارغة ببلاغة بشرية، بل اعتزلوا للصلاة، وأتموا أمر المسيح الثاني، وهو انتظار موعد الآب. فضيق العالم فظيع. وجماهير الأموات في الخطايا كطوفان. ولكن ويل للمؤمنين، الذين يقصدون تبشير العالم في حكمتهم الشخصية. انهم يسقطون إلى تيار زمننا، ويغرقون حتماً. أما من يصلي فيثبت. ومن ينتظر قوة الله، يغلب. فلا تظنن أنك تستطيع إصلاح إنسان واحد، أو إرشاده إلى المسيح بفن قدرتك الخصية، إو باحتيال ذكائك، بل اصمت وصل، منتظراً عمل الله. وأدرك أن تاريخ أعمال الرسل ابتدأ بالصلوات، وليس بكلام جهوري منتفخ. فأول عمل قام به رسل المسيح هو الصلاة والانتظار، لأنهم قد أدركوا، ألا نتيجة من قدرتنا، فنحن ضالون سريعاً. ولكن يكاف لأجلنا الرجل الحق المختار من الله. هل تسأل من هو المنتصر الوحيد؟ اسمه يسوع المسيح! هو الذي يخلص ويفدي ويغلب وحده. أما نحن فنتبع خطواته، ونشهد بظفره.

لم ينعزل التلاميذ إلى مغارة أو صحراء، ولم يتأملوا في أسرار الكون، متشائمين ومحتقرين عالم البغضاء، بل اجتمعوا وصلوا في شركة، وواظبوا على الصلوات معاً. فمضمون اجتماعاتهم كانت الصلوات المشتركة. فسبحوا الله لأعمال يسوع التي اختبروها. تابوا توبة نصوحا عن فشلهم الخاص، وجعلوا من اختباراتهم وآمالهم صلوات. وتكلموا مع أبيهم السماوي عن كل أمور حياتهم، شاكرين معترفين طالبين ومبتهلين. فالصلاة كانت عملهم ومهنتهم وجهدهم.

ولربما كانت العلية هي مقر الاجتماعات، المكان الذي تناول يسوع فيه الفصح مع تلاميذه قائلا، كما أن الخبز يدخل إلى جوفهم، فهكذا يحل هو فيهم. وكما أن الخمر يجري في عروقهم، هكذا ينقي دمه دماءهم، ويطهرهم تطهيراً كاملاً، حتى يتجدد كيانهم جديداً حقاً بواسطة ارتكازه فيهم.

ومن هم الرجال الذين اتحدوا مع المسيح في هذه الغرفة بعهد جديد، والذين واظبوا على الاجتماعات في هذا المقر المقدس لهم؟ نميز أولاً بطرس الصياد النشيط المتسرع، الذي أنكر ربه، وحصل على غفرانه بالتقاء شخصي مع المقام من بين الأموات، فهو مذكور أولاً من بين أسماء الرسل، لأنه كان المفوض من ربه، ليترأس زملاءه. ويتكلم عنهم. ونرى مقارباً له يوحنا الوديع الهادئ اللطيف الفتي، الذي كان يتكئ على صدر يسوع. إنه أبصر وشهد بمجد الرب أكثر من أي إنسان آخر. وإلى جانبه صلى أخوه يعقوب، الذي رجا الجلوس عن يمين ابن الله في ملكوته. وقد صار الشهيد الأول من هؤلاء الحضور، الذي مجد المسيح بموته. وقد كان صديقاً لأندراوس، ذلك الرجل الكبير، الذي آمن بالمسيح قبل الجميع، وأرشد رأساً أخاه بطرس إلى المخلص (يوحنا 1: 40-41) وكان بين المصلن فيلبس أحد التلاميذ الأولين، الذي بحث يسوع عنه، ووجده، ودعاه بكلمة واحدة: اتبعني (يوحنا 1: 43-45). فهو الذي ذهب رأساً مفتشاً عن صديقه نثنائيل، المسمى أيضاً برتولماوس. وهو كان جالساً تحت التينة، ساكباً قلبه لله، فرآه المسيح من البعيد، وداه إلى صلوات مستمرة، ليرى هو وزملاؤه السماء مفتوحة والملائكة نازلة وصاعدة آتية إلى ابن الإنسان وأتباعه.

ونجد في هذه الحلقة من التلاميذ الستة الأول الذين من بيت صيدا الجليلية، توما جالساً مطمئناً، هذا المشكك السابق والنقاد، الذي حصل بأسئلته المخترقة على أعمق معرفة بالله من بين كل التلاميذ، حتى سجد ليسوع صارخاً «ربي ربي». ونرى من منتظي الروح القدس هؤلاء أيضاً متى العشار المرابي التاجر الجابي الحسابي والمترجم الماهر، الذي لبى دعوة المسيح مطيعاً، وجمع كلماته ووصف أعماله، ومجد المسيح بإنجيله المجيد، فنمتلئ من القوة الموهوبة له حتى اليوم. ولا نعرف كثيراً عن سيرة الرسل الثلاثة الأخر. فقد حصلوا كالبقية على سلطان من يسوع ليشفوا الأمراض، ويخرجوا شياطين، وفرحوا لأن أسماءهم كانت مكتوبة في السماء. فمجدوا يسوع ببشرى الخلاص في محيطهم. ولا نعلم تفاصيل كثيرة عن حياتهم. ولكن هذا ليس مهماً، لأن لوقا لم يرد وصف أعما الرسل كلها، بل أبرز عمل المسيح الحي في رسله الكرام. إنهم فتحوا قلوبهم لهداه وصلوا معاً.

وللعجب فإننا نجد في شركة المصلين أيضاً مصليات اللواتي اشتركن في سلسلة هذه الاجتماعات. لقد وقفن منفردات قرب الصليب. وهن اللواتي فوضهن الرب ليبشرن بقيامته في أول يوم من الأسبوع. وانتظرن مع الجميع حلول قوة الروح القدس، الذي ليس معداًللرجال فقط بل سواسية للنساء أيضاً.

ومريم أم يسوع كانت في شركة المنتظرين لموعد الآب. وهنا يرد اسمها لآخر مرة في العهد الجديد. ولم تظهر كملكة السماء، بل مصلية متواضعة محتاجة إلى قوة الروح القدس.

ولوقا البشير، الذي عرف الأم شخصياً، واستفهم منها عن ابنها، شهد أيضاً بوضوح، أن ليسوع إخوة، حاولوا في السابق منعه من وظيفة عمله كمخلص، لكيلا ترفض العائلة كلها من الأمة (متى 13: 55 ، مرقس 3: 21 و31-35 والأصحاح 6: 3 ويوحنا 7: 3-8). ولكن عد قيامته من الموت ظهر يسوع لأخيه يعقوب (1 كورنثوس 15: 7). فتزعزع هذا تزعزعاً فظيعاً من ألوهية يسوع، حتى جلب كل إخوته الباقين إلى حلقة الرسل. فصلوا معاً، وتغيروا في ذهنهم، وانتظروا موعد الآب. وامتلأ يعقوب بعدئذ من الروح القدس، فصار قدوة لمصلين، وأحد الأركان في كنيسة المسيح. وأصبح مع بطرس ويوحنا اللب القائد في الكنيسة الأولى (أعمال الرسل 12: 17 و15: 13 وغلاطية 2: 9).

إن المقام من بين الأموات وحد نخبة أتباعه والنساء المؤمنات وعائلته حسب الدم بكنيسة مصليه. فاصبحوا جميعاً قلباً ونفساً واحدة، واجتهدوا معاً في الصلاة. فهل أنت مصل، طالب شركة الإخوة بكل اشتياق وعزم، أو تنعزل منفرداً؟ إن نخبة المصلين ي نقطة الانطلاق لأعمال الرسل والكنيسة كلها.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأن رسلك لم يبنوا ملكوتك بقوتهم وحكمتهم الخاصة، بل صلوا معاً، منتظرين موعد الآب وقوة سلطانك. علمنا الصلاة والانتظار لقدرتك، مؤمنين خاضعين بعضاً لبعض.

4 - اختيار رسول بديل عن يهوذا الخاطئ (1: 15 - 26)

1: 15 وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ قَامَ بُطْرُسُ فِي وَسَطِ ٱلتَّلامِيذِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَسْمَاءٍ مَعاً نَحْوَ مِئَةٍ وَعِشْرِينَ. فَقَالَ: 16 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ هٰذَا ٱلمَكْتُوبُ ٱلَّذِي سَبَقَ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ فَقَالَهُ بِفَمِ دَاوُدَ، عَنْ يَهُوذَا ٱلَّذِي صَارَ دَلِيلاً لِلَّذِينَ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ، 17 إِذْ كَانَ مَعْدُوداً بَيْنَنَا وَصَارَ لَهُ نَصِيبٌ فِي هٰذِهِ ٱلْخِدْمَةِ. 18 فَإِنَّ هٰذَا ٱقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ ٱلظُّلْمِ، وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ ٱنْشَقَّ مِنَ ٱلْوَسَطِ، فَٱنْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. 19 وَصَارَ ذٰلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ، حَتَّى ُعِيَ ذٰلِكَ ٱلْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ). 20 لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ ٱلْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلا يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ، وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ.

شركة تلاميذ يسوع الحيوية تزعزعت خلال أيام قليلة بحادثتين مرعبتين، فقد انقض عليهم موت سيدهم على الصليب في سبيل الفداء لكل الناس مؤلماً. وبنفس الوقت اهتزوا لانتحار يهوذا يأساً من خيانته. فالأول سكن فيه ملء اللاهوت جسدياً، وفي الثاني حل الشيطان ولبسه. فيا أيها الأخ، اختر طريقك. هل تريد تضحية حياتك في سبيل روح الله لأجل خطاة كثيرين، أو تريد أن تموت خاطئاً يائساً وخائفاً في دينونة الله الغاضبة؟

وقد شعر الرسل أن موت يهوذا، أنقصهم واحداً من العدد اللازم. لأن الرب دعاهم ليبشروا الأسباط الإثني عشر لأمتهم، ويدينهم في اليوم الأخير إن لم يؤمنوا. فاجتمعوا واختاروا عوضاً عن ذلك الخائن، أحد أتباع يسوع الأمناء الذين كانوا شهود عيانليحل محله. وهكذا جمعوا قرابة المائة والعشرين رجلاً، الذين كانوا يعرفون بعضهم. فاجتمعوا للصلاة، وانتظروا موعد الآب. ما أروع ذلك الاجتماع!

ووقف بطرس في وسطهم لقيادة الاجتماع. والكل عرفوه كمنكر المسيح، وبينوا إنكاره صراحة في الأناجيل الأربعة. ولكنهم عرفوا أيضاً أن يسوع غفر للتلميذ، الذي انسحق بالتوبة كل ذنوبه، وأثبته قائداً عليهم بعد قيامته من الأموات. وإن في ذلك لدليل بارز على وجود روح الحق في الكنيسة الأولى، إنهم لم يداهنوا إنكار كبيرهم، ويصمتوا عنه وبنفس الوقت تجلى روح المحبة فيها، لأنهم قبلوه كمسؤول عن الرعية. ويا للعجب! فها هوذا بطرس قائم وسط الاجتماع الكبير، بلا عقد نفسية ولعله قال: أنا موقن بأن المسيح قبلني، وأنا أكبر خاطئ، وطهرني من كل ذنوبي وفوضني لخدمته، أنا الفاشل. فلم يتكلم بطرس باسمه الخاص فيما بعد، ولم يعمل لنفسه، بل كل ما عمله وقاله كان لتمجيد ربه الحي.

لم يتكلم بطرس كأسقف أو بابا، بل كشيخ أكبر مع شيوخ آخرين بنفس المستوى. فسمى الرجال المجتمعين إخوة، لأن الله أبوهم، فليس لقب أعظم لا في السماء ولا على الأرض من هذا اللقب الفريد «أخ» رمزاً للعلاقة في عائلة الله.

ولقد فكر التلاميذ مصلين متأملين بنهاية يهوذا، الذي أصبح قائد أعداء الله، فسلم المسيح البار بحيلة إلى أيدي الظالمين. والتلاميذ تذكروا أيامهم، التي قضوها في رفقة يهوذا ضمن شركة يسوع. وكان يهوذا من لب ملكوت الله. وحصل من ربه على دعوة ووظيفة وسلطة. وخدم الله مع بقية التلاميذ الآخرين مدة من الزمن.

ولكن يهوذا هذا أحب المال. وكما كتب لوقا عنه أنه لم يرفض رشوة الظلم، بل قبلها أخيراً. وأراد ضمان نفسه المضطربة، فاشترى خارج المدينة حقلاً واسعاً. ولكنه ما اطمأن، وشعر في ضميره بسياط ضربات الله، ويئس في وسوسات الشيطان المشتكية عليه.فركض وعلق نفسه منتحراً. والحبل الذي شنق نفسه به، انشق فسقط جسده نصف المشنوق من الشجرة على صخرة مروسة. فانشق بطنه واندلقت أمعاؤه. وعلم الطبيب لوقا من اختباراته، كيف يظهر مشهد مريع كهذا.

وسمع كل سكان أورشليم هذه القصة، وشعروا بغضب الله على الخائن وابتعدوا عن هذا الحق، لأنه كان مرطباً بالدم الملعون.

إن الله علم خطية الخيانة من قبل في نفس الشرير، وحذره عدة مرات في عظاته، فلم يغن التحذير شيئاً، لأن يهوذا فضل قوة المال لضمان حياته، على قدرة ربه الحي. ففقدهما كليهما، وحصته السماوية وحقله الأرضي. ووظيفته أمام الله انتقلت لآخر. وبيته المشترى حديثاً أصبح خالياً. فانهدت الجدران، وصار للوطاويط مسكناً.

ارتعب التلاميذ ارتعاباً عميقاً، لأنهم في العشاء الرباني ما كانوا متأكدين من أنفسهم، لما أعلن المسيح الخيانة، التي ستقع من أحدهم، فرأى كل نفسه بها جديراً. وأكثر من ذلك أنهم في صلواتهم المشتركة، أدركوا أن روح الله أبصر من زمان طريق اخائن. ولكن القدوس لم يرشد الخائن لخطيته، لأنه ليس إنسان ما مسيراً للخطية، وإنما الرب يخيره. فيهوذا قسى قلبه تجاه محبة المسيح، فمات في لعنة الله. هذا ما أنبأ به الروح القدس من قبل بألف سنة على فم داود بكل وضوح (مزمور 69: 26 و109: 8).

أيها الأخ لا تقسي قلبك ضد جذب روح الله بل وافق على تحرير القدوس لك من محبة المال وقيادته إياك للتضحية وخدمته. لا تطلب لنفسك ثروة وغنى وإكراماً وشرفاً وسلطة، بل اطلب التواضع والقناعة والوداعة والبساطة كما أن يسوع وتلاميذه عاشوا فقراء بالمال وأغنياء بروح الله.

الصلاة: يا رب اغفر لي محبتي للمال وأنانيتي وطمعي. وحررني لخدمة اسمك. وأن أتكل على عنايتك بي. وليملأ روحك القدوس نفسي وكل الإخوة، لنثبت في محبتك غير ساقطين في لعنة أبداً. آمين.

1: 21 فَيَنْبَغِي أَنَّ ٱلرِّجَالَ ٱلَّذِينَ ٱجْتَمَعُوا مَعَنَا كُلَّ ٱلّزَمَانِ ٱلَّذِي فِيهِ دَخَلَ إِلَيْنَا ٱلرَّبُّ يَسُوعُ وَخَرَجَ، 22 مُنْذُ مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا إِلَى ٱلْيَوْمِ ٱلَّذِي ٱرْتَفَعَ فيهِ عَنَّا، يَصِيرُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ شَاهِداً مَعَنَا بِقِيَامَتِهِ. 23 فَأَقَامُوا ٱثْنَيْنِ: يُوسُفَ ٱلَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا ٱلْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ، وَمَتِّيَاسَ. 24 وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا ٱلرَّبُّ ٱلْعارِفُ قُلُوبَ ٱلْجَمِيعِ، عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ ٱلاثْنَيْنِ أَيّاً ٱخْتَرْتَهُ، 25 لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هٰذِهِ ٱلْخِدْمَةِ وَٱلرِّسَالَةِ ٱلَّتِي تَعَدَّاهَا يَهُوذَا لِيَذْهَبَ إِلَى مَكَانِهِ». 26 ثُمَّ أَلْقوْا قُرْعَتَهُمْ، فَوَقَعَتِ ٱلْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ، فَحُسِبَ مَعَ ٱلأَحَدَ عَشَرَ رَسُولاً.

لم يتفلسف الرسل عن السبب الذي من أجله خان يهوذا سيده يسوع، بل آمنوا بدينونة الله العادلة. ولم ينظروا طويلاً إلى الوراء، ولم يقفوا متزعزعين في شعورهم، بل اتجهوا إلى الأمام، وفكروا بواجب تبشير العالم، وأرادوا بواسطة صلواتهم أن يطلبو من يسوع، العدد الكامل لحلقتهم الرسولية، حتى لا ينقص هؤلاء المفوضون عندما ينسكب عليهم الروح القدس.

وشرط الاختيار لتسمية إنسان ما رسولا، هو مصاحبته ليسوع من البداية، حتى كان شاهد عيان لأعماله واقواله، مختبراً المقام من بين الأموات شخصياً. وبهذا بان أن الاثني عشر تلميذاً لم يكونوا يتجولون لوحدهم مع يسوع، بل كثيرون أيضاً من أتباعه كما أن يسوع أرسل إلى الجليل سبعين تلميذاً وفوضهم للخدمة. فحددوا الشروط للخدمة الرسولية بتشدد أكثر، حتى ينحصر الترشيح لهذه الخدمة بعدد قليل، ممن انضووا تحت لواء التلمذة عند يوحنا المعمدان، وتابعوا عنده واعترفوا أمامه بخطاياهم، منتظرين إراء ملكوت الله. وحقاً فإن عدداً وفيراً من تلاميذ يوحنا هم الذين سمعوا نداءه القائل: هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم. فتركوا معلمهم بمعمودية الماء لغفران الخطايا، وتبعوا المعلم الجديد الذي سيعمدهم بالروح القدس، ويثبتهم في افراح العهدالجديد.

ولربما نفكر أن من تبع يسوع بلا انقطاع أصبح إنساناً أفضل وأحكم من بقية البشر. ولكن سير التلاميذ يبرهن العكس. ليس إنسان يستطيع الإيمان الحق والمحبة الحارة والرجاء الممتد بدون الروح القدس. فسمع التلاميذ كلمات يسوع، ولكن قلوبهم بقيت متكبرة. وقد رأوا مجده بعد قيامته، ولكنهم كانوا خالين من الحياء الأبدية، لأن الروح القدس لم يحل فيهم بعد. فبعض المفسرين يظنون أن الاختيار عوض يهوذا كان عملاً متسرعاً إنسانياً غير إلهي، لأن الرب اختار في حينه بولس رسولاً، الذي حصل على خدمةوسلطان يهوذا، ليبشر الأمم.

ولكن التلاميذ الاحد عشر، لم يفكروا أولاً بتبشير العالم، بل بتجديد قبائل شعبهم الاثني عشرة. فتصرف بطرس في انسجام مع بقية الرسل، ودعا إلى اجتماع كبير لأتباع يسوع، طالباً من الجميع تسمية المرشحين. وبعدئذ وضعوا الاختيار النهائي بين يد الرب، الذي سموه عارف القلوب. فنرى أن بطرس لم يتصرف كاسقف في سلطان مطلق. وكذلك لم يجر الاختيار في الاجتماع بطريقة ديموقراطية حيث يقرر الأكثرية، بل الجميع تقدموا معاً إلى الله، طالبين منه الحكم الإلهي وتدخله مباشرة.

وللحصول على صوت الله استخدموا قبل انسكاب الروح القدس القرعة. ولكن لما اختاروا بعدئذ الشمامسة السبعة أعطى الرسل إلى الكنيسة حق الاختيار كله. وحصل في أنطاكية أن الروح القدس بذاته اختار برنابا وبولس لخدمة التبشير، بينما كان الشيوخ يصون وهم صائمون طالبون تدخل المسيح وإرشاده. فبالحقيقة أن تاريخ أعمال الرسل هو تاريخ المسيح المقام من بين الأموات وأعماله تحقيقاً لانتشار ملكون الله. فلا نعيش في الكنيسة تحت سلطة بابوية، ولا في الديموقراطية السياسية، ولا في الديكتاتورية الشتراكية، بل تحت إشراف المسيح المتحقق بقوة الروح القدس العامل في قلوب المؤمنين.

ليتنا لا نعتمد في إسناد الخدمات الكنسية للشمامسة والشيوخ والمعاونين على عقلنا وإرادتنا وقدرتنا العائلية فحسب بل على الصلاة أولا وأخيراً، لكي يختار يسوع هو بنفسه خدامه، ليس حسب أموالهم ومواهبهم الطبيعية أو مستواهم الاجتماعي، ولكن حب مسرته وحدها. عندئذ يجري عمل الرب ويمتلئ خدام الرب من الروح القدس فليست الشهادات اللاهوتية، ولا العلاقة بالأحزاب، أو المدارس المذهبية، هي التي تؤمن نجاح قسيس أو شيخ أو أسقف، بل التقاؤه بالمسيح المقام من بين الأموات ودعوته مباشرة من قبل. فالذي يخدم الرب بدون هذه الدعوة معرض لخطر السقوط إلى جهنم حالاً.

ولم يرد الرسل الأحد عشر أن يوزعوا خدمات وتفويض المسيح مستقلين، عالمين أن ليس إنسان يعرف القلوب ولا المزاج والمواهب ولا الأمانة في القليل. فصلى مائة وعشرون رجلاً معاً، ليختار الرب واحداً من المرشحين لخدمة النعمة، وليؤهله بالقوة لتنيذ خدمته، لأنه إن لم يتدخل ابن الله في تعيين خادم الإنجيل، ستكون كل خدمته باطلة.

ورشحوا لهذا المنصب اثنين، لم يصلنا عنهما علماً مفصلاً. وما عرفنا كيف أجريت القرعة بينهما. لكن هذه القرعة لم تقع على الأول المحترم، بل على متياس الغير المعروف، الذي دعي بهذا الاختيار إلى مسؤوليته كعضو في النخبة الرسولية. وقد ملأ السيح في ما تلا ذلك من الأيام هذا البديل بروحه القدوس واثبت انضمامه إلى ملكوت الله. ولكننا لا نعرف شيئاً آخر عن متياس المختار.

الصلاة: أيها الرب، نشكرك لأنك تدعو أناساً غير مقتدرين للخدمة، وتدربهم وتفوضهم وتجهزهم وترسلهم وترافقهم وتنجحهم. فإن وجدنا نعمة قدام عينيك، فلا ترفضنا بل كسر كبرياءنا وجددنا، لكي نخدمك ونحن الأصاغر في قوتك لتمجيد اسمك.

5 - انسكاب الروح القدس في عيد الخمسين (2: 1 - 13)

2: 1 وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ ٱلْخَمْسِينَ كَانَ ٱلْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، 2 وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلَأَ كُلَّ ٱلْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ، 3 َظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَٱسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. 4 وَٱمْتَلَأَ ٱلْجَمِيعُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَٱبْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُم ٱلرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.

ماذا تفكر أن يحدث لو تسقط الشمس على الأرض؟ إن هذه الكتلة النارية الغازية الضخمة، إن اقتربت قليلاً إلى كرتنا الأرضية الصغيرة، تحترق ومن عليها. فكم بالحري إذا سقطت فإننا نتبخر في لمح البصر. لكن الآن لم تأت هذه الشمس المخلوقة، بل قد اء الخالق نفسه كعاصفة نارية على الأرض. ولم يدن البشر، بل رحم المنتظرين. الله يأتي إلى الناس ومن يفهم يسجد. وأكثر من ذلك، فالله يحل في الانسان. لا يستطيع العقل إدراك هذه الحقيقة. فنطلب إليك أن تقرأ قصة ولادة الكنيسة كلمة كلمة بتمهل، فترى كيف أن محبة الله وصبره ونعمته دخلت دنيانا الشريرة.

عيد الخمسين كان عيداً قديماً يحتفل به اليهود في اليوم الخمسين بعد عيد الفصح كعيد شكر لحصاد القمح. فالمسيح أشبه حبة القمع الذي سقط إلى الأرض ومات. وهو في قيامته من بين الأموات كان كالغمر الأول المقدم لله المرضي عنه. والتلاميذ المجتعون المصلون أشبهوا البداية من حصاد الله الكامل. وهذا الحصاد الروحي ما زال جارياً. كلنا نبتنا من حبة القمح وهو المسيح، ونحصد اليوم ما زرعه الرب وتمنى الأنبياء أن يروه، ولأن ابن الله مات فقد أتى الروح القدس إلى العالم.

لم يأت روح النعمة ورحمة النور لكل الناس. كانت مدينة أورشليم عاصمة، ولكن عاصفة محبة الله وصلت فقط إلى المصلين، الذين أحبوا المسيح. فلم تلامس قوة الله الهيكل. وجيوش الرومان بقوا بدون حياة أبدية، إلا الذين انتظروا قلباً ونفساً واحدة وعد الآب. فهم الذين امتلأوا من روح القوة.

في الأغلب أن أكثر ما مائة رجل وامرأة من التلاميذ وعائلة يسوع كانوا في الابتداء مندهشين وفزعين، لما سمعوا فجأة من السماء، التي ارتفع يسوع إليها، ضجيجاً كعاصفة مشتدة أكثر فأكثر. وبدون أن تهتز الشبابيك وتنخبط الدرف الخشبية، وبدون أن تحرك أوراق الأشجار، دخل الصوت العاصف إلى دارهم، وملأ البيت كله، وكل الغرف، حتى الحوش. فجلسوا مندهشين مفتوحي الأعين والآذان، لأنهم لم يشعروا بالعاصفة، بل سمعوها بآذانهم واضحة، ولما حدث هذا كانوا في صلاتهم، وفتحوا قلوبهم للرب، فحلت قوته عيهم. فرأوا بغتة بعيونهم شيئاً كألسنة نارية تمطر من الهواء العاصف. ولكن هذه الألسنة لم تتراقص مضطربة في الجو، ولم تحرق البيت والأثاث ولا ملابسهم، بل استقرت بهدوء عظيم على المؤمنين المصلين، وهذه الألسنة النارية الغريبة العنصر تدلنا على ماقصد يسوع بواسطتها. فكانت للتلاميذ ألسنة طبيعية مفعمة الكذب والنجاسة والحكم الإنسانية، وعليها أن تحترق وتزول. وعوضاً عنها يمنحهم الله ألسنة جديدة نارية قوية، ناطقة بالمحبة الإلهية. عند ذلك شعر كل الممتلئين بروح الرب بفرح عظيم وفرج عميق. ثقل خطاياهم سقط عنهم، وصدرهم انفتح، وكآبتهم زالت. وأعينهم المبهورة أصبحت لامعة. وأفواههم المتجمدة انفتحت لحمد الله فصرخوا: يا أبتاه قد أصبحت بموت ابنك أبانا. ودمه غفر ذنوبنا. وروحه حل فينا نحن غير المستحقين ويقدسنا تماماً. فنعظمك ونسبحك لأنك أحييتنا لمجد نعمتك.

إن عاصفة محبة الله سببت عاصفة الشكر، وأجرت كلمات مقدسة افكاراً سماوية غير معروفة لديهم من شفتيهم. فالروح القدس أرشد تكلمهم، وملأ أفكارهم، وبارك إرادتهم. فلم يتحمسوا بشرياً، بل امتلأوا من الروح القدس، الذي يستخدم العقول وضبط النفس يضاً. فهكذا أصبح الجميع معاً هيكل روح الله لأن قوته وفضائله حضرت.

انتبه! لم يمتلئ بطرس ويوحنا فقط من الروح القدس، بل كل الحضور. ولم يشعروا بألم من العاصفة الإلهية الممطرة ألسنة نارية. بل قد أحاطهم رحاب الله، وحقق موعد الآب، وأصبح المصلون أولاد الله، متبنين وممتلئين من جوهر محبته وحقه ومسرته. وباحق نسمي عيد الخمسين عيد العنصرة أيضاً لأن عنصراً جديداً إلهياً من خارج العالم قد دخل إلى عالمنا الميت. فابتدأ الرجاء والنهضة الروحية في هذا البيت في القدس. وفاق الحمد المشترك والتسبيح العام شكراً للثالوث القدوس.

الصلاة: أيها الآب، نشكرك لأن ابنك الحبيب حمل ذنوبنا على الصليب، وجعلنا أهلاً لحلول روحك القدوس. املأنا وكنيستنا بحضورك، لتضمحل ذنوبنا نهائياً، ويعبر حمدنا المشترك عن فرحنا وشكرنا العميق.

2: 5 وَكَانَ يَهُودٌ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ سَاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ. 6 فَلَمَّا صَارَ هٰذَا ٱلصَّوْتُ، ٱجْتَمَعَ ٱلْجُمْهُورُ وَتَحَيَّرُوا، لأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ كَانَ يَسْمَعُهمْ يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَتِهِ. 7 فَبُهِتَ ٱلْجَمِيعُ وَتَعَجَّبُوا قَائِلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «أَتُرَى لَيْسَ جَمِيعُ هٰؤُلاءِ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ جَلِيلِيِّينَ؟ 8 فَكَيْفَ نَسْمَعُ نَحْنُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا لُغَتَهُ ٱلَّتِي وُلِدَ فِيهَا: 9 فَرْتِيُّونَ وَمَادِيُّونَ وَعِيلامِيُّونَ، وَٱلسَّاكِنُونَ مَا بَيْنَ ٱلنَّهْرَيْنِ، وَٱلْيَهُودِيَّةَ وَكَبَّدُوكِيَّةَ وَبُنْتُسَ وَأَسِيَّا 10 وَفَرِيجِيَّةَ وَبَمْفِيلِيَّةَ وَمِصْرَ، وَنَواحِيَ لِيبِيَّةَ ٱلَّتِي نَحْوَ ٱلْقَيْرَوَانِ، وَٱلرُّومَانِيُّونَ ٱلْمُسْتَوْطِنُونَ يَهُودٌ وَدُخَلاءُ، 11 كِرِيتِيُّونَ وَعَرَبٌ، نَسْمَعُهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا بِعَظَائِمِ ٱللّٰهِ؟». 12 فَتَحَيَّرَ ٱْجَمِيعُ وَٱرْتَابُوا قَائلِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هٰذَا؟». 13 وَكَانَ آخَرُونَ يَسْتَهْزِئُونَ قَائِلِينَ: «إِنَّهُمْ قَدِ ٱمْتَلَأُوا سُلافَةً».

هل تريد أن تعرف ماذا تكلم الرسل في قوة الألسنة النارية؟ فاقرأ العدد 12 ، فتتعلم أنهم لم يتكلموا إلا بعظائم الله. فشكروا خالقهم لخلقه، وحمدوا صبره على بني البشر المجرمين. وعظموا ناموسه المقدس وشكروه لإعلان مشيئته في الأنبياء. وقد سدوا للآب القدوس لأجل ولادة ابنه يسوع وتأنسه. وابتهجوا بمحبته المتجسدة المعروفة لديهم التي شاهدوها وسمعوها. فسبحوا الرب لأجل عجائبه وأعادوا أقواله. وسجدوا له لأجل موته على الصليب وقيامته من بين الأموات. ان التلاميذ عظموا الله لأجل التقائم بالمسيح الحي وفرحوا لأجل صعوده وتهللوا لأجل اتمام النبوة المنتظرة. وقد آمنوا بضرورة تبشير العالم وامتلأوا بمشيئة الله لينقلوا الخلاص للبشر. هل تنسجم بتسبيح عظائم الله؟ اين شكرك؟ هل تكرم نفسك؟ أو تعظم الرب؟ أنس اسمك، وكرم أباك في السما وحده.

وذلك الجو المنسجم من الحمد والهدوء في الصلاة والقداسة لم يستمر طويلاً، إذ سمع كثيرون من منتظري الرب صوت عاصفة المحبة، فتراكضوا إلى المكان حيث نزلت العاصفة، ووقفوا ينظرون حيارى، لأنهم سمعوا الجليليين يتكلمون بلغات مختلفة، رغم أنهم م يسافروا خارج بلادهم، ولم يتعلموا في مدرسة اللغات. ان الروح الخالق قد غلب في عيد العنصرة نتيجة غضب الله، لما ضرب البشر وبلبل لغاتهم وقسمهم إلى شعوب، حتى ما عادوا يفهمون بعضهم بعضاً. لقد حاولوا في استكبارهم أن يصلوا إلى مستوى الله برمز ناء برج بابل، الذي كان القصد منه أن يرتفع ويرتفع، حتى يصل إلى الله. أما الآن فغفر المسيح خطية استكبار أتباعه. فقدر روح وداعة المسيح وتواضعه أن يحل في قلوب المصلين. فلم يفكر أحد، أنه أفضل من الآخر، أو أذكى أو أعظم، بل القوي خضع للضعيف، والمحترم اعتبر نفسه أصغر الكل. فالروح القدس أعلن ذاته في المحبة رباط الكمال ووحد الناس المختلفين في جماعة الله. فاعلم أنه منذ عيد العنصرة قد سقطت الحدود بين الشعوب ولغاتهم وصفاتهم مبدئياً، ولا توجد درجات بين العبقري والمتأخر، بل الكل واحدفي الله، لأن أعظم المواهب وهي الروح القدس قد رفعت الفانين إلى مستوى الآب الأزلي، وقدستهم بدم المسيح، ليصبحوا قديسين بلا لوم قدامه في المحبة.

وفي عيد العنصرة ذلك، كان ممثلو الشعوب الكثيرة مجتمعين في أورشليم، ليحتفلوا في مسكن الله شكراً للحصاد. فتراكض يهود من بلاد الفرس، ومن بين النهرين، ومن آسيا الصغرى، وأفريقيا الشمالية، ومن إيطاليا، ومن كريت. وكلهم سمعوا من الكلمات اليليلة صوت الله متكلماً في لغتهم الوطنية. فكانت أعجوبة عيد العنصرة مثلثة. أولاً سماع العاصفة. ثانياً رؤية ألسنة النيران. ثالثاً فهم اللغة الجيليلة. فالله نفسه كان مترجماً للألسنة في هذا العيد.

ونفرح خصوصاً لأن من بين المستمعين كان ممثلون من مصر ومن أبناء العرب. فعبر الروح القدس منذ أول ساعة ظهوره عن الخلاص العظيم باللغة العربية والقبطية. فليست هاتان اللغتان عليه صعبة ولا غريبة، انه يملأهما بمحبته ويغلب معانيهما بقداسته.فهل تسجد لله الثالوث في لغتك العربية؟ سلم له لسانك وقلبك وعزمك وكل قدرتك فتثبت في فرح حمد الله.

ولكن يا للعجب! فالمتراكضون سرعان ما انقسموا إلى فرقتين متأملين ومستهزئين. الأولون أرادوا اختبار سر الروح القدس. والآخرون سموا التكلم بفرح الله كهذيان السكارى. ولربما عرفوا هذه الحالة النجسة التي اتهموا فيها الرسل من اختباراتهم الخصة بأنفسهم، ولكن حرية فرح الله لم يعرفوها. فبقيت قوة المحبة الأزلية مستترة عليهم وقلبهم تقسى أكثر فأكثر إلى البغضة.

الصلاة: باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته. الذي غفر جميع ذنوبك. الذي يشفي كل أمراضك. الذي يفدي من الحفرة حياتك. الذي يكللك بالرحمة والرافة. الذي يشبع بالخير عرك فيتجدد مثل النسر شبابك (مزمور 103: 1-5).

6 - عظة بطرس في عيد العنصرة (2: 14 - 36)

2: 14 فَوَقَفَ بُطْرُسُ مَعَ ٱلأَحَدَ عَشَرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلْيَهُودُ وَٱلسَّاكِنُونَ فِي أُورُشَلِيمَ أَجْمَعُونَ، لِيَكُنْ هٰذَا مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ وَأَصْغُوا إِلَى كَلامِي،15 لأَنَّ هٰؤُلاءِ لَيْسُوا سُكَارَى كَمَا أَنْتُمْ تَظُنُّونَ، لأَنَّهَا ٱلسَّاعَةُ ٱلثَّالِثَةُ مِنَ ٱلنَّهَارِ. 16 بَلْ هٰذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ ٱلنَّبِيِّ. 17 يَقُولُ ٱللّٰهُ: وَيَكُونُ فِي ٱلأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ، فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ، وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاماً. 18 وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. 19 وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي ٱلسَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَماً وَنَاراً وَبُخَارَ دُخَانٍ. 20 تَتَحَّوَلُ ٱلشَّمْسُ إِلَى ظُلْمَةٍ وَٱلْقَمَرُ إِلَى دَمٍ، قبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَوْمُ ٱلرَّبِّ ٱلْعَظِيمُ ٱلشَّهِيرُ. 21 وَيَكُونُ كُلُّ مَنْ يَدْعُو بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَخْلُصُ».

التكلم بالألسنة مهم ولكن النبوة أهم من ذلك. التكلم بألسنة هو موهبة من الروح القدس، به يتجه الإنسان كاملاً نحو الله شاكراً وحامداً ومصلياً، وهو عادة لا يفهم معنى كلماته الخاصة. ولكن التنبؤ الحق هو الذي يخترق قلوب المستمعين وعقولهم يوقفهم في حضور الله.

وبعدما اليهود المتعجبون سمعوا الرسل المسبحين بألسنة الفرح والحمد، أصابتهم عظة الروح القدس على لسان بطرس المخترقة أحشاءهم، لأن الرسول شهد لهم بكل وضوح أن روح الله قد حضر جلياً وبين سبب مجيئه وغايته.

ولم يقف بطرس أمام الجمهور منفرداً ليتلألأ ببلاغة ويسحر المستمعين، بل كل الرسل الاثني عشر تقدموا معاً، وكانوا كفرقة المصلين حول المتكلم. وربما شعر بطرس بالصعوبة، أن يتكلم إلى الجمع بدون استعداد، ولكن روح الحق هدأ أفكاره وشجع قلبه. ع أنه قبل هذا الموقف بعدة أيام، عاش هو والتلاميذ وراء الأبواب المغلقة، خوفاً من اليهود. أما الآن فقد دخلت قوة الله فيهم، وأطلقت ألسنتهم فأصابت كلمة الروح القدس القلوب. والله تكلم بواسطة رسله، ولم يتدحرج بطرس بغيبوبة أمام المستمعين بل وق قدامهم متكلماً هادئاً بوقار.

ورد بطرس أولاً على المستهزئين بقوله الموجز. أنه في مثل هذه المدينة التقية يستحيل أن يسكر إنسان في التاسعة صباحاً، لأن الجيران لا يتحملون ذلك. وفوق هذا يتعرض السكير للعقاب الصارم.

وبعد ذلك التفت صياد الناس إلى المنفتحين لتبشيره، وطلب إليهم الاستماع وفتح الأذن، ليستطيع روح الله أن يدخل فيهم. وابتدأ بعدئذ بطرس بتبشير الجمهور، ليس بتأثير نفساني وعاطفي يسيل الدموع، ولا بأوامر شديدة لإخضاع إرادة الانسان وتحريكه بل أتى بالنبوات من العهد القديم مع إتمامها في زمنهم. فأوضح بكلمات من الكتاب المقدس حالتهم التي وصلوا إليها، وصرح بأن هذا الوضع الحالي، الذي هم يشاهدونه من انسكاب الروح القدس على التلاميذ، ليس إلا تحقيق وعد الله وكلمته.

وهكذا تجرأ مقدام الرسل لينطق بالعبارة الشهيرة، هذا هو ما قاله النبي يوئيل! ان هذه النبوة تمت وتحققت وصارت ملموسة حاضرة مكشوفة ومسموعة. فإن الروح القدس اليوم في العالم، وليس علينا أن ننزله من السماء مرة أخرى، إنما نقبله كأولاد يقبلن الهدية، ونشكر الرب لأجله. هذا الروح يقفز من كلمات الإنجيل إلى أعيننا. كما أن العظة عن المسيح تغير عقولنا وتجدد أفكارنا. فليس الصوم أو التقشف وتعذيب الذات بالسلاسل، هو الذي يجعل أجسادنا ينبوعاً للروح الصالح، بل أن هذا العنصر الإلهي حاضر وينتظر أن نقبله، ونفتح باب قلوبنا له بلا مشقات. مؤمنين فرحين حامدين! وفقاً لقول يسوع لرسله: اقبلوا الروح القدس.

وقد أنبأ النبي يوئيل منذ القدم، أن الرجال والنساء الشباب والشابات والعبيد والإماء سيحصلون على روح الله. فليس اليهود هم المختارون فقط، لينالوا الموعد بالمسيح. وهذه النبوة هي أعجوبة كبرى لليهود، لأنها تلغي بالنسبة الروحية كل الفروق ين الرجل والمرأة، الوالدين والأولاد، الأحرار والعبيد، اليهود والأمم. فكل البشر يستطيعون اليوم الدخول إلى مسرة الله. وفرح الرب يخيم على الأرض كلها ويتحقق في منكسري القلوب المؤمنين بالمصلوب.

والله يقول أيضاً بواسطة النبي يوئيل وبواسطة الرسول بطرس، أن انسكاب هذا الروح القدس هو علامة بارزة لآواخر الأيام. لقد احتمل الله البشر الأشرار ألوف السنين في صبره. أما على الصليب فقد غفر ابن الله الخطايا. فاستطاع الروح، أن يأتي بقو وبدون مانع. فمن يقبله يتنبأ ويعرف الله ويسبحه، ويعظم المسيح. ولكم من لا يقبل روح الله يسقط في الدينونة. والدينونة لا تأتي فقط يوم الدين، بل هي مبتدئة منذ انسكاب الروح القدس. الذي يحل من الخطية كل المشتافين إلى ربهم. فمن لا ينال الحياة لأبدية فقد دين. ولكن من يفتح نفسه لروح الله يصبح متنبأ، ويدرك الله، وينمو في معرفة إرادته. وأكثر من ذلك فالذي يحل فيه الروح القدس، يصبح ابناً لله القدوس.

وبشرى هذه النعمة مرفقة بصور مخيفة عن زوال الكون، حيث يدكن جو كرتنا الأرضية بواسطة الغازات والغبار. وتسفك أنهر الدماء في حروب عالمية. وتضعضع الزلازل الأرض. وتنفجر الشياطين كدخان مبيد من الهوة ليجربوا كل الذين لم يختموا بروح المسيح.

عندئذ يأتي يوم الرب والساعة الأخيرة، ويظهر المسيح في سحابة منيرة كبرق في الظلام. وعندئذ يتضح أن الأرض تمرجحت خوفاً من الآتي. وجهنم استعدت للمعركة الأخيرة ضد الله قبل سقوطها. فضروري أن نتيقن بأن المعرفة والتعليم عن يوم الدين وعلاماه هي من أسس العهد الجديد المستيقنة.

إنما الذي يحمل روح الله في نفسه فقد اجتاز السموات لأنه حامل حياة الله في جسده الفاني، ويستطيع أن يصلي الصلاة المستجابة، لأن الروح القدس هو روح الصلاة، ويضع على لساننا اسم المسيح، لندعو باسمه، ونتضرع الى الله، فيستجيب لنا حتماً. ون يصلي في قوة الروح القدس مرشوشاً بدم المسيح، يخلص حالاً. وهذه هي تعزيتنا ويقيننا وضمانتنا في الروح القدس أن المسيح سيظهر متانة خلاصه في الدينونة الأخيرة حامياً أتباعه في لهيب غضب الله.

الصلاة: نعظمك أيها الرب ونشكرك لأن روحك القدوس حاضر في عالمنا اليائس، وقد حل في قلوبنا المطهرة بدمك. فنسجد لك ونعظمك، لأجل الحياة الأبدية، التي منحتها لنا مجاناً بدون أعمال. املأ الكثيرين من أصدقائنا بقوتك، وافتح آذانه ليسمعوا صوتك ويعملوا إرادتك بفرح.

2: 22 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ ٱسْمَعُوا هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ: يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ رَجُلٌ قَدْ تَبَرْهَنَ لَكُمْ مِنْ قِبَلِ ٱللّٰهِ بِقُّوَاتٍ وَعَجَائِبَ وَآيَاتٍ صَنَعَهَا ٱللّٰهُ بِيَدِهِ فِي وَسطِكُمْ، كَمَا أَنْتُمْ أَيْضاً تَعْلَمُونَ. 23 هٰذَا أَخَذْتُمُوهُ مُسَلَّماً بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ ٱلْمَحْتُومَةِ وَعِلْمِهِ ٱلسَّابِقِ، وَبِأَيْدِي أَثَمَةٍ صَلَبْتُمُوهُ وَقَتَلْتُمُوهُ.

إن الروح القدس لا يبرز ذاته بل يمجد المسيح. والله ليس أنانياً بل هو محبة، وكل أقنوم فيه محب الثاني ويدلنا على الآخر. فالابن يعظم الآب. والروح القدس يمجد الابن. كما أن الابن ترك للروح تنفيذ الخلاص، مثلما دفع الآب لابنه كل السلطان ف السماء وعلى الأرض. فمن يرد معرفة لله فعليه أن يتأمل في المحبة التي بين الآب والابن والروح القدس. لأن الله ليس إلا محبة وبالمحبة تثبت وحدته.

لم يتكلم بطرس بإرشاد الروح القدس طويلاً عن حقيقة انسكاب الروح المبارك، بل حول شهادته سريعاً إلى شخص يسوع المسيح المصلوب والمقام من بين الأموات. فصورة الرب المضحي وانتظاره على القبر ملأت الشعور الباطني للتلاميذ. فلقد صلوا وتأملوا ف هذه الأمور، وبحثوا النبوة ووجدوا توضيحاً بينا. فرسم بطرس يسوع الناصري أمام أعين مستمعيه، ليدركوا السبب لانسكاب الروح القدس وغاية مجيئه.

والمتكلم شعر في عمق قلبه، كيف عارض الروح القدس خطية اليهود، الذين رفضوا يسوع وقتلوه. فلم يستطع بطرس أن يعزي المستمعين بكلمات جميلة وبركات موعودة، بل كان عليه أن يعلن، أنهم قتلة مجرمون. ولكن لم يقل هذا لهم بعنف وخشونة، بل وضح خطيته تدريجياً، وفي لغة المحبة أرشدهم لمعرفة جرمهم كاملا. ونلاحظ أنه ابتداء خطابه لم يستعمل لقب «المسيح» أو «ابن الله» ليسوع، بل سماه رجل الله، ليستمر اليهود في الاصغاء إليه، ولا يفور دمهم ضده سريعاً.

فتنفس بطرس ملياً، وطلب للمرة الثانية أثناء عظته الاستماع الدقيق والفهم الحق. وقال كلكم تعرفون يسوع الناصري. وهذا الرجل كان مؤيداً من الله بآيات وأعاجيب أكثر من أي نبي قبله أو بعده. فأقام الأموات وأخرج الشياطين وغفر الذنوب، وأشبع خسة آلاف جائع بأرغفة خمسة وأسكت العاصفة. فهذه الخوارق ليست أعمال إنسان، بل عمل الله. فالإنسان يسوع كان في انسجام كامل مع إرادة العلي، حتى أن القادر على كل شيء عمل به وحضر فيه. وهكذا ابتدأت قوة السماوات تنتشر على الأرض. فلم يعمل المسيح مسقلاً منفرداً منفصلاً عن الله أبيه، بل كان واحداً معه، حتى نفذ القدوس مشيئته بواسطته كاملاً، كما قال يسوع «طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله».

والغريب أن شعب اليهود رفضوا حامل سلطان الله هذا. ولم يقل بطرس أن رؤساء الكهنة أو أعضاء المجمع الأعلى هم المسؤولون عن رفض يسوع، بل المستمعون هم المخطئون، لأنهم خافوا من رؤسائهم، وابتعدوا عن يسوع الناصري رويداً رويداً، ولم يدافعوا عه، بل منهم من شارك بالصراخ: اصلبه اصلبه! فطعن بطرس بجرأة الروح القدس قلوبهم، وقال أنتم الذين قتلتم هذا المفوض من الله، ليس بالرجم العادي، بل بتسليمه إلى الرومان الوثنيين، وصلبتموه بواسطتهم. وهذا يعني عاراً مزدوجاً. ولم يتكلم بطرس إلى مسمعيه عن السرقة والكذب أو النجاسة، بل أبرز موقفهم تجاه يسوع، كأعداء لله، ثائرين مبغضين عمياناً جهلاء. فعظة بطرس هذه تعني إدانة الروح القدس، لأن هذا الروح هو قدوس، ويدين كل إثم، ويكشف موقفنا من الله في الثورة والعداوة.

أما الله فلم يخسر المعركة، رغم صلب المسيح، بل أتم في عمله المسبق خلاصه، ورغم الجريمة الشنعاء أعلن محبته كاملة. فليس إنسان يستطيع أن يعطل خطة الله. والقدوس عزم أن يفدي العالم عالماً أن هذا لا يتم إلا بذبيحة ابنه بأيدي الأثمة الثائرين. فالصليب هو النصرة لعلم الله المسبق وحكم محبته الفائقة الادراك للعالم. ولكن تعيين الله السابق هذا لا يعني تسامحاً مع اليهود، لأن الروح القدس قال بواسطة بطرس بكل حدة، أنتم القتلة المجرمون أعداء الله.

فما أعظم الفارق بين أول الحديث وآخره. فقد وقف الرسل في أعظم فرح الروح القدس أولاً وفاضت منهم التسابيح وآيات الشكر. ثم الروح القدس أدان قلوب المستمعين بشدة. لأن محبة الله ليست لينة أو سطحية، بل قدوسة وحقة.

الصلاة: أيها الآب القدوس، نشكرك لأنك بذلت ابنك الوحيد لأجلنا في العار والموت. نحن قتلناه بخبثنا وعنادنا. اغفر لنا ذنوبنا، وقدسنا تقديساً تاماً بروح محبتك المسرة.

2: 24 اَلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ نَاقِضاً أَوْجَاعَ ٱلْمَوْتِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ مُمْكِناً أَنْ يُمْسَكَ مِنْهُ. 25 لأَنَّ دَاوُدَ يَقُولُ فِيهِ: كُنْتُ أَرَى ٱلرَّبَّ أَمَامِي فِي كُلِّ حِينٍ، أَنَّهُ عَنْ يَمِينِي، ِكَيْ لا أَتَزَعْزَعَ. 26 لِذٰلِكَ سُرَّ قَلْبِي وَتَهَلَّلَ لِسَانِي. حَتَّى جَسَدِي أَيْضاً سَيَسْكُنُ عَلَى رَجَاءٍ. 27 لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي ٱلْهَاوِيَةِ وَلا تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. 28 عرَّفْتَنِي سُبُلَ ٱلْحَيَاةِ وَسَتَمْلَأُنِي سُرُوراً مَعَ وَجْهِكَ.

إن انتصار الله على الموت هو شعار المسيحيين. والرمز لهذا الظفر هو المسيح المقام من بين الأموات. إنه حي ولن يموت. وهو الضمان لقيامتنا. وكافل حياتنا الأبدية.

فشهد بطرس جهراً بفوز الله على معارضة اليهود. الذين صلبوا يسوع، لأن الله قبل هذا المرفوض، وأقام المحتقر الشاب الناصري الميت، وحل سلاسل الموت (مزمور 18: 5-6) إذ مستحيل للحي أن يبقى ميتاً لأنه قدوس، فلم يجد الموت حقاً عليه. لقد مات يسع لأجل خطايانا، وقام لأجل تبريرنا. فإقامة المسيح عنت لليهود دينونة الله الخارقة، وبنفس الوقت أعظم تعزية للمسيحيين.

بعدئذ وضح الروح القدس بواسطة بطرس، كيف نظر الملك داود ببصيرة المسيح إلى أسرار الثالوث الأقدس، واعترف بأن الابن رأى دائماً الآب أمامه عير مستتر ومكشوف كل مجده. فيسوع كان آدم الثاني وقبلة الله، وصورته الحقيقية، مفعم القوة والجمال وابهاء، وعاش معه في وحدة الانسجام عاملاً ما أراد الآب.

وقبل الصلب رأى الابن أباه عن يمينه، كما نحن نعرف بعد صعوده، أنه عن يمين أبيه. فنرى مرة أخرى أن كل أقنوم في الثالوث الأقدس يكرم الآخر بلا انقطاع، معتبراً نفسه الأصغر بالتواضع. وقال المسيح في هذه النبوة أنه يثبت بواسطة نصر الله ولا تزعزع لرؤيته. فكم بالحري نحن نحتاج أن ننظر دائماً إلى أبينا لكيلا نسقط في التجربة.

وهكذا لن تكون العلاقة القريبة الدائمة بين الآب والابن معكرة بواسطة استكبار أو خطية، بل مفعمة السرور والمحبة والغبطة والابتهاج، كما أعلن الله نفسه إله المسرة، لما قال: أنت ابني الحبيب الذي به سررت. فلا تحزنوا لأن فرح الرب هو قوتكم.

والمسيح رأى قبل تجسده موته كحمل الله مقبلاً عليه. ولكن بصيرته امتدت إلى أبعد من الموت، إلى الأعماق المؤبدة. فلم يمت يائساً على الصليب، بل مطمئناً في الرجاء، عالماً أن روحه ونفسه لا تبقى في سجن الأموات. إنما هو مستودع في يدي الله. أنبأ داود عن يسوع، أن جسده لا يفسد لأنه قدوس. هكذا صار رجاء المسيحيين، أن جسدهم أيضاً يتقدس وسيقوم، لأن الغفران تام ويطهر جسدنا كاملاً، الذي هو هبة صالحة من الخالق. فقيامة المسيح هي قدرتنا وفرحنا وشكرنا. وكان المسيح دائماً عالماً كل الأرار والطرق في الحياة الأبدية، حتى قدر أن يقول: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد. ففي المسيح نجد قيامة كل المؤمنين ملخصة، حتى أصبح هو المحيي لأتباعه. فبدونه وخارج رحابه ليس حياة حقة.

وآخر الزمان يحصل للمسيح ملء الفرح العظيم، حين سيرى أن موته فدى ملايين من الناس وأحياهم ليثبتوا معه، متحدين أمام عرش النعمة. وفوق ذلك فإن الروح القدس قد جعلهم أعضاء في جسده الروحي وأدخلهم إلى جوهر محبة الله وحقيقة حياته الأبدية. إن إيماننا عظيم جداً مبني على الفرح والابتهاج والرجاء.

2: 29 أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ لَكُمْ جِهَاراً عَنْ رَئِيسِ ٱلآبَاءِ دَاوُدَ إِنَّهُ مَاتَ وَدُفِنَ، وَقَبْرُهُ عِنْدَنَا حَتَّى هٰذَا ٱلْيَوْمِ. 30 فَإِذْ كَانَ نَبِيّاً، وَعَلِمَ أَنَّ ٱللّٰهَ حَلَفَ لَهُ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مِنْ ثَمَرَةِ صُلْبِهِ يُقِيمُ ٱلْمَسِيحَ حَسَبَ ٱلْجَسَدِ لِيَجْلِسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، 31 سَبَقَ فَرَأَى وَتَكَلَّمَ عَنْ قِيَامَةِ ٱلْمَسِيحِ أَنَّهُ لَمْ تُتْرَكْ نَفْسُهُ فِي ٱلْهَاوِيةِ وَلا رَأَى جَسَدُهُ فَسَاداً. 32فَيَسُوعُ هٰذَا أَقَامَهُ ٱللّٰهُ، وَنَحْنُ جَمِيعاً شُهُودٌ لِذٰلِكَ.

يسمي بطرس في هذه العظة المستعمعين إخوة، رغم أنهم غير داخلين في عائلة الله بعد. ولكنه رأى الروح القدس عاملاً في قلوبهم. فوضح لهم أن النبوة المذكورة في الأصحاح 2: 25-28 الصادرة من الملك داود لا تخص نفس الملك، لأنه وهو آب لنسل كثير قدمات حقاً، وقبره معروف وما كان فارغاً. فهو نبي حق ممسوح من الروح القدس. وحصل على وعد من الله، لم يحصل عليه نبي أو ملك أو كاهن، وهو أن أحد أبنائه سيكون ابن الله بنفس الوقت، مستلماً مملكة لا تزول (2 صموئيل 7: 12-14). وكل اليهود عرفوا هذا العد الشهير عن المسيح، وانتظروا ابن الانسان الذي هو ابن الله، باشتياق وترقب. وفكر الكتبة كثيراً بالمسيح الآتي، وفتشوا الكتب، وعرفوا أن الممسوح الإلهي هذا، سيغلب الموت، لأنه مولود من الروح القدس، مفعم العنصر الإلهي. فلا يستطيع جسده أن يفسد ولا تبقى نفسه مقيدة في سلطة الموت. فمملكته مملكة أبدية، وهو قد غلب في شخصيته قدرة الموت. ولم يملك كملك فان زائل، بل أنه ملك الملوك أزلي واحد مع الله الآب، وحامل سلطانه في قلبه.

وبعد ذلك شهد بطرس بدافع الروح القدس جهراً، أن يسوع المصلوب المرفوض هو ابن داود، الملك الأزلي الذي أقامه الله. ولم يخف بطرس من أعداء المسيح فيما بعد، ولم يبحث معهم هذه الأمور، بل شهد عن إتمام الحقيقة في قوة الله. قد شهد انتصار اللهبعينيه، وسمع من المقام الحي كلمات غفران خطاياه. يسوع أكل معهم لما قام من الأموات، وهو في جسده الروحي، وأراهم أثر المسامير. فالناصري حي، وابن الله غير ميت. الرب قام فهل نحن شهوده؟

وبهذا القول انتهى القسم الثالث من عظة الروح القدس على لسان بطرس. أولاً وضح لهم انسكاب الروح القدس إتماماً للنبوة في يوئيل. ثانياً سمى اليهود قتلة المصلوب. ثالثاً برهن لهم من الكتاب أن المسيح قام حقاً.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت رئيس الحياة. نسجد لك ونؤمن بقيامتك وحياتك. أنت ملكنا ومحيينا. أنت رجاؤنا الوحيد. املأ كثيراً من الناس بروحك القدوس، وارجعهم إليك ليحيوا.

2: 33 وَإِذِ ٱرْتَفَعَ بِيَمِينِ ٱللّٰهِ، وَأَخَذَ مَوْعِدَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مِنَ ٱلآبِ، سَكَبَ هٰذَا ٱلَّذِي أَنْتُمُ ٱلآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ. 34 لأَنَّ دَاوُدَ لَمْ يَصْعَدْ إِلَى ٱلسَّمَاوَات. وَهُوَ نَفْسُهُ يَقُولُ: قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي، ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي 35حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ 36 فَلْيَعْلَمْ يَقِيناً جَمِيعُ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ أَنَّ ٱللّٰهَ جَعَلَ يَسُوعَ هٰذَا، ٱلَّذي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ، رَبّاً وَمَسِيحاً.

بعد تمهيد طويل ووصف أسس الخلاص. بيّن بطرس لمستمعيه أخيراً العلاقة بين المسيح المرسل من الله والمصلوب والمقام من بين الأموات، وبيّن انسكاب الروح القدس. أن مجيئه وموته وقيامته كانت ضرورية لكي يأتي العصر الجديد، لأنه بدون الصليب والقامة لا يأتي الروح القدس.

إن يسوع صعد إلى يمين الآب في انسجام كامل معه، والله سكب على المحتقر المرفوض من اليهود فيضاً من الكرامة والمجد كثيراً، ودفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض، واستودع بين يديه تنفيذ موعد الآب، أي انسكاب الروح القدس على أتباعه الصلين المؤمنين.فالروح القدس يأتي، لأن المسيح صالحنا مع الله على الصليب، ويشفع فينا كرئيس الكهنة القدوس عند الآب. فخدمة المسيح التوسطية هي انسكاب الروح القدس.

وحقاً ليس إنسان قريباً لله وثابتاً في عرش النعمة إلا يسوع الناصري. فكل الأنبياء والملوك ومؤسسي الأديان هم إما أموات في القبور أو في راحة السماء مثل إبراهيم وموسى وإيليا. ولكن المسيح هو وحده القريب لله قرابة الوحدة، لأنه هو الرب باذات، وأنه ثابت في ابيه وأبوه فيه إلى الأبد. فالنبي داود شاهد مرة ثانية في رؤيا الروح القدس هذه الوحدة بين الآب والابن، وأصغى للمكالمة بين الله ومسيحه، وسمع ما قاله الآب لابنه، لما وصل إليه بعد صعوده إلى السماء محاطاً بتسابيح الحمد من جمع الملائكة، إذ ناداه: اجلس الآن واسترح لأنك أكملت خدمتك في جسدك الانساني المعذب. لقد أكملت الخلاص. ومن الآن فصاعداً أنا أعمل بقدرة روحي المنفذ، لخلاصك في كل الطلاب المستقيمين، ودينونة على الظالمين المعاندين.

فمنذ حل الروح القدس في العالم ابتدأت الدينونة على البشر. وقال بطرس بإرشاد الروح القدس لليهود في وجوههم، إن الله يضعكم موطئاً لقدمي المسيح إن لم تتوبوا. وإن لم تؤمنوا بالمصلوب، وإن لم تقبلوا ابن الله بالدموع. فهذه الكلمة المرهبة تخ أيضاً كل الناس في جميع قارات العالم بكل أحزابهم وأديانهم. فمن لا يقبل الابن يوضع فريسة تحت قدميه مقيداً إلى الأبد.

وهكذا أرى بطرس شعبه أن الروح القدس يحل منذ عيد العنصرة بلا مانع إلى كل أنحاء عالمنا، لأن المسيح أزال الحاجب والحائط الفاصل بيننا وبين الله. فعاصفة محبة الله تجري، والخلاص يتحقق في المؤمنين.

ولكن للأسف فإن روح الحق لم يقدر أن يحل في أكثرية اليهود، لأن خطية واحدة كانت غير معترف بها من أعضاء العهد القديم: قتل المسيح ورفضه حتى بعد الموت. فدفع الروح القدس المتكلم، ليطعنهم في جرحهم، وقال: إن يسوع الشاب الناصري هو مائة بالمئة الرب بالذات، الذي ارتفع إلى يمين الله. هو إله حق من إله حق. هو المسيح الممسوح في ذاته وإياه صلبتم. وبهذه الكلمات قال مقدام الرسل لليهود أنهم أخطأوا هدف تاريخهم وأساءوا إلى معنى عهدهم مع الله. وجرح باسم الله كل أبناء الأمة وليس أفرادا فقط، وأدانهم ليس بالطريقة الإنسانية، بل كما يدين القاضي الأزلي، ويصيب الضمائر في آخر عمق.

في بداية قول بطرس استهزأ بعض اليهود بالتلاميذ، وأتهموهم بأنهم سكارى، لأن فرح الروح القدس ملأهم. فوضح بطرس بدون وسائل بلاغية، بل في قوة الروح القدس الحقيقة الظاهرة وفسر من هو الروح القدس الحال في أنفسهم، ومن أين يأتي، وسبب حضوره، حى أبرز نهائياً وبآخر شدة، أن قتل مسيح الله ذنباً على أمته. ومن هذا الإرشاد نرى أن الروح القدس لا يوافق أبداً على حل وسط، ولا يسمح في حياتنا للمزج بين الحق والكذب. إنه يدين عصيانك وسحق كبرياءك. اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم.

الصلاة: ايها الآب قد أخطأنا إليك، واشتركنا في صلب ابنك بمحبتنا الدنيوية. أنا وخطاياي سمرنا المسامير في يديه. اغفر لي ذنبي وقدسني بروحك القدوس، لكي أرفض كل خطية من أصلها، ولا أسقط في التجربة. بل اعترف بيسوع المسيح رباً مخلصاً، وأعمل إرادته بمحبته، يا رب انخس كل القلوب القاسية لتتوب وترجع وتنكسر.

7 - بنيان النفوس بخدمة الرسل (2: 37 - 41)

2: 37 فَلَمَّا سَمِعُوا نُخِسُوا فِي قُلُوبِهِمْ، وَسَأَلُوا بُطْرُسَ وَسَائِرَ ٱلرُّسُلِ: «مَاذَا نَصْنَعُ أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ؟» 38 فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى ٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا»، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ.

لا يستطيع الروح القدس أن يحل في إنسان، إن لم يتب حقاً ويرفض ماضيه. فكل خطية هي تعد على الله ومسيحه. فلهذا يكسر الروح القدس قبل حلوله فيك عصيانك وتمردك في قلبك، لتتحرر لخدمة الله. ودينونة الروح القدس هذه هي بنفس الوقت أعظم نعمة. فم يقبل توبيخ الروح القدس ودينونته منكسراً لا يدخل إلى الدينونة الأخيرة، بل قد اجتاز إلى الحياة الأبدية اليوم.

فاليهود المتراكضون إلى بيت التلاميذ لسماعهم عاصفة الروح القدس الآتي، أصبحوا مصابين بقوة عظمة بطرس في صميم ضمائرهم، ورأوا أنفسهم واقفين أمام الله الحي، وأدركوا نفسهم قتلة ثوارا هالكين. فلم يحاولوا أن يبرروا ذواتهم، ولم يبحثوا عن حققة ذنبهم، بل تمتموا خائفين: ماذا علينا أن نصنع؟ وهذا السؤال يرينا شيئين: أولاً عدم القدرة في الإنسان المصاب من روح الله والضائع والذي لا يجد منقذاً ولا حلاً، فتتزعزع ثقته بذاته تماماً، كما اختبر بطرس عند صياح الديك.

ثانياً لا يدرك الإنسان المنكسر، من هو الله وماذا يعمل لأجلنا، بل يتمتم مضطرباً من شعور قلبه: ماذا أصنع أنا لأخلص؟ هذا رغم شعوره بأنه لا يستطيع أي عمل لإنقاذ نفسه، إذ أمام القدوس تظهر أعمالنا باطلة نجسة. وكل إنسان هو ملتو من أساسه ذ يريد أن يعمل كل شيء من تلقاء نفسه ولا يسمح لله أن يخلصه. فالإنسان الطبيعي يحاول إصلاح نفسه بنفسه، وتبرير ذاته، وفداء شخصه، ويريد إبراز قدرته الخاصة إلى المنتهى. (فالأنا) الشرير الفاسد يتمسك بذاته حتى في آخر لحظة الدينونة.

ولكن الحمد لله، فلم يقدم بطرس للتائبين اقتراحات عما عليهم أن يعملوا، بل طلب إليهم التفكير والمعرفة الجديدة والإيمان بيسوع. فالانقلاب في الإنسان لا يتم بعضلاته أو عقله، بل في صميم ذهنه. فعلى تفكيرنا الكامل وشعورنا وإرادتنا أن تتغيروتتجدد. ليس كغسل الدماغ عند البلدان الدكتاتورية غصباً عن الانسان، بل في العهد الجديد يفتح التائب نفسه طوعاً لقوة الله المطهرة، ويسمع كلمة رسل المسيح بالشوق والشكر.

وقال بطرس للمنكسرين: ارجعوا من ذنوبكم واتركوا فداء أنفسكم، واعترفوا جهراً بفشل حياتكم وعصيانكم أمام الله. سلموا أنفسكم بين يدي القدوس، فتنتهي أهدافكم وآمالكم وغاياتكم، وتسود مشيئة الله فيكم. فالرجوع يعني التفاتاً كاملاً في اتجاه حاتنا من الأهداف الدنيوية وإكرام الأنانية إلى الله، لنصبح ملبوسين بمحبته.

وبكل وضوح فإن ذهابنا إلى الله يعني دينونة، والتفاتنا إلى القدوس يأساً. فيحتاج التائب إلى حماية أمام الله. ولهذا اقترح بطرس لمستمعيه المعمودية باسم يسوع المسيح. وهذا يعني انتحاراً روحياً للإنسان القديم الخاطئ، والدخول الطوعي إلى رحب الفادي. فمن اعتمد في المسيح يشبه الإنسان الفاسق الذي غرق في الماء وينتهي. ويتجدد بالنعمة الإلهية ويخلق جديداً. وتنتشله نعمة الله وتقيمه إلى أكبر، الذي هو بر المسيح لتمجيد الله الآب. فالتطهير من الخطية في أعماق ضمائرنا هو الثمر الأول لمعمودية. فمن يتحد مع المسيح في الإيمان بواسطة المعمودية، ويقبل خط اسمه غير المنظور على جبينه، يتقدس بواسطة مصالحة ابن الله.

والنتيجة الثانية لمعمودية الإيمان هي استلام الروح القدس. فيوحنا المعمدان علم بدقة، أن معموديته بماء التوبة هي رمز فقط، ولا تنفع شيئاً، إلا استعدادنا لمعمودية المسيح. فقال جهراً، الذي يأتي بعدي هو أعظم مني، وسيعمدكم بالروح القدس وانار. ففي يوم العنصرة الأول كان الوقت قد حان لتتحقق هذه اللحظة في تاريخ الخلاص: ان ابن الله عمد بالروح القدس قتلته التائبين، الذين آمنوا باسمه برمز معمودية الماء، لأنهم انكسروا سابقاً تماماً، وقد دخلوا بالإيمان إلى رحابه. فإن محبة الله توق كل العقل.

هل تعمدت وحصلت على الروح القدس؟ إن ممارسة طقس التوبة الخارجية لا تؤمن حلول الروح القدس في المعمد، لأن المعمودية لا تعمل كإبرة للمريض، كلا. فإن الروح القدس يهب حيث يشاء. والمعمودية بدون إيمان، غير نافعة. فثبت معموديتك بواسطة إغراق نانيتك في المسيح فيقوم هو فيك، ظاهراً في محبتك، وتعيش معه إلى الأبد. وهل تعرف علامات المعمدين بالروح القدس، إنها المحبة والفرح والسلام والصبر واللطف والصلاح والإيمان والوداعة والتعفف. هل حصلت على هذه المواهب من الروح القدس؟

الصلاة: أيها الآب، نشكرك لأنك قد سكبت موعدك على البشر، بواسطة ابنك الحبيب. نسجد لك ونحمدك، ونطلب إليك أن يمتلئ كل مؤمن بروحك. املأنا بمحبتك وحقك لكيلا نتحاجج عن حقائق روحك القدوس بل نثبت في اسم ابنك الحنون.

2: 39 لأَنَّ ٱلْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلادِكُمْ وَلِكُلِّ ٱلَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ، كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُنَا. 40 وَبِأَقْوَالٍ أُخَرَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَشْهَدُ لَهُمْ وَيَعِظُهُمْ قَائِلاً: «ٱخْلُصُوا مِن هٰذَا ٱلْجِيلِ ٱلْمُلْتَوِي». 41 فَقَبِلُوا كَلامَهُ بِفَرَحٍ، َٱعْتَمَدُوا، وَٱنْضَمَّ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاثَةِ آلافِ نَفْسٍ.

بعدما أبان بطرس باسم يسوع للجموع التائبة المضطربة أنهم يستطيعون الدخول إلى المسيح بواسطة الرجوع الحق ومعمودية الإيمان، شرطاً للحصول على الروح القدس، قواهم الرسول في هذه المعرفة، ووضح لهم عظمة محبة الله بقوله:

الروح القدس هبة وليس أجرة. وليس إنسان يستحق مجيء الله إليه ليحل في قلبه. هذا الحلول امتياز عظيم اقتناه لنا المسيح بدمه. ولو لم يمت المسيح على الصليب، ما استحق إنسان الروح القدس، لكنه قد مات، ومحا ذنوب كل الناس. فيستطيع كل امرء بدو صعوبات أن يقبل الروح القدس، شرط أن يعرف خطاياه، ويندم عليها، ويعترف بها، ويتركها بكل عزمه. فالروح القدس هو قدوس لا ينسجم مع نجاساتك أو أكاذيبك. وهذا الروح الحق يمجد الابن، فلا يسمح بأي كبرياء فيك. وحيث تستسلم لدوافعه وتؤمن بالمسيح ابن الله وتقبل كفارته عنك، تتبرر وتتقدس معاً. وبمقدار تسليمك نفسك للمسيح وفتحك قلبك لمحبة روحه تمتلئ بقوة الله. لا تعارض صوت الروح القدس، لأنه يشاء ان يصيرك إلى صورة الله الآب، لكي تصبح رحيماً كما هو رحيم. فإعادتك إلى صورة الله هو هدف تقديس لروح القدس.

وليست الحصة في موعد الآب لليهود فقط، بل للبشر جميعاً إذا سمعوا دعوة الله، وآمنوا بالمخلص، تائبين عن ماضيهم الشرير. فلا فرق في اللون أو الذكاء أو العنصر أو الماضي أو الاختبارات التي في حياتهم. والروح القدس لا يميز بين أولاد ووالدين رجال ونساء، أغنياء وفقراء، بل كل من يتوب ويقبل صليب المسيح يحصل على بنوة الله، ويعرف الابن الوحيد المسيح الذي اشتركنا في ملئه. وها هوذا الروح القدس يدعوك اليوم وملايين من الناس إلى الدخول في خلاص المسيح. فشعار عصرنا هو دعوة الروح القدسلكل الناس وعرضه المجاني للإندماج في عائلة الله الآب. فمن يسمع؟ ومن يأتي؟ ومن يدرك خطاياه؟ ومن يؤمن بالمسيح، ويعيش في ملء قدرته؟

وقد تكلم بطرس والرسل الآخرون كثيراً مع الأفراد، ووضحوا لهم شخصياً أسرار الخلاص، ونقضوا شكوكهم، وبينوا لهم قلوبهم الشريرة، وأكدوا لهم عظمة محبة الله. وفي هذه الأقوال أنارهم الروح القدس ليسموا كل الناس ملتوين. فليس إنسان مستقيماً. الكل يمشون طرقاً معوجة. ويكونون في كيانهم معقدين. ليس أحد صالحاً وصحيحاً في هذا العالم. الكل مقيدون في الكذب والظلم والغش والحيل والبغضة والقتل والحسد والمصالح الخاصة.

أما الروح القدس فيحررنا من التشاؤم، ويدعونا للمسيح يسوع، ويخلصنا من أنانيتنا. ولا يصلح العالم بل يغير المؤمنين في عمق جوهرهم. فلا تحتاج إلى إصلاح أخلاقك بل إلى خلاص مبدئي. فأنت هالك في غضب الله، وضال مثل كل إنسال. فيدعوك الرسول بطس. اخلص من هذا الجيل الملتوي. ولا يقول «ابق نصف ملتو ونصف مخلص»، ولا «آمن بالمسيح واستمر في خطاياك مطمئناً» كلا. فمنذ عيد العنصرة حضر الروح القدس في العالم، والمسيح يخلص بقوته كل من يؤمن به حقاً وكاملاً. لقد تم الخلاص على الصليب والروح لقدس يحقق هذا الامتياز فيك اليوم، إن فتحت نفسك لأشعة قوة المسيح مؤمناً بمحبته.

وفي عيد ميلاد كنيسة المسيح بلغ عدد الذين سمعوا دعوة الروح القدس ثلاثة آلاف. قليل من الوعاظ في تاريخ البشر اختبروا في خدماتهم نتيجة خارقة لعظاتهم كما اختبرها بطرس الخطيب الغير المتعلم، الذي تكلم الله نفسه بواسطته.

والتائبون المضطربون آمنوا رأساً بيسوع، لأن الروح القدس فتح أعين قلوبهم وأنار عقولهم. وللعجب فلم يعطهم الرسل وقتاً للتأمل، ولا مدة للتجربة، لئلا يرتدوا على أعقابهم، أو ليعمقوهم في ملء كلمة الله، بل عمدوهم رأساً بنفس اليوم، الذي ابتدأ فيه التائبون بالإيمان، علماً أن هذا الإيمان لم يكن تصديقاً عقلياً سطحياً، ولا فكراً ذكياً عن أمور روحية، بل قد سكب الروح القدس مسرته في المؤمنين ومارس دينونته في غير التائبين. وقد أعلن بطرس في عظته أسس إيماننا بكل وضوح: حياة المسيح والصليب والقيامة وصعود الرب إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب، وحقيقة الروح القدس في المؤمن. فمن أدرك هذه الحقائق، وآمن بها، ومات عن نفسه بالمعمودية في اسم المسيح يستحق نيل الروح القدس حالاً.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نسجد لك لأجل أعجوبة الروح القدس، الذي حل فينا نحن الملتوين المعقدين. نشكرك لأنك غفرت لنا كل ذنوبنا وطهرتنا. املأنا بحقك ومحبتك، لكي ندعو بالتواضع الكبير كل الناس لاتباعك، لأنك خلصت كل فرد، واقتنيت له حق نيل الروح القدس. ساعدنا لإيمان ثابت حي.

8 - الحياة الروحية في كنيسة المؤمنين (2: 42 - 47)

2: 42 وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ ٱلرُّسُلِ، وَٱلشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ ٱلْخُبْزِ، وَٱلصَّلَوَاتِ. 43 وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي ٱلرُّسُلِ. 4 وَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعاً، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. 45 وَٱلأَمْلاكُ وَٱلْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ ٱلْجَمِيعِ، كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ٱحْتيَاجٌ. 46 وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي ٱلْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ ٱلْخُبْزَ فِي ٱلْبُيُوتِ، كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ ٱلطَّعَامَ بِٱبْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ، 47 مُسَبِّحِينَ ٱللّهَ، وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ ٱلشَّعْبِ. وَكَانَ ٱلرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى ٱلْكَنِيسَةِ ٱلَّذِينَ يَخْلُصُونَ.

في الأخبار السابقة أوضح لنا البشير لوقا، كيف أعد يسوع حلول الروح القدس، وكيف انسكب هذا الروح الأبوي كعاصفة المحبة حقاً، رابطاً الفرح مع الحق والقداسة مع المحبة.

ومن الآن فصاعداً يرينا الطبيب لوقا ماذا وكيف عمل الروح القدس، لأن موعد الآب قد تم، وقوة المسيح عملت وانتصرت وبنت حتى اليوم. وقد دخل عصر جديد بالنعمة. وقوة محبة الله جعلت المؤمنين بالمسيح أناساً متفوقين، بعدما انكسرت الأنانية فيهم، وامتلأوا بواسطة إيمانهم بصلاح الله.

كيف يظهر عمل هذا الروح القدس عملياً؟ فلوقا اليوناني كتب لنا بطريقة بلاغية جميلة قليلة ما هو جوهر ونتيجة الروح القدس:

  1. انه يقود المؤمنين إلى ملء كلمة الله، خصوصاً إلى أخبار الرسل، لأنه لا توجد حياة من الروح الإلهي بدون تعمق مستمر في الإنجيل، الذي بواسطته يعلم المسيح طلابه حتى اليوم. فبدون تعليم الرسل لا إيمان.

  2. وهذا التعمق في مشيئة الله، وتناول الغذاء الروحي من الكلمة يومياً لا يتم منفرداً بطريقة انعزالية، بل أن المؤمنين قد عاشو معاً في شركة المحبة، حيث اعتبر أحدهم الآخر أعلى من نفسه. فلا مسيحية بدون شركة، لأن روح الله محبة.

  3. ولم يكتف المؤمنون بتبادل الأفكار وشركة الشعور العاطفي فقط، بل احتفلوا معاً بالعشاء الرباني مؤمنين أن الرب يسوع نفسه يتمركز في أجسادهم، بواسطة رموز الخبز والخمر. فانتعشوا وتقووا في مسرة وشكر.

  4. وهذه الأركان الثلاثة في هيكل الله كانت معربشة عليها صلوات وتسابيح الحمد وابتهالات واعترافات الآثام ودعوات إلى الله، لأن ليس أفكار دنيوية أو حكم فلسفية كانت شعار اجتماعاتهم، بل صلتهم المباشرة مع الله أبيهم والاتصال الدائم معه. هل تصلي بشركة الإخوة باستمرار؟

  5. وإيمان الممتلئين بالروح لم يكن سطحياً، لأنهم قد اختبروا قداسة الله في جلالها وارتجفوا منه. فأحبوا الرب من كل قلوبهم واثقين به. ولكن ليس بدون تواضع ووقار وخوف من عظمته. فالروح القدس يخلق فينا مخافة الله ومحبته كركن متين للإيمان الحي.

  6. فمن ارتبط هكذا بالثالوث الأقدس الواحد يختبر قوته السماوية في شركة القديسين، لأن أبانا يستجيب صلوات أولاده المشتركة، ويجري خلاصاً وحماية وشفاء وتقديساً وهدى من ملء رحمته.

  7. ومحبة القديسين لا تتهي في محفظة المال، بل الروح القدس يرشدنا إلى العطاء بفرح، لأن العطاء أفضل من الأخذ. فباعوا أملاكهم، وتحرروا من صنم المال، ووضعوا وارداتهم في صندوق الكنيسة المشترك.

  8. هكذا عاش الكل معاً كعائلة الله، ودربوا أنفسهم على التعاون الطوعي، حيث يكون المسيح المحور المدير. فقد حررهم الروح القدس من البخل والحسد والطمع، وأرشدهم إلى تنفيذ المحبة العملية.

  9. وانتظر الجميع إتيان المسيح القريب وتأكدوا أنهم سيرون مجده، وهم ما زالوا أحياء. فأحبوا مخلصهم بمقدار أنهم فكروا به ليلاً نهاراً، منتظرين مملكة قدرته.

  10. ولم يتباحثوا، إن كان إيمانهم حقاً أو محبتهم قوية أو رجاؤهم حياً، بل فرحوا في بساطة قلوبهم عن حقيقة الروح القدس، وحمدوا الله بدون ملل.

  11. هكذا ثبتوا في النعمة. ولم يتركوا اجتماعاتهم في بيوتهم، بل كانوا يجتمعون يومياً لسماع تعليم الرسل والصلوات المشتركة في حلقات صغيرة. ولم يحتقروا الهيكل المصنوع من حجر، بل اشتركوا في الصلاة العامة، وهم بالحقيقة الهيكل المصنوع منالروح.

  12. إن كنيسة مثل هذه، لهي جذابة وملذة جداً. فكثيرون سألوا الممتلئين بالمحبة: كيف تغيرتم في شكلكم؟ فشهدوا لهم أن يسوع هو المسيح الحي، وقد أعطاهم هبة الروح القدس. فلهذه الشهادة نمت الكنيسة، حتى انضم إليها يومياً أعضاء جديدون في تلك النهضة الروحية العظيمة.

وفي هذه الكلمات نقرا في سفر أعمال الرسل لأول مرة كلمة «الكنيسة». فتفاسيرنا الاثنا عشر هي الوصف الحق للكنيسة الحية. فليس إيمان الأفراد هو الهدف النهائي لعمل الروح القدس، بل شركة القديسين، لأن إلهنا محبة ومحبته تتحقق في الشركة فقط.

الصلاة: أيها الآب السماوي، نسبحك لأن روحك القدوس يوحد الناس في محبتك، فيسامحوا بعضهم بعضاً. وكل واحد يعتبر الآخر أعظم من نفسه. ساعدنا نحن وكنيستنا لننتعش وليغلب روحك الموانع بيننا، ويحررنا من المال الذي في جيبتنا. آمين

9 - شفاء الأعرج (3: 1-10)

3: 1 وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعاً إِلَى ٱلْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ ٱلصَّلاةِ ٱلتَّاسِعَةِ. 2 وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ، كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ ٱلْهَيْكَلِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ «ٱلْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ ٱلْهَيْكَلَ. 3 فَهٰذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلا ٱلْهَيْكَلَ، سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدقَةً. 4 فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «ٱنْظُرْ إِلَيْنَا!» 5 فَلاحَظَهُمَا مُنْتَظِراً أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئاً. 6 فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلا ذَهَبٌ، وَلٰكِنِ ٱلَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلنَّاصِرِيِّ قُمْ وَٱمْشِ». 7 وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ ٱلْيُمْنَى وَأَقَامَهُ، فَفِي ٱلْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاهُ وَكَعْبَاهُ، 8 فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي، وَدَخلَ مَعَهُمَا إِلَى ٱلْهَيْكَلِ َهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ ٱللّٰهَ، 9 وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ ٱللّٰهَ. 10 وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ ٱلَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لأَجْلِ ٱلصَّدَقَةِعَلَى بَابِ ٱلْهَيْكَلِ ٱلْجَمِيلِ، فَٱمْتَلَأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ.

بعد أن صلى الرسل وأعضاء الكنيسة منفردين وجميعاً ذهبوا سوياً إلى الهيكل. ولم يحتقروا مكان السجود لأبيهم رغم أنهم أصبحوا في ذواتهم هيكل الروح القدس. ولأجل صلواتهم المستمرة وشكرهم الصافي ألبسهم الله قوة فائقة، لأن ليس أحد يجد سلطاناً روحياً إلا في الصلاة ودرس الكتاب المقدس باستمرار. فقلوب الرسل كانت ملآنة بمحبة الله المنحنية على المساكين. ولم يمروا بلا مبالاة على الفقراء المحتاجين. فمحبة الله تحملنا على خدمة جميع الناس.

ولما صعد بطرس ويوحنا إلى ساحة الهيكل الممتلئ بالناس وضجيجهم، ليصليا معاً ولنيل البركة، سمعا صوتاً رفيعاً بجانبهما. فالتفتا بانزعاج ورأيا رجلاً بائساً أعرج منذ ولادته. ولم يخط في كل حياته بعد خطوة واحدة دون عون الغير. فتحنن قلبا خامي الرب على المسكين، وتمنيا عونه للبائس. فدفعهما الروح القدس للإيمان بقدرة يسوع، وقوى ثقتهما بالمخلص. فأدرك بطرس ويوحنا معاً، أن الرب يريد تمجيد اسمه في المعذب حالاً.

وكان على بطرس أن يخبر الفقير، أنه ليس أغنى منه، لأن أعضاء الكنيسة الأولى امتنعوا عن التملك، وعاشوا معاً من الصندوق المشترك. فعبر بطرس عن المبدأ الظاهر في كل كنيسة حية: ليس لنا فضة ولا ذهب، ولو كان عندنا لضحينا به لتمجيد المسيح وخدة الفقراء. ولكن حيث يتكوم المال في صندوق كنيسة ما فهنالك لا بد أن تكون المحبة ضئيلة والبخل كبيراً مستطيراً. ولهذا لا تجري قوة الله في الكنيسة الغنية بالمال، بينما الكنيسة الفارغة من النقود والغنية بالإيمان فتلك تمتلئ بقوة محبة المسيح. فاذا تريد قوة أو مالاً؟ المسيح أو الدنيا؟ فهما لا يلتقيان معاً البتة.

تفرس الرسولان في عيني المسكين، وتحسسا داخل قلبه، حتى شعر المريض بأن هذين الرجلين يهتمان به، لا يحتقر منهما. ولكن لما سمع أن الرسولين فقيران مثله تلاشى رجاؤه.

وبعد قليل أنصت الأعرج بانتباه، لما نطق بطرس بالاسم الغريب: يسوع. ولم يقصد إنسان من الذين لقبوا به، ومعناه «الله يعين»، بل قصد المعين الوحيد الطبيب المخلص، الذي هو وحده المسيح الحق، الآتي من الناصرة المنطقة الجبلية الشمالية. وربما ان المريض قد سمع عن هذا المصلوب والمقام كثيراً، ولاحظ شيئاً من بحر الفرح الذي حل في بعض الناس بواسطة هذا الاسم، وإن رسالة الروح القدس بأن الله قد أقام المصلوب ورفعه إليه لم تبق مختبئة في أزقة أورشليم.

فسمع المقعد الأمر بالتجول باسم يسوع، وشعر بيد بطرس التي أمسكت برسغه. فجرى تيار قوة محبة إلى جسد الأعرج، فتقوت عضلاته واشتدت أربطته، وتنملت أعصابه وتجلست عظامه. وسمع المريض الكلمة: امش باسم يسوع المسيح. فقام ورأى عجباً، أنه يستطيع المشي!

ولم تصدر من هذا المريض في حياته السابقة خطوة واحدة. أما بهذا الوقت فقد قفز كغزال وركض كولد وتهلل بأعلى صوته. ولم يحمد الرسل، بل مجد الله مباشرة. والمشفي لم يركض إلى بيته، بل أدرك أن يسوع هو الذي شفاه. فرافق الرسولين المصلين إلى الهيكل، ليسجد معهما لله ويسبحه معهما. وفي فيضان فرحه، صار يركض يمنة وشمالاً. وجرب عظامه وساقيه، فاختبر ما نختبره نحن يومياً، إن الله يعطينا نعمة لنستطيع المسير. فهل شكرت ربك لهذا الامتياز؟

وحيث أن الوقت كان الساعة الثالثة ظهراً، فقد اجتمع كثير من الناس للصلاة الجمهورية. والكل كانوا عارفين الشحاذ المسكين، الذي ركض مبتهجاً وفرحاً. فأصبح رمزاً لسلطان المسيح. والكل تعجبوا وشعروا بالقوة الجديدة العاملة بينهم.

كيف حالك؟ هل تجلس مثل الأعرج في مدخل هيكل الله، سائلاً صدقة من المارين ورحمة، أو قد أنعشتك قوة يسوع، فتمشي باسمه وتقفز وتطفر، وتسبحه بكل سلوكك بكرة وأصيلاً؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك شفيت الأعرج بواسطة إيمان رسلك. ليتقدس اسمك أيضاً بإيماننا. املأنا برحمتك، لكيلا نحب المال، بل نخدم المساكين باسمك. اشفنا بقدرتك لنسير في اسمك ونحمدك.

10 - عظة بطرس في الهيكل (3: 11 - 26)

3: 11 وَبَيْنَمَا كَانَ ٱلرَّجُلُ ٱلأَعْرَجُ ٱلَّذِي شُفِيَ مُتَمَسِّكاً بِبُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، تَرَاكَضَ إِلَيْهِمْ جَمِيعُ ٱلشَّعْبِ إِلَى ٱلرِّوَاقِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ «رِوَاقُ سُلَيْمَانَ» وَهُمْ مُنْدَهِشُونَ. 2 فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ ذٰلِكَ قَالَ لِلْشَّعْبَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ، مَا بَالُكُمْ تَتَعَجَّبُونَ مِنْ هٰذَا، وَلِمَاذَا تَشْخَصُونَ إِلَيْنَا كَأَنَّنَا بِقُّوَتِنَا أَوْ تَقْوَانَا قَدْ جَعَلْنَا هٰذا يَمْشِي؟ 13 إِنَّ إِلٰهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، إِلٰهَ آبَائِنَا، مَجَّدَ فَتَاهُ يَسُوعَ، ٱلَّذِي أَسْلَمْتُمُوهُ أَنْتُمْ وَأَنْكَرْتُمُوهُ أَمَامَ وَجْهِ بِيلاطُسَ، وَهُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلاقِهِ. 14 وَلِٰنْ أَنْتُمْ أَنْكَرْتُمُ ٱلْقُدُّوسَ ٱلْبَارَّ، وَطَلَبْتُمْ أَنْ يُوهَبَ لَكُمْ رَجُلٌ قَاتِلٌ. 15 وَرَئِيسُ ٱلْحَيَاةِ قَتَلْتُمُوهُ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَنَحْنُ شُهُودٌ لِذٰلِكَ. 16 وَبِٱلإِيمَانِ بِٱسْمِهِ، شَدَّدَ ٱسْمُهُ هٰذَا ٱلَّذِي تَنْظُرُونَهُ وَتَعْرِفُونَهُ، وَٱلإِيمَانُ ٱلَّذِي بِوَاسِطَتِهِ أَعْطَاهُ هٰذِهِ ٱلصِّحَّةَ أَمَامَ جَمِيعِكُمْ».

لما تلمس الجماهير القوة في زعيم ما، يتراكضون إليه ليحوزوا شيئاً من مواهبه. ومع الأسف فقد عرف بالاختبار أن أكثر الزعماء لا يقدمون قوة الله لأتباعهم، بل يذيعون وينشرون بينهم قواهم الخاصة، ويعدونهم بجبال من فضة وذهب ولا يوفون أبداً.

وكان بطرس مندهشاً من موقف اليهود، إذ لم يدركوا الحق، ولم تعمل قوة الله فيهم. فحررهم أولاً من الإكرام لشخصه، لكيلا يتكلوا على موهبته الخاصة، بل على الله وحده، حسب القول: ملعون الرجل الذي تكل على إنسان. فشهد بطرس أن القوة البشرية واتقوى الدينية لا تستطيع إزالة الذنوب ولا شفاء مريض. فالناس باطلون وليسوا إلا طواويس ينتفخون ويبالغون بأنفسهم.

وبعدئذ دل الرسول على الإنسان الفريد، الذي يستطيع أن يعطي لعالمنا القلق قوة ورجاء. وهذا الإنسان هو يسوع الناصري. ولم يسمه بطرس المسيح، بل استخدم كلمة فتى الله صفة له. ومعناها في اليونانية عبد الله وابنه بنفس الوقت. وهي تدل على خضوعالمسيح لأبيه، لأن في هذا الخضوع الطوعي نجد كمال المسيح وانتصاره. ولأن ابن الله أخلى نفسه وصار إنساناً وتواضع إلى صورة عبد، وخضع لمشيئة أبيه حتى الموت موت الصليب. رفعه الله وأعطاه اسماً فوق كل اسم. فحق لبطرس القول. إن الله مجد اسم يسوع فتاه، لأن تمجيد اسم يسوع المسيح، هو غاية وقصد الروح القدس. الذي هو الله بالذات.

ولم يتكلم بطرس باسم إله عظيم غير معروف ومستحيل الإدراك، بل سمى الله إله إبراهيم وإله اسحق ويعقوب، لأنه أعلن نفسه لآباء الإيمان هؤلاء واختارهم ولم يتركهم. فإله آباء الأمة اقام فتاه يسوع من بين الأموات. وهذه الحادثة الإلهية المؤثرة كانت شعار تبشير الرسل. لم يبق يسوع المصلوب ميتاً ولكنه حي. والرسل شهود أنهم رأوه وتكلموا معه، وتيقنوا من حياته وجسده الغريب بعد الموت.

والروح القدس لا يكتفي بإظهار النعمة وبيان نصرة الله، بل يطعن دائماً في لب خطايا الإنسان، لأن روح الله هو قدوس. ولم تستقبل أمة اليهود مختار الله بل رفضته وأنكرته رغم أن الوالي الروماني حكم له بالبراءة. فشددوا على الوالي الوثني ليلو الحق ويصلب ابن الله. وهذا الخطاب تم ليس بعيداً عن برج انطوان المشرف على فسحة الهيكل. حيث علم يسوع سابقاً في رواق سليمان. فشعر الحضور بظلمهم الذي فعلوه، حيث أن الأبنية هذه كانت شاهدة عليهم. وتابع صياد الناس بطرس كلامه، وخلع أقنعة التقوىعن وجوه القتلة، ودمغهم برفض حمل الله، واختيار بارباس الثائر المجرم. وهذا الاختيار أعلن روحهم الشرير وذهنهم المرفوض.

ودفع الروح القدس بطرس ليسمي المسيح قدوساً المولود من الروح القدس. فثبت باراً رغم أنه حمل خطية العالم كله. وهذا البريء كان حياة الله المتجسدة. ومن يثبت بدون خطية لن يموت إلى الأبد. ولكن في موت يسوع حدث المستحيل، إن رئيس الحياة مات. ولم يستخدم بطرس في خطابه أمام الجماهير لتوضيح جوهر يسوع لألقاب: المسيح أو ابن الله، إنما وضع معانيها جميعاً في اسم يسوع.

والمتكلم استمر في حكمه على القتلة تدريجياً وقال: الله أحب يسوع الناصري. أما انتم فقد قاومتم روح الله وقتلتم محبوب القدوس. فأنتم مجرمون، أعداء الله ومضادوه. وقد جئتم إلى الهيكل لتصلوا وتنالوا البركة، ولكن الله لا يستجيب صلواتكم، لأنكم قد قتلتم فتى الله يسوع البار.

وبعدئذ شهد الشاهد الغير مثقف، أن الله مد يده، ولم يأخذ إليه موسى أو إيليا أو يوحنا المعمدان، بل يسوع المحتقر والمعذب من اليهود. فقيامة يسوع هي البرهان لقداسته وانسجامه مع مسرة الله. إن الرب يسوع حي وحاضر وقريب منك. فشهادة بطرس تخنا وتؤكد لنا أن المسيح لم يفسد في القبر ككل الناس، بل رمى عن نفسه قيود الموت، وهو يعيش اليوم في مجد الله الآب.

وتأييداً لهذه الرسالة المرعبة لليهود، أشار بطرس لمستمعيه إلى الرجل المشفى، الذي وقف بينهم وعرفوه منذ سنين طويلة. وكانت عضلاته المستجدة وعظامه المستقيمة الدليل على صدق شهادة بطرس، وبرهاناً لقيامة المسيح.

وقد وضح لنا لوقا الطبيب من خلال خطاب بطرس، أن الشفاء بالنعمة فقط. وحتى الإيمان بيسوع هو نتيجة نعمة المخلص في الإنسان. فالإيمان باسم يسوع يعني الثقة بحضوره والإيقان بإرادته المخلصة، وتسليمنا إلى الطبيب الشافي. وتمسكنا بكلمته المنجي. واسم يسوع ممتلئ القوة. وليست قدرة بناءة في دنيانا إلا هذا الاسم الفريد يسوع. فالروح القدس يخلص ويشفي ويقدس بهذا الاسم الفريد وحده. وإنه لا عجب أن الشيطان يحاول بألف طريقة تحريف هذا الاسم أو إنساءه أو تبديله بأسماء بارزة أخرى. أما أنتأيها الأخ، فقد أصبحت فاهماً ومستمعاً للحق. لقد حل في الإنسان يسوع الناصري ملء اللاهوت جسدياً. ومن يتعهد معه يختبر قدرته. وفي ضعفنا تكتمل قوة الله الأبدية.

والإيمان الفعال لهو سر كبير، لأنه تجاسر وثقة، المؤمن الذي يلقي نفسه على اسم يسوع، ويتكل عليه كل الاتكال. وتنمو ثقته بواسطة النظرة المستمرة إلى المخلص. فيسوع ينتظر منك إيمانك غير المنقسم، وتمسكك بالمصلوب، وارتباطك بقوة قيامته. تعال إلى يسوع، لأنه رئيس إيمانك ومكمله، وفي قربه تصح نفسك وتنتعش روحك وتتبرر حياتك. فإيمانك قد خلصك.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نشكرك، لأنك أعلنت لنا اسمك. وأوضحت لنا أنك إله حق من إله حق، ذو جوهر واحد مع الآب. وفيك يعمل سلطان القدير. لا تطرحنا من قدام وجهك. وروحك القدوس لا تنزعه منا. بل املأنا بعنصر محبتك لنثبت فيقوتك، وننشر اسمك في كل الأرض.

3: 17 «وَٱلآنَ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ بِجَهَالَةٍ عَمِلْتُمْ، كَمَا رُؤَسَاؤُكُمْ أَيْضاً. 18 وَأَمَّا ٱللّٰهُ فَمَا سَبَقَ وَأَنْبَأَ بِهِ بِأَفْوَاهِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ، أَنْ يَتَأَلَّمَ ٱلْمَسِيحُ قَدْ تَمَّمَهُ هٰكَذَا. 19 فَتُوبُوا وَٱرْجِعُوا لِتُمْحَى خَطَايَاكُمْ، لِكَيْ تَأْتِيَ أَوْقَاتُ ٱلْفَرَجِ مِنْ وَجْهِ ٱلرَّبِّ. 20 وَيُرْسِلَ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ. 21 الَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ ٱلسَّمَاءَ تَقْبَلُهُ، إِلَى أَزْمِنَةِ رَدِّ كُلِّ شَيْءٍ، ٱلَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا ٱللّٰهُ بِفَمِ جَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ ٱلْقِدِّيسِينَ مُنْذُ ٱلدَّهْرِ. 22 فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ. 23 وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لا تَسْمَعُ لِذٰلِكَ ٱلنَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ ٱلشَّعْبِ. 24 وَجَمِيعُ ٰلأَنْبِيَاءِ أَيْضاً مِنْ صَمُوئِيلَ فَمَا بَعْدَهُ، جَمِيعُ ٱلَّذِينَ تَكَلَّمُوا، سَبَقُوا وَأَنْبَأُوا بِهٰذِهِ ٱلأَيَّامِ. 25 أَنْتُمْ أَبْنَاءُ ٱلأَنْبِيَاءِ، وَٱلْعَهْدِ ٱلَّذِي عَاهَدَ بِهِ ٱللّٰهُ آبَاءَنَا قَائِاً لِإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ ٱلأَرْضِ. 26 إِلَيْكُمْ أَّوَلاً، إِذْ أَقَامَ ٱللّٰهُ فَتَاهُ يَسُوعَ، أَرْسَلَهُ يُبَارِكُكُمْ بِرَدِّ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَنْ شُرُورِهِ».

لم يقف بطرس كقاض أمام اليهود المضطربين، بل سماهم إخوة، علماً أنهم غير مولودين ثانية. ولكن يسوع غفر لهم كل خطاياهم على الصليب، ساكباً عليهم الروح القدس، الذي كان على استعداد أن يحل في المؤمنين، لأن الوعد كان لهم ولكل الذين آمنوا. فيقن بطرس مسبقاً أن الخلاص الواقف أمامهم سيخترقهم متمماً مقاصد النعمة فيهم.

وأعلن أكبر التلاميذ سلطان صلاة يسوع الشفاعية على الصليب، لما قال: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعرفون ماذا يعملون. فهذا كان توضيحاً عميقاً لمعنى ذنب اليهود ورؤسائهم، وهذا التسامح في فم بطرس توقف على اختباراته الخاصة، لأن الرب المقاممن بين الأموات برره مجاناً، رعم إنكاره وتجديفه السابق. وما تم هذا الغفران لأجل أعماله الصالحة وسلوكه الطاهر، بل رغماً عن خطاياه المكشوفة. فتشجع بطرس باختباراته الشخصية. وأعلن نعمة يسوع المسيح علانية مطلقاً، كما وضح سابقاً ذنوب مستمعيه بل صراحة، واخترق قلوبهم. فبعد دينونة الروح القدس تأتي التعزية المنعشة المنعمة على المؤمن التائب.

لقد أصغى بطرس لأقوال يسوع بعد قيامته بشوق زائد، وأدرك أنه لا يوجد طريقة لخلاص العالم إلا بآلام المسيح. فكان ينبغي لحمل الله أن يموت، كما أنبأ كل الأنبياء الصالحين من قبل. وهذه إرادة الله الأصلية التي سبق فعينها أنه يضع كل ذنوب وعا العالم على ابنه البريء، لأنه وحده كان قادراً ومستحقاً أن يموت عوضاً عنا في لهيب غضب الله. ولا بد أن الآب السماوي فضل أن يموت بذاته عن العالم الشرير من أن يبذل ابنه الوحيد. ولكنه حامل الكون في كيانه. فلا يبقى إلا أن يموت الابن عوضاً عنا لأنه بدون موته الكفاري لا يوجد غفران.

وفي تألم المسيح النيابي عنا ظهرت مسحته بالروح القدس بأوضح بيان. فمن يتأمل في الصليب ينظر مباشرة إلى قلب الله الذي أحب الخطاة الفانين، وبذل ابنه المطيع ليقدس المتمردين الفاشلين.

وبعدما أثبت بطرس من العهد القديم، أن يسوع الناصري كان مسيح الله، ومات بانسجام مع أبيه، وليس مصادفة بأيدي قتلة، عندئذ ابتدأ هجومه الواسع وطلب من مستمعيه تغيير الفكر. إن كلمة «توبة» لا تعني ندامة عاطفية ودموع الخجل فقط، بل تغيير اتجاه الحياة كلياً، وترك الأهداف الكاذبة، والالتفات نحو المسيح، الذي هو الهدف الإلهي الحق. وهذا الرجوع يتضمن الاعتراف بالخطايا، وقبول استحقاقنا لغضب الله، والايمان بالنعمة المجانية، والثبات في الغفران الموهوب لنا بالغنى. فالتسليم الكامل لله بقلب منسحق يقابله بنعمة مطلقة غير محدودة، لأن المسيح أتم على الصليب خلاصنا. فمن يؤمن يتبرر.

وحيث يحل بر الله في القلوب تبتدئ أوقات الفرج والسلام مع الله ومواهب الروح القدس. فالإيمان بالمسيح بعد التوبة القلبية، ليس مجرد تصديق سيرة يسوع ونتئاج موته العقائدية، بل هذا الإيمان بسبب نيل القوة الإلهية بواسطة حلول الروح القدس. هل دخلت في الشركة مع الله؟ تب وغير أهداف حياتك، واقبل المسيح مخلصاً شخصياً لحياتك، فتثبت في العهد الجديد، وتمتلئ بالروح القدس.

واعلم أيها الأخ، أن الهدف الرئيسي لهذا العهد مع الله، ليس غفران خطايانا، ولا الحصول على الحياة الأبدية، ولا أعجوبة مواهب الكنيسة فقط، بل هو مجيء المسيح بالذات. فإياه تنتظر الخليقة كلها، ومتشوقة لانتهاء الفاصل بين الخالق وخلقه، لتجد قوى حياته الخراب العام في الكون. فهذا هو التجديد المقصود، الذي نشتاق إليه. والتجديد في المؤمنين اليوم هو العربون لاتيان المجد الكامل الظاهر في مجيء المسيح، الذي سيرد كل شيء إلى حالته الأولى السليمة قبل السقوط في الخطية، وذلك بميقات يو معلوم.

وهكذا أدرك التلاميذ صعود ربهم تمهيداً لمجيئه، وعلموا أن بقاءه في الاستتار عند الآب ضروري لإجراء الثورة الروحية على الأرض تمهيداً لتجديد الكون ورد كل شيء. فصعود المسيح كان شرطاً لحلول الروح القدس المبتدئ بالتجديد بيننا.

وكل الأنبياء الحقيقيين يدلون على مجيء المسيح كهدف تاريخ العالم. فليست الدينونة هي النهاية لكياننا، بل فرح التجديد والابتهاج برد كل شيء إلى أصوله. ومحور هذه الخليقة هو في ذاته النبي الموعود والمتكلم عنه موسى، لأنه ضامن العهد الجديدالفائق عهد موسى القديم. ولكن من يرفض هذا العهد الجديد مع الله فليس له رجاء بعدئذ، لأن متحجر القلب هذا يرفض النعمة بالذات. والله يبيد الناس والشعوب الذين يرفضون المسيح. فتاريخ البشر ليس إلا نتيجة قبول أو رفض المسيح.

وبعد هذا الوصف العريض العميق شجع بطرس اليهود لقبول يسوع موضحاً لهم، أنهم أبناء الأنبياء وأعضاء العهد، الذي قطعه الله مع آبائهم، علماً بأن الناس ليسوا هم الذين تعاهدوا مع الله كشركاء بنفس المستوى، بل الخالق القدوس الأزلي ارتبط مع ملوقاته الخاطئة الزمنية المتعدية عليه. وهذه هي النعمة الكبرى في جوهرها.

وتاريخ الله هذا مع البشر الغوغاء قد ابتدأ مع اختيار إبراهيم، لما قال القدوس لهذا الرحالة أن أحد أبنائه الجسديين سيصبح حامل بركة الله لكل الأمم. والله نفذ تخطيطه رغم كل معارضة شيطانية وفشل بشري. وحقق مجيء الأيام، التي فجر فيها الرو القدس حدود العهد القديم. داعياً كل الشعوب إلى الشركة مع الله. ولكن بطرس قدم أولاً النعمة لليهود. ومن آمن فقد خلص.

لقد بارك الله أعداءه ومنح للذين سمروا ابنه على الصليب فرصة التوبة. فالمسيح قد قام من بين الأموات منسجماً مع إرادة أبيه الذي أقامه من الموت، ورفعه إلى مجده، ليضع الابن كل البركات الروحية في السماويات على أتباعه. فالرب بارك حقاً قلو المستعمعين المستعدين، وقادهم إلى الرجوع. فليس الانسان من نفسه يتوب، بل الروح القدس يساعده للإيمان بالمسيح. ولكن إن لم يتب الإنسان عن شره ولم يترك خبثه، فلا يستطيع الدخول إلى شركة المسيح. فإن الله ينتظر منا الرجوع طوعاً وقصداً إليه. فينئ فينا بداية التجديد الآتي إلينا. فهل تركت خطاياك والتصقت بالمسيح؟

الصلاة: أيها الرب في السماء، أنت تعد مجيئك ورد كل شيء. ساعدنا للبعد عن الشر والثبات في نعمتك. لتصبح أنت هدف حياتنا الوحيد. خلص كثيراً من المستعدين في محيطنا، كما خلصتنا بنعمتك.

11 - سجن بطرس ويوحنا ووقوفهم للمحاكمة لأول مرة (4: 1 -22)

4: 1 وَبَيْنَمَا هُمَا يُخَاطِبَانِ ٱلشَّعْبَ، أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا ٱلْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ ٱلْهَيْكَلِ وَٱلصَّدُّوقِيُّونَ، 2 مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا ٱلشَّعْبَ، وَنِدَائِهِمَا فِي يَسُوعَ بِٱلْقِيامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ. 3 فَأَلْقَوْا عَلَيْهِمَا ٱلأَيَادِيَ وَوَضَعُوهُمَا فِي حَبْسٍ إِلَى ٱلْغَدِ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ صَارَ ٱلْمَسَاءُ. 4 وَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا ٱلْكَلِمَةَ آمَنُوا، وَصَارَ عَدَدُٱلرِّجَالِ نَحْوَ خَمْسَةِ آلافٍ. 5 وَحَدَثَ فِي ٱلْغَدِ أَنَّ رُؤَسَاءَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَكَتَبَتَهُمُ ٱجْتَمَعُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ 6 مَعَ حَنَّانَ رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ وَقَيَافَا وَيُوحَنَّا وَٱلإِسْكَنْدَر، وَجَمِيعِ ٱلَّذِينَ كَانُوا مِنْ عَشِيرَةِ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ. 7 وَلَمَّا أَقَامُوهُمَا فِي ٱلْوَسَطِ، جَعَلُوا يَسْأَلُونَهُمَا: «بِأَيَّةِ قُّوَةٍ وَبِأَيِّ ٱسْمٍ صَنَعْتُمَا أَنْتُمَا هٰذَا؟».

حيثما تظهر البركة تثور جهنم. لقد شفى يسوع الأعرج بواسطة بطرس ويوحنا. وتراكضت الجماهير وأصغت إلى الإنجيل. فتدخل حراس الهيكل، لأنهم اعتبروا المعجزة مشكوكاً فيها وتجمهر الناس خطراً على الأمن. وبجانب الكهنة والمسؤولين عن سلامة الهيكل هب الصدوقيون المثقفون وحرضوا أيضاً ضد الصيادين البسيطين، اللذين علما الجماهير بدون إذن، لأن الصدوقيون ظنوا، أن امتياز الخطابة للفقهاء والفلاسفة فقط. ونقموا خاصة لأن الرجلين الجليليين تكلما عن قيامة يسوع من بين الأموات، خلافاً لاعتقادهم. أن هؤلاء المثقفين المستنيرين ما آمنوا بإمكانية القيامة البتة. فأصبحت الشهادة لقيامة المسيح السبب الرئيس للقبض على الرسولين. وقادهما الحراس إلى حبس رئيس الكهنة، حيث قضيا الليلة الباردة، مصلين ومؤمنين وشاكرين يسوع لانتصاره بشفاء الأعرج، وظما الرب لأنه فتح لهما الفرصة ليخاطبا الجماهير في الهيكل. واستعدا مصليين للمحاكمة في الغد.

وعظة الإيمان من الرسولين لم تذهب بدون تأثير على الجماهير. فكثيرون آمنوا بقلوب منكسرة بيسوع المصلوب والمقام من الأموات، وحصلوا على غفران خطاياهم، حتى بلغ عدد أتباع المسيح خمسة آلاف رجل، كانوا هم الكنيسة الأولى، ولم يمتلكوا كاتدرائي ولا دارا فخمة، ولكنهم بأنفسهم امتلأوا بالروح القدس، والرب ذاته سكن فيهم، وعمل بواسطتهم. فاجتمع كثيرون ليصلوا لأجل الأسيرين لاسم يسوع.

واجتمعت في الغد لجنة الاستنطاق التابعة للمجمع الديني الأعلى. وبين الحضور كان وجوه الزعماء من عشيرة رئيس الكهنة، وهم الذين حكموا شخصياً على يسوع بالتجديف والموت، لأن ابن الله المقيد في وسطهم قد قال لهم، إنهم من الآن يبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة. وحقاً فهذه القوة الإلهية عملت مرة أخرى في الرسولين بجلاء فعلي.

وبوقوف بطرس ويوحنا أمام قيافا الماكر، وحنان المتسلط، أعطى يسوع لمضطهديه وقضاته مرة أخرى فرصة للرجوع والتوبة على يد رسوليه. فكانت هذه الجلسة هامة للغاية، ليس للرسولين بل للقضاة، لعلهم يتوبون ويومنون بالمسيح المقام من بين الأموات الب الحي المنتصر.

والمهرة في إدارة جلسات المحاكمة لم يتباطأوا بالأسئلة التمهيدية، بل باشروا رأساً إلى لب المشكلة، وسألوا التلميذين من أرسلهما، وما نوع القوة العاملة فيهما؟ ونظير هذه الأسئلة سألوا سابقاً يوحنا المعمدان ويسوع نفسه، لأنهم شعروا بسلطانالله، ورأوا العجائب، ولكنهم لم يفهموا كلمات الروح القدس، ولم يدركوا قوة كلمة الله، لأنهم تقسوا لصوت الرب، واستسلموا إلى كبريائهم وشموخهم وتدقيقهم في الأحكام الناموسية. فمن أدهى المصائب أن يسمع الإنسان بأذنيه، ثم لا يسمع. وأن يرى بعينيه لمفتوحتين، وهو لا يرى.

الصلاة: أيها الرب، افتح قلبي، واسكب روحك في عقلي، وأنر إرادتي، لأحب كلمتك، وأؤمن بإعلانك، وأنفذ أوامرك، ولا أعارض جذب محبتك. وافتح أيضاً آذان الناس في أمتنا، وأنر أعين العالم، ليدركوا يسوع المخلص ويؤمنوا به، فينالوا الياة الأبدية.

4: 8 حِينَئِذٍ ٱمْتَلَأَ بُطْرُسُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَقَالَ لَهُمْ: «يَا رُؤَسَاءَ ٱلشَّعْبِ وَشُيُوخَ إِسْرَائِيلَ، 9 إِنْ كُنَّا نُفْحَصُ ٱلْيَوْمَ عَنْ إِحْسَانٍ إِلَى إِنْسَانٍ سَقِيمٍ، بِمَاذَا شُفِيَ هَٰا، 10 فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِكُمْ وَجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ، أَنَّهُ بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱلنَّاصِرِيِّ، ٱلَّذِي صَلَبْتُمُوهُ أَنْتُمُ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، بِذَاكَ وَقَفَ هَٰا أَمَامَكُمْ صَحِيحاً. 11 هٰذَا هُوَ ٱلْحَجَرُ ٱلَّذِي ٱحْتَقَرْتُمُوهُ أَيُّهَا ٱلْبَنَّاؤُونَ، ٱلَّذِي صَارَ رَأْسَ ٱلّزَاوِيَةِ».

قبل أسابيع قليلة من هذه الحادثة أنكر بطرس يسوع ثلاث مرات خوفاً على حياته. ولعن نفسه لو كان قد سمع هذا الاسم. أما الآن فامتلأ من الروح القدس، وتم فيه الوعد القائل: لا تهتموا بما تقولون إذا قادوكم لمجامعهم ومحاكمهم، لأن في تلك الساع يملأ الروح القدس أفواهكم ويضع الكلمات المصيبة على ألسنتكم. فلستم أنتم الذين تتكلمون بل الرب بالذات. وليس أحد يستطيع أن يقاوم حكمته وقوته العاملة فيكم.

فوقف الرسولان كشاهدي المسيح أمام زعماء الأمة اليهودية. ولم يتكلما بسخرية، بل بكل تواضع للمسؤولين أمام الله عن قيادة الشعب. وأكرمهم كشيوخ منحهم الله حكمة وصبراً وفضائل.

ورغم هذا قاد الروح القدس بطرس أولاً ليقول لهم، إنه لمن المستغرب جداً أن يسجنوهما ويفحصوهما لأجل إحسان لمريض مزمن بشفائه. وقد اعتبر القبض عليهما وإبقاءهما في السجن الليل ظلماً.

ولكن التلميذين لم يتأثرا كثيرا بالظلم الواقع عليهما، ولم يتكلما كثيراً عن الشفاء والقوة الصادرة من كلماتهما الخاصة. بل تقدم بطرس ووصل رأساً إلى لب الشكوى، وأعلن جهاراً انتصار الله في يسوع المسيح. لم يتكلم خائفاً أو بأساليب بليغة، ل كلم الزعماء وكل الشعب باللغة العامية، مدركاً أهمية الساعة، إن الرب أهلّه ليدعو رؤساء أمته للإيمان بالمسيح. ولم يبق بطرس مجالاً للشك فيمن هو المسيح. فما هو برجل ماض ومنته في السابق، ولا هو آت في المستقبل البعيد، بل صرح بكل وضوح أن المسح هو يسوع الشاب من الناصرة، الذي سلمه رؤساء الأمة للصلب. ولم يداهنهم بطرس بل سماهم قتلة، وأكثر من ذلك أعداء الله، لأنهم صلبوا مسيح الرب شخصياً. ما أورع هذه الصورة! فليس الصيادان هما المشتكى عليهما، بل هما اشتكيا على قتلة ابن الله علناً، وأوضحا لهم أن الحكماء المحترمين قد أخطأوا هدف تاريخ العهد القديم خطأ شنيعاً، وكسروا العهد بين الله وشعبهم بقتل المسيح، الموعود منذ ألوف السنين. فكان بطرس المدعي العام باسم الله، وألصق تهمة التعدي ضد الله على الحكام. وقد برهن بطرس أن اليود لم يخطئوا تجاه يسوع فقط، بل ضد الله مباشرة لأن القدوس ليس معهم بل مع يسوع، وهو الذي أقامه من بين الأموات. هكذا أدان الصيادان رؤساء الكهنة وقدسا المسيح. فطعنا بالتقوى الكاذبة والتخيلات بالوظائف والتعجرف في الأبهة، ووضحا أن الله، لا يهم بمراكز العهد القديم، بل يتجاوزها، ويفوض المؤمنين من الشعب البسيط، الذي تبع فتاه يسوع.

أنه لسر كبير مستتر في اسم يسوع. جهنم تخاف هذا اللقب كأشد سم! بينما السموات تمتلئ بالحمد لهذا الاسم بلا انقطاع. والروح القدس يمجد مخلص العالم. والله بالذت أجلسه عن يمينه. فالمسيح يملك معه في سلطان الروح القدس إلهاً واحداً إلى الأبد واليوم يعمل عجائب أكثر مما عمل في زمن سيرة حياته لما كان على الأرض، لأنه يعمل بواسطة آلاف من خدامه، ويتجدد ملايين من المؤمنين به بواسطة الروح القدس. فالمسيح الحي هو عامل ومخلص ومنتصر. ومن يؤمن به يشترك في مقدرته.

وفي مثل حجر الزاوية وضح بطرس للرؤساء، أن يسوع هو أساس وقوة وتاج بناية فخمة ضخمة، هي هيكل الله الروحي المرتفع اليوم في كل بلدان العالم. لأن من يؤمن بالمسيح يبني في هيكله. والمسيح يشبه رأس الجسد الروحي، الذي يدير ويحرك كل أعضائه العملين. فجسد المسيح الروحي هو سر عصرنا ونتيجة انتصاره على الصليب. فهل أنت مبني وثابت في المسيح أو ترفضه كرؤساء اليهود، الذين لم يدركوا عظمة متانة محبة الله في المسيح؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت المخلص العامل اليوم بين الشعوب، والمنجي ألوف المؤمنين. وتبني كنيستك بواسطة قلوبنا. ساعدنا لنكون مخلصين لك، ولا نرفض جذب روحك، ليكتمل هيكلك الروحي، وأنت رأسه العتيد.

4: 12 وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ ٱلْخَلاصُ. لأَنْ لَيْسَ ٱسْمٌ آخَرُ تَحْتَ ٱلسَّمَاءِ، قَدْ أُعْطِيَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ، بِهِ يَنْبَغِي أَنْ نَخْلُصَ. 13 فَلَمَّا رَأَوْا مُجَاهَرَةَ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، وَوجَدُوا أَنَّهُمَا إِنْسَانَانِ عَدِيمَا ٱلْعِلْمِ وَعَامِّيَّانِ، تَعَجَّبُوا. فَعَرَفُوهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا مَعَ يَسُوعَ. 14 وَلٰكِنْ إِذْ نَظَرُوا ٱلإِنْسَانَ ٱلَّذِي شُفِيَ وَاقِفاً مَعَهُمَا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَيْءٌ ينَاقِضُونَ بِهِ. 15 فَأَمَرُوهُمَا أَنْ يَخْرُجَا إِلَى خَارِجِ ٱلْمَجْمَعِ، وَتَآمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ 16 قَائِلِينَ: «مَاذَا نَفْعَلُ بِهٰذَيْنِ ٱلرَّجُلَيْنِ؟ لأَنَّهُ ظَاهِرٌ لِجَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ أَنَّ آَةً مَعْلُومَةً قَدْ جَرَتْ بِأَيْدِيهِمَا، وَلا نَقْدِرُ أَنْ نُنْكِرَ. 17 وَلٰكِنْ لِئَلاَّ تَشِيعَ أَكْثَرَ فِي ٱلشَّعْبِ، لِنُهَدِّدْهُمَا تَهْدِيداً أَنْ لا يُكَلِّمَا أَحَداً مِنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا بَعْدُ بِهٰذَا ٱلاسْم». 18 فَدَعُوهُمَا وَأَوْصُوهُمَا أَنْ لا يَنْطِقَا ٱلْبَتَّةَ، وَلا يُعَلِّمَا بِٱسْمِ يَسُوعَ.

لقد شفى بطرس باسم المسيح المريض الأعرج. وعرف الرسول أن هذا الشفاء كان دليلاً على قصد يسوع خلاص الإنسان كله، ونقله إلى الحياة الأبدية، لأن الرب لا يساعد المؤمن جزئياً، بل يخلصنا تماماً جسداً وروحاً ونفساً. فمحبة الله تفوق ثقتنا وعقلنا كثيراً. فلخص أكبر الرسل كلماته الدفاعية بالجملة الشهيرة، ليس بأحد غيره الخلاص. فصياد بحيرة طبريا البسيط شهد للاهوتيين المثقفين والفقهاء المفتشين، أنهم عمي رغم معرفتهم التوراة، لأن الشهادات والكتب السميكة والتقوى التقليدية والمحافظة لى السلطة المخيفة، كل ذلك لا ينفع شيئاً لنيل الخلاص. لكن الإيمان بيسوع والالتقاء بالمقام الحي وحلول الروح القدس في القلب، هو ما ينشئ الخلاص حقاً.

ما هو خلاصنا؟ ليس إلا النجاة من غضب الله بتقديسنا في دم المسيح. والخلاص هو الغلبة على الموت بواسطة دخولنا إلى الحياة الأبدية. وخلاص المسيح يعني نيل القوة الإلهية لعمل الصالح بدون سقوط إلى الخطية. إن الخلاص الحق أعلى وأعمق وأوسع وأوى مما يعرف الناس. ولا يجد الشيطان أي حق فيمن آمن بيسوع. ومن يرتبط بالمخلص يصر معه في موكب انتصاره.

وقد كمل المسيح الخلاص لكل الناس، لما مات عوضاً عنا على الصليب، البار عن الأثمة والأزلي للفانين! والرب غطى خطايانا وبررنا حقاً، عالماً ألا أحد يستطيع خلاص نفسه. لهذا السبب أصبح ابن الله ابن الإنسان، ليصبح أبناء البشر أبناء الله. وهذا فتح المسيح لنا حق التبني لله. فليس القدوس الديان المخيف ضدنا، بل هو أبونا المحب. والمسيح اقتنى لنا بموته الروح القدس لتنسكب محبة الله في قلوبنا.

كل الناس مدعوون لقبول خلاص المسيح. ولا خلاص إلا به. فكل الأديان والفلسفات والأفكار الإنسانية والأعمال الصالحة لا تكفي لنيل الرضى الإلهي. في دم المسيح وحده نجاتنا. وبدونه نحن هالكون. فلهذا صار ضرورة لنا وواجباً إلهياً أن نقبل مصالح المسيح وننضم إلى عهده. ومن لا يقبل يسوع يرفض محبة الله، وليس بواجد خلاصا. فلا توجد طريق أخرى إلى الله إلا بيسوع.

هذه المعاني الشاملة ، قالها صياد البشر بطرس لمجمع رؤساء الكهنة واللاهوتيين والكتبة والفقهاء. ولم يكثر الكلام بل لخص البشارة في جملة واحدة. ولكن القضاة ابتسموا ساخرين منه، لأنه تكلم بالعامية وبجمل بسيطة ليست رنانة، والكل رأوا أنه ولشاب الذي بجانبه غير مثقفين. إلا أنهم لم يستطيعوا إنكار أن قوة الله تخرج من هذين الرجلين، وقدرة المسيح بدت في خطاب بطرس الدفاعي، الذي شهد بأمر ربه الحي لزعماء شعبه أنهم قتلة. وعرض بذات الموقف للمذنبين خلاص الله المجاني، باسم يسوع.

لعل القضاة لم يهتموا بشكوى الرسول، ولا بتقديمه الخلاص لهم. ولم يريدوا أن يبالوا به، لكن اسم يسوع على لسانه كان مزعجاً لهم، لأنهم أرادوا نسيانه وتجنبه، لكيلا يسمعوه بتاتاً. ولم يهتموا بشفاء الشخاذ الغوغائي المستحق غضب الله، لأن الرال المثقفين المرائين كانوا بدون محبة، وكتبهم وتعاليمهم البليغة وشرفهم الكبير كان هو المهم عندهم.

أما جرأة الرسولين وتجاسرهما بدون خوف من العقاب فقد أثرا على الحضور. ووجود المريض المشفي إلى جانبهما، لم يتح للقضاة المجال للحكم على الرسولين بالتجديف والخداع. فتشاوروا سراً بعد إخراج المتهمين من الغرفة.

ولم يجدوا أخيراً قراراً إلا أن يمنعاهم من التكلم عن يسوع. وقد أدركوا أن هذا الاسم كان سبب القوة في أتباعه، وخطرا على الأمة وتقاليدها. فمنعوا الرسولين من أن يتكلما أو أن يعلما أو أن ينطقا بهذا الاسم، لكيلا يستطيع اسم يسوع أن يعمل عائب. وهذا هو خلاصة مقاصد الشيطان أن نصمت عن أعظم الأسماء، لكي لا تخلص قوة الله القلوب. فهل تصمت عن التكلم باسم يسوع، أو تشهد له؟ فإنه ليس خلاص لأحد إلا به. وأنت مسؤول، أن تنطق بهذا الاسم لتخلص أصدقائك، لأنه بدون شهادة لا خلاص.

الصلاة: يا ربنا يسوع، نشكرك لأنك خلصتنا نحن الفانين. وغفرت آثامنا، ونقلتنا إلى الحياة الأبدية. موتك حياتنا، وآلامك سببت أفراحنا. ساعدنا لنتجرأ أن نشهد لاسمك بكل مجاهرة، ولا نهاب رؤساء أو علماء بل نشهد لهم، بخطاياهم وخلصك معاً.

4: 19 فَأَجَابَهُمْ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا: «إِنْ كَانَ حَقّاً أَمَامَ ٱللّٰهِ أَنْ نَسْمَعَ لَكُمْ أَكْثَرَ مِنَ ٱللّٰهِ، فَٱحْكُمُوا. 20 لأَنَّنَا نَحْنُ لا يُمْكِنُنَا أَنْ لا نَتَكَلَّمَ بِمَا رَأَيْنَا وَسَمِعْنا». 21 وَبَعْدَمَا هَدَّدُوهُمَا أَيْضاً أَطْلَقُوهُمَا، إِذْ لَمْ يَجِدُوا ٱلْبَتَّةَ كَيْفَ يُعَاقِبُونَهُمَا بِسَبَبِ ٱلشَّعْبِ، لأَنَّ ٱلْجَمِيعَ كَانُوا يُمَجِّدُونَ ٱللّٰهَ عَلَى مَا جَرَى، 22 لأَنَّ ٱلإِنْسَاَن ٱلَّذِي صَارَتْ فِيهِ آيَةُ ٱلشِّفَاءِ هٰذِهِ كَانَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً.

حكم المجمع الأعلى على الرسولين والمشفي، بأن لا يتكلموا باسم يسوع. ولكن جواب الشاهدين كان النفي. وقالا: ينبغي أن نطيع الله أكثر من الناس، ونقاوم كل شبه حق أو تقوى مرائية. فليست هذه المعارضة روحاً ثورياً، بل إطاعة للروح القدس، الذي لا يقود المؤمنين إلى ثورة بالأسلحة، بل إلى الشهادة ليسوع بكل مجاهرة.

وقال الرسولان معاً: لا نستطيع الامتناع عن التكلم بما رأينا وسمعنا. فقلباهما كانا مفعمين بالاختبارات مع المسيح المقام من بين الأموات. ومما يمتلئ القلب يفيض الفم. فماذا تتكلم طيلة النهار؟ وكم مرة يجري اسم يسوع من شفتيك؟ هل يسكن روح لرب فيك، أو يتسلط عليك روح المال والنجاسة واللامبالاة؟ ما تتكلم به فهذا تكونه أنت. وماذا تصمت عنه فلا تكونه. فشهود يسوع القديسون لا يستطيعون ترك تعظيمهم لربهم الحي، لأنهم حصلوا على الروح القدس، الذي جعلهم شهوداً لشخص يسوع، هذه هي وظيفته وخدمتهم وسلطانهم. إن قوة الله متضمنة في الشهادة عن أعمال يسوع واقواله. فتكلم ولا تصمت. ولكن صل قبل أن تتكلم لكيلا تصبح صنجاً يرن أو طبلاً يقرع.

ولم يجد زعماء الشعب وسيلة شرعية للقضاء على شاهدي المسيح. ولكنهم حذروهما، وأوجدوا بتهديدهم قانوناً، يعطيهم الحق بعدئذ ليخنقوا حركة المسيح. وللعجب فأورشليم كلها كانت مفعمة بحمد الله، ومتعجبة للشفاء الغريب. وأدرك سكانها رأساً، أن هذه المعجزة تعني أن العلي لم يترك المدينة بعد، بل انحنى إلى المساكين. وأن قوة خلاصه تجري بواسطة شهود مسيحه.

12 - الصلاة المشتركة في الكنيسة (4: 23 - 31)

4: 23 وَلَمَّا أُطْلِقَا أَتَيَا إِلَى رُفَقَائِهِمَا وَأَخْبَرَاهُمْ بِكُلِّ مَا قَالَهُ لَهُمَا رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخُ. 24 فَلَمَّا سَمِعُوا، رَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ صَوْتاً إِلَى ٱللّٰهِ وَقَالُوا: «أَيُّهَا ٱلسَّيِّدُ، أَنْتَ هُوَ ٱلإِلٰهُ ٱلصَّانِعُ ٱلسَّمَاءَ وَٱلأَرْضَ وَٱلْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا، 25 ٱلْقَائِلُ بِفَمِ دَاوُدَ فَتَاكَ: لِمَاذَا ٱرْتَجَّتِ ٱلأُمَمُ وَتَفَكَّرَ ٱلشُّعُوبُ بِٱلْبَاطِلِ؟ 26 قَامَتْ مُلُوكُ ٱلأَرْضِ، وَٱجْتَمَعَ ٱلرُّؤَسَاءُ مَعاً عَلَى ٱلرَّبِّ وَعَلَى مَسِيحِهِ. 27 لأَنَّهُ بِٱلْحَقِيقَةِ ٱجْتَمَعَ عَلَى فَتَاكَ ٱلْقُدُّوسِ يَسُوعَ، ٱلَّذِي مَسَحْتَهُ، هِيرُودُسُ وَبِيلاطُسُ ٱلْبُنْطيُّ مَعَ أُمَمٍ وَشُعُوبِ إِسْرَائِيلَ، 28 لِيَفْعَلُوا كُلَّ مَا سَبَقَتْ فَعَيَّنَتْ يَدُكَ وَمَشُورَتُكَ أَنْ يَكُونَ. 29 وَٱلآنَ يَا رَبُّ، ٱنْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ، وَٱمْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلامِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ، 30 بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ، وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِٱسْمِ فَتَاكَ ٱلْقُدُّوسِ يَسُوعَ». 31 وَلَمَّا صَلَّوْا تَزَعْزَعَ ٱلْمَكَانُ ٱلَّذِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهِ، وَٱمْتَلَأَ الْجَمِيعُ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَكَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلامِ ٱللّٰهِ بِمُجَاهَرَةٍ.

انطلق الرسولان من السجن، ورجعا إلى العلية، حيث كان بعض الإخوة يجتمعون للصلاة المستمرة، لأنه ما دام أحدهم ملقياً في السجن، فإنهم يستمرون بصلاة متسلسلة بالتناوب، لكي يمنحه الرب سلطاناً وحكمة وجرأة وهدى وحماية. فلما رجع بطرس ويوحنا وخبراهم، كيف أعانهما الرب، ليشهدا باسم يسوع وخلاصه أمام زعماء أمتهم عظم الفرح والشكر. وتألموا معاً بنفس الوقت لأجل منع التكلم عن يسوع، لأن هذا الحكم استهدفهم جميعاً. فلقد تأملوا أن يتوب الزعماء، ولكن بان لهم، أنهم تقسوا تدريجياً ضد يسوع.فقد صلوا لأجل خلاص رؤساء الكهنة والشيوخ، ولكنهم اختبروا رفضاً وتهديداً.

وبعدئذ حدثت أعجوبة أخرى بعد إطلاق الرسولين: لم تتناقش الكنيسة عن الطريق الأفضل للتخلص من قرار منع التكلم باسم يسوع المسيح، ولم يقترح أعضاؤها حلولاً وسطى، ولا التكلم في الخفاء، ولا الانتظار لأوقات ملائمة أكثر، بل أن هؤلاء الرجال ركوا للصلاة، ولفتوا أنظارهم من الناس والحقائق والسلطات، ملتجئين إلى الله القادر على كل شيء، الذي صنع السماوات والأرض وكل نبات وحيوانات، وحتى رؤساء الكهنة. إن العلي هو أبوهم وإليه تكلموا بكل أسئلتهم، وبسطوا أمامه تهديد المجمع الأعلى الذي صب يسوع سابقاً.

وأرشد الروح القدس عائلة الله هذه ليصلي أفرادها معاً بصوت واحد، مرددين بعض الآيات من المزمور الثاني، لأن هذه المزامير، التي هي كتاب ترانيم اليهود، ملأت قلوبهم. واصبحوا كلهم أنبياء في روح النبوة. ورأوا في حركات حكومتهم ومعاملة الدول الرومانية ثورة الطبيعة ضد الله ومسيحه. ليت لنا بصيرة نبوية، لندرك من خلال التطورات السياسية والاقتصادية والدينية الحالة في أيامنا، كيف أن العالم يسرع إلى زمن تجمع الشعوب واتحادها في دولة عالمية ضخمة بحكم المسيح الكذاب ضد الله ومسيحه.

وهذه الحركة المنقادة من روح الشيطان قد ابتدأت آنذاك في أورشليم، حيث اجتمع أعداء الله ليقتلوا يسوع. فتعاونت الأمة اليهودية والسلطة الرومانية رغم تباغضهما ليبيدوا مسيح الرب. ولكن بيلاطس الروماني وهيرودس الملك وقيافا القاضي الماكر فشوا فشلاً كبيراً، وحكمهم صار باطلاً. لأن المسيح المصلوب لم يتفتت في القبر، بل قام وحول كل مقاصد البشر الشريرة إلى ظفر الله. فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله. وتخطيطات العلي مدركة ولكن مفعمة النعمة والرحمة والحنان. فإن على أعدء الله أن يخدموه، لأنه لا شيء في دنيانا بدون إرادة أبينا السماوي وهو لا يتركنا حتى في أحضان الموت.

وفي هذا الإيمان تشجعت الجماعة المصلية عارضة بين يدي الله تهديدات الحكام. ولم يتكلموا عن ضيقهم طويلاً، بل فوضوا الله الأمر بمنعهم من التكلم بيسوع من قبل الظالمين. وبالعكس من ذلك المنع الجائر فإن الروح القدس قاد المصلين معاً، ليطلبو من الرب سلطاناً زائداً لخدمتهم الجوهرية. وهي الشهادة ليسوع المسيح ليؤيدهم الله بالحكمة والجرأة والقوة للموعظة الحسنة، وليستطيعوا أن يرسموا أمام مستمعيهم يسوع الناصري مخلصاً للعالم. وهذه الشهادة الصافية هي كلمة الله بالذات. ومن يشهد بيسع المصلوب المقام، فإن الله يتكلم بواسطة هذا الشاهد مباشرة ويبارك شهادته. والقدوس يدعو كل الناس إلى الصليب لينجيهم ويطهرهم ويكملهم. فهل أصبحت فما لله أو لا تزال خائفاً؟ هل تصلي لأجل المجاهرة وموهبة التفويض، للتكلم بإرشاد الروح القدس، خصواً في حالتك الحرجة؟

والمجتمعون للصلاة طلبوا أيضاً ثماراً لقوة الله، لأنهم لم يؤمنوا بمجرد الكلام، بل اختبروا عمل كلمة الله الخالقة الخارجة من أفواههم. ولم يطلبوا هذه الآيات لإيمانهم الفعال كأفراد، بل الكنيسة بمجموعها التمست من يسوع شفاء وعجائب لتمجيداسم المخلص، لكي يتضح لكل شاك وبطيء الإيمان أنه لا طريق إلى السماء إلا في يسوع، الذي بيده مفاتيح الفردوس والهاوية.

وقد استمع الله لصلاة الإيمان الجريئة، وجاوب على الصراخ المشترك في تلك الصلاة الوحيدة المذكورة عن الكنيسة الأولى. ومد يده المباركة على الاجتماع حتى اهتزت الكراسي وتزعزع المكان، والكل امتلأوا من الروح القدس كما كان في عيد يوم الخمسين. وحيث نصلي في انسجام مع روح محبة الله، طالبين إعلاناً جهرياً لحقه الحاضر في الإنجيل، فهناك يستجيب الله صلاتنا مباشرة وأكيداً، ويقوي خدام المسيح منشئاً الجرأة فيهم، ومؤسسهم على رجاء الإيمان، ومالئهم بقوة المحبة.

فماذا نتج من هذه الصلاة الفريدة في نوعها؟ رغم منع الحكام التكلم باسم يسوع، تكلم الكل بجرأة ومجاهرة عن هذا المخلص، وبشروا باسمه في بيوتهم وفي الأزقة والشوارع وحتى في دار الهيكل الواسع، لأن الرب ملأهم مجدداً بروحه، وجهزهم ليكونوا لهشهوداً. فكر ملياً في معاني هذه الصلاة المشتركة من الكنيسة الأولى واشترك في نطقها، متضرعاً إلى الرب.

الصلاة: أيها الآب المجيد، أنت الخالق والمخلص ومكمل أيامنا. والعالم يتجمع ضدك. انظر يا رب إلى تهديداتهم، وامنح عبيدك أن يتكلموا بكلامك بكل مجاهرة. اصنع قوات وآيات وعجائب، باسم ابنك القدوس يسوع.

13 - الحياة المشتركة بين أعضاء الكنيسة (4: 32 - 37)

4: 32 وَكَانَ لِجُمْهُورِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا قَلْبٌ وَاحِدٌ وَنَفْسٌ وَاحِدَةٌ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّ شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِ لَهُ، بَلْ كَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. 33 وَبِقُّوَةٍ عَظِيمَةٍ َانَ ٰلرُّسُلُ يُؤَدُّونَ ٱلشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ، 34 إِذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ مُحْتَاجاً، لأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُولٍ أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ ٱلْمَبِيعَاتِ 35 وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ ٱلرُّسُلِ، فَكَانَ يُوّزَعُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ كَمَا يَكُونُ لَهُ ٱحْتِيَاجٌ. 36 وَيُوسُفُ ٱلَّذِي دُعِيَ مِنَ ٱلرُّسُلِ بَرْنابَا، ٱلَّذِي يُتَرْجَمُ ٱبْنَ ٱلْوَعْظِ، وَهُوَ لاوِيٌّ قُبْرُسِيُّ ٱلْجِنْسِ، 37 إِذْ كَانَ لَهُ حَقْلٌ بَاعَهُ، وَأَتَى بِٱلدَّرَاهِمِ وَوَضَعَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ ٱلرُّسُلِ.

وكما أعطانا البشير لوقا بعد عظة بطرس في عيد الخمسين نظرة مثالية عن الحياة المشتركة في الكنيسة الأولى، هكذا يعطينا الآن بعد شفاء الأعرج وشهادة الرسولين أمام رؤساء شعبهم نظرة مبصرة لحياة الكنيسة الداخلية. لأن الرسل لم يمتلئوا لوحدهم بمحبة المسيح، بل كل المؤمنين معاً تآلفوا في وحدة فعلية ظاهرة في الأشعة العشرة التالية:

  1. إن سر قوة الكنيسة الأولى كان محبتها الحقة، التي لم تكن عواطف عابرة، بل من ثمار الروح القدس. فإيمانهم بالمسيح وحّدهم في هدف مشترك. وصلاتهم الجمهورية قربتهم أكثر فأكثر إلى ربهم محور الكنيسة. فحصلوا بواسطتها على رأي واحد وشعور واحد، وكل شعر بإحساس الآخر، وحملوا جميعاً الضيق والفرح معاً. فكانوا كأنما قلب الأول يدق في صدر الثاني، ونفس واحدهم تتحد مع نفس الآخر. كانت لكل فرد شخصيته، ولكن كلا أنكر نفسه، وكسب بهذه الطريقة نفساً جديدة واحدة شاملة مشتركة، ألا وهي الكنيسة الجامعة.

  2. إن الإخوة في المسيحية لهي سر عظيم! إنها لا تنتهي عند الممتلكات وصرف المال، بل تتحقق عملياً في كل شيء. فلا ينتظر أحدهم عون الآخر، بل كل واحد منهم يسبق ويقدم العون سريعاً لأخيه المحتاج. واعتبروا أن محبة المال عار والعطاء مسرة. ولم يشتغل أحدهم لذاته، بل خدم الجميع بمواهبه وأمواله وممتلكاته. والرب حرر المؤمنين من البخل والحسد وحب المال والاتكال على الملك. وقد أرشدنا البشير لوقا في إنجيله أكثر من كل البشيرين الآخرين كيف حذرنا يسوع من خطر محبة المال. فشهد لوقا بفرحفي هذا السفر، أن محبة المال قد غلبت على أنانية المالكين، وعلمتهم أن يكون كل شيء مشتركاً مع إخوانهم.

  3. وانتظروا جميعاً مجيء المسيح القريب وقدسوا أنفسهم لاستقباله. وفي انتظار مجيئه شهد الرسل بقوة وفرح عظيم، أن يسوع حي وحاضر ومنفذ خلاصه. فإيمانهم بالمسيح الحي كان قوته. وقد قاموا معه من الأموات في إيمانهم وشهدوا بحياة الله الحال فهم. فلم يقدموا تعليماً فارغاً بل قوة عظيمة عاملة.

  4. وربهم ثبت شهادتهم وزاد نعمته يومياً على المعترفين باسمه حتى أن قوته عملت في كل مواهبهم وصفاتهم بدون مانع. فروح التضحية والمحبة ملأ الذين انفتحوا له. وقد ذكر لوقا كلمة عظيمة مرتين في وصف القوة والنعمة الحالة في جميع المؤمنين. وادراً ما نقرأ هذه الكلمة في الإنجيل، إلا حيثما الامتلاء والفيضان بمواهب الرب. ومن هنا تدرك السر في فعالية شهادة الرسل وانسجام الحياة الكنسية.

  5. وفي هذه الاشتراكية الروحية الطوعية، لم يبق محتاج أو مسكين أو فقير أو متضايق أو محتقر أو مرفوض، بل الكل اختبروا مساعدة سريعة مسرة، ترافقها الصلوات والقوة من الله الحي. والآلام والضيقات غلبت بقوة الصلاة في الكنيسة. والخوف والاختافات احتملها الكل معاً بالشكر والتسابيح. فبواسطة الروح القدس حلت الأذواق السماوية على الأرض. علماً أن الرسل لم يؤسسوا مؤسسة خيرية لألوف المحتاجين في أمتهم، بل حددوا خدمتهم الخيرية وقصروها على أعضاء كنيستهم، لأنهم شعروا بأنفسهم كعائلة وادة. ولم يسمحوا بقيام ضيق فيها.

  6. وهؤلاء الإخوة في المسيح أدركوا أن وطنهم في السماء. فلم يؤمنوا بالممتلكات على الأرض، بل سلموها طوعاً لله. وما تمسكوا بحق الفرد في رأسماله، ولا بحق الشعب في أمواله وعقاراته، بل عرفوا أن الله الخالق هو مالك الكل. فالمال لم يملك عى الكنيسة، بل الروح القدس. وفي هذا المبدأ نجد عند المؤمنين من أصل يهودي أعظم تحرر من الصنم «المال» حسب قول المسيح: لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الله والمل.

  7. لم تبذر الكنيسة بالمال الموهوب لها، بل وضعوه في صندوق مشترك، واستودعوه بإشراف الرسل، لأنهم قد تركوا لأجل يسوع كل شيء، وتبعوه في الفقر ثابتين. فكل أعضاء الكنيسة كانوا متيقنين، أنه ليس أحد من الرسل يستخدم شيئاً من المال لنفسه، كا أن الروح القدس لم يسمح بشعرة ظلم، بل أرشد الكل سواسية إلى المجد.

  8. وتزايد عدد أعضاء الكنيسة، حتى أصبح من الضروري، أن يجلس الرسل على مكان مرتفع، ليتكلموا إلى الحضور ويشاهدوا بعضاً. فبعد التعليم والعظات كانت توضع التبرعات على الأرض عند أرجل الرسل، شكراً لهبة الله الموهوبة للجميع. فإلى أي درجة ول شكرك لله.

  9. لم يكوم الرسل أموالاً ضخمة لديهم لضمان مستقبل الكنيسة، بل كانوا يوزعون التبرعات رأساً، حتى أننا نلاحظ هذه الحالة الغريبة، إن الصندوق كان فائضاً وخالياً بنفس الوقت، كما قال بطرس: ليس لنا فضة ولا ذهب. هكذا أعطوا دائماً المحتاجين عالمين أن الرب وضع المال في أيديهم للعون المباشر لا للتكديس.

  10. ويخبرنا لوقا شيئاً خصوصياً عن برنابا، الذي نجد اسمه عدة مرات في أعمال الرسل (9: 27 و11: 22-30 و13: 1-2 و14: 12-28 و15: 2) إنه كان ابن التعزية، الذي هو المعنى الأصلي لكلمة ابن الوعظ، لأنه ممتلئ بالروح القدس المعزي الإلهي. فلهذه المهبة قدر أن يرافق أناساً صعبين، ويمهد لهم بصبر فائق الطريق لخدمة الرب. وابن التعزية هذا أتى من جزيرة قبرص، من عائلة عبرانية متزمتة. وهو أو أبوه اشترى في أورشليم حقلاً بثمن غال، ليدفنوا هناك انتظاراً لمجيء المسيح الموعود، للإلتقاء به في أل لحظة، كما عمل بعض اليهود الغير مسيحيين في تقواهم بالمبالغة. وقد عرف برنابا المسيح الحق وحمل روحه القدوس في نفسه عربوناً للمجد الآتي. فتحرر من التقاليد اليهودية، وباع حقله الثمين. فكان هذا البيع رفضاً لرواسب اليهودية، وشهادة لانتظار السيح يسوع الآتي قريباً. ولم يحتفظ هذا الغريب في المدينة المقدسة بجزء من ماله ضمانة لبقائه حياً أثناء تغربه، بل وضع المبلغ كله على الأرض أمام أرجل الرسل، صامتاً وبلا أبهة.

الصلاة: أيها الرب، محبتك أوسع من السموات. وحقك يغير القلوب الأنانية. اقبل مالي وقّو الإيمان لمجيئك القريب لأساعد حيثما أرى ضيقاً، ولا يبقى محتاج في كنستنا.

14 - موت حنانيا وسفيرة الكاذبين (5: 1-11)

5: 1 وَرَجُلٌ ٱسْمُهُ حَنَانِيَّا، وَٱمْرَأَتُهُ سَفِّيرَةُ، بَاعَ مُلْكاً 2 وَٱخْتَلَسَ مِنَ ٱلثَّمَنِ، وَٱمْرَأَتُهُ لَهَا خَبَرُ ذٰلِكَ، وَأَتَى بِجُزْءٍ وَوَضَعَهُ عِنْدَ أَرْجُل ٱلرُّسُلِ. 3 فَقَالَ بُطْرُسُ: «يَا حَنَانِيَّا، لِمَاذَا مَلَأَ ٱلشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَتَخْتَلِسَ مِنْ ثَمَنِ ٱلْحَقْلِ؟ 4 أَلَيْسَ وَهُوَ بَاقٍ كَانَ يَبْقَى لَكَ؟ وَلَمَّا بِيعَ، أَلَمْ يَكُنْ فِي سُلْطَانِكَ؟ فَمَا بَالُكَ وَضَعْتَ فِي قَلْبِكَ هٰذَا ٱلأَمْرَ؟ أَنْتَ لَمْ تَكْذِبْ عَلَى ٱلنَّاسِ بَلْ عَلَى ٱللّٰهِ». 5 فَلَمَّا سَمِعَ حَنَانِيَّا هٰذَا ٱلْكَلامَ وَقَعَ وَمَاتَ. وَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا بِذٰلِكَ. 6 فَنَهَضَ ٱلأَحْدَاثُ وَلَفُّوهُ وَحَمَلُوهُ خَارِجاً وَدَفَنُوهُ.

كل خطية ترتكب لا تكون خطأ فحسب، بل جرماً تجاه الناموس. وكل إثم ليس سهواً فقط، بل هو تعد مباشر على جلال الله. فمن يقس تصرفاته الشخصية بسلوك الناس، يحكم على نفسه بسطحية وإنسانية ويسامح ذاته بالقول: كلنا ضعفاء. ولكن من يعرف الله ويعي في قوة الروح القدس، يعلم أن كل خطية صغيرة أم كبيرة إنما تستوجب الموت المباشر. فقصة حنانيا وسفيرة هي في الواقع قصتنا. وترينا كيف يكون لله الحق، إن يبيدنا نحن المؤمنين.

ربما تسأل: لم يصبر الله القدوس علينا ولا يهلكنا مباشرة مثلما حصل لحنانيا، الذي أتى جهراً وتبرع بجزء كبير من ممتلكاته؟ إننا لا نعرف أسرار دينونة الله، ولكن في العدد 2 نقرأ أن الزوجين لم يخطئا سهواً، بل حاولا بتخطيط عمداً غش الرسل، نهما لم يؤمنا أن القدير حضر في بطرس. فالقدوس ساكن في مؤمنيه وعالم بالقلوب.

ولعل الزوجين حاولا ضمان مصير عائلتهما بالمال، رغم أن اسم حنانيا يعني «الله حنون». فلم يتكلا على الله وحده، بل جربا خدمة سيدين، الأمر المستحيل فأحبا المال أكثر من الخالق.

ولم يكن حنانيا وامرأته مضطرين ليضحيا بكل ممتلكاتهما للكنيسة، لأن التبرع كان طوعاً. والبعض حفظوا جزءاً من أموالهم لأنفسهم، وقالوا ذلك جهراً بدون مواربة. ولكن في حالة حنانيا وسفيرة فإنهما بسبب الغيرة أرادا التظاهر بالتقوى مثل أحسن عو في الكنيسة. فأتى حنانيا بوجه تقي للإجتماع، وتقدم إلى منبر الرسل، وتبرع بأمواله، كأنه تحرر نهائياً وكاملاً من المال، وكأنه يضحي بذاته قرباناً كاملاً لله. وبالحقيقة فإنه كان قد أخفى جزءاً من المال لنفسه. ويسمي يسوع تصرفات مثل هذه «مراءا»، أو غشاً أبيض. أي أشنع خطية في الكنيسة. وتصدر مباشرة من الشيطان، أبي الكذابين.

كلنا منافقون لأننا نعرف كثيراً من خطايانا التي ارتكبناها، ونظهر كأننا أحسن أناس في الدنيا. وضمائرنا سجلت بكل وضوح أكاذيبنا ونجاساتنا واختلاساتنا ونمائمنا وشهواتنا. ورغم هذا فإننا نريد أن عائلاتنا والمجتمع والكنيسة يقدروننا ويعتبرونا كاملين مستقيمن مقبولين. كلنا نتجول كطواويس. وحقاً أننا قبور ممتلئة بسم زعاف. فهل أدركت نفسك في دينونة الله؟

وحنانيا وامرأته سفيرة، التي معنى اسمها «الجميلة» لم يفضلا فقط المال عى الله وراءيا ككل الناس، بل أنهما ابتعداً رويداً رويداً من خط نعمة المسيح. فملأ الشيطان قلبيهما مثلما فعل بيهوذا. فمن يحب المال يفر تدريجياً إلى جبهة الشيطان. وفي هذه الحالة صارا كلاهما خطراً على الكنيسة، إذ الشرير أراد إدخال مبادئه الرديئة مثل الحسد والبخل والكبرياء والكذب إلى ملكوت الله في الخفاء. وحتى الآن كانت شركة القديسين قلباً ونفساً واحدة، والكل خضع للكل. والجميع عاشوا من عناية أبيهم الساوي، وقدموا أنفسهم لله ذبيحة حية ممتلئين من الروح القدس.

وبهذا السلطان العظيم كان لجسد المسيح المناعة لرفض تجربة الشيطان. وابصر بطرس بموهبة تمييز الأرواح مباشرة، أن حنانيا أتى إليه بكذب. فمزق عن وجهه قناعه، وسمى غشه كذباً على الروح القدس وكذباً على الله بالذات. لقد اختبر حنانيا سابقاً صيم خلاص المسيح، ولكنه سقط تدريجياً إلى الخطية ضد الروح القدس.

وهذا الروح الإلهي أثبت كلمات الرسول وأمات مجرب الله. فروح الحق لم يغفر في هذه الحالة الذنوب بواسطة كلمات الرسول، بل أدان الخاطئ غير التائب. ليس إلهنا محبة فقط، بل هو قدوس أيضاً. إنه يحب الغفران، ولكن من يقسي نفسه لصوت الحق، ويغلق لبه للمحبة الإلهية يصبح شيطاناً شريراً في ذاته، فلا يرحم.

وكانت الكنيسة الأصلية قريبة لله، فأدان الله في وسطها ارتباط المرتد بالشيطان مباشرة. ولم يتم بهذا الحكم إلا الوصية الأساسية أن أجرة الخطية هي الموت.

الصلاة: يا رب لا تدني. أنا منافق وتعرف خطاياي واتكالي على المال. اغفر لي كل نوع من الكذب، وحررني من كل شكل مراءاة. لكي أصبح صحيحاً مثلك، ولا يوجد في فمي غش. طهر كنائسنا من الاستكبار والغرور بالنفس. قدسنا معاً في صبرك.

5: 7 ثُمَّ حَدَثَ بَعْدَ مُدَّةِ نَحْوِ ثَلاثِ سَاعَاتٍ أَنَّ ٱمْرَأَتَهُ دَخَلَتْ، وَلَيْسَ لَهَا خَبَرُ مَا جَرَى. 8 فَسَأَلَهَا بُطْرُسُ: «قُولِي لِي، أَبِهٰذَا ٱلْمِقْدَارِ بِعْتُمَا ٱلْحَقْلَ؟» فَقَالَتْ: «نَعَم بِهٰذَا ٱلْمِقْدَارِ». 9 فَقَالَ لَهَا بُطْرُسُ: «مَا بَالُكُمَا ٱتَّفَقْتُمَا عَلَى تَجْرِبَةِ رُوحِ ٱلرَّبِّ؟ هُوَذَا أَرْجُلُ ٱلَّذِينَ دَفَنُوا رَجُلَكِ عَلَى ٱلْبَابِ، وَسَيَحْمِلُونَكِ خَارِجاً». 10 فَوَقَعَتْ في ٱلْحَالِ عِنْدَ رِجْلَيْهِ وَمَاتَتْ. فَدَخَلَ ٱلشَّبَابُ وَوَجَدُوهَا مَيْتَةً، فَحَمَلُوهَا خَارِجاً وَدَفَنُوهَا بِجَانِبِ رَجُلِهَا. 11 فَصَارَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى جَمِيعِ ٱلْكَنِيسَةِ وَعَلَى جَمِيعِ ٱلَّذِينَ سَمِعُوا بِذٰلِكَ.

تزعزعت الكنيسة من دينونة الله، وكل رأى في نور الرب رواسب الخطية في حياته، وخاف أن يصيبه غضب الله في دوره. فتابوا توبة بالدموع، وانسحقوا أمام وجه الله، وتقدسوا بخوف ورعدة.

وقد قام الشباب ولفوا الميت وحملوا بقلوب مرتجفة من وسطهم جثة الذي تبرع قبل برهة وجيزة، ولكنه سقط بكلمة الروح القدس مصاباً كإنما بصاعقة. فلا بد أن حاملي الجثة صلوا، وسلموا لله حياتهم ذبيحة حية كاملة، وأقلعوا نهائياً عن حب المال.

ولكن لم يتجاسر أحد من الكنيسة أن يخبر زوجة الميت، بأن الله قاصص غشه بموت مباشر. والروح القدس منعهم من هذا الإخبار، لأن الكل شعروا أن روح الرب مارس دينونة شخصية. ولما جاءت سفيرة بعد ثلاث ساعات إلى الاجتماع. لتتشمس متبخترة في شكر الخوة للتقدمة الكبيرة، فتقدم بطرس إليها وسألها رأساً. أبهذا المقدار بعتما الحقل؟ فالرسول أراد أن يعطي للمرأة فرصة للتوبة والتأمل بحق الله. ولكن المرأة قد أساءت إلى علاقتها الطبيعية مع زوجها، إذ قصرت في نصحه. ولم تحرضه للحق والتواضع، بل اتدت معه في قصده المخادع. ولعلها شجعته، لكيلا يضحي بكل المال، بل يفكر أيضاً بعائلته. فانسجمت مع بعلها في الكذب والكبرياء والمراءاة.

وهنا مزق بطرس لهذه المنافقة قناعها كزوجها من قبل، وسألها متعجباً عن الشر الناشب بحيلتها وسط الكنيسة: كيف يمكن أن تجربا روح الله؟! حقاً أنه في الزواج يجب أن تكون الطاعة لله قبل الاستسلام للزوج. فينبغي أن نطيع الله أكثر من الناس، حتى في عائلتنا. وحيث يميل الزود إلى خطية ما، فعلى زوجته أن تنذره وتوبخه بكلمات، وتصلي لأجله باستمرار، لكي يتحرر من الذنب والخبث والأنانية.

أما سفيرة فقد انفتحت مع زوجها لروح الشيطان، وقاوما جذب الروح القدس، وابتدأا بإدخال روح الكبريا والكذب والمراءاة في حلقات الاتقياء الأبرار، ليميتا المحبة المتبادلة منهما أن يأتيا بثمن الحق بأرجلهما. لم يطلب الرسل منهما أن يأتيا بثم مبيع الحقل كاملاً، ولكنهما لأجل الافتخار أمام الجماعة قصدا كذباً مشتركاً.

فأصابت لعنة الله امرأة الخداع أيضاً، وسقطت مماتة من رب الحياة، على الأرض قدام أرجل الرسل، رمزاً للذبيحة الكاملة، التي لم يقدماها إلى أرجل الرسل طوعاً. فسقوطها كان عظيماً. وكل امرأة في الكنيسة ابتدأت تفكر من جديد بمعنى مسؤوليتها الوحية تجاه زوجها في البيت. إن المرأة تستطيع أن تجذب بعلها إلى السماء أو تلقيه إلى جهنم. فالمتواضعات والمجتهدات والمتكلات على الله يغلبن بصلواتهن على تجارب رجالهن. ولكن من أرادت منهم أن ترفع زوجها إلى مستوى الوجوه والدخول إلى أسماء العائلت البراقة وتطمع بالمال، فإنها تسقط حتماً إلى أيدي الشيطان المفتوحة مع زوجها وأولادها.

والارتجاف في قلوب الشباب ازداد، لما حملوا امرأة المحتال ودفنوها بجانبه في وادي قدرون. وكان درساً من الله للجماعة، إن زوجين من عائلة واحدة، أب وأم، في يوم واحد، وفي كنيسة واحدة، ماتا. فكانت ضربة مرعبة لهؤلاء المؤمنين المدربين على اتمال بعضهم في الروح القدس، وسألوا أنفسهم: هل قصرنا في الملاحظة والنصح للإخوة؟

وهل نحن أحسن في نوايا قلوبنا؟ فصار حنانيا وسفيرة مثلاً منذراً لكل المسيحيين في كل الزمان معلماً إيانا، أن إلهنا إله غيور ونار آكلة.

الصلاة: أيها الله القدوس، أنت العليم وتعرف ماضينا ومستقبلنا. خلصنا من أنفسنا ولا تدخلنا في تجربة. حررني من مالي وشموخي وكذبي، وقدسني بدم ابنك تماماً. واخلق في كنائسنا عائلات مستقيمة، حيث يقول الزوجان الحق بعضهم لبعض. مين.

15 - النهضة الانتعاشية والشفاءات الكثيرة (5: 12 - 16)

5: 12 وَجَرَتْ عَلَى أَيْدِي ٱلرُّسُلِ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ كَثِيرَةٌ فِي ٱلشَّعْبِ. وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ فِي رِوَاقِ سُلَيْمَانَ. 13 وَأَمَّا ٱلآخَرُونَ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ يَجْسُرُ أَنْ يلْتَصِقَ بِهِمْ، لٰكِنْ كَانَ ٱلشَّعْبُ يُعَظِّمُهُمْ. 14 وَكَانَ مُؤْمِنُونَ يَنْضَمُّونَ لِلرَّبِّ أَكْثَرَ، جَمَاهِيرُ مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، 15 حَتَّى إِنَّهُمْ كَانُوا يَحْمِلُونَ ٱلْمَرْضَى خَارِجاً فِي ٱلشَّوَارِع وَيَضَعُونَهُمْ عَلَى فُرُشٍ وَأَسِرَّةٍ، حَتَّى إِذَا جَاءَ بُطْرُسُ يُخَيِّمُ وَلَوْ ظِلُّهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ. 16 وَٱجْتَمَعَ جُمْهُورُ ٱلْمُدُنِ ٱلْمُحِيطَةِ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَامِلِينَ مَرْضَى وَمُعَذَّبِينَ مِنْ أَروَاحٍ نَجِسَةٍ، وَكَانُوا يُبْرَأُونَ جَمِيعُهُمْ.

إن القديسين في شركتهم لم يكونوا أنانيين عائشين لأنفسهم، متبخرين من بعضهم برياء المديح. كلا، ولكنهم كانوا مفعمي الرحمة، وتألموا لضيقات أمتهم طالبين تدخل يد الله. فلم يبشروا فقط، بل شفوا أيضاً. ولم يخدموا الله بافواههم فقط، بل أيضاً بأيديهم وعضلاتهم.

وللعجب أنهم لم ينطلقوا بقدرتهم الشخصية، ولم ينظموا مؤسسة خيرية، وما جمعوا أموالاً للمساكين. كلا. إنهم قد أعطوا من قوة الله الموهوبة لهم. فأصبحت خدمتهم آية مشيرة إلى تمجيد يسوع. وحصلت آيات كثيرة وعجائب عديدة، عملها يسوع بواسطتهم. وهذه كلها كانت استجابة لصلواتهم المذكورة في الأصحاح 4: 24-30. فمد الله يده، وانتصر برسله على الأمراض والشياطين والضيقات. فملكوته كان مقبلاً ظاهراً ملموساً.

لم يبن المؤمنون كنيسة مصنوعة من حجارة، ولم يكونوا بحاجة إلى بيت مقدس لله، لأن قلوبهم هي المكان الذي سكنه الله. فاجتمعوا في بيوتهم حلقات صغيرة، أو التقوا سوياً في دور الهيكل الواسع، حيث علم يسوع الشعب سابقاً. فهناك رتلوا وتكلموا وصوا معاً. وفرقتهم أصبحت معروفة لدى كل الشعب ومحبوبة ومكرمة، لأنه لم يشتك أحد على الآخر، بل عرفوا بعضهم بالروح القدس، واشتاقوا لتلاقيهم دائماً.

وللعجب فلم تتراكض اليهم ألوف من الناس لعلمهم أنه يوجد في حوزة الرسل صندوق مليئ بالمال للتوزيع على الأعضاء المحتاجين، ولم يأتوا إليهم لاختبارهم قوة الله الجارية من خدامه مجاناً. كلا بل الجماهير بقيت مراقبة على الحياد وفي قلوبها رهب، لأنهم شعروا أن في هؤلاء المؤمنين يسكن الله. ومن لم يكن مستعد ليموت لأنانيته حالا، بقي بعيداً عن شركة القديسين. إلا الجماعات من الرجال والنساء، الذين آمنوا واهتدوا وأتوا بعزم وثبات إلى كنيسة المسيح فتجددوا ولبسوا قوة واطمئنانا في الرب.

في العادة عند العبرانيين أن الرجال فقط يحسبون. ولكن البشير لوقا يؤكد بأهمية، أن جماهير من النساء قد تبعن رسل المسيح، واختبرن قوة الروح القدس وخلاصه. فإيمانهم لم يكن تصديقاً متفلسفاً، بل اشتراك في خلاص الله وقوته الحالة فيهن.

وازداد جريان قوة الروح القدس في تلك الأيام، حتى حدثت عجائب، كما حدث في أيام يسوع (مرقس 6: 56) الذي في زمنه وضع المرضى على الطريق، لكي يلمسوا ثوبه إذا مر في القرى والمدن، فيشفون لإيمانهم بيسوع. ونظير ذلك حدث لبطرس، فصار فيئه ممتلئ اقوة، لأن الروح القدس فاض منه كما تنبث جمل الخطب من إذاعة الراديو. فإن محبة المسيح هي جو روحي ملموس تُشفى فيه نفس الإنسان.

لم تبق حركة هذه النهضة مجهولة في القرى والمدن اليهودية، بل أتى أناس من الجوار بمرضاهم وملبوسيهم بالأرواح الشريرة، ليشفيهم الرسل. هكذا تحقق الجزء الثاني من أمر المسيح لتبشير العالم، لأنه كان على الرسل أن يبتدأوا في أورشليم، وبعدئذ نشرون الإنجيل في اليهودية. وقد شفى الرسل بسلطان المسيح كل المرضى. وهذه الكلمة (جميعهم) لم تصدر من أخبار قسيس أو كاهن أو أسقف، بل كتبها طبيب خبير، الذي علم بدقة القوى والأمراض المفسدة، والأرواح المجننة، التي تعمل في الناس. ولكن قوة المقا من بين الأموات تغلبت بواسطة الكنيسة الحية على كل خراب إبليس في العالم. وهكذا رافق التلاميذ ربهم في موكب انتصاره. وحتى اليوم يحرر المسيح كثيرين من قيود الخطية، وأربطة الشياطين والأمراض المؤلمة، شرط أن يلتصق المؤمنون بشركة المحب، ويصلوا عاً كهيكل الله، ويخضعوا لإرشاد الروح القدس بالمحبة والحق. فهل تحققت كنيسة المسيح عندكم؟ ادرس سفر أعمال الرسل وأخباره بالتفصيل، لأن يسوع المسيح، هو هو أمس واليوم وإلى الأبد.

الصلاة: باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني ليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب، ولا تنسي كل حسناته. الذي غفر جميع ذنوبك، الذي يشفي كل أمراضك، الذي يفدي من الحفرة حياتك، الذي يكللك بالرحمة والرأفة، الذي يشبع بالخير مرك، فيتجدد مثل النسر شبابك.

16 - القاء الرسل إلى السجن وتحريرهم بملاك (5: 17-25)

5: 17 فَقَامَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ وَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ مَعَهُ، ٱلَّذِينَ هُمْ شِيعَةُ ٱلصَّدُّوقِيِّينَ، وَٱمْتَلَأُوا غَيْرَةً 18 فَأَلْقَوْا أَيْدِيَهُمْ عَلَى ٱلرُّسُلِ وَوَضَعُوهُمْ فِي حَبْسِ ٱلْعَامَّةِ. 19 وَلٰكِنَّ مَلاكَ ٱلرَّبِّ فِي ٱللَّيْلِ فَتَحَ أَبْوَابَ ٱلسِّجْنِ وَأَخْرَجَهُمْ وَقَالَ: 20 «ٱذْهَبُوا قِفُوا وَكَلِّمُوا ٱلشَّعْبَ فِي ٱلْهَيْكَلِ بِجَمِيعِ كَلامِ هٰذِهِ ٱلْحَيَاةِ». 21 فَلَمَّا سَمِعُوا دَخلُوا ٱلْهَيْكَلَ نَحْوَ ٱلصُّبْحِ وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ. ثُمَّ جَاءَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ، وَدَعَوُا ٱلْمَجْمَعَ وَكُلَّ مَشْيَخَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ٱلْحَبْسِ لِيُؤْتَى بِهِمْ. 22 ولٰكِنَّ ٱلْخُدَّامَ لَمَّا جَاءُوا لَمْ يَجِدُوهُمْ فِي ٱلسِّجْنِ، فَرَجَعُوا وَأَخْبَرُوا 23 قَائِلِينَ: «إِنَّنَا وَجَدْنَا ٱلْحَبْسَ مُغْلَقاً بِكُلِّ حِرْصٍ، وَٱلْحُرَّاسَ وَاقِفِينَ خَارِجاً أَمَامَ ٱلأَبْوَابِ، وَلٰكِن لَمَّا فَتَحْنَا لَمْ نَجِدْ فِي ٱلدَّاخِلِ أَحَداً». 24 فَلَمَّا سَمِعَ ٱلْكَاهِنُ وَقَائِدُ جُنْدِ ٱلْهَيْكَلِ وَرُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ، ٱرْتَابُوا مِنْ جِهَتِهِمْ: مَا عَسَى أَنْ يَصِيرَ هٰذَا؟ 2 ثُمَّ جَاءَ وَاحِدٌ وَأَخْبَرَهُمْ قَائِلاً: «هُوَذَا ٱلرِّجَالُ ٱلَّذِينَ وَضَعْتُمُوهُمْ فِي ٱلسِّجْنِ هُمْ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَاقِفِينَ يُعَلِّمُونَ ٱلشَّعْبَ».

حيثما يبني الرب كنيسته، فإن الشيطان ينشئ بجانبها معبداً لأرواحه.

وحيث يتجدد الناس باسم يسوع، تطفوا بغضة جهنم. وهذا طبيعي. فلا تتعجب إذا هجم معارضون على خدمتكم التبشيرية المشتركة بالعنف. لأن يسوع نفسه مات على الصليب، مأخوذاً من وسط عمله الخلاصي.

ولما رأى رؤساء الكهنة أن الرسل لا يبالون بمنعهم من التكلم عن اسم يسوع، وأن أفواجاً من الناس دخلوا هذا المذهب، داعين بانتصار المقام من بين الأموات، وقوته عملت ألف برهان للمصالحة الكاملة مع الله، عند ذلك انتهى صبر رئيس الكهنة نهائيا. وربما خاف لأجل وحدة الأمة ظاناً، أنه كراع للشعب عليه واجب مقدس، أن يبيد هذه البدعة الجديدة. وهب معه كل التقليدين الجامدين والمتحررين فكرياً، وتخيلوا أنهم بإزالة المسيحية من الوجود إنما يخدمون الله. وخاصة الصدوقيون المنكرون لإمكانية قيمة الأموات، أبغضوا أتباع يسوع لأجل شهادتهم الفعالة عن غالب الموت.

وشعر الرسل والكنيسة بتلك الكراهية المتزايدة. ولكنهم لم يهربوا ولم يختفوا. إنما اجتمعوا في ساحة الهيكل أمام أعين الجميع، لأن المسيحية ليست للاستخفاء بل للظهرو في وضح النهار. وفي يوم معلوم، ألقى الزعماء على الرسل الاثني عشر جميعاً وضعوهم في السجن، ظانين كما المثل: اقطع رأس الحية فلا يهمك بعدئذ التواءها واضطراب جسدها.

أما المسيح ففكر بعكس هذا القول، لأنه رأس جسد الكنيسة، وليس الرسل أو الأساقفة أو الرعاة. فأرسل ملاكه ليلاً ففتح أبواب السجن بلا صوت. ووقف فجأة أمام الرسل المتحيرين، الذين قد صلوا استعداداً لجسلة المحاكمة. وللعجب فالملاك لم يقصد تخلص الرسل من المحكمة، ولم يحضر لهم سريراً ولا فراشاً مريحاً، ولم يأمرهم بالهرب، بل أوصاهم بالذهاب إلى ساحة الهيكل، لكي يعلموا جهراً ما عمله المسيح وقاله. لأن من كلمات الإنجيل هذه تحل الحياة الأبدية في قلوب المستمعين. وأمرهم الملاك بأن ينقوا رغم المعارضة والتهديد، كل كلمة حياة الله إلى آذان الشعب، انتبه (كل كلمة) بدون نقص أو تقصير خوفاً من الأعداء. وهذا أمر الله ولكل مؤمن: كلم شعبك بكل كلمات الحياة هذه. فليست كلماتك وتخيلاتنك مهمة البتة. إنها مفعمة الموت. أما الشهادة عن ياة المسيح فتولد وتخلف حياة أبدية في المؤمنين.

عندئذ قام الرسل الاثنا عشر وتقدموا وتركوا سجنهم وعبروا وسط الحراس، وذهبوا إلى ساحة الهكيل قبل شروق الشمس، وابتدأوا يعلمون الحجاج والزوار، الذين أقبلوا باكراً. وانتظروا بارتباك وحيرة ما يقصده الرب بهم. لأنهم شعروا أنه وشيكاً سيقبل عليهم شيء هائل، لأن الرب الحي قد تدخل في مسيرة تلك الأحداث بواسطة ملاكه البراق.

وفي صحوة ذلك النهار اجتمع المجمع الديني الأعلى كله، المكون من رؤساء الكهنة والشيوخ المحترمين والفقهاء الماكرين، وهم سبعون عضواً. وفوق ذلك استدعى رئيس الكهنة وجوه الشعب، لأن قصده كان إبادة هذه البدعة اليسوعية الناصرية نهائياً. ولماحضر كل الرجال وجلسوا جلوسهم الكريم، أرسل رئيس المجمع إلى السجن، يطلب إحضارالموقفين. ولكن ما أروع خوف الحراس ودهشتهم! لأنه رغم الأبواب المغلقة والأقفال السليمة، اختفى المسجونون ولم يجدوا لهم أثراً. ولما جاء المجمع الخبر، عمتهم الحيرة، لأ الكل كانوا عارفين عن العجائب، التي صنعها الرسل، حتى أن ظل الرسول بطرس أبرأ المرضى.

وكان هذا الخبر صدمة عنيفة للمفكرين الواعين، وعاراً للداعي إلى هذه المحاكمة. فزعزع الله هؤلاء القضاة مسبقاً، ليريهم جلياً، أنهم يوشكون أن يحكموا على مؤمنين أبرياء، هم أبناء الأمة المخلصون. فحمت يد المسيح رسله، الذين بشروا شعبهم بكلة الحياة الكاملة.

الصلاة: أيها الرب أنت الله وحياتك موضوعة في إنجيلك. فساعدنا لنوضح بجرأة وتواضع بحكمة اسمك لكل الناس الجياع إلى البر ليشبعوا.

17 - جميع الرسل أمام المجمع الأعلى (5: 26 - 33)

5: 26 حِينَئِذٍ مَضَى قَائِدُ ٱلْجُنْدِ مَعَ ٱلْخُدَّامِ، فَأَحْضَرَهُمْ لا بِعُنْفٍ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ ٱلشَّعْبَ لِئَلاَّ يُرْجَمُوا. 27 فَلَمَّا أَحْضَرُوهُمْ أَوْقَفُوهُمْ فِي ٱلْمَجْمَعِ. فَسَأَلَهمْ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ: 28 «أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لا تُعَلِّمُوا بِهٰذَا ٱلاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلَأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هٰذَا ٱلإِنْسَانِ». 2 فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَٱلرُّسُلُ: «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ ٱللّٰهُ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنَّاسِ. 30 إِلٰهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ ٱلَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. 31 هٰذَا رَفَّعَهُ اللّٰهُ بِيَمِينِهِ رَئِيساً وَمُخَلِّصاً، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ ٱلتَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ ٱلْخَطَايَا. 32 وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ، وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَيْضاً، ٱلَّذِي أَعْطَاهُ ٱللّٰهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُنَهُ».

يحب الله أعداءه، ويرحم الأشرار أكثر مما يتصور عقلنا. فانقلبت الجلسة إلى دعوة للتوبة أطلقها إثنا عشر صوتاً رسولياً، ليرجع كل زعماء إسرائيل إلى ربهم. لأن الحضور ما كانوا فقط لجنة الاستنطاق، بل المجمع كله.

لقد مضى رئيس جند الهكيل، وطلب من سفراء المسيح بلياقة، أن يذهبوا معه لمقابلة المجمع. فأتوا معه ليس كمجرمين مقيدين، بل أحراراً محترمين. ورئيس الجند لم يتجرأ أن يقبض عليهم لكيلا يثور الشعب مؤازراً رسل الله، وراجماً الحراس. وهكذا تبع الرسل رجال الأمن طوعاً.

وفي دار رئيس الكهنة اجتمع السبعون عضواً كان هذا الرئيس متأففاً ضجراً، ممتلئاً قلبه بالبغضاء والحقد والتهديد. واغتاظ أكثر، لأن هؤلاء المشاغبين سببوا له خجلاً أمام ممثلي الشعب، بخروجهم الغريب من السجن. فانتهرهم أول ما جاءوا بخشونة، تسائلاً: لماذا استمررتهم بذكر اسم يسوع، رغم أننا منعناكم من التفوه به. ورغم التحذير الشديد ملأتم مدينة أورشليم كلها بحكاياتكم التافهة. وما قصدكم إلا إهانتنا وتحقيرنا أمام الشعب، وإبرازنا قضاة ظلم كأن يسوع بار ونحن مجرمون. وهذا الشاب من لناصرة، لم يكن إلا إنساناً مضلاً مجدفاً. وقد مات وألقي في حفرة، واسترحنا منه، لكنكم استهزأتم بالمجمع الأعلى وأهنتمونا وتعديتم علينا بأكاذيب وخرافات واحتيال.

عندئذ قام بطرس وكل الرسل سوياً، وتكلموا بكل مجاهرة بنفس الأفكار، منسجمين بإرشاد الروح القدس كأنهم يقولون: لا نتبع تخيلات، وليس فينا نية سيئة، إلا أننا حصلنا على إعلان الله. فنطيع الرب بشهادتنا. ومستحيل أن نطيعكم، لأن الله أكبر منك وهو ربنا. ويل لنا أن نصمت عن حقائقه. فتحترق ألسنتنا. إننا نتكلم على أساس إعلان الله المباشر لنا.

ولربما سألهم الشيوخ بعدئذ: ما هو مضمون إعلان الله لكم؟ فجاوب أحد الرسل: ليس لنا إعلان، إلا حقيقة قيامة يسوع من الأموات. فهو لم يظهر لنا كروح أو شبح، بل الله قد أقامه جسدياً. لأن يسوع كان مع الله في كل حين والله كان معه.

وهنا صاح أحد القضاة : أهكذا تقولون، إننا أعداء الله؟ فجاوب بطرس بشدة ويقين: ليس غيركم من حكم على يسوع البار. وأنتم الذين أجبرتكم الوالي بيلاطس لصلبه. نعم أنتم قتلة وأعداء الله. ويسوع هو قدوس. وقد علقتموه على خشبة اللعنة بأيدي نجسة.

ورغم صرير الأسنان في صفوف القضاة، أكمل أحد الرسل الحديث قائلاً: أما الله فلم يقم يسوع من الموت فقط، بل أيضاً رفعه إليه جاعلاً إياه رأس الكنيسة، المخلص لكل العالم. فيسوع هو الرب بالذات، حامل صفات الله في ذاته. وهو المسيح المنتظر منم، عائشاً عن يمين الله، كما قال في وجوهكم آنذاك: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة، وآتياً في سحاب السماء.

فقفز بعض الحضور إذ ذاك، ولكنهم ظلوا ضابطين أنفسهم، مرتجفين من الغيظ ومنتظرين بقية المدافعة من الرسل. وتمتم أحدهم: فلم يبق لكم إلا أن تدعونا لنسجد لربكم. فقال أحد التلاميذ: حقاً أن يسوع لا يرفضكم، بل يدعوكم إلى التوبة، وينتظر رجوع عب إسرائيل كله، لأنه هو المحبة، ولا يزال مستعداً أن يغفر لكم خطاياكم تماماً. تعالوا إليه لأن رحمته أعظم من بغضتكم. والله يغفر لكم إن تبتم حقاً.

ولعل أحد المحايدين من الحضور سأل الصيادين بتعجب: من أين لكم هذه الجرأة والوقاحة لتدينوا قضاتكم بالذنب، وتقدموا بنفس الوقت لهم الغفران. من أنتم وماذا تظنون أنفسكم، أآلهة؟

فأرشد الروح القدس التلاميذ، حتى لا يقعوا في فخ تجربة الاستكبار أو التجديف فقالوا: لسنا إلا شهوداً لحقيقة قيامة يسوع وصعوده إلى السماء. والروح القدس حل فينا عملياً، لأننا مؤمنون بالمسيح المرتفع. وهذا الروح يثبت لنا، أن معرفتنا حق، نعيش بانسجام مع الله.

فضحك أحد الشيوخ قائلاً: ماذا تفهمون أنتم الجهلاء الأميون من الروح القدس؟ وجابهه مباشرة الجواب الواضح: إن الله يعطي روحه فقط لمن يطيع كلمته ويقبل إعلان المسيح. ولكن الذي لا يؤمن يهلك، لأنه يعاند الروح القدس في شهادته. وكل الخطايا تفر للإنسان، ولكن الخطية ضد الروح القدس لن تغفر.

فكل واحدة من هذه الجمل، التي قالها الرسل، أصابت الحضور السبعين كسهم حق إلهي في قلوبهم. فأكثرية هؤلاء الوجوه الذين جرحوا بكرامتهم واغتاظوا لإهانتهم، انتفضوا لإبادة هؤلاء، الذين اعتبروهم مجدفين غوغائيين متبجحين. فتكاثف الجو ظلاماً، استعدت جهنم لتهجم بقهقهة على زعماء كنيسة المسيح لإفنائهم رجماً.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح أنت حي. نسجد لك ونسبحك لأجل القوة والجرأة الموهوبة لرسلك. في ذلك الموقف القاطع لم ينكروك بل شهدوا لحقيقتك. فساعدني في ساعة التجربة أن أثبت أميناً لك حتى الموت. آمين.

18 - نصيحة غمالائيل وجلد الرسل (5: 34 - 42)

5: 34 فَقَامَ فِي ٱلْمَجْمَعِ رَجُلٌ فَرِّيسِيٌّ ٱسْمُهُ غَمَالائِيلُ، مُعَلِّمٌ لِلنَّامُوسِ، مُكَرَّمٌ عِنْدَ جَمِيعِ ٱلشَّعْبِ، وَأَمَرَ أَنْ يُخْرَجَ ٱلرُّسُلُ قَلِيلاً. 35 ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: « أَيُّهَا ٱلرِّجالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ، ٱحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هٰؤُلاءِ ٱلنَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا. 36 لأَنَّهُ قَبْلَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلاً عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي ٱلْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ ٱلرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، ٱلَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ ٱنْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لا شَيْءَ. 37 بَعْدَ هٰذَا قَامَ يَهُوذَا ٱلْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ ٱلاكْتتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْباً غَفِيراً. فَذَاكَ أَيْضاً هَلَكَ، وَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ ٱنْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا. 38 وَٱلآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هٰؤُلاءِ ٱلنَّاسِ وَٱتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هَٰذا ٱلرَّأْيُ أَوْ هٰذَا ٱلْعَمَلُ مِنَ ٱلنَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ، 39 وَإِنْ كَانَ مِنَ ٱللّٰهِ فَلا تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ لِلّٰهِ أَيْضاً». 40 فَٱنْقَادُوا إِلَيْهِ. وَدَعُوا ٰلرُّسُلَ وَجَلَدُوهُمْ، وَأَوْصُوهُمْ أَنْ لا يَتَكَلَّمُوا بِٱسْمِ يَسُوعَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمْ. 41 وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ ٱلْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أجْلِ ٱسْمِهِ. 42 وَكَانُوا لا يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي ٱلْهَيْكَلِ وَفِي ٱلْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ.

آمن الفريسيون بوجود الملائكة وقيامة الأموات، وإمكانية رؤية الله في دنيانا. فلما سمعوا أن الرسل تحرروا من السجن المغلق فزعوا. لأنهم لم ينكروا إمكانية إقامة يسوع وتدخله في المجتمع.

فقام زعيم الفريسيين غمالائيل المعلم العليم الفقيه الواسع الاطلاع، الذي صار بعدئذ معلماً لبولس أيضاً. وهذا المحترم تكلم مهدئاً المجمع الأعلى الهائج الغليان. وما كان غمالائيل متأكداً هل يد الله عاملة مع الرسل أم لا، وهل هؤلاء الرجالحقاً مرسلون من العلي، أم لم يُرسلوا بتاتاً؟ لأن هذا المتعلم تفرس فيهم، ولم ير شراسة ولا وقاحة، بل رجولة ومحبة واستقامة. فلم يظهروا كمبتدعين أو أشرار. فنصح بحكمته زملاءه في المجمع الأعلى ليتريثوا ولا يحكموا عليهم بالموت قتلاً. وما أحب أن يسفك دم بريء مرى أخرى، لكيلا يقف المجمع عن جهل مكافحاً ضد إرادة الله.

إن غمالائيل لم يؤمن بيسوع المسيح، ولم يقرر قبول دعوة الرسل. ولكن الرب الحي استخدم معلم الناموس المتواضع ليحفظ في هذه الساعة القاطعة رسله ويبقيهم شهوداً لقيامته.

وللعجب، فهذا العالم لم يستخدم التوراة للاستشهاد بها وتقوية حجته، بل أرشد الحضور إلى حقائق اختبارية. فالزعماء السياسيون أو مؤسسو البدع يسخرون أتباعهم، ولكن إن لم تكن القوة فيهم من الله فإن أتباعهم يتبددون بعد موت الزعماء. فالله وحد يعطي في ملكوته البداية والاستمرار والنهاية، كما أن المسيح هو رئيس الإيمان ومكمله.

وحكم غمالائيل يمكننا اليوم أن نستدل على ألوهية يسوع بطريقة اختبارية، لأن حركته لم تتبدد بعد موته، بل تقوت جداً، وشملت نصف العالم.

ولم يحصل إجماع من الأعضاء السبعين في المجمع الأعلى. ولم يشعر عدد كبير منهم براحة الضمير للموافقة على قتل جماعي لهؤلاء الاثني عشر رجلاً مستقيماً. فوافقوا على الانتظار. ولكن المغتاظين ورئيس الكهنة تشوقوا للانتقام والقصاص الصارم. وأجروا المجمع للحكم بالجلد على كل من هؤلاء الأبرياء فاعلي الخير، أربعين جلدة إلا واحدة على ظهورهم العارية.

فقاد الحراس المتهمين خارجاً الذين لم يعترضوا، بل احتملوا العار صامتين مصلين، بينما كانت ظهورهم تلسعها السياط الجلدية بأمر حكم المجمع الأعلى الظالم. لقد احتملوا هذا العار بفرح، لأنهم لم يتألموا لأجل ذنوبهم الشخصية، بل لأجل اسم يسوع المسيح وحده. والرب قد قال لهم سابقاً: طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات.

ماذا كانت نتيجة هذه الجلسة القاطعة؟ إن ذكر اسم يسوع بقي بين اليهود حتى اليوم ممنوعاً وغير مرغوب. ولكن الذي ينطق به، لا يُقتل أو يُضطهد. فكان للكنيسة استراحة لمدة، وبشروا باسم يسوع جهراً رغم المنع. وظل سيف الخطر مع ذلك فوق رؤوسهم.

وبعد الجلد تقدم الرسل بفرح وجرأة إلى ساحة الهيكل واستمروا بشهادتهم عن المسيح المقام المنتصر، رغم أن ظهروهم كانت مفلعة دامية. فأدرك الشعب أن زعماء أمتهم كرهوا اسم يسوع كالسابق. وأن كل مؤمن به يشرف على الاضطهاد. ولكن هذا الخطر فرق اتبن عن القمح، وجعل المؤمنين ثابيتن رصينين. والرب زاد النعمة فيهم يومياً.

وكان الرسل يزورون البيوت باستمرار، ويعلمون المؤمنين ويثبتونهم في التوراة والمزامير والانبياء. ويفسرون لهم كلمات يسوع، التي سمعوها منه وجمعوها جزئياً. وبنفس الوقت فتش الرعاة عن خرافهم الضالة وبشروا الجماهير في الهيكل، مقدمين لهم اللاص الكامل في المصلوب. ومضمون رسالتهم تبلورت في اسمين: أن يسوع هو المسيح. وأن المصلوب هو المقام من بين الأموات، وأن الناصري المرفوض هو الملك الإلهي المالك اليوم في السموات عن يمين الآب. فلم يخف الرسل، بل شهدوا أن يسوع المسيح هو الرجاء الوحيد لكل الناس.

الصلاة: أيها الرب الحي قد ضربت لأجل محبتك ورسلك تبعوك. اغفر لي جبني وانقسام قلبي، وعلمني شكراً لمحبتك. وقدنا إلى تعليم المؤمنين بالحكمة، وإلى تبشير الجهلاء بالقوة.

19 - تنظيم الكنيسة واختبار الشمامسة السبعة (6: 1 - 8)

6: 1 وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ إِذْ تَكَاثَرَ ٱلتَّلامِيذُ، حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ ٱلْيُونَانِيِّينَ عَلَى ٱلْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي ٱلْخِدْمَةِ ٱْيَوْمِيَّةِ. 2 فَدَعَا ٱلِاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ ٱلتَّلامِيذِ وَقَالُوا: «لا يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ. 3 فَٱنْتَخِبُوا أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَالٍ مِنْكُمْ، مَشْهوداً لَهُمْ وَمَمْلُّوِينَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هٰذِهِ ٱلْحَاجَةِ. 4 وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى ٱلصَّلاةِ وَخِدْمَةِ ٱلْكَلِمَةِ». 5 فَحَسُنَ هٰذَا ٱلْقَوْلُ أَمَامَ كُلِّ ٱلْجمْهُورِ، فَٱخْتَارُوا ٱسْتِفَانُوسَ، رَجُلاً مَمْلُّواً مِنَ ٱلإِيمَانِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، وَفِيلُبُّسَ، وَبُرُوخُورُسَ، وَنِيكَانُورَ، وَتِيمُونَ، وَبَرْمِينَاسَ، ونِيقُولاوُسَ دَخِيلاً أَنْطَاكِيّاً. 6 ٱَلَّذِينَ أَقامُوهُمْ أَمَامَ ٱلرُّسُلِ، فَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمِ ٱلأَيَادِيَ. 7 وَكَانَتْ كَلِمَةُ ٱللّٰهِ تَنْمُو، وَعَدَدُ ٱلتَّلامِيذِ يَتَكَاثَرُ جِدّاً فِي أُورُشَلِيمَ، وَجُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ ٱلْكَهَنَةِ يُطِيعُونَ ٱلْإيمَانَ. 8 وَأَمَّا ٱسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُّواً إِيمَاناً وَقُّوَةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي ٱلشَّعْبِ.

لما كثر عدد أعضاء الكنيسة، ابتدأت مشاكل خيرية، وتطلبت تنظيماً للكنيسة. ودرسنا اليوم يعلمنا، كيف نستطيع أن نحل مشاكل حساسة في كنيستنا. فالقضية كانت مركبة من أربع مشاكل. والروح القدس أرشد المؤمنين بست طرق لحلها:

  1. لم يكن متاحاً للأرامل في الشرق الأوسط أن يشتغلن خارج البيوت آنذاك. فنظم اليهود سابقاً والمسيحيون بعدئذ خدمة المساعدة لهؤلاء النساء اللواتي لا يستطعن الزواج مرة أخرى بعد موت بعولتهن إما لعجزهن أو مرضهن أو لخلوهن من ولد يهتم بهن فرتبت الكنيسة الأصلية مائدة طعام مباحة للأرامل المؤمنات اللاواتي ينتسبن إليها. والرسل الذين أشرفوا بذواتهم على الصندوق المشترك، هم الذين رتبوا طاولة الطعام بقدر إمكانهم.

  2. اجتمع في الكنيسة الأولى يهود مؤمنون بالمسيح، متكلمون باللغة الآرامية، ولم يتركوا فلسطين بل بقوا دائماً في وطنهم. واجتمع معهم عدد وفير من يهود متغربين، الذين لم يقدروا التكلم باللغة الآرامية أو العبرانية، بل تحدثوا باليونانية. قد كانوا غرباء في وطنهم الأصلي، لأنهم لا يستطيعون النطق بسهولة بالألفاظ الآرامية. فلم يفهم بعضهم بعضاً بسهولة. وهكذا لم تحصل الأرامل المتضايقات من اليهود المتغربين على العناية الكاملة، رغم أن المسيحيين من الخارج تقدموا بترعات كبيرة مثل رنابا وآخرين.

  3. كان الرسل في شغل شاغل فوق استطاعتهم بالعظات والصلوات والتبشير والاجتماعات وزيارات البيوت والشفاءات وضبط الصندوق المشترك والدفاع عن مبادئهم، حتى لم يبق لديهم وقت وقوة كافية، ليقوموا بكل هذه الأعباء بدقة وكمال. فأهملوا الآرامل الاواتي لم يستطعن الافصاح عن حوائجهن باللغة الآرامية. وإلى الآن ما زلنا نرى الاساقفة والرعاة مشغولين. فوق رؤوسهم بمسؤوليات دنيوية وروحية. فلا يستطيعون القيام بواحدة منها بدقة.

  4. ولكن الحمد لله لأن المؤمنين آنذاك تكلموا بين بعضهم بكل صراحة. ولما لم تحسم المشكلة بسبب تفاقم الشغل على الرأس ابتدأ تذمر عظيم في الكنيسة، حتى كادت وحدة المحبة أن تنشق بينهم.

  5. عندئذ أدرك الرسل، أنهم لا يستطيعون أن يقوموا بكل الأعمال في الكنيسة، خصوصاً إذا ازداد عدد الأعضاء باستمرار. بل هم في حاجة ماسة إلى معاونين في الخدمة مقتدرين لكل أعمال صالحة. والروح القدس أرشدهم ألا يختاروا للوظائف أصدقاءهم أو قرباءهم أو أعضاء من عائلة يسوع ويفوضونهم بشراء الطعام وطبخه وتقديمه، بل دعوا لذلك الكنيسة كلها، وطلبوا منها أن تفتش على سبعة رجال يستطيعون أن يقوموا بهذه الخدمة.

  6. كيف أثبت الرسل ضرورة هذا الانتخاب؟

    لقد قالوا: إننا لا نقدر أن نبشر كما ينبغي. فالصلاة وكلمة الله قبل الغذاء. وليس بالخبز وحده يحيا الانسان. بل بكل كلمة تخرج من فم الله. وفي هذا القول وضح الرسل جلياً، أن الصلاة كانت أهم من التعليم والتبشير، لندرك نهائياً ضروروة الصلة قبل التكلم وإلا فكل تعليمنا وتبشيرنا باطل. فهل تصلي باستمرار؟

  7. ومن هم المؤهلون للقيام بالخدمات الخيرية؟ إنهم الرجال الممتلئون بالروح القدس والحكمة! فالشرط الأول هو الولادة الثانية والايمان والمحبة والصبر والرجاء وقوة الصلاة والاندفاع للتبشير الذي ينبع من ملء الروح القدس. والصفة الثانية تد على الخبرة في الحياة وحكمة معالجة الناس والقدرة في تدبير المال والمهارة في الشراء وتحصير الطعام. فإذا الشرط للخدمة في الكنيسة ذا شقين: أولاً فيضان المحبة من الايمان بالمسيح والتواضع الزائد. ثانياً خبرة في الخدمة المعينة ومعرفة وحكمة فيالتعاون مع الناس المقصودين بالخدمة.

  8. وفي الانتخاب الذي لم يشترك فيه الرسل، اختارت الكنيسة بالاجماع سبعة رجال مفعمين بالروح القدس والحكمة، بينما كان الرسل يصلون ليكون يسوع هو الذي يختار الرجال المقبولين عنده، ليقوموا بخدمة توزيع الخبز للأرامل في الروح والحق. ومن أماء المختارين نرى، أن أكثريتهم من اليهود المتغربين، لأن أسماءهم يونانية غير عبرية. وأكثر ما نقرأه هو عن استفانوس وفيلبس. وهنا نقرأ لأول مرة اسم انطاكية، المركز الذي أصبح فيما بعد محور التبشير. لأن نيقولا المتهود المسيحي ولوقا البشير أتي من هذه الكنيسة. فمن ذلك الوقت فصاعداً نجد في سيرة أعمال الرسل تأثير المؤمنين بالمسيح من الأصل اليهودي المتغربين على تطور نشر الإنجيل، تأثيراً مبدئياً قاطعاً، لأن بولس كان من هذه النخبة.

  9. وبعد الانتخاب أتت الكنيسة بالمختارين إلى الرسل، لكي يضعوا أيديهم على رؤوسهم وتخرج القوة الموهوبة للرسل إلى المفوضين الجدد. وكان هؤلاء السبعة قد حصلوا على الروح القدس من قبل وامتلأوا به. ولكن المؤمنين علموا، أنه في الرسل تسكن قة خصوصية من الله. وهكذا أتت الكنيسة بطلب الرسل، ليكرسوا المختارين في مناصبهم. فتم هذا التعيين في انسجام بين الرسل المسؤولين والكنيسة أجمع. وصلوا كلهم، ليفوض الرب خدامه السبعة بواسطة وضع أيدي الرسل.

  10. ولم تعتبر خدمة الرسل درجة أعلى من خدمة الشمامسة، لأن للكل رباً واحداً، وكلهم امتلأوا بنفس الروح القدس. ولكن لأن الرسل القليلين لم يستطيعوا أن يقوموا ببعض الأعمال الرسولية. وحقاً أن خدمة الشمامسة لم تحد وتقصر على توزيع الشوربا بل صار استفانوس شاهداً كبيراً للمسيح. فإذا هو بعد قليل الشهيد الأول في المسيحية. وفيلبس عمد الخصي من أثيوبيا بعد تبشيره في سلطان الرب. فنرى أن الشمامسة ما كانوا يقومون بأعمال خيرية فقط، بل أنهم شهدوا للمسيح شهادة بالغة.

وهنا يظهر أيضاً العدد 3 رمزاً للسماء والعدد 4 رمزاً للأرض، لأنه بينما كان الرسل 12 أي 3 4 فصار عدد الشمامسة 7 أي 3 + 4 دلالة أنه في الطريقين، اتحدت السماء والأرض في مختاري المسيح.

وتنظيم العمل بهذه الطريقة أنتج نمواً في الكنيسة، حتى أصبحت الكلمة جسداً في المؤمنين. فقدر البشير أن يقول: قد نمت الكلمة. لأن عدد المؤمنين في أورشليم ازداد رغم أن المجمع الأعلى منع الشهادة باسم يسوع بتاتاً وأن الرسل الاثني عشر حملوا على ظهورهم آثار الجلد الأليم.

والمدهش أن كثيراً من الكهنة قد خضعوا للمسيح رغم أن رؤوساء الكهنة كانوا أشد عداوة للكنيسة. ولكن الروح القدس قد تجسد في أتباع المسيح بمقدار أن الكهنة المتأنين لم يقفلوا أنفسهم عن قوة محبة الله فيما بعد، بل اهتدوا وأطاعوا رسالة الإنجل. وشارفوا على الخطر في مهنتهم لأجل إيمانهم الجديد. ولكن دعوة المسيح وصلتهم فخضعوا خضوعاً حقاً للمقام من بين الأموات، وأصبحوا مطيعين للإيمان الجديد.

أيها الأخ هل فهمت بشرى الإنجيل؟ هل أصابتك دعوة الله؟ هل أطعت جذب الروح القدس؟ سلم نفسك للمسيح مصلياً، لأنه بذل ذاته لأجلك قبل أن عرفته.

الصلاة: أيها الرب يسوع نشكرك لأنك مخلص العالم وترد الخطاة وتقود كنيستك في موكب نصرتك. وتعطي المؤمنين ألسنة جديدة تعظم بها اسمك. ليأتي كثيرون وينضموا لحشد محبتك. ادع اليوم كثيراً من الضالين إلى شركتك الأبدية.

مسابقة ماذا تعرف عن تأسيس كنيسة المسيح؟

إن جاوبت على 25 سؤال من هذه الأسئلة الاثنين والثلاثين التالية التي تعالج الاصحاحات 1-6 من سفر أعمال الرسل بصحة وصواب نرسل لك الكتاب الذي تختاره من جدول مطبوعاتنا المرفقة في هذا الكتاب.

  1. ما هي أهداف لوقا من كتابة سفر أعمال الرسل وماذا تعرف عن ثاوفيلس؟

  2. ماذا كان مضمون الكتاب الأول للوقا، وما الذي كتبه في الثاني؟

  3. ما هو موعد الآب؟

  4. من هو الروح القدس، وما هي غايته؟

  5. كيف يأتي المسيح ثانية حسب قول الملاكين؟

  6. من هم الذين اجتمعوا للصلاة المستمرة؟

  7. ماذا تعلمت من موت يهوذا؟

  8. ما هي شروط الدخول إلى خدمة المسيح؟

  9. كيف أظهر الروح القدس ذاته في عيد العنصرة؟

  10. ما الذي علمه الروح القدس للرسل أن ينطقوه؟

  11. ما هي الأفكار الرئيسية في الجزء الأول لعظة بطرس؟

  12. لماذا كان على بطرس أن يقول لليهود أنهم قتلة يسوع؟

  13. ماذا أراد بطرس أن يوضح للمستمعين بواسطة ذكره نبوة داود؟

  14. لم صعد المسيح إلى السماء؟

  15. كيف ننال الروح القدس. وما هي الشروط لحلوله في المؤمنين؟

  16. من يستحق نيل الروح القدس. ولماذا؟

  17. اذكر لكل واحدة من الصفات الاثني عشرة المشروحة كلمة هامة تعبر عن جوهر هذه الصفة.

  18. ماذا تعني العبارة «باسم يسوع المسيح الناصري»؟

  19. ماذا يعني الإيمان باسم يسوع الناصري؟

  20. ما هو هدف تاريخ البشر؟

  21. ماذا تعني المقابلة بين المجمع الأعلى والرسولين؟

  22. ما هو معنى خطاب بطرس أمام رؤساء الكهنة؟

  23. لم يتمركز في اسم يسوع وحده خلاص العالم كله؟

  24. لم يكون تكلمنا بكلمة الله ضرورياً وجوهرياً للروح القدس؟

  25. أي مبدأ من هذه الأسس الكنسية العشرة تعتبره الأهم لتنفذه في حياتك؟

  26. لماذا أمات الروح القدس حنانيا مباشرة؟

  27. ما هو الواجب الروحي لكل من الزوجين على الآخر؟

  28. ما هو سر العمل الخيري في الكنيسة الأولى؟

  29. ماذا يعني أمر الملاك للرسل السجناء؟

  30. ما الذي أعجبك من الأفكار التي دافع بها الرسل ضد قضاتهم؟

  31. ماذا يعني حكم المجلس الأعلى بالنسبة لاستمرار كنيسة المسيح؟

  32. كيف رتب يسوع بروحه اختيار الشمامسة السبعة؟ وماذا يعني هذا لنا اليوم؟

20 - شهادة استفانوس الفعالة (6: 8 - 15)

6: 8 وَأَمَّا ٱسْتِفَانُوسُ فَإِذْ كَانَ مَمْلُّواً إِيمَاناً وَقُّوَةً، كَانَ يَصْنَعُ عَجَائِبَ وَآيَاتٍ عَظِيمَةً فِي ٱلشَّعْبِ. 9 فَنَهَضَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ مَجْمَعُ ٱللِّيبَرْتينِيِّينَ وَٱلْقَيْرَوَانِيِّينَ وَٱلإِسْكَنْدَرِيِّينَ، وَمِنَ ٱلَّذِينَ مِنْ كِيلِيكِيَّا وَأَسِيَّا، يُحَاوِرُونَ ٱسْتِفَانُوسَ. 10 وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُقَاوِمُوا ٱلْحِكْمَةَ وَٱلرُّوحَ ٱلَّذِي كَانَ يَتَكَلَّمُ بِه. 11 حِينَئِذٍ دَسُّوا لِرِجَالٍ يَقُولُونَ: «إِنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَتَكَلَّمُ بِكَلامِ تَجْدِيفٍ عَلَى مُوسَى وَعَلَى ٱللّٰهِ». 12 وَهَيَّجُوا ٱلشَّعْبَ وَٱلشُّيُوخَ وَٱلْكَتَبَةَ، فَقَامُوا وَخَطَفُوهُ وَأَتَوْا بِهِ ِلَى ٱلْمَجْمَعِ، 13 وَأَقَامُوا شُهُوداً كَذَبَةً يَقُولُونَ: «هٰذَا ٱلرَّجُلُ لا يَفْتُرُ عَنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ تَجْدِيفاً ضِدَّ هٰذَا ٱلْمَوْضِعِ ٱلْمُقَدَّسِ وَٱلنَّامُوسِ، 14 لأَنَّنَا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: إِنَّ َسُوعَ ٱلنَّاصِرِيَّ هٰذَا سَيَنْقُضُ هٰذَا ٱلْمَوْضِعَ، وَيُغَيِّرُ ٱلْعَوَائِدَ ٱلَّتِي سَلَّمَنَا إِيَّاهَا مُوسَى». 15 فَشَخَصَ إِلَيْهِ جَمِيعُ ٱلْجَالِسِينَ فِي ٱلْمَجْمَعِ، وَرَأَوْا وَجْهَهُ كَأَنَّهُ وَجْهُ مَلاكٍ.

هل تعرف من هو الروح القدس؟ اقرأ وصف سيرة حياة الشهيد استفانوس، فتعرف ماذا يعمل الروح القدس في الانسان، الذي يسلم نفسه تماماً إلى الرب المسيح.

واسم استفانوس يعني (إكليل)، وهو جائزة تُعطى للفائز في الرياضة عند اليونان، لأن شهيد يسوع هذا وصل الأول في السباق إلى السماء، ودخل بعد موته إلى مجد ربه.

وقد سمع استفانوس وهو يهودي متغرب بشرى الخلاص، وفتح نفسه لقدرة المسيح ونال الغفران، وامتلأ من الروح القدس النابع فيه بمواهب روحية عديدة. وما كان استفانوس صالحاً في ذاته، إنما روح المسيح هو الذي جدده. وهذا الشماس استفانوس لم يتبرر باسطة تقواه الذاتية، ولكن المسيح طهره مجاناً بدمه الثمين. فكل أعمال الله هذه في حياة الخاطئ تشملها كلمة «النعمة». فليس أحد يستحق مواهب الله إلا من يؤمن بالمسيح، فينال من ملئه ونعمة فوق نعمة.

وجوهر هذه النعم هو قوة الله، لأن بالروح القدس تحل قدرة القدير في المؤمن، الظاهرة في المحبة والتواضع والطهارة. وحيث ينكسر المؤمنون لكبريائهم الطبيعية، ويعيشون خاضعين في شركة القديسين، تعمل قوة المسيح بواسطتهم عجائب وآيات ضمن الكنيس وخارجها، لأن المسيح حي ويعمل بواسطة شهوده كأنه يتجول بينهم، ويخلص ويشفي ويبارك كما عمل أيام تجوله على الأرض.

إن استفانوس كان مبشراً مجتهداً. ولم يعش لخلاص نفسه الذاتية، ولم يكتف بالتمتع المريح في أحضان الكنيسة، بل قام وتقدم وسط الكنيس اليهودي المتعصب، وشهد لهم أن يسوع الناصري المصلوب هو المسيح الحق والمقام من بين الأموات. فما كان الرسل ه وحدهم شهود المسيح، بل كل ممتلئ من الروح القدس لا يقدر إلا أن يجاهر بأن الله محبة، وقد صالح البشر بنفسه لما مات ابنه على الصليب. إن عالمنا الغبي قد تخلص، ولم يعرف هذه الحقيقة العظمى.

وتقدم استفانوس إلى كنيس اليهود المتغربين، الذين كانوا يقرأون العهد القديم باليونانية، ويتأملون في معانيها بأساليب منطق الغرب. فلم يصغوا إلى رسالة الإنجيل إصغاء فقط، كأكثرية اليهود الآخرين، بل فكروا فيها، وسألوا عن نتائجها السلبية،وناقشوا استفانوس حول موقفه تجاه تقاليد العهد القديم. وهؤلاء اليهود المتدربون بالطريقة الفلسفية، لم يستطيعوا أن يقاوموا حكمة الروح القدس النابعة من استفانوس.

وهكذا اغتاظ الاتقياء المفكرون وشعروا بتعد على أسس ديانتهم. وأهاجوا الشعب، وحرضوا الشيوخ والكتبة ضد المضل الجديد، وتجسسوا وتآمروا عليه. وأخيراً خطفوه في وقت معين، وجروه إلى المجمع الأعلى حيث حضرت لجنة التفتيش والشيوخ وبعض المهتمين هذا الأمر.

ورؤساء الكهنة والفقهاء شخصوا ناقمين على ممثل البدعة اليسوعية الممنوعة بتاتاً والغير مضطهدة لأجل نصيحة غمالائيل (الأصحاح 5: 34-40) ما دام دعاتها أمناء للناموس وتقاليد الآباء، وسروا لإلقاء القبض عليه. وقد كان أعضاء الكنيسة الأصلية في أورشليم حتى ذلك التاريخ يهوداً نموذجيين ومسيحيين أمناء بنفس الوقت.

ولكن ابتدأ المسؤولون منذ هذه الأحداث يشعرون بأمر جديد، وثورة روحية وانفصال عن التقاليد اليهودية صادرة من المؤمنين بالمسيح الذين هم من اليهود المتغربين. ورأينا من قبل أن رئيس الكهنة لم يحكم على الرسل الاثني عشر بالقتل، لأنهم حفظوا الناموس بدقة، وأكرموا الهيكل بصلواتهم المواظبة. ولكن الشكوى على استفانوس كانت مختلفة عما سبق بحق الرسل، فإنه اتهم بالتعدي على الهيكل وعلى الناموس معاً. ومن قراءة النص نستطيع إبراز ست نقط في هذه الشكوى المقدمة للمجمع الأعلى من شهود زور، بيت شهادتهم على عدم فهمهم لكلمات استفانوس التبشيرية.

  1. قال استفانوس في كنيس اليهود أن يسوع غفر على الصليب ذنوب كل الناس. فطعن اليهود المتغربون في قوله قائلين: إذاً لا حاجة عندكم للهيكل وذبائحه اليومية، وترفضون كل طقوس أمتكم المختصة بالهيكل والتكفير.

  2. وقال استفانوس لليهود آنذاك أيضاً أن خلاص الإنسان يتوقف على الإيمان بيسوع وحده. فثار المفكرون ضده سريعاً وانتقدوه قائلين: إذاً فأنتم لا تعتقدون أن الناموس هو شريعة الله التي بواسطتها يتبرر الإنسان بحفظ الوصايا والسلوك المستقيم.فبيّن استفانوس لهم أن الناموس هو صالح ومقدس، ولكن قلب الإنسان شرير، وغير مقتدر لحفظه تماماً. فناموس الله يديننا ويهلكنا ولا يخلصنا البتة.

  3. عندئذ اهتاج اليهود وسألوه: ألم يعطنا موسى العهد الصالح مع الله؟ أو ليس هو الوسيط الفريد بيننا وبين القدوس؟ فجاوبهم استفانوس أن المسيح هو الانسان الوحيد الذي قام من الموت، وهو حي عند الله، ويشفع فينا. فليس موسى صالحنا مع الخالق بل المسيح وحده.

  4. فسأل اليهود استفانوس ليوقعوه: هل تقول أنت، أن يسوع المصلوب المحتقر، هو الرب الحي الجالس عن يمين الله، وأنه المسيح بالذات حسب نبوة داود في المزمور 110؟ فوافق استفانوس تماماً على ألوهية يسوع. فألصقوا به تهمة التجديف.

  5. كان الفريسيون يطلبون من الأتقياء أن يحفظوا كثيراً من الأحكام والوصايا بشدة ليرضوا الله. أما استفانوس فبرهن لهم أن خلاصة الناموس لا تعني إلا محبة. وهذه المحبة الإلهية تحررنا من المحظورات والممنوعات والمحرمات كلها، لنخدم الله أحراراً.

  6. فتقسى اليهود أكثر فأكثر، وعارضوا صوت الروح القدس الجذاب، حتى قال استفانوس لهم أن المسيح سيأتي قريباً. أما قبل مجيئه فسيسطو غضب الله على أورشليم ويبيد الهيكل، إن لم يتب شعب العهد القديم، ويرجعوا إلى مخلص العالم تائبين.

وبعدما أثبت الشهود الزور هذه الشكوى عليه، تفرس وجوه الأمة فيه متعجبين وحاقدين من هذا الرجل الفريد بينهم، الذي انتصب ممتلئاً بالروح القدس وعلى وجهه رونق السماء.

الصلاة: أيها الله القدوس، نشكرك لأنك أرسلت ابنك إلينا، لتحررنا من الطقوس والأحكام البشرية، لنثبت في خلاصك الأبدي في المحبة والطهارة. ساعدنا لتتحرر حياتنا كلها من رواسب الإيمان القديم، لكيلا نتبعك سطحيين، بل نتقدم إلى ملء الإيمان والبركة.

شكراً للطبيب لوقا: خاصة لأنه أخبرنا في الأصحاح السابع من كتابه بطريقة مفصلة وافية، كيف فهم أعضاء الكنيسة الأولى العهد القديم. فلم يقطعوا علاقتهم مع آباء الإيمان، بل تمسكوا مخلصين بالتوراة والمزامير والانبياء، ووجدوا في إرشاد الروح القدس النبوات الواضحة الدالة على يسوع المسيح وتطور خطة خلاص الله. فالقراءات التالية، تمنحنا بصيرة عميقة في فهم وشرح نقط مهمة في التوراة على زمن الكنيسة الأصلية. فنستطيع القول أن استفانوس قدم لنا درساً عن أساس إيماننا في العهد القديم.

21 - خطاب استفانوس للدفاع عن نفسه (7: 1 - 53)

أ - وصف أيام آباء الإيمان (1 - 19)

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ (إِلَى ص 8: 1) 1 فَسَأَلَ رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ: «أَتُرَى هٰذِهِ ٱلأُمُورُ هٰكَذَا هِيَ؟» 2 فَأَجَابَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ وَٱلآبَاءُ، ٱسْمَعُوا. ظَهَرَ إِلٰهُ ٱلْمَجدِ لأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ فِي مَا بَيْنَ ٱلنَّهْرَيْنِ، قَبْلَمَا سَكَنَ فِي حَارَانَ 3 وَقَالَ لَهُ: ٱخْرُجْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ، وَهَلُمَّ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أُرِيكَ 4 فَخَرَجَ حِينَئِذٍ مِنْأَرْضِ ٱلْكَلْدَانِيِّينَ وَسَكَنَ فِي حَارَانَ. وَمِنْ هُنَاكَ نَقَلَهُ، بَعْدَ مَا مَاتَ أَبُوهُ، إِلَى هٰذِهِ ٱلأَرْضِ ٱلَّتِي أَنْتُمُ ٱلآنَ سَاكِنُونَ فِيهَا. 5 وَلَمْ يُعْطِهِ فِيهَا مِيرَاثاً وَلا وَطْأَةَ قَدَمٍ، وَٰكِنْ وَعَدَ أَنْ يُعْطِيَهَا مُلْكاً لَهُ وَلِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَعْدُ وَلَدٌ. 6 وَتَكَلَّمَ ٱللّٰهُ هٰكَذَا: أَنْ يَكُونَ نَسْلُهُ مُتَغَرِّباً فِي أَرْضٍ غَرِيبَةٍ فَيَسْتَعْبِدُوهُ وَيُسِيئُوا إِلَيْه أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ، 7 وَٱلأُمَّةُ ٱلَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا سَأَدِينُهَا أَنَا، يَقُولُ ٱللّٰهُ. وَبَعْدَ ذٰلِكَ يَخْرُجُونَ وَيَعْبُدُونَنِي فِي هٰذَا ٱلْمَكَانِ. 8 وَأَعْطَاهُ عَهْدَ ٱلْخِتَانِ، وَهٰكَذَا وَلدَ إِسْحَاقَ وَخَتَنَهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّامِنِ. وَإِسْحَاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ، وَيَعْقُوبُ وَلَدَ رُؤَسَاءَ ٱلآبَاءِ ٱلِاثْنَيْ عَشَرَ».

وقف استفانوس أمام لجنة التفتيش، التابعة للمجلس الأعلى، واعترف بإيمانه بعقيدة الآباء. وقد أصغى المفتشون بشدة لكل كلمة من كلماته، وانتبهوا للمواضيع التي أكد عليها بألفاظه، ليتبينوا هل هذا المشتكى عليه ثابت في العهد القديم، أم هل يجد على الله ويستحق الرجم مباشرة؟ (لاويين 24: 16).

لم يشتك رئيس الكهنة شخصياً على استفانوس، بل الذين تحاوروا معه سابقاً هم الذين ألصقوا به تهمة التجديف. فسأل رئيس المحكمة بإيجاز المتهم: هل صحيح ما يقوله المدعون؟

فجاوب استفانوس بكل احترام وخاطب الجالسين بكلمة «إخوة وآباء»، رغم أنهم لم يحصلوا على مسحة الروح القدس. ولكن استفانوس اليهودي المغترب، إذ شاء أن يكرم أعلى هيئة دينية يهودية، رجاهم أن يسمعوا كلامه، ويصغوا بصبر أبوي إلى شهادة إيمانه، أنه لم يكن متمكناً من اللغة الآرامية ولا العبرية، التي عنها ترجمت التوراة إلى اليونانية (السبتواكنتا). وقد اثبت استفانوس عقيدته بواسطة آيات من هذه الترجمة الشهيرة التي تختلف ببعض الألفاظ عن النص العبراني الأصلي الذي عرفه القضاة كلهم غيبً.

فشهد استفانوس أن الله ظهر لإبراهيم واختاره وجعله أمة كبيرة. فالله الوحيد المجيد ظهر لإبراهيم، إذ كان ما يزال وثنياً، ساكناً العراق وسط عشيرته الكبرى. فلم يكن لأبي الإيمان استحقاق للالتقاء بالله، لأنه لم يكن أصلح من البشر الآخرين. لكن اختيار الله الحر جعل المستقر بدوياً رحالة، وخلعه من ملكه وراحته، وأرسله إلى مكان مجهول، مؤكداً له أنه يرشده دائماً.

انتبه للأفعال التسعة في نص قراءتنا، لأنها توضح لك عمل الله الفعال. فتدرك أن القصص في التوراة ليست قصصاً بشرية. بل هي تاريخ الله بالذات. ليس الرب الحي بعيداً من أرضنا. كأنه لا يقترب من، بل هو متدخل في سيرة البشر، واختار رجلاً واحدا، وعينه بداية لخطة خلاصة. فليست تقواه أو صلواته، بل إرادة الله المخلصة وبركاته هي المحرك في تاريخ العهد القديم.

وإبراهيم أطاع الله جزئياً، إذ ترك بلاده. ولكنه لم يترك أباه ولا لوط ابن أخيه، فأخر هكذا مقاصد الله. واخيراً وصل إلى جبال كنعان الجرداء والأودية الخصبة، حيث الشتاء قارس والصيف حار. فلم يجد إبراهيم فردوساً وتربة واسعة كالعراق، بل صخراً وصحارى. فتجول مضطرباً بين هذه الجبال، ولم يجد ملكاً يمتلكه. والله قد وعده وعداً أن كل البلاد ستكون له ولأبنائه، رغم أنه ليس لإبراهيم ولد. وهكذا تعلم المجرد من الأرض والمحروم من الأولاد الإيمان في صبر مستمر. وهذا الإيمان حسب له براً.واتكاله على الله المستتر خلال السنين الطويلة بدون نتائج ملموسة جعله قدوة لكل المؤمنين.

وهكذا نفهم أن الإيمان هو جواب الإنسان الفريد لدعوة الله في اختياره. فهل سمعت صوت الله المتجسد في المسيح، وتؤمن بحصتك الروحية، حتى ولو لم تشعر بالبركة أو لا ترى نتيجة ملموسة؟ إن الله يدعوك ويحفظك. وهو أمين فأكرمه بإيمانك الدائم.

وأخيراً تلقى إبراهيم إعلاناً من الله، أن إيمانه بوعد الله بتمليكه أرضاً لن يتحقق خلال حياته، ولا في حياة ابنه بل أن نسله سيستمرون في العبودية بمصر مدة أربعمئة سنة طويلة. فكر بهذا العدد، لأن الله ترك نسل إبراهيم تحت نير العبودية الي اختاروه هم لأنفسهم. ولكنه لم يلغ وعده لهم.

لقد ارتبط القدوس بإبراهيم ونسله بواسطة عهد الختان فكل نسله داخلون سلسلة البركة هذه، لأن إبراهيم قد ختن اسماعيل واسحق بيده، ليثبتهما في عهد الوعد، الذي لم يبن على حفظ وصايا الناموس، بل على نعمة الاختيار وحده.

الصلاة: أيها الله القدوس، نشكرك لأنك اخترتنا في المسيح حقاً. وثبتنا بروحك القدوس في عهدك الجديد المبني على دم ابنك الوحيد. فعلمنا الإيمان والثقة والاتكال عليك، لننتظر مجيء ملكوتك.

7: 9 وَرُؤَسَاءُ ٱلآبَاءِ حَسَدُوا يُوسُفَ وَبَاعُوهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ ٱللّٰهُ مَعَهُ، 10 وَأَنْقَذَهُ مِنْ جَمِيعِ ضِيقَاتِهِ، وَأَعْطَاهُ نِعْمَةً وَحِكْمَةً أَمَامَ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، فَأَقَامَهُ مُدَبِراً عَلَى مِصْرَ وَعَلَى كُلِّ بَيْتِهِ. 11 ثُمَّ أَتَى جُوعٌ عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ وَكَنْعَانَ، وَضِيقٌ عَظِيمٌ، فَكَانَ آبَاؤُنَا لا يَجِدُونَ قُوتاً. 12 وَلَمَّا سَمِعَ يَعْقُوبُ أَنَّ فِي مِصْرَ قَمْحاً، أَرْسلَ آبَاءَنَا أَّوَلَ مَرَّةٍ. 13 وَفِي ٱلْمَرَّةِ ٱلثَّانِيَةِ ٱسْتَعْرَفَ يُوسُفُ إِلَى إِخْوَتِهِ، وَٱسْتَعْلَنَتْ عَشِيرَةُ يُوسُفَ لِفِرْعَوْنَ. 14 فَأَرْسَلَ يُوسُفُ وَٱسْتَدْعَى أَبَاهُ يَعْقُوبَ وَجَمِيعَ عَشِيرتِهِ، خَمْسَةً وَسَبْعِينَ نَفْساً. 15 فَنَزَلَ يَعْقُوبُ إِلَى مِصْرَ وَمَاتَ هُوَ وَآبَاؤُنَا، 16 وَنُقِلُوا إِلَى شَكِيمَ وَوُضِعُوا فِي ٱلْقَبْرِ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ إِبْرَاهِيمُ بِثَمَنٍ فِضَّةٍ مِنْ بَنِي حَمُورَ أَبي شَكِيمَ.

لم يدافع استفانوس عن تقواه بمحاضرة لاهوتية، ولم يتكلم ببلاغة رنانة، بل شهد أمام مفتشي المجمع الأعلى بالإيمان الكتابي العام، الذي عرفه كل أبناء الأمة غيباً. إلا أن المتكلم لم يتل كل تفاصيل قصة شعبه بل اختار منها ما يان له مهماً لاثات المعاني في العهد الجديد ولتوضيح شخص يسوع المسيح.

وقد أبرز استفانوس اختيار إبراهيم بالنعمة وعهد الختان، ليشير إلى العهد الجديد في المسيح، المبني على النعمة وليس على الأعمال. وبعدئذ أوضح من سيرة يوسف أنه رمز للمسيح.

لقد حسده إخوته، لأن أباه فضله عليهم، رغم أنه كان صغيراً وهم خبراء. هكذا المسيح، فقد أبغضه إخوته الخبراء في الشعب، وحسدوه، لأن أباه في السماء أعطاه سلطاناً فائقاً على الأمراض والشياطين والأموات، حتى تراكضت الجماهير إلى المعلم الناصري القروي، وأكرموه أكثر من رؤساء الكهنة والكتبة في العاصمة أورشليم.

وكما أن الإخوة الاثني عشر قد ربطوا يوسف وألقوه في الجب، وباعوه بثمن بخس إلى البدو، هكذا سلم آباء الأمة المسيح إلى أيدي الرومان، ليقتلوه ويلقوه إلى جب القبر وليبيدوه نهائياً. ومثلما وصلت بغضة الإخوة إلى القمة في قصة يوسف هكذا وصلت راهية اليهود تجاه يسوع حتى الصليب والدفن.

وأما الله فكان مع يوسف في البلاد الغريبة، هكذا كان أيضاً مع المسيح في الموت وأقامه من الأموات وأحياه. وكما رفع فرعون يوسف بعد تجربته، وجعله الرجل الثاني في بلاده وفي بيته، حتى أن كل المملكة كانت تأخذ الخبز من يده، هكذا رفع الله يسع وأجلسه عن يمينه، ودفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض، وحتى خبزنا اليومي يأتي من يده، كما قال له المجد. بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً.

وأما أولاد الوعد، فجلسوا بعيدين عن أخيهم المحترم ولم يعرفوه. ولكن يوسف عرفهم وساعدهم لأول مرة دون أن يعلن لهم عن نفسه. ولكن في الالتقاء الثاني أعلن لهم اسمه ومجده. فأي رعب حل بالإخوة، لما رأوا أن معطي القمح والرئيس في مصر هو أخوهم الذي باعوه ليتخلصوا منه! فتمنى استفانوس أن يعلن يسوع نفسه مرة ثانية لشيوخ شعب أمته القاسية القلوب، ليسقطوا بخوف ورعدة، ويسجدوا للذي رفضوه وعذبوه، وليذوبوا بخجل وندامة.

وكما أن الإخوة المتقلقلين رجعوا إلى آبائهم نادمين، هكذا تأمل استفانوس، أن يرجع الشيوخ السبعون من المجمع الأعلى إلى أمتهم، ليخبروها مضطربين أن ابنك حي وأخونا ثابت في المجد. قد قتلناه ولكن الله اختاره، ورفعه جداً. كلنا هالكون. فهلمو نتوب الآن تماماً وطوعاً. وكما أن يعقوب وعشيرته البالغة خمسة وسبعين شخصاً، حجوا معاً إلى يوسف، هكذا تمنى استفانوس أن يأتي كل شعب اليهود إلى يسوع وينحنوا عميقاً أمامه ويسجدوا له، ليختبروا أنه كما انحنى يوسف المجيد لأبيه وقبله وقدمه لفرعو، هكذا بدرجة أعلى ينحني المسيح لأمته الفاسدة ويطهرها ويقدسها، ويقدمها إلى أبيه السماوي لبقاء دائم في الوطن السماوي.

ولكن استفانوس بشر آذاناً صماء. فقلوب القضاة كانت قاسية. فلم يسمعوا صوت الروح القدس الحنون، بل سجلوا مبتسمين الغلط في خطاب المتكلم، أن يعقوب دفن في قبر إبراهيم. وبالحقيقة أن إبراهيم دفن في الخليل في قبره المشترى، بينما دفن يعقوب في شكيم قرب نابلس. وربما وجد في زمن استفانوس أحاديث وتفسيرات مختلفة لهذه النصوص. ونلاحظ أن القضاة لم يتدخلوا في شهادة الشاهد استفانوس، ولم يعتبروا أن غلطته مهمة مستحقة البحث (تكوين 23: 16-17 و33: 18 و50: 13 ويشوع 24: 32).

الصلاة: أيها الآب السماوي، نشكرك لأنك أرسلت إلينا ابنك الوحيد وأعلنت لنا فيه مجدك. اغفر لنا قساوة قلوبنا، واملأنا بروحك القدوس، لنختبر أنك أنت تحل فينا، وتعمل معنا، حتى وسط البلاد الغريبة.

7: 17 وَكَمَا كَانَ يَقْرُبُ وَقْتُ ٱلْمَوْعِدِ ٱلَّذِي أَقْسَمَ ٱللّٰهُ عَلَيْهِ ِبْرَاهِيمَ، كَانَ ٱلشَّعْبُ يَنْمُو وَيَكْثُرُ فِي مِصْرَ، 18 إِلَى أَنْ قَامَ مَلِكٌ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ يُوسُفَ. 19 فٱحْتَالَ هٰذَا عَلَى جِنْسِنَا وَأَسَاءَ إِلَى آبَائِنَا، حَتَّى جَعَلُوا أَطْفَالَهُمْ مَنْبُوذِينَ لِكَيْ لا يَعِيشُوا.

ب - أيام موسى (20 - 43)

7: 20 «وَفِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ وُلِدَ مُوسَى وَكَانَ جَمِيلاً جِدّاً، فَرُبِّيَ هٰذَا ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ فِي بَيْتِ أَبِيهِ. 21 وَلَمَّا نُبِذَ، ٱتَّخَذَتْهُ ٱبْنَةُ فِرْعَوْنَ وَرَبَّتْهُ لِنَفْسِهَا ٱبْناً. 22 فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ ٱلْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِراً فِي ٱلأَقْوَالِ وَٱلأَعْمَالِ. 23 وَلَمَّا كَمِلَتْ لَهُ مُدَّةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، خَطَرَ عَلَى بَالِهِ أَنْ يَفْتَقِدَ إِخْوَتَهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ 24 وَإِذْ رَأَى وَاحِداً مَظْلُوماً حَامَى عَنْهُ، وَأَنْصَفَ ٱلْمَغْلُوبَ إِذْ قَتَلَ ٱلْمِصْرِيَّ. 25 فَظَنَّ أَنَّ إِخْوَتَهُ يَفْهَمُونَ أَنَّ ٱللّٰهَ عَلَى يَدِهِ يُعْطِيهِمْ نَجَاةً، وَأَمَّا هُمْ فَلَمْ يَفْهَمُوا 26 وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلثَّانِي ظَهَرَ لَهُمْ وَهُمْ يَتَخَاصَمُونَ، فَسَاقَهُمْ إِلَى ٱلسَّلامَةِ قَائِلاً: أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ، أَنْتُمْ إِخْوَةٌ. لِمَاذَا تَظْلِمُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً؟ 27 فَٱلَّذِي كَانَ يَظْلِمُ قَريبَهُ دَفَعَهُ قَائِلاً: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِياً عَلَيْنَا؟ 28 أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ أَمْسَ ٱلْمِصْرِيَّ؟» 29 فَهَرَبَ مُوسَى بِسَبَبِ هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةِ وَصَارَ غَرِيباً فِي أَرْضِ مَدْيَانَ حَيْثُ وَلَدَ ٱبْنَيْنِ.

اشتكى الشهود الزور على استفانوس،انه أنكر موسى ورفضه وفسر تعليمه بخطأ. وهذا دفع استفانوس، ليشرح بتفصيل أكثر عن حياة موسى، وقال رأيه بوسيط العهد القديم صراحة وشفاهة وبدون استعداد.

ونسمع أولاً قصة موسى، لما كان صغيراً. فقد صارت قبيلته شعباً منتشراً. فقرر المصريون تحديد نسلهم، وقالوا: إن تركناهم يتكاثرون، فإنهم يتقوون أكثر منا، وأن لم نستعبدهم يأكلوننا.

وفي أشد الضيق يكون الله أقرب إلى مؤمنيه. واهل موسى خبأوه وهو طفل رضيع في إحدى القنوات. فاسم موسى معناه المنتشل من الماء. وقد تعالجت أمواج الضيق، لكن في قمة الكارثة خلص الله نبيه العتيد.

واستخدم العلي الكبراء ليثقف موسى. فأدخل هذا الفتى إلى عائلة فرعون، حيث تعلم كل أسرار السحر المصري وطقوس الأموات والعرافة. لأنه لم يكن مؤمناً في حداثته، بل شريراً ككل الناس.

ولما أدرك بعدئذ، أنه ما كان مصرياً، بل عبرانياً، وأن شعبه مستعبد معذب، تدخل فوراً بدون تخطيط، وقتل دهقاناً من المشرفين على شعبه المستعبد. فكل ثقافته لم تنفعه شيئاً، إلا أنه وجد نفسه مفكراً باقتدراه على خلاص شعبه بالعنف وسفك الدم. هذا هو غرور الكثيرين، أنهم يريدون تغيير الأحوال بالحيل والاغتصاب والقنابل. وكلهم يسرعون وراء موسى، ويصبحون قتلة مجرمين. ولا يغيرون بالحقيقة شيئاً، لأننا لا نحتاج إلى أحوال جديدة، بل إلى أناس متجددين. ففي زمن يسوع قتل زعماء إسرائيل ابن اله، مدعين بأنهم بذلك يخلصون شعبهم. ولكن بالحقيقة بقيت القلوب كما كانت، لأن بواسطة الحروب والعبودية والظلم لا يصطلح العالم، بل يتزايد سوءاً.

ونظير هذا الرفض اختبر المسيح أيضاً. فقد قصد الله خلاص الشعب العنيد بواسطة ابنه، ليتحرروا من عبودية الخطية والموت والشيطان، ويجدوا نعمة في يوم الدينونة، ولكن أمته لم تفهمه. فقد رفضوا يسوع مثلما رفضوا موسى، لأنهم شعب الرفض وأهل القلب القاسية. فكيف حالتنا؟ هل نحن أذكى من اليهود؟ هل نقبل المسيح أو نرفضه أيضاً؟ أو لم نسمع صوت الروح القدس المنادي إلينا اليوم؟

وأصبح موسى لاجئاً بين البدو، وتعلم في الصحارى والوعار القناعة والتواضع ووظيفة الراعي، لأن عملية الرعوية هي مهنة صعبة، تتطلب مراقبة وجرأة وصبراً وخبرة. ومن المعقول أن موسى تعلم في هذه السنين اللغة العربية أيضاً، لأن لغة مديان كانت حدى فروع اللغات السامية. وتزوج إحدى البنات المدينيات وأنجب منها ابنين. فهذا كان زواجاً خليطاً بين الاسرائيلين والعرب بزعيمهم الأكبر (خروج 18: 1-7).

الصلاة: أيها الرب، احفظني من قوتي الخاصة، لكيلا أريد خلاص نفسي ولا تهذيب الآخرين بواسطة ذكائي، بل أطلب إليك ليجدد روحك قلبي، ويطهرني دم المسيح من كل خطاياي. ارحمنا يا رب وقدسنا، وأرشدنا إلى ملء خلاصك.

7: 30 «وَلَمَّا كَمِلَتْ أَرْبَعُونَ سَنَةً ظَهَرَ لَهُ مَلاكُ ٱلرَّبِّ فِي بَرِّيَّةِ جَبَلِ سِينَاءَ فِي لَهِيبِ نَارِ عُلَّيْقَةٍ. 31 فَلَمَّا رَأَى مُوسَى ذٰلِكَ تَعَجَّبَ مِنَ ٱلْمَنْظَرِ. وَفِيمَا هُوَ يَتَقَدّمُ لِيَتَطَلَّعَ، صَارَ إِلَيْهِ صَوْتُ ٱلرَّبِّ: 32 أَنَا إِلٰهُ آبَائِكَ، إِلٰهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلٰهُ إِسْحَاقَ وَإِلٰهُ يَعْقُوبَ. فَٱرْتَعَدَ مُوسَى وَلَمْ يَجْسُرْ أَنْ يَتَطَلَّعَ. 33 فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: ٱخْلَع نَعْلَ ِجْلَيْكَ، لأَنَّ ٱلْمَوْضِعَ ٱلَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ. 34 إِنِّي رَأَيْتُ مَشَقَّةَ شَعْبِي ٱلَّذِينَ فِي مِصْرَ، وَسَمِعْتُ أَنِينَهُمْ وَنَزَلْتُ لِأُنْقِذَهُمْ. فَهَلُمَّ ٱلآنَ أُرْسِلُك إِلَى مِصْرَ».

عاش موسى في بيت عمه يثرون - والد زوجته - الذي كان كاهناً لله حنيفاً، والذي حصل خارج العهد القديم على إعلانات روحية. وكان أميناً للعلي.

وموسى رغم ثقافته المصرية لم يلحد بالله. ولم يكفر رغم ارتكابه جريمة القتل، بل كان قلبه مفعماً بالاشتياق للانسجام مع الواحد الذي خلق السماوات والأرض. والانفراد في البراري يقود الفرد إلى قرب الله. تصور: أربعين سنة في الهدوء. فهذا يعن مئات ألوف الساعات لوحده مع الخراف في الرياح والشموس، في الخطر ومناجاة القلب لله.

وفجأة ظهر القدوس الأزلي من استتاره لموسى، وأعلن نفسه في نار العليقة. فأحد ملائكته من حملة العرش أوجد بمجده النار. فاقترب الراعي متعجباً من العليقة الملتهبة، التي لم تكن تحترق رغم النار. وسمع فجأة صوتاً واضحاً، بدون أن يرى شخصاً. إ إلهنا يتكلم بكلمات بشرية مفهومة. وأبونا السماوي ليس شبحاً أو روحاً هائماً، بل هو شخص ذاتي، متكلم «الأنا»، ويخاطبنا: «أنت». فينزل إلى حضيضنا ويمنحنا فهم أفكاره. إن إلهنا محبة.

وقد أعلن الله نفسه لموسى كإله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب، لأنه ارتبط بآباء الإيمان إلى الأبد. فهذا الإله هو أمين، لا يتغير البتة.

وابتدأ موسى يرتعب ويرتجف، لما سمع في البرية الصوت من النار. ولم يتجاسر أن ينظر إلى أشعة قداسة الرب، بل بقي خاشعاً بعيداً عنها، ولم يجروء أن يتقدم إليها. وأعطى الله موسى علامة لجلالة قداسته، قائلاً: اخلع نعليك لأن الموضع الذي تقف عيه في البرية، هو موضع مقدس. فكل شبر من الأرض التي داسها المسيح، أو حيث ينطلق حاملو الروح القدس اليوم، هي أرض مقدسة. إن القدوس غير منفصل عن الخطاة، رغم انفصاله عن كل خطية، ومحبته ملفوفة بعباءة قداسته، لكيلا نحترق نحن النجسين بنار مجده.

فتقدس موسى بصوت الله القريب، وانتعش قلبه وروحه، وابتدأ يفكر بطرق الروح القدس. ولولاه لذاب في قرب الرب.

وقال الله لموسى، إنه قد سمع صلوات العبيد، لأن رب السماء والأرض يحب الصغار المحتقرين، ويستعد لخلاصهم وبركتهم. فكل أنين قلبي مستقيم، هو صلاة حقة يستجيبها الله. وكل كلمة من قلبك موجهة إلى العلي، تصله حقاً. فالله يعرف صوتك، ويشعر بشوك الحنيف.

وقد نزل القادر على كل شيء إلى كرتنا الأرضية الصغيرة، ليحرر العبيد المسخرين. ولم يرسل جيش الملائكة. ولم يهز الأرض ولا ألقى صواعق، بل اختار عجوزاً عمره ثمانون سنة، الذي رعى غنمه في البرية، ليحرر بضعفه شعب العهد. فخلاص الله لا يتم بقة وقدرة، بل بإرشاد روحه وحده. وطلب الله من موسى الإطاعة والموافقة لدعوته، ليصبح مبشراً ببشرى الخلاص لأمته.

7: 35 «هٰذَا مُوسَى ٱلَّذِي أَنْكَرُوهُ قَائِلِينَ: مَنْ أَقَامَكَ رَئِيساً وَقَاضِياً؟ هٰذَا أَرْسَلَهُ ٱللّٰهُ رَئِيساً وَفَادِياً بِيَدِ ٱلْمَلاكِ ٱلَّذِي ظَهَرَ لَهُ فِي ٱلْعُلَّيْقَةِ. 36 هٰذَا أَخْرَجَهُمْ صانِعاً عَجَائِبَ وَآيَاتٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَفِي ٱلْبَحْرِ ٱلأَحْمَرِ، وَفِي ٱلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً».

لقد رفض الشعب موسى لما جاءهم بالخلاص القومي، ولكن الله اختاره للهداية الروحية. فأشبه موسى بها يسوع، الذي رفضه شعبه أيضاً، ولكن الله بقي أميناً له، وأقامه من بين الأموات، لكي يفدي عدداً لا يُعد من عبيد الخطايا. وكانت الشكوى على اسفانوس، إنه رافض لموسى، فرفع اسمه وزينه بأحسن ألقاب وسماه رئيساً وفادياً، الذي كان رأس شعبه وتألم بقلبه ليوحد العنيدين بالله. فكم بالحري يكون المسيح رأساً لكنيسته. والفادي الحق، الذي يقود كل الروحانيين في زينة مقدسة إلى أبيه ليثبتهم في عده الجديد.

وقال استفانوس إن ملاك عرش الله، الذي يمثل حضور الله، فقد رافق موسى أربعين سنة في البرية. لأن هذا العجوز كان في ذاته ضعيفاً وغير موهوب للخطابة الجذابة ومائلاً للتشاؤم، لأجل صعوبات إشباع الشعب الكبير يومياً في الصحراء. ولكن ملاك الر أخذه من يده، وقاده خطوة خطوة، وجره من وسط المعارضات الكثيفة، وأنجحه في محور سلطات الظلمة، وزينه بعجائب عظيمة بقوة الله. فما كان موسى بنفسه رئيساً وفادياً، بل الله أعلن عونه في المسكين، ونصر عبده طيلة أربعين سنة. أما نحن فلنا رب وفاد منصر بدون عون الملائكة، لأنه كان إلهاً متجسداً، ويقود اليوم شعبه المختار من كل الشعوب في موكب انتصاره وسط براري ظلمات كوننا. ونحن تابعون له بهتاف وشكر وحمد.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك رأس الكنيسة وفادينا الأمين. وأنت شاملنا بحمايتك. من قوتك نعيش، ومن أمانتك نستمر. عليك وحدك نبني مستقبلنا. لا تتركنا أبداً.

7: 37 «هٰذَا هُوَ مُوسَى ٱلَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: نَبِيّاً مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ ٱلرَّبُّ إِلٰهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ. 38 هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي كَانَ فِي ٱلْكَنِيسَةِ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ مَعَ ٱلْمَلاكِ ٱلَّذِي كَانَ يُكَلِّمُهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ، وَمَعَ آبَائِنَا. ٱلَّذِي قَبِلَ أَقْوَالاً حَيَّةً لِيُعْطِيَنَا إِيَّاهَا. 39 ٱلَّذِي لَمْ يَشَأْ آبَاؤُنَا أَنْ يَكُونُوا طَائِعِينَ لَهُ، بَلْ دَفَعُوهُ وَرَجعُوا بِقُلُوبِهِمْ إِلَى مِصْرَ 40قَائِلِينَ لِهَارُونَ: ٱعْمَلْ لَنَا آلِهَةً تَتَقَدَّمُ أَمَامَنَا، لأَنَّ هٰذَا مُوسَى ٱلَّذِي أَخْرَجَنَا مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لا نَعْلَمُ مَاذَا أَصَابَهُ. 41 فَعَمِلُوا عِجْلاً فِي تلْكَ ٱلأَيَّامِ وَأَصْعَدُوا ذَبِيحَةً لِلصَّنَمِ، وَفَرِحُوا بِأَعْمَالِ أَيْدِيهِمْ. 42 فَرَجَعَ ٱللّٰهُ وَأَسْلَمَهُمْ لِيَعْبُدُوا جُنْدَ ٱلسَّمَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي كِتَابِ ٱلأَنْبِيَاءِ: هَلْ قَرَّبْتُمْ لِي ذبَائِحَ وَقَرَابِينَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي ٱلْبَرِّيَّةِ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ 43 بَلْ حَمَلْتُمْ خَيْمَةَ مُولُوكَ، وَنَجْمَ إِلٰهِكُمْ رَمْفَانَ، ٱلتَّمَاثِيلَ ٱلَّتِي صَنَعْتُمُوهَا لِتَسْجُدُوا لَهَا. فَأَنْقُلُكُمْ إِلى مَا وَرَاءَ بَابِلَ».

ومن الشكوى على استفانوس أيضاً، أنه جدف على موسى والناموس معاً. لذلك أبرز استفانوس خمس مرات في خطابه الدفاعي بكلمة (هذا)، إن لموسى موقفاً فريداً أمام الله، لم يأخذه إنسان قبله أو بعده في العهد القديم، لأن العلي كلمه شخصياً (عدد 35 36 و37 و38 و40). فموسى كان وسيط العهد القديم، الذي تسلق بخطر الموت على البركان القاذف حمماً ودخاناً ليلتقي هناك بملاك الرب.

وسمى استفانوس الناموس الذي ناله موسى من الله أقوالاً حية (38) نابعة من قلب الله ومسلمة بيد الملاك إلى ممثل شعب العهد. فلم يسم استفانوس الناموس حرفاً ميتاً مهلكاً، بل مرشداً للحياة، ورافداً من قداسة الله. فمن يحفظ الناموس كله يحي إى الأبد.

ولكن أهم من تعظيم موسى وتمجيد الناموس أمام المجمع الأعلى كان عند استفانوس، أن يوضح لهم أن ليس هو استفانوس، ولا كنيسة المسيح برافضة وسيط العهد القديم ولا مجدفة عليه، بل إن شعب إسرائيل نفسه قد رفضه عدة مرات وباستمرار، لأنه شعب التمر. فوضح استفانوس في بداية قوله أن العبيد في مصر، لم يفهموا موسى ودفشوه، فكان مضطراً للهرب، لأجل رفض العون من شعبه. أما الله فعينه قائداً لرافضيه، وأنجحه ضد عنادهم.

ولما تقدم المختار إلى الله ليستلم شريعة العهد تخلى أتباعه عنه، وابتعدوا في قلوبهم عن الرب، والتفتوا في أفكارهم نحو الرفاهية البراقة، وفضلوا العجل الذهبي على انتظار وسيطهم، لأنه تبطأ في رجوعه إليهم من عند الله.

وهذه المواعظ، التي قالها استفانوس أثناء دفاعه، مفعمة بالمعاني الروحية. لأنه كما اختفى موسى عند الله مدة طويلة، ورجع ليثبت شعبه في العهد القديم، هكذا المسيح مختف اليوم عند أبيه السماوي، ليرجع في حينه وينشر مملكة سلامه على الأرض. ولن اليهود آنذاك لم يثقوا بقائدهم، كما يتراقص البشر اليوم حول العجل المذهب أي الرفاهية، ويتكلمون عن التكنيك والأسلحة الفتاكة، ويتباهون بأملاكهم وصواريخهم دون أن يروا الله أو دينونته المقبلة عليهم كغيمة سوداء مهلكة.

وقد أرى استفانوس قضاته أن دينونة الله ألقت إسرائيل في السبي، لأنهم تركوه سابقاً. ولم تتم هذه الدينونة مرة واحدة بل بالتدرج. فقبض الرب يده من شعب العهد، حتى سقطوا بالتتابع إلى عبادة الأوثان، وصاروا بخلاء، وآمنوا بسيرة النجوم. وسجدو للأقنعة الحالة فيها الأرواح، وعبدوا كل الآلهة الصنمية في محيطهم، لأن كل متلألئ مؤثر في أعينهم انفتحوا له. ولكن الله الغير المنظور، لم يستحسنوا بقاءه في معرفتهم. ولم يطيعوا صوت روحه القدوس العامل في ضمائرهم. فهذا هو لب الأسباب لكل الديننات. فهل تسمع لله وكلمته، وتتم مشيئته طوعاً وتماماً ورأساً.

ودل استفانوس المفتشين (في العدد 35) على الرجاء العظيم الذي فتحه لنا موسى، إن الله سيقيم نبياً نظير موسى، الذي سيجدد قلوب أتباعه كوسيط كل النعم والقوى الإلهية. وكل سامع في المجلس الأعلى علم، أن هذا الوعد القديم هو الإشارة الصائبة م موسى على المسيح الآتي، بمعنى أن هذا النبي الجديد ينشئ عهداً جديداً، ويثبت أتباعه بطريقة فائقة في شركة مع الله. وكان معروفاً عن المسيحيين ومنهم استفانوس، أنهم يفسرون هذه الآية كدليل ليسوع.

وبهذه الأساليب دافع استفانوس عن موقفه من موسى والناموس، وأدان بنفس الوقت تمرد شعبه المستمر، وأرشدهم إلى المسيح، الذي فيه الرجاء الفريد ليكمل الناموس وينشئ عهداً جديداً. فنجد أن مدافعة استفانوس القوية كانت بنفس الوقت تبشيراً واضحا موهوباً من الروح القدس للمتكلم المتواضع.

الصلاة: أيها الله القدوس، اغفر لنا قلوبنا القاسية. وساعدنا لنفهم ابنك ولا نرفضه، بل نطيع كلمته وننتظره، ليثبتنا روحك في العهد الجديد، منشئاً فينا التواضع والمحبة والإيمان.

د - خيمة الاجتماع وإنشاء الهكيل (44 - 50)

7: 44 «وَأَمَّا خَيْمَةُ ٱلشَّهَادَةِ فَكَانَتْ مَعَ آبَائِنَا فِي ٱلْبَرِّيَّةِ، كَمَا أَمَرَ ٱلَّذِي كَلَّمَ مُوسَى أَنْ يَعْمَلَهَا عَلَى ٱلْمِثَالِ ٱلَّذِي كَانَ قَدْ رَآهُ، 45 ٱلَّتِي أَدْخَلَهَا أَيْضاً آبَاؤُنَا إِذْ تَخَلَّفُوا عَلَيْهَا مَعَ يَشُوعَ فِي مُلْكِ ٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ طَرَدَهُمُ ٱللّٰهُ مِنْ وَجْهِ آبَائِنَا، إِلَى أَيَّامِ دَاوُدَ 46 ٱلَّذِي وَجَدَ نِعْمَةً أَمَامَ ٱللّٰهِ، وَٱلْتَمَسَ أَنْ يَجِدَ مَسْكَناً لِإِلهِ يَعْقُوبَ. 47 وَلٰكِنَّ سُلَيْمَانَ بَنَى لَهُ بَيْتاً. 48 لٰكِنَّ ٱلْعَلِيَّ لا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِٱلأَيَادِي، كَمَا يَقُولُ ٱلنَّبِيُّ: 49 ٱلسَّمَاءُ كُرْسِيٌّ لِي، وَٱلأَرْضُ مَوْطِئٌ لِقدَمَيَّ. أَيَّ بَيْتٍ تَبْنُونَ لِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ وَأَيٌّ هُوَ مَكَانُ رَاحَتِي؟ 50 أَلَيْسَتْ يَدِي صَنَعَتْ هٰذِهِ ٱلأَشْيَاءَ كُلَّهَا».

أثبت استفانوس أن الله ما كان ساكناً أولاً في الهيكل البراق، بل التقى بموسى في خيمة الشهادة الحقيرة. وخصوصاً في الأيام العظيمة، لقطع العهد مع النبي موسى، وانتصارات يشوع، والنهضة الحاصلة زمن داود، فلم يكن بهاء الهيكل وفخامته الفانية الرمز لحضور الله إلى الناس، إنما الخيمة الحقيرة هي الدلالة على فترة عبور العهد القديم غير المستقر والمضمحل أخيراً.

وبان لاستفانوس نعمة أن الله قد منع داود من إنشاء هيكل، علامة لعدم احتياج الله إلى الذهب والبنايات الفخمة والمساكن البشرية، ليحل بين أتباعه. ولكن الخيمة الحقيرة، كانت البرهان أن الله التقى بالإنسان المسكين. والبشير يوحنا استخدم في نجيله (1: 14) وبالنص اليوناني الكلمة الشهيرة، ليفسر كيان يسوع قائلا: الكلمة صار جسداً وخيم بيننا. فإن هذا التواضع يفسر لنا عظمة نعمة الله النازلة والحالة في هيكل جسمنا الزائل.

وسليمان الحكيم قد بنى الهيكل الشهير، وسخر الشعب بعنف لهذا الغرض، حتى انشقت الأمة بعده. فبناء الهيكل كان لتوحيد الشعب بواسطة مركز الحضارة والطقوس، ولكن النتيجة كانت الانشقاق والتشتت، لأن الله لا يسكن في مكان معين، ولا يحل في حجارة.فكل الحاجات لا لزوم لها، لأن الله معك أينما كنت سواء في البحر أو الجو أو البر، أو تحت الأرض. فمن يسمع كلمته، ويعمل بها، فهو ثابت في شركة الله.

وشهد استفانوس قدام قضاته، أنه غير مجدف على الهيكل، إن كان لا يسجد للحجارة المذهبة، لأن العلي لا يسكن في سجن بشري، بل الكرة الأرضية مثل موطئ قدميه. فالخالق لا يحتاج إلى أبنية التراب من أيدي البشر ليستريح. إنه صانع الكل ولا يحتاج لشء.

وها نحن عالمون اليوم، أن الأرض ليست هي كل الكون، بل إنما هي ذرة غبار في الفضاء، الذي تسبح فيه ملايين الشموس، وتدور حول ذاتها مليارات المجموعات من الكواكب. تعمق يا أخي في أسرار الكون، فيتسع صدرك، ويتحرك ذهنك، ويسجد قلبك لعظمة الله.إن خالقنا أوسع من كل بحور النجوم. وبنفس الوقت يضبط كل جزء كهربائي في الذرة. فمن يدرس بدقة العلوم الطبيعية الحديثة، لا يصبح ملحداً، بل ساجداً متواضعاً.

والإنجيل الشريف يقول لك، إن الله العظيم يريد الحلول في قلبك، ليصبح جسدك هيكلاً للروح القدس. هل أصبح ذهنك مسكناً لله، أو ما زلت وكراً لأرواح نجسة؟ إن دم المسيح يطهرك، إن فتحت نفسك لقصده. وروحه القدوس يملأك لتنتهي أنانيتك الباردة، وصبح مع كل المؤمنين في شركة المحبة، هيكلاً لجوهر الله. فهل اختبرت جمال وبهاء هذا الهيكل الروحي. إن صفاته هي المحبة والتواضع والفرح والوداعة والسلام والاستقامة والعفة، وكل الصلاح. هل أصبحت إنساناً مزيناً بثمار الإيمان المسيحي؟ فعندئذ تعظمالله بسلوكك وسط العالم المفعم بأرواح نجسة.

الصلاة: أيها الله العظيم، نشكرك لأنك لا تسكن في كنيسة أو هيكل أو بيت مصنوع من حجر، بل قد حللت في كل المؤمنين بالمسيح حقاً. تعال إلى قلبي، وطهر ضميري واملأ ذهني بروحك القدوس، لتتمركز فيّ إلى الأبد فأطيعك بفرح دائم.

هـ - الشكوى على الشعب العنيد (51 - 53)

7: 51 «يَا قُسَاةَ ٱلرِّقَابِ، وَغَيْرَ ٱلْمَخْتُونِينَ بِٱلْقُلُوبِ وَٱلآذَانِ، أَنْتُمْ دَائِماً تُقَاوِمُونَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ. كَمَا كَانَ آبَاؤُكُمْ كَذٰلِكَ أَنْتُمْ. 52 أَيُّ ٱلأَنْبِيَاءِ لَمْ يَضْطَهِدُهُ آبَاؤُكُمْ، وَقَدْ قَتَلُوا ٱلَّذِينَ سَبَقُوا فَأَنْبَأُوا بِمَجِيءِ ٱلْبَارِّ، ٱلَّذِي أَنْتُمُ ٱلآنَ صِرْتُمْ مُسَلِّمِيهِ وَقَاتِلِيهِ، 53 ٱلَّذِينَ أَخَذْتُمُ ٱلنَّامُوسَ بِتَرْتِيبِ مَلائِكَةٍ وَلَمْ تَحْفَظُوهُ؟».

اعترف استفانوس بإيمانه الصحيح بكلمات حكيمة، واثبت أمانته للتقليد كيهودي متغرب غير مثقف بمدارس الفقهاء. فالله العظيم كان له إله العهد وإله الآباء المحترمين. فإبراهيم وموسى وداود كانوا له أشخاصاً مقدسين. واعتبر الناموس وخيمة الشهادةكأشياء سامية. ولكن رغم اعترافه المستقيم شعر استفانوس أثناء عظته بالبغضة المميتة في المستمعين، لأنه جرب أن يوضح بشهادته المبنية على التوراة عناد شعبه واستكبارهم وعدم استعدادهم للتوبة. فأرشده الروح القدس أخيراً إلى الهجوم، ليخلع عن وجوه الآباء الأتقياء والفقهاء المتزمتين أقنعة ريائهم. وأظهر لهم حقيقة قلوبهم، وهو الشاب غير المثقف بالعلوم الفقهية والشرائع.

وهكذا دل استفانوس قضاته على حقيقة ضمائرهم، إنه رغم الختان الجسدي، لم يكونوا مختونين في أذهانهم وقلوبهم. فكسر بهذا البيان إحدى الرموز لحضور الله معهم في العهد، لأن الختان قدرة اليهود ارتباطاً مع الله دائماً فمن قال كلمة على الختان،كأنه انتقد الله بالذات.

وصارح استفانوس أولاد أمته المتمردين، بأنهم معارضون لصوت الروح القدس، ولم يريدوا الإصغاء لله. فلم يستطيعوا بعد ذلك سمعاً وما أرادوه، لأن طبيعة قلوبهم كانت شريرة وغير منكسرة. وهكذا اعتبروا أنفسهم صالحين أبراراً، مثقفين ومقبولين عند لله. فاحتقروا كل دعوة للتوبة، وابتسموا لفكرة إنكار النفس. وكان ألمهم وجرحهم كبيراً لما سمعوا كلمة القصاص الصارمة، التي أنبأ بها سابقاً موسى وإشعياء وإرميا ويوحنا المعمدان ويسوع لهز القلوب القاسية وإرجاع الرعية المبددة إلى راعيها، (سفر الخروج 32: 9 و33: 3 وإشعياء 63: 10 وإرميا 9: 25 و6: 10). ولكنهم لم يفهموا، ولم تلن قلوبهم الشديدة، بل اغتاظوا غيظاً كبيراً.

فهل أنت فاهم كلمة القصاص هذه؟ إن قلوب الناس لشريرة منذ حداثتهم. وقليلون يهتدون، ويخضعون لهدى الله. فالإنسان في طبيعته ثائر حاقد، وطموحه أن يكون إلهاً صغيراً شهيراً، فيبغض خالقه و لا يطيعه ولا يسمع لكلمته أبداً.

وبهذا الروح الأشر اضطهد اليهود الأنبياء الصالحين، وعذبوا الذين بشروهم بإرادة الله المعروفة: كونوا قديسين لأني أنا قدوس. فالأنبياء الحقيقيون أصغوا بارتعاب إلى صوت الروح القدس منسجمين لنبواته، معلنين مجيء مخلص العالم البار المبرر، املك الإلهي، القادر على أن يغير كل القلوب الشريرة، والمنشئ مملكة السماء على أرضنا المسكينة.

ولكن عند مجيء المسيح لم يخضع الأتقياء المراءون له، ولم يدركه الكتبة المثقفون. فسمى استفانوس كل اليهود خونة بالمسيح، لأنهم أساءوا هدف تاريخ الله بأمتهم، وقتلوا ابن العلي ظلماً وجرماً. فبهذه الشهادة تكلم الروح القدس مرة أخرى بكل صراة، ونخس عقول رؤساء الكهنة ووجوه الأمة، لكي ينكسروا ويتوبوا نهائيا. فالمجلس اليهودي لم يقتل ظلماً شاباً مغموراً من النصارى، بل أبادوا المسيح الموعود هدف مختاري الله منذ البداية. فعملهم هذا كان قمة الثورة وتملك الشياطين على الأرض.

ولم يكتف استفانوس باتهام أعضاء المجلس الأعلى كلهم بالقتل والإجرام، كما صرح بذلك الرسل مراراً، بل زاد استفانوس عليهم، إن طعن في لب شرف الفريسيين وقال لهم: إنكم لم تحصلوا على الناموس من الله مباشرة، بل بواسطة ملائكة حصلتم منهم على أكام ثانوية وتفاصيل لا قيمة لها. ولا تقدرون على تمييز ما هو الأصيل ولا ما هو غير المهم. وبزيادة على هذه الشريعة اليهودية المشكوكة لم تحفظوا أصلاً ولا فرعاً، لأنكم غير مقتدرين لحفظ الوصايا ولستم أبراراً، بل مذنبين ملعونين. لأن الذي يسيء في فريضة واحدة، فقد أساء في الناموس كله.

وبهذه الكلمات القاطعة زعزع الواعظ استفانوس أسس البر في العهد القديم، لأن اليهود آمنوا أن الهيكل والختان والناموس ويوم السبت هي أركان العهد وأسراره، التي ارتبط الله بها مع شعب إسرائيل. وها هوذا استفانوس يشهد جهراً لهم أن الهيكل فار، وقلوبهم غي مختونة، وناموسهم غير أصلي، وإنهم لم يحفظوا الشريعة بحقها. وكانت هذه الاتهامات كمثل جالس، وآخر يسحب الكرسي من تحته، فيسقط سقوطاً عظيماً. وقد شل الفزع أكثرية المستمعين وجمدهم. وبعضهم الآخر صروا على أسنانهم حقداً، كأن جهنم التبت في عقولهم.

الصلاة: أيها الله القدوس، اكشف قلبي واحفظني من كل خيانة. وعلمني إطاعة الروح القدس. واغفر ذنبي، وانتشلني من الأفكار الثائرة ضد الله والناس. واختن قلبي وغير ذهني، وامنحني أذنين سامعتين. وخلصني من نفسي، لكيلا أبغضك بل أحب، وأسلم نفسي بين يديك إلى الأبد.

و - نظر استفانوس للسماء المفتوحة ورجمه كأول شهيد (7: 54 - 8: 1)

7: 54 فَلَمَّا سَمِعُوا هٰذَا حَنِقُوا بِقُلُوبِهِمْ وَصَرُّوا بِأَسْنَانِهِمْ عَلَيْهِ. 55 وَأَمَّا هُوَ فَشَخَصَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ ٱللّٰهِ، وَيَسُوعَ قَائِمً عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ. 56 فَقَالَ: «هَا أَنَا أَنْظُرُ ٱلسَّمَاوَاتِ مَفْتُوحَةً، وَٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَائِماً عَنْ يَمِينِ ٱللّٰهِ». 57 فَصَاحُوا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَسَدُّوا آذَانَهُمْ، وَهَجَمُوا عَلَيْهِ بِنَفْسٍ وَحِدَةٍ، 58 وَأَخْرَجُوهُ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ وَرَجَمُوهُ. وَٱلشُّهُودُ خَلَعُوا ثِيَابَهُمْ عِنْدَ رِجْلَيْ شَابٍّ يُقَالُ لَهُ شَاوُلُ. 59 فَكَانُوا يَرْجُمُونَ ٱسْتِفَانُوسَ وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ: «أَيُّهَا ٱلرَّبّ يَسُوعُ ٱقْبَلْ رُوحِي». 60 ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هٰذِهِ ٱلْخَطِيَّةَ». وَإِذْ قَالَ هٰذَا رَقَدَ.

(ص 8: 1) وَكَانَ شَاوُلُ رَاضِياً بِقَتْلِهِ.

لقد سمع رجال المجلس الأعلى صوت الله والروح القدس نشر قلوبهم، ولكنهم عارضوا بعزم كل انجذاب للتوبة، وكافحوا ضد الله مباشرة. ومملوئين بروح جهنم صروا بأسنانهم، ولكنهم ضبطوا أنفسهم لئلا يسمعوا أخيراً كلمة التجديف الواضحة من فم استفانوس لأنه حتى تلك اللحظة تكلم بحكمة فائقة عن حقائق مكتوبة في التوراة فقط، وأبرز في سلطان الروح القدس الإيمان القديم في النور الجديد. فلم يجدوا فيه ممسكاً شرعياً ليبيدوه.

وكان قصد الرب في هذه اللحظة القاطعة، أن يمجد ابنه يسوع بطريقة خاصة فائقة. فانتصب حامل إكليل الفوز استفانوس انتصاباً مقدساً طاهراً وسط الذئاب، السائل لعابهم على شدقهم من أسنانهم والمستعدون للهجوم على الحمل الوديع الواقع بين أيديهم.

وكان وجه استفانوس آنذاك يلمع كالملاك، وعيناه نظرتا السماء المفتوحة، ولم يعد يسمع أعداء الله بعد ذلك، ونسي محكمة الناس من حوله، ورأى الله شخصياً في المجد. ونادراً ما كان الانبياء يرون الله في بهائه، إذ كانوا يسقطون عند رؤيته أرضاً.أما استفانوس فبقي واقفاً متعجباً من الفرح والغبطة.

ورأى هذا المبصر حركة في السماء، لما قام ابن الله عن يمين أبيه واقفاً لاستقبال شهيده الأول. وهذه هي المناسبة الوحيدة في الكتاب المقدس حيث نقرأ أن يسوع واقف عن يمين الله الآب. والمسيح الذي، لعل استفانوس لم يعرفه في حياته على الأرض، ان رغم هذا ليس بمستغرب عليه، بل أدرك ربه يسوع مباشرة كابن الإنسان، كإنسان حق في مجد نور الله، محاطاً بملائكة وبهاء وأشعة نارية.

ومتمتماً بفرح وشكر شهد شاهد المسيح ما أراه الله، وتمم بهذا كلمة المسيح بحدة سيف الروح على المجلس الأعلى، لما قال سابقاً له المجد: من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة. إلا أن الزعماء الأتقياء لم يروه. أما استفانوس المضهد والمحتقر منهم فقد شاهد السماء مفتوحة.

وهذه الشهادة عن إعلان مجد المسيح الثابت في الثالوث الأقدس اعتبره اليهود أعلى درجة في التجديف، لأنهم فهموا الناموس أنه يحظر عليهم استماع تجاديف كهذه، لكيلا تدخل قلوبهم مسببة شكاً أو ميلاً إلى البدع. فأقفلوا آذانهم! وعلموا أن كل من لمس وحدانية الله، ويشرك به بتجديف، يُرجم رأساً.

فصاح النبلاء كحيوانات مستنفرة، وزعق الكهنة، وهجموا معاً على استفانوس، وجروه إلى خارج الدار. وركضوا به في أزقة المدينة المقدسة، وأبعدوه خارج السور، لكيلا تتنجس مدينة السلام بموت المجدف.

ولكن استفانوس آمن وسط الضجيج، واستعد مصلياً لموته. وروحه استعد للإنطلاق، ليصعد إلى السماء، حيث كان ربه ومخلصه واقفاً لاستقباله. ولكن جسده بقي مطيعاً للروح القدس، الذي ملأه بمحبة لأعدائه. فبينما أصابت الحجارة والصخور جسده ورأسه صرخ منادياً ابن الانسان الذي رآه: أيها الرب يسوع اقبل روحي، فعلم الشهيد، أن المسيح هو الرب بالذات، المستجيب الصلوات، وفي يديه مفاتيح الموت والحياة. وكما أن المصلوب من قبل سلم روحه ونفسه بين يدي أبيه، هكذا أرشد الروح القدس المرجوم ليتكل تمامً على سلطان القدير ولا يرتجف ولا يخف. وفي هذا الاطمئنان والسرور صلى استفانوس وهو يتلقى الضربات، وينهار، وجثا على ركبتيه قائلاً: يا رب، لا تقم لهم هذه الخطية. فكما غفر الله له، هكذا غفر استفانوس لرؤساء أمته بمحبة وحالاً. فمحبة الله قد انكبت في قلبه كما أحبه الله. وبهذا الروح حفظ في موته، ورقد مطمئناً غير مضطرب، رغم الحجارة المتساقطة عيه، والتي سحقت جمجمته، وكسرت عظامه، مثلما يفعلون بالكلب في حال مرضه بالكَلَب، فيبيده البشر خوفاً منه.

وليس بعيداً عن القديس الراقد كان يقف شاب اسمه شاول، تلميذ غيور وفريسي متزمت. وكان له الشرف ليحافظ على ألبسة الشهود الزور، الذين كان عليهم حسب الناموس أن يلقوا الحجر الأول على المحكوم بالإعدام. فأراد شاول بكل بغضائه موت المجدف، وتشق ليشارك في قذفه ورجمه. ولكن كان عليه أن يحرس الألبسة. فسمع بدقة كلمات الشهيد الأخيرة، وأبغضه أكثر لأجلها، وفرح بموته فرحاً كبيراً. ولكن الشعور الباطني في شاول امتلأ بشهادة الشهيد عن الثالوث الأقدس في السماء المفتوحة وصورة المصلي المحب لراقد وسط مطر الحجارة لم تبرح نفسه. وهكذا وضع الساقط مشعل الإنجيل في يد عدوه، الذي اعتدى على أسس العهد القديم الغير المفهومة حقاً أكثر من كل إنسان قبله أو بعده، وحرر كنيسة المسيح من الروح اليهودي نهائياً. إن الروح القدس يدبر التطور في خطة خلاص الله بدون خطأ وبدون تأخر حسب محبة الله السرمدية.

الصلاة: أيها الثالوث القدوس، نسجد لك ونحبك، لأنك واحد وتحبنا، ولا ترفضنا. ونشكرك لإعلان ذاتك لاستفانوس. ونعظمك، لأنه اشترى شهادته لنا بموته. فتعلم وتشهد أنك موجود واحد في الثالوث، مفعم المحبة والحق. ساعدنا للأمانة حتى لموت، ووضح شهادتنا في قوة الروح القدس.

ثانياً - انتشار بشرى الخلاص إلى السامرة وسوريا وبداية اهتداء الوثنيين (الأصحاح 8 - 12)

1 - الاضطهاد الأول لكنيسة المسيح في أورشليم وتشتت المؤمنين إلى السامرة (8: 1 - 8)

8: 1 َحَدَثَ فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ ٱضْطِهَادٌ عَظِيمٌ عَلَى ٱلْكَنِيسَةِ ٱلَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَتَشَتَّتَ ٱلْجَمِيعُ فِي كُوَرِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلسَّامِرَةِ، مَا عَدَا ٱلرُّسُلَ. 2 وَحَمَلَ رِجَالٌ أَتْقِيَاءُ ٱستِفَانُوسَ وَعَمِلُوا عَلَيْهِ مَنَاحَةً عَظِيمَةً. 3 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَسْطُو عَلَى ٱلْكَنِيسَةِ، وَهُوَ يَدْخُلُ ٱلْبُيُوتَ وَيَجُرُّ رِجَالاً وَنِسَاءً وَيُسَلِّمُهُمْ إِلَى ٱلسِّجْنِ.

لقد امتلأ السامعون بالغيظ مما حسبوه تجديفاً علنياً، والذي تفوه به استفانوس. وسمعوا صلواته الشفاعية فازدادوا حقداً، لأن المجدف لم يلتمس نعمة ورحمة. فركض الرجال الناقمون إلى أحياء اليهود المتغربين، الذي صاروا مسيحيين ليبيدوهم، لأنهمابتدأوا مثل استفانوس بتبشير أهالي أورشليم بمحبة ومنطق وتنظيم. ورؤساء الكهنة أججوا نار البغضة. ونار الانتقام امتدت أكثر فأكثر. وظهرت أحقاد قديمة، وحسد لأجل بركات لم تحصل، وغيظ فائر لكسر التقاليد. ففي تلك الأيام ذرفت دموع الكثيرين في أورشيم، لأن الأهل أخذوا من أطفالهم. والرجال فصلوا عن نسائهم، والشبان عن أمهاتهم الأرامل.

وكان شاول غيوراً متعصباً وحصل من المجمع الأعلى على وثائق ليبيد ما سموه بالبدعة اليسوعية. ولم تعد نصيحة غمالائيل لها قيمة تذكر. فكل يهودي غير ثابت في الناموس والطقوس يُضطهد. هكذا دخل شاول بالقوة إلى البيوت، وجر مع عبيده الرجال والناء للسجون. وجلدوهم ليجبرهم على الارتداد، وإلا رجموهم بالحجارة. وقد اعترف بولس بعدئذ بالدموع، أنه كان مضطهداً كنيسة المسيح، وأجبر مؤمنين مخلصين للتجديف على المقام من بين الأموات. فتمسكه بالناموس بطريقة جامدة جعله أعمى ومائتاً عن المحبة. قد كان كملبوس. ولم يدرك أن المحبة، هي تكميل الناموس. فخدم الله بالسيف ولم يعرف أنه أصبح بهذا شيطاناً.

وأكثرية المسيحيين هربوا محتارين إلى المناطق المجاورة. وسكنوا الكهوف، وركضوا إلى قرى بعيدة، حتى إلى السامرة المحتقرة، ليلتجئوا من الحمى المميتة. فسألهم الناس: لماذا تركضون محتارين بدون قوت وكسوة؟ فجاوبوهم: إننا محبو المسيح، ونحب أعاءنا. فهذا هو السبب لاضطهادنا. وهكذا أخبروا الناس ببشارة المقام من بين الأموات. فالمسيح حرض كنيسته المستقرة في القدس وسمح بكسرها. فالعدو الشرير أنقض كنسر من السماء الزرقاء على سرب من الصيصان، الذين تبعثروا خائفين لكل الجهات. وهكذا نقلواالإنجيل حسب أمر المسيح، من أورشليم إلى كل قرية يهودية وإلى السامرة. فموكب انتصار المسيح لا يتوقف بل يمضي ويسير، ويصل إلى نهاية العالم، وإلى كل لغة وقبيلة، وحتى يأتي المسيح ثانية.

فليس جميع المسيحيين قد هربوا من أورشليم، لأن الرسل الثابتين كانوا مستعدين للموت، وبقوا مع العجائز والأرامل، وعزوا الساقطين واهتموا باليتامى والمجردين. فبان الرسل كرعاة مخلصين، غير طالبين نجاة لأنفسهم. بل رعوا رعيتهم خصوصاً في الأيم الشريرة. ولربما اختفى الرسل عند أصدقائهم الكثيرين، الذين اختبروا بركة الشفاءات سابقاً من أيديهم. أو لعل هؤلاء الرسل لم يضطهدوا، لأنهم كانوا يهوداً مخلصين للناموس والطقوس وأكرموا الهيكل بصلواتهم باستمرار، ولم يكونوا كإخوانهم من المسيحين المتحررين مثل استفانوس.

وللعجب فإننا نجد، أنه لم يكن كل أهل أورشليم من الناقمين على المسيحيين، إلا اتباع المجمع الأعلى المتزمتين. فهؤلاء فتشوا في كل الأزقة ليقضوا على آخر أثر من حاملي الروح القدس. ورغم هذه الثورة فقد اجتمع كثير من اليهود الأتقياء، الذين م يوافقوا على رجم استفانوس، وحملوا جثته جانباً، ودفنوه رسمياً. وناحوا عليه مناحة عظمى، لكيلا يسطو غضب الله عليهم وعلى مدينتهم لأجل هذا الظلم العظيم. وقد أحبوا خادم الحق ورجل المحبة، الذي خدمهم كملاك الله على الأرض. فهؤلاء الأتقياء كانوا قريبين من روح الإنجيل، ولكنهم لم يتجرأوا أن ينضموا جهراً إلى المسيحية.

أيها الأخ أنت مستعد لتتألم إن جاءت ساعة الاضطهاد، أو هل تهرب؟ انتبه لصوت الروح القدس الذي يرشدك خطوة خطوة. فليس مهماً أن تمجد ابنه بموتك مستشهداً. أو ربما يريد أن تشهد له في مكان آحر. فاصغ إلى صوت الرب، ومت لأنانيتك، لتخدم المسيح تعيش لأجله.

الصلاة: أيها الرب، أنت مالكي. ساعدني لئلا أعيش لنفسي ثانية، بل أخدمك ليلاً نهاراً. علمني الأمانة حتى الموت، ليس بكلمات فقط، بل بترجمة محبتك إلى أعمال صالحة. ارحمني وبارك على أعداء محبتك أجمعين.

8: 4 فَٱلَّذِينَ تَشَتَّتُوا جَالُوا مُبَشِّرِينَ بِٱلْكَلِمَةِ. 5 فَٱنْحَدَرَ فِيلُبُّسُ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ ٱلسَّامِرَةِ وَكَانَ يَكْرِزُ لَهُمْ بِٱلْمَسِيحِ. 6 وَكَانَ ٱلْجُمُوعُ يُصْغُونَ بِنَفْسٍ وَاحِدةٍ إِلَى مَا يَقُولُهُ فِيلُبُّسُ عِنْدَ ٱسْتِمَاعِهِمْ وَنَظَرِهِمُ ٱلآيَاتِ ٱلَّتِي صَنَعَهَا، 7 لأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَ ٱلَّذِينَ بِهِمْ أَرْوَاحٌ نَجِسَةٌ كَانَتْ تَخْرُجُ صَارِخَةً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلْمَفْلُوجِينَ وَٱلْعُرْجِ شُفُوا. 8 فَكَانَ فَرَحٌ عَظِيمٌ فِي تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ.

يحاول الشيطان دائماً،أن يبيد كنيسة المسيح. ولكن كما ظهر في الصليب، هكذا حدث في الاضطهاد العظيم بعد موت استفانوس، إن ضربة الشيطان لا تبيد الكنيسة، بل تزيد الحياة الروحية. وبينما كان المؤمنون في سجون أورشليم رجالاً ونساءً ويتألمون وتعذبون، وشاول في استكباره التقي وقد أصبح عبد الشيطان المنقاد بروحه، تشتت كثيرون من أعضاء الكنيسة إلى مناطق، ليس للمجمع الأعلى سلطة عليها. وهؤلاء اللاجئون لم يجدوا رأساً وطناً جديداً. ولربما تمنوا الرجوع إلى بيوتهم في أورشليم في أقرب وقتممكن. وكذلك فإنهم لم يتجولوا كشحاذين، بل بشروا بملكوت الله، وشهدوا بفرح المسيح وسط الآلام. فإيمانهم كان غير مكسور، ورجاؤهم كان ملتهباً. ففهموا كلمة يعقوب بمعناها العميق، حيث قال. احسبوه كل فرح يا إخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة عالمينأن امتحان إيمانكم ينشئ صبراً. وأما الصبر فليكن له عمل تام لكي تكونوا تامين وكاملين غير ناقصين في شيء.

وفيلبس، أحد الشمامسة السبعة، فر إلى منظقة السامرة، ووجد في شكيم قرب نابلس ملجأ، وأعلن حقيقة المسيح. ورسم قدام مستمعيه الإنسان الإلهي، القادر على الموت والمخلص من الخطية، وطارد الشيطان. والذي صعد إلى السماء، وصالحنا مع الله ويشفع ينا. وهو جالس عن يمين العظمة، ويملك معه. ويغلب كل القوى الشريرة في كل الذين يطلبونه ويفتحون أنفسهم لروحه. وبما أن فيلبس كان آلة في يد المسيح، فقد جرت منه قوة كثيرة للروح القدس وخرجت أرواح نجسة، صارخة من الملبوسين. وقد تعزى اليائسون، ومشى العرج. فابتهج الجميع وتراكضوا بنفس واحدة إلى المبشر، لأن خلاص المسيح ظهر. فعم الفرح في هذه المدينة.

2 - الساحر سيمون وعمل بطرس ويوحنا في السامرة (8: 9 - 25)

8: 9 وَكَانَ قَبْلاً فِي ٱلْمَدِينَةِ رَجُلٌ ٱسْمُهُ سِيمُونُ، يَسْتَعْمِلُ ٱلسِّحْرَ وَيُدْهِشُ شَعْبَ ٱلسَّامِرَةِ، قَائِلاً: «إِنَّهُ شَيْءٌ عَظِيمٌ!». 10 وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ يَتْبَعُونَهُ مِنَ ٱلصَّغِيرِ إِلَى ٱلْكَبِيرِ قَائِلِينَ: «هٰذَا هُوَ قُّوَةُ ٱللّٰهِ ٱلْعَظِيمَةُ». 11 وَكَانُوا يَتْبَعُونَهُ لِكَوْنِهِمْ قَدِ ٱنْدَهَشُوا زَمَاناً طَوِيلاً بِسِحْرِهِ. 12 وَلٰكِنْ لَمَّا صَدَّقُوا فِيلُبُّسَ وَهُوَ يُبَشِّرُ بِٱلأُمُوِر ٱلْمُخْتَصَّةِ بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ وَبِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، ٱعْتَمَدُوا رِجَالاً وَنِسَاءً. 13 وَسِيمُونُ أَيْضاً نَفْسُهُ آمَنَ. وَلَمَّا ٱعْتَمَدَ كَانَ يُلازِمُ فِيلُبُّسَ، وَإِذْ رَأَى آيَاتٍ وَقُّوَاتٍ عَظِيمَةًتُجْرَى ٱنْدَهَشَ.

إن منطقة نابلس آنذاك كانت مظللة بالروح الظالم، لأنه ليس السامريون وحدهم، الذين انحرفوا عن حق التوراة كدين ممتزج بأديان أخرى فقط، بل دخلتهم كثير من الأرواح الشيطانية، وملأت البيوت وثارت في عقولهم المستعبدة. وخصوصاً في السامرة، فقد سلط روح شيطاني على سيمون الساحر المشهور وأتباعه. فلما جاءت بشارة الإنجيل، سقطت قيود الظلمة عن كثيرين، لأن كلمة المسيح تحرر المقيدين. ونور السماء يطرد ظلمة الشيطان، لأن المسيح هو المنتصر، حتى اليوم.

والساحر الذي تسلط بقواه على كثير من الناس، فكر بذاته أنه عظيم. والملتصقون به سموه قوة الله العظيم. ومن هذا يظهر مرة أخرى، إن أصل روح الشيطان هو الاستكبار والتعجرف وتسلط الآخرين. أما المسيح فهو وديع ومتواضع القلب. ودفع كل مجد وكرام إلى أبيه، ومات في صورة مجرم عوضاً عنا.

ولما دخل فيلبس رسول التواضع بقوة المسيح إلى المدينة المظلمة، أنار نور الإنجيل كثيراً من الناس. وكما كانوا سابقاً ملتصقين بسيمون الساحر، تراكضوا الآن إلى فيلبس، وصدقوا قوله. ولكنهم لم يطلبوا أولاً الخلاص من خطاياهم. ولم يتوبوا توبةعظيمة، بل اندهشوا من العجائب التي تحققت باسم المسيح. وتمنوا الاشتراك في قوته وحمايته وتعمدوا أفواجاً أفواجاً. إنما بالحقيقة، لم يكن إيمانهم بالمسيح إيماناً ثابتاً، بل كان تصديقاً وإعجاباً فقط بما قاله وعمله فيلبس.

وهذا التصديق ليس هو الإيمان الروحي الحق. فتراكض الجماهير إلى الزعيم القوي فيلبس، ولم يتغيروا جذرياً. وهذا الشعور السطحي اشترك فيه أيضاً سيمون الساحر. فشعر بقوة الله العظيمة في فيلبس. واستسلم ظاهرياً لمرسل المسيح. وتعمد مجرباً الفك الجديد، ولكن قلبه ظل قاسياً، وروحه بقي حجراً، لأنه كان ممتلئاً بأرواح سفلى. فتراءى بالإيمان مراءاة، والتصق بفيلبس، وليس بيسوع. وتمنى أن يستخرج من رجل الله هذا أسرار قوته وفرحه بواسطة المراقبة الدائمة. فتعجب أكثر فأكثر، لأنه رأى بعينيه وة المسيح جارية من فيلبس. ولكن لم يفهمها البتة.

ومن النهضة الانتعاشية في نابلس على يد فيلبس نتعلم، أنه ليس قبول الإنجيل من الناس أفواجاً ولا جريان قوى الله بكثرة يعني توبة حقة وإيماناً صحيحاً وتجديداً وخلاصاً، بل أن الناس الطبيعيين بمجملهم متدينون يتعجبون سراعاً من العجائب الرحية، ويصفقون للخطب المتحمسة، ويستسلمون للبشارات الجذابة، ولكنهم غير خاضعين للمسيح المصلوب. ولا يريدون إنكاراً للنفس. فهل أنت مغروس في المسيح أو جاسوس ضمن كنيسته؟

الصلاة: أيها الرب، نشكرك لأن إنجيلك هو قوة البركة، ويطرد الشياطين، ويحرر المؤمنين. فساعدنا لئلا نتجمد في بلدتنا، التي ولدنا فيها، بل نتقدم إلى محيطنا ونبشر باسمك ،لتخرج الأرواح الشريرة باسم يسوع. ويتوب الأفراد، ويتجددو بروحك القدوس. آمين.

8: 14 وَلَمَّا سَمِعَ ٱلرُّسُلُ ٱلَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ أَنَّ ٱلسَّامِرَةَ قَدْ قَبِلَتْ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ، أَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا، 15 ٱللَّذَيْنِ لَمَّا نَزَلا صَلَّيَا لأَجْلِهِمْ لِكَيْ يقْبَلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ، 16 لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حَلَّ بَعْدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ - غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا مُعْتَمِدِينَ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ. 17 حِينَئِذٍ وَضَعَا ٱلأَيَادِيَ عَلَيْهِمْ فَقَبِلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ. 18 وَلَمَّا رَأَى سِيمُونُ أَنَّهُ بِوَضْعِ أَيْدِي ٱلرُّسُلِ يُعْطَى ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ قَدَّمَ لَهُمَا دَرَاهِمَ 19 قَائِلاً: «أَعْطِيَانِي أَنَا أَيْضاً هٰذَا ٱلسُّلْطَانَ، حَتَّى أَيُّ مَنْ وَضَعْت عَلَيْهِ يَدَيَّ يَقْبَلُ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ». 20 فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «لِتَكُنْ فِضَّتُكَ مَعَكَ لِلْهَلاكِ، لأَنَّكَ ظَنَنْتَ أَنْ تَقْتَنِيَ مَوْهِبَةَ ٱللّٰهِ بِدَرَاهِمَ. 21 لَيْسَ لَكَ نَصِيبٌ وَلا قُرْعَةٌ فِ هٰذَا ٱلأَمْرِ، لأَنَّ قَلْبَكَ لَيْسَ مُسْتَقِيماً أَمَامَ ٱللّٰهِ. 22 فَتُبْ مِنْ شَرِّكَ هٰذَا، وَٱطْلُبْ إِلَى ٱللّٰهِ عَسَى أَنْ يُغْفَرَ لَكَ فِكْرُ قَلْبِكَ، 23 لأَنِّي أَرَاكَ فِي مَرَارَةِ ٱلْمُرِّ وَرِبَاط ٱلظُّلْمِ». 24 فَأَجَابَ سِيمُونُ: «ٱطْلُبَا أَنْتُمَا إِلَى ٱلرَّبِّ مِنْ أَجْلِي لِكَيْ لا يَأْتِيَ عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرْتُمَا». 25 ثُمَّ إِنَّهُمَا بَعْدَ مَا شَهِدَا وَتَكَلَّمَا بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ، رَجَعَا إِلَى أُورُشَلِيمَ وَبَشَّرَا قُرىً كَثِيرَةً لِلسَّامِرِيِّينَ.

كان الفرح عظيماً في أعضاء كنيسة أورشليم، لما سمعوا أن السامرة قد قبلت كلمة الله. فلم يطلب العماد أفراد فقط، بل جماهير كثيرة في كل أنحاء هذه المنطقة. وقد انتشر ملكوت الله وسط الدين السامري الممتزج ببقايا أديان مختلفة.

والمتأنون من الرسل قالوا: لنمتحن هذه الجماهير، من أي روح هي؟ لقد علمنا السامريين من قبل، لما منعوا مرور يسوع من بلادهم. وآنذاك غضب يوحنا ورفقاؤه، وطلبوا من الرب إسقاط نار من السماء ليبيد المتمردين في تلك القرى. فنخس يسوع قلوبهم وسلهم: ألستم تعلمون من أي روح أنتم؟ أما الآن فقد ذهب بطرس ويوحنا ليراقبوا النهضة الجديدة، ويزيدوا في فرح المؤمنين بخدماتهم.

ولما جاء الرسولان إلى السامرة لاحظا رأساً أنه رغم الحماس والإيمان الظاهر لأجل العجائب، فإن الأهم من كل الأشياء كان ناقصاً هنالك، أي التغيير الداخلي للإنسان، وتحرره من ارتباطاته الشيطانية، وامتلاؤه بالروح القدس. فالجماهير آمنوا بيسع، ورغم إيمانهم به واعتمادهم على اسمه بالماء، لم ينالوا معمودية الروح القدس.

فعلينا الاعتراف، ولو لم نحب ذلك، بأن أكثرية المسيحيين إيمانهم بالمسيح تصديق عقلي. وكل ما هنالك أنهم مارسوا المعمودية بالماء، ويستسلمون للطقوس المقدسة، ويتمنون عجائب وإرشادات الرب، ولكنهم لم ينالوا الخلاص حقاً. فالقلوب لا تزال مقيد بسلاسل الأرواح الشريرة، وتتسلط عليهم أفكار من رواسب المذاهب القديمة. وتملك الخطية أجسادهم، ولا تظهر فيهم قوة الله بواسطة التواضع والمحبة والتضحيات وإنكار النفس.

فعلينا كأفراد وككنائس أن نمتحن أنفسنا في نور الإنجيل: هل نحن شركة المصدقين بعقيدة المسيح فقط، أم نحن قديسون ممتلئون بروح المحبة، ميتون لأنفسنا وعائشون لله؟ فلا تظنن أن فهم المسيح وعلم الإيمان والثبات في التقليد الكنسي يخلصك، لأنك دون حياة الله الصادرة من الروح القدس تبقى رغم أفكارك الدينية وتعصبك الأعمى ميتاً روحياً. فهل حصلت على هبة الروح القدس حقاً؟ لقد غفر لنا المسيح ذنوبنا على الصليب، لننال موعد أبيه، وتدخل في أجسادنا الفانية قوته وحياته وسروره وصلاحه. فلا تتفي بتقواك، ولا تتخيل بتخيلاتك الدينية، بل تب متغيراً في ذهنك طالباً من المسيح بالمواظبة أن يملأك بروحه القدوس. فتدرك عندئذ شرك وترفض نفسك الخاطئة، فيخلق المسيح فيك خليقة جديدة ممتلئة بالحياة الأبدية.

فيا أيها الأخ الكريم انتبه! حتى لا تتصرف كسيمون الساحر، الذي كان جاسوس الشيطان في كنيسة المسيح. فقد لاحظ قوة الله النابعة من الرسل، وامتلأ طمعاً بامتلاكها، ومنى نفسه بالحصول على قدرة إعطائها للآخرين. ولو حصل ذلك، لصار أقوى من فيلب. فيترك الناس هذا الشماس النشيط، ويرجعون إلى سيمون الساحر القديم.

وهنا يظهر أنه رغم العماد والتوبة المرائية، يمكن للإنسان أن يبقى شيطاناً مستكبراً طماعاً للسلطة والعجرفة، إذا لم يتحرر في صميم قلبه من خطاياها بسيف كلمة الله. فخلاصنا يعني فداء من سلطات شريرة، وليس فقط شعوراً دينياً وفهماً عقلياً.

فشيطانية سيمون، ظهرت سريعاً في اتكاله على المال، لأنه ظن إمكانية سلطان وضع الأيدي بالنقود. فلم يفهم صميم الفكر المسيحي عن ذبيحة المسيح المجانية على الصليب البتة. فمستحيل أن نحصل على نعمة الله بواسطة المال، أو الأعمال الصالحة، ولا قدمات بشرية، أيا كان نوعها، لأن إلهنا ليس تاجراً مرابياً، بل هو أب حنون، معط بلا نهاية. ومن يجعل من المحب تاجراً، فإنه يسقط مباشرة إلى جهنم وبئس المصير.

فهذا ما قاله بطرس رأساً للمرائي: لتكن فضتك للهلاك، وإلى الأسفل نفسك الممتلئة بالأنانية والطمع بالسلطة والاستكبار والكذب. أنت لست مولوداً من روح الله، بل أنك ابن الشيطان. ورغم معموديتك وتصديقك بالمسيح وتظاهرك المسيحي، فأنت لست مشتراً بملكوت الله. وما زالت طرق قلبك معوجة كالسابق. وكذلك أنت معقد وفاسد وشرير وهالك، لأنك تفكر بطرق بشرية وليس باستنارة الروح القدس. فتظن أيها المسكين أن كل شيء يشرى بالمال. فتجرب حتى الله، لتحصل على نعمة روحه بدراهمك. تب حالاً عن كبريائك وطموحك المتوهم. وانكسر لشرك وغير وجهة حياتك، واندم على خطاياك أمام الله بالدموع طالباً منه غفران شرك، وملتمساً منه تحررك من سلاسلك الشريرة. لقد فتحت قلبك لخطر خبيث ووافقت عليه، فارفضه سريعاً، واستغفر ربك، عسى أن يغفر لك! وهو لا يغفر لك،إلا إذا انفصلت حقاً وكاملاً وعمداً عن خطيتك، ورفضتها نهائياً. فعندئذ تخلص وتحصل على الغفران المعد للتائبين.

وإن لم تتب وتتغير في داخلك، فتبقى خطراً على كنيستك، مسمماً كثيرين بتقلقلك بين الله والشيطان. وتربط أتباعك برباط الظلم. وهكذا تصبح باباً لجهنم، وليس باباً إلى السماء. فكلماتك تفسد الناس و لا تخلص أحداً.

ويا للأسف! فلم يتب الساحر سيمون توبة مستقيمة، ولم يجثُ أمام الرسل معترفاً بخطأه، مستغفراً الله، بل خاف فقط من التهديد الروحي بأقوال الرسول بطرس. ولم يمت الروح القدس الساحر مباشرة، كما عمل بحنانيا وسفيرة في أورشليم سابقاً، لأن سيمون لم يولد ثانية، ولم يحصل على الروح القدس حقاً. فبقيت له إمكانية التوبة مفتوحة.

ونعلم من تاريخ الكنيسة، أن الساحر المرائي لم يرجع. بل أسس بدعة نادت به إلهاً. وحصل بينهم كل شذوذ جنسي ودعارات نجسة، لأنه حيث يظهر روح الشيطان في الجبة التقية والتحمس الديني، فهناك يبدو سريعاً الاعوجاج بالنسبة للمال والجنس. فانتبه نتباهاً بالغاً وانفصل عن كل حركات دينية متحمسة، وتب إلى فقر المسيح وقناعته، واختر طهارة الروح القدس واسلك في العفة بقوته.

واختبر الرسل أن كثيراً من السامريين ، تابوا توبة حقة، وتغيروا بواسطة الروح القدس في صميم قلوبهم. فلم يبشر الرسل بسطحية وحماس، بل طلبوا بشدة تطهير القلوب، وشددوا على التجديد الحق، لأنه بدون ولادة ثانية لا يمكن لأحد أن يدخل ملكوت اله. فنطلب إليك أيها الأخ، أن تعرض نفسك تماماً لروح الله، طالباً إليه أن يدين خطاياك اليوم، ويميتها ويغلبها حقاً، ويقدسك بواسطة إيمانك بدم المسيح، ويملأ نفسك بذاته. لا تبق واقفاً في منتصف الطريق، لكيلا تصبح ضرراً للكثيرين.

الصلاة: أيها الرب القدوس،لا تهلكني. بل طهرني من كل خطاياي، بدم المسيح. وليسحق روحك القدوس في نفسي كل استكبار ونجاسة وطموح للتسلط والمراءاة. لأتحرر من ذاتي، ومن كل أرواح شريرة. وأتجدد في المسيح، رئيس الإيمان ومكمله.

3 - إيمان ومعمودية الوزير الحبشي (8: 26 - 40)

8: 26 ثُمَّ إِنَّ مَلاكَ ٱلرَّبِّ قَالَ لِفِيلُبُّسَ: «قُمْ وَٱذْهَبْ نَحْوَ ٱلْجَنُوبِ، عَلَى ٱلطَّرِيقِ ٱلْمُنْحَدِرَةِ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى غَّزَةَ» ٱلَّتِي هِيَ بَرِّيَّةٌ. 27 فَقَامَ وَذَهَبَ. وَإِذَا رَجلٌ حَبَشِيٌّ خَصِيٌّ، وَزِيرٌ لِكَنْدَاكَةَ مَلِكَةِ ٱلْحَبَشَةِ، كَانَ عَلَى جَمِيعِ خَزَائِنِهَا - فَهٰذَا كَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى أُورُشَلِيمَ لِيَسْجُدَ. 28 وَكَانَ رَاجِعاً وَجَالِساً عَلَى مَرْكَبَتِهِ وَهُوَ يَقْرَأُ ٱلنَّبيَّ إِشَعْيَاءَ. 29 فَقَالَ ٱلرُّوحُ لِفِيلُبُّسَ: «تَقَدَّمْ وَرَافِقْ هٰذِهِ ٱلْمَرْكَبَةَ». 30 فَبَادَرَ إِلَيْهِ فِيلُبُّسُ، وَسَمِعَهُ يَقْرَأُ ٱلنَّبِيَّ إِشَعْيَاءَ، فَسَأَلَهُ: «أَلَعَلَّكَ تَفْهَمُ مَا أَنْتَ تَقرَأُ؟» 31 فَأَجَابَ: «كَيْفَ يُمْكِنُنِي إِنْ لَمْ يُرْشِدْنِي أَحَدٌ؟». وَطَلَبَ إِلَى فِيلُبُّسَ أَنْ يَصْعَدَ وَيَجْلِسَ مَعَهُ. 32 وَأَمَّا فَصْلُ ٱلْكِتَابِ ٱلَّذِي كَانَ يَقْرَأُهُ فَكَانَ هٰذَا: «مِثْلَ شَاةٍ سِيقَإِلَى ٱلذَّبْحِ، وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ ٱلَّذِي يَجُّزُهُ هٰكَذَا لَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. 33 فِي تَوَاضُعِهِ ٱنْتَزَعَ قَضَاؤُهُ، وَجِيلُهُ مَنْ يُخْبِرُ بِهِ، لأَنَّ حَيَاتَهُ تُنْتَزَعُ مِنَ ٱلأَرْضِ؟» 34 فَسَألَ ٱلْخَصِيُّ فِيلُبُّسَ: «أَطْلُبُ إِلَيْكَ: عَنْ مَنْ يَقُولُ ٱلنَّبِيُّ هٰذَا؟ عَنْ نَفْسِهِ أَمْ عَنْ وَاحِدٍ آخَرَ؟» 35 فَٱبْتَدَأَ فِيلُبُّسُ مِنْ هٰذَا ٱلْكِتَابِ يُبَشِّرَهُ بِيَسُوعَ

36 وَفِيمَا هُمَا سَائِرَانِ فِي ٱلطَّرِيقِ أَقْبَلا عَلَى مَاءٍ، فَقَالَ ٱلْخَصِيُّ: «هُوَذَا مَاءٌ. مَاذَا يَمْنَعُ أَنْ أَعْتَمِدَ؟» 37 فَقَالَ فِيلُبُّسُ: «إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ يَجُوزُ». فَأجَابَ: «أَنَا أُومِنُ أَنَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ». 38 فَأَمَرَ أَنْ تَقِفَ ٱلْمَرْكَبَةُ، فَنَزَلا كِلاهُمَا إِلَى ٱلْمَاءِ، فِيلُبُّسُ وَٱلْخَصِيُّ، فَعَمَّدَهُ. 39 وَلَمَّا صَعِدَا مِنَ ٱلْمَاءِ َطَفَ رُوحُ ٱلرَّبِّ فِيلُبُّسَ، فَلَمْ يُبْصِرْهُ ٱلْخَصِيُّ أَيْضاً، وَذَهَبَ فِي طَرِيقِهِ فَرِحاً. 40 وَأَمَّا فِيلُبُّسُ فَوُجِدَ فِي أَشْدُودَ. وَبَيْنَمَا هُوَ مُجْتَازٌ كَانَ يُبَشِّرُ جَمِيعَ ٱلْمُدُنِ حَتَّى جَاءَ إِلى قَيْصَرِيَّةَ.

انتزع المسيح الحي فيلبس الشماس من وسط خدمته المزدهرة في منطقة نابلس بواسطة ملاك، وأمره أن يذهب في الطريق الحار، وسط الصحارى، حيث لا يعيش إنسان ولا حيوان. كان يمكن أن يتمرد قلب المبشر، ولكنه أنكر نفسه، وقام وأطاع ربه. وبهذه الإطاعةعظم انتصار المسيح، وكسب بلاداً كاملة لإنجيله.

فقد أتى من الحبشة موظف غني، هو وزير الملكة كنداكة إلى أورشليم. ولعله سمع من قبل شيئاً عن وحدانية الله وناموسه بواسطة المبشرين اليهود المتمركزين في جزيرة الفنتينة، وسط نهر النيل. فكل الناس يجوعون إلى الله. والكرماء بينهم يبحثون في كل الأديان والفلسفات، ليلتقوا بالله الحق شخصياً.

فقام الموظف الغني وزير المال في مملكته، وكان خصياً ومستشاراً موثوقاً به من ملكته. وذهب إلى الديار المقدسة البعيدة، ليكسب لنفسه ولكل بلاده بركة الله. وفي أورشليم سجد للرب، ولكن قلبه بقي فارغاً. ولم يكن مسموحاً للخصي، أن يتقدم إلى در السجود داخل الهيكل فاشترى من أحد الكتبة درجاً يحتوي سفر إشعياء بثمن بالغ، كما وجد أخيراً في مغاور قمران. ولا نعرف إذا كان ذلك الوزير قد قرأ السفر باللغة العبرية، أو حصل على الدرج بالترجمة اليونانية. وعلى كل الأحوال، فقد استطاع أن يقرأ، ورغب في أن يمتلئ قلبه بروح العهد القديم، ليعود إلى بيته بأفكار وقوى جديدة. وحقاً فقد كان بين يديه كنز عظيم.

ولما وصل القارئ إلى النبوات المختصة بالمسيح، التي تصفه بحمل الله الوديع، أرشد الروح القدس الشماس فيلبس أن يتقدم إلى هذا الوثني الطالب الله. ووضع في فمه السؤال الحكيم، الذي سبب كثيراً من الأبحاث مع المشتاقين إلى الله: هل تفهم ما تقرأه؟ الحمد لله! فلم يكن الوزير النبيل متكبراً، ولم يقل أنا أفهم كل شيء ومثقف، بل اعترف بجهالته، وربح بواسطة تواضعه حكمة الله. فويل للذي يظن أنه يعرف كل شيء، ويستطيع كل شيء، لأن قلبه ورأسه يبقى مقفلاً للإنجيل.

عندئذ أراه فيلبس في البحث الطويل، أن يسوع هو حمل الله، الحامل بالتواضع والمحبة ذنوب العالم وغضب الله، لما علق على الصليب. وقد خلص كل الناس، وحتى الخصي وشعبه. والإيمان بالمصلوب يخلق تصفية الذنوب الماضية في الضمير، ويفتح قلب المؤمن حياة الله في الحاضر والمستقبل. فأرشد فيلبس المصغي العطشان إلى طريق الحياة بواسطة حمل الله والصليب الفريد.

وقد أثبت الروح القدس هذه المباحثة، لأن طالب الله هذا، سمع وفهم وآمن. وقرر رأساً، أن يخضع حياته تماماً للمسيح، ويقبله رباً وفادياً، وطلب المعمودية لما بان له بعد سفرته الطويلة ماء في البرية.

ولعل فيلبس تباطأ في تعميده بعد اختباراته في السامرة. فتقدم إلى طالب المعمودية بالشرط المبدئي لإجرائها: إن آمنت من كل قلبك، فلا مانع من العماد. انتبه من كل قلبك، وليس بفكرك أو عقلك أو شعورك أو إرادتك وحدها. هل فتحت قلبك تماماً للمسح، وقطعت معه عهد الحياة الأبدية؟ إن روح الله لا يحل في القلب، الذي يلتفت نصف التفاتة إلى يسوع ويبقى نصفه متجهاً إلى العالم. اختر يسوع كاملاً، فيقبلك أبدياً.

والوزير قرر، وألح بطلب المعمودية. ونجح في الامتحان، ولخص إيمانه بيسوع في جملة واحدة. أنا أؤمن أن يسوع المسيح هو ابن الله. فبهذه الجملة شهد، أنه أدرك سر الثالوث الأقدس، وانسجم بفداء المسيح، وآمن بأبوة الله، واشترك بالحياة الأبدية. ن هذا الاعتراف ليس عقيدة فارغة، بل أقوى من كل القنابل الذرية في العالم. تعمق في معاني هذه الشهادة فتصبح ابناً لله، لأن الأزلي هو أبونا بواسطة ابنه يسوع.

ولما عمد فيلبس التائب المؤمن، فصله الروح القدس عن المتجدد، لكيلا يتعلق فيما بعد بالمبشر، بل يلتصق بيسوع وحده. ففي حالة هذا الوزير حدث العكس مما حل بسيمون الساحر، الذي لازم فيلبس، فلم يتحرر للمسيح. أما هذا المعتمد الجديد فرجع إلى بته مصلياً وحامداً وساجداً لله. فلم يلتق في أورشليم بالعلي، بل وسط البرية. لأنه قد دخل إلى رحاب المسيح مؤمناً. والسيد الرب لم يرفض الخصي، كما رفضه اليهود، بل قبله واحتضنه وأدخله في رعايته.

والروح القدس دفع فيلبس إلى مدن شواطئ فلسطين، من الجنوب إلى جبل الكرمل، ملأ كل الأمكنة باسم يسوع ومهد الطريق لربه.

الصلاة: أيها الرب القدوس، نشكرك لأن عبدك فيلبس، أطاع أمرك وبشر بقوة روحك الوزير الحبشي. ونقله من الموت إلى الحياة، بواسطة الإيمان بالمصلوب ابنك. أرشدنا بروحك القدوس، لنجد كل الناس الذين يطلبونك، ونرسم لأعينهم المصلوب انك، جواباً على أسئلتهم فيحيون.

4 - ظهور المسيح لشاول أمام دمشق (9: 1 - 5)

اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ : 1 أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلامِيذِ ٱلرَّبِّ، فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ ٱلْكَهَنَةِ 2 وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ ٱلطَّرِيقِ، رِجَالاً أَوْ نِسَاءً، يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 3 وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ ٱقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ ٱلسَمَاءِ، 4 فَسَقَطَ عَلَى ٱلأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ، شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» 5 فَسَأَلَهُ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ ٱلرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ علَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ».

تلقى شاول دروسه في التوراة على يد العليم غمالائيل الحكيم وآمن بأن الله واحد، وتعصب في إيمانه ممتلئاً غيرة للكفاح من أجل وحدانية الله وتنفيذ ناموسه في أمته. وكل من يخرج على إيمان الآباء ولا يخضع له، فإن شاول كان يخضعه غصباً أو يقتل حقداً. وشاول الشاب اغتاظ كثيراً من مواعظ استفانوس أثناء دفاعه عن نفسه ومن تصريحه برؤية المسيح، فعذب المؤمنين التابعين هذا المذهب ليرتدوا عن الإيمان ويجدفوا على المسيح. وكان المجمع الأعلى مسروراً من شاول النشيط الشجاع. وأعطوه سلطاناً ووائق، لما تقدم إليهم طالباً أن يرسلوه إلى دمشق، تلك الواحة الواسعة وسط الصحراء، لكي يصلح هناك الطائفة اليهودية، ويلاشي البدع اليسوعية، ويثبت إيمان الآباء.

فركب شاول المفتخر فرسه إلى العاصمة السورية وسط البراري، ليبيد حاملي روح المسيح، الذين كانوا يصلون لأجل عدوهم، وأحبوه وعرفوا مقاصده. فقد أتى الإيمان الجديد للشام بواسطة تجار ولاجئين ومسافرين، وليس بواسطة رسل أو شمامسة.

ولما رأى شاول أبراج المدينة وقببها من بعيد، استعد للدخول متباهياً. فأبرق مجد الرب فجأة كصاعقة حول هذا الغيور، الذي ظن أنه يخدم الله، وبالحقيقة كان عبداً للشيطان. فسقط شاول من على فرسه إلى الأرض. ولا نقرأ فيما بعد أنه امتطى مرة أخر فرساً طيل حياته، بل كان يمشي على قدميه منسحقاً متواضعاً.

وسمع الشاب صوتاً نخس صميم قلبه، وجمد عقله: شاول شاول، لماذا تضظهدني؟ فالمتكلم عرف اسمه وأخلاقه وماضيه وتخطيطه. فالله كشفه وأعلن كل حياته وكل ذنوبه. وهو معلن أمام القاضي الأزلي.

وارتجف شاول لما قال له الصوت: انت تضطهدني! فلم يقل يسوع أنك تضطهد الكنيسة، بل تضطهدني شخصياً، لأن يسوع وكنيسته وحدة كاملة. فالرب هو الرأس، ونحن أعضاء جسده الروحي. ومهما حدث لأحد الأصاغر من أتباعه، فهو يقع عليه شخصياً. والرب يتألم ع كنيسته لكل ظلم واقع عليها. فقد أعلن يسوع بهذه الجملة الصغيرة سر كنيسته وغاية مقاصده، إنه متحد اتحاداً إلهياً مع أتباعه، بواسطة الروح القدس في المحبة.

ولم يقل يسوع للمنسحق فقط، أنت تضطهدني، بل لماذا تضطهدني؟ لأنه مؤلم وصعب لدى الله، أن الناس لا يدركون حقيقة الثالوث الأقدس. فلا سبب ولا حق لإنسان ما، أن لا يخضع ليسوع. فالذنب الأساسي هو أن الناس لا يقبلون محبة الخالق الفائقة المعلن في المسيح. وهذه هي الخطية الرئيسية أن لا يؤمن الإنسان بغفران خطاياه بواسطة المصلوب. فهذا يضاد فكر الله، فيدين كل عنيد بقوله: لماذا تضطهدني وتضاد محبة الثالوث الأقدس؟

وشعر شاول نوعاً ما أن رب المجد لا يبيده حالاً، رغم أنه عدوه! وأن الحي ذا الجلال لا يخنقه رغم أن شاول قتل أتباعه. فأشرق في نفسه الشعور أن الرب المتكلم هو المحبة وليس الانتقام، وأن جوهره النعمة وليس الدينونة. ولم يكن لشاول أي عمل صاح يقدمه لمرضاة الله، إلا جريمته بالقتل واضطهاد القديسين. ولكن شاول حصل على النعمة الإلهية مجاناً، وبدون استحقاق، رغم أنه كان أهلاً للموت والجحيم. فتمتم شاول المضطرب بكلمته: من أنت يا رب؟ فلم يسمه بالنص اليوناني سيداً أو ملاكاً عظيمأً، ب أدرك أن التكلم هو الله بالذات، وسماه الرب. فقول شاول عني صلاة مرتجفة وطلبة متواضعة لأجل إعلان اسم الله، ليعرف من هو المتكلم في النور. لقد شعر شاول بالنعمة الفائقة وسط الدينونة المهلكة. فتجاسر مرتعباً أن يكلم الله مؤمناً.

وجاوب الرب عدوه، ولم يحطمه، واستجاب صلاته، وأنعم على المجرم. فقول المسيح لشاول يعني أن الرب رحم الشرير، وتنازل، فأخبره بكلمات مفهومة عن مشيئته. وهذه الكلمات طهرت شاول وبررته، وكانت أساساً لمستقبله.

وأعلن يسوع جوهره بالكلمة الفريدة (أنا هو). فيا أيها المسكين شاول الصغير الملبوس المبهور، أنا موجود أنا مقام من بين الأموات، أنا حي، أنا يسوع. أنا لست خيالاً أو كذباً. لست منفسداً في القبر، بل أنا رب المجد، واقف شخصياً أمامك، وعارفنيتك الصالحة. ولكن عقلك مبهور بسبب بغضتك المتدينة. ولا تستطيع إدراكي بسبب تعصبك المقيت. ولكنك تضطهدني، أنا غالب الموت، والمنتصر على جهنم، مفكراً أنك بهذا تخدم الله. وهذه هي الحقيقة حتى اليوم، أن كل الذين يضطهدون يسوع المسيح يعبدون الشيطن، لأن يسوع الحي جالس عن يمين الله الآب، وقد دُفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض

ولا ريب في أن المسيح كسر بظهوره وكلماته شاول المنتفخ وحطم إيمانه بذاته وثقته ببره الناموسي. وأعلن له أن المصلوب هو حي ومحور للكون، ولا يهلك أعداءه، بل يمنحهم نعمة فوق نعمة. وأنه واحد مع كنيسته الممتلئة بالروح القدس وحدة كاملة. فهذ المبادئ الثلاثة المعلنة لشاول في لحظة واحدة، لا تزال هي حتى اليوم ركن إيماننا في العهد الجديد: قيامة المسيح، ونعمته في الصليب، وكنيسته الحية الممتلئة بالروح القدس. فهل تنسجم مع هذه الأركان الثلاثة تماماً، أو تعارض روح المسيح وحقه؟ فعندذ يقول الرب لك: صعب عليك أن ترفس مناخس الله، وتتألم كثيراً لأنك تضاد الحق والحياة.

الصلاة: نسجد لك أيها الرب المجيد الحنون، لأنك لم تبد شاول بل رحمته. فأنت حي وموجود. أعلن نفسك لكل الذين يطلبونك. وخلص كل غيور متدين، يضطهد كنيستك عن نية صالحة، وهو غير عالم بخطأه. ونعظم اسمك، لأنك واحد مع كنيستك المحبوة.

5 - معمودية شاول على يد حنانيا (9: 6 - 18)

9: 6 فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ، مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: «قُم وَٱدْخُلِ ٱلْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». 7 وَأَمَّا ٱلرِّجَالُ ٱلْمسَافِرُونَ مَعَهُ فَوَقَفُوا صَامِتِينَ، يَسْمَعُونَ ٱلصَّوْتَ وَلا يَنْظُرُونَ أَحَداً. 8 فَنَهَضَ شَاوُلُ عَنِ ٱلأَرْضِ، وَكَانَ وَهُوَ مَفْتُوحُ ٱلْعَيْنَيْنِ لا يُبْصِرُ أَحَداً. فَٱقْتَادُوهُ بِيَدِهِ وَأَدْخَلُوهُ إِلى دِمَشْقَ. 9 وَكَانَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ لا يُبْصِرُ، فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ. 10 وَكَانَ فِي دِمَشْقَ تِلْمِيذٌ ٱسْمُهُ حَنَانِيَّا، فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ فِي رُؤْيَا: «يَا حَنَانِيَّا». فَقَالَ: «هٰأَنَذَا يَا رَبُّ». 11 فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: «قُمْ وَٱذْهَبْ إِلَى ٱلّزُقَاقِ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ ٱلْمُسْتَقِيمُ، وَٱطْلُبْ فِي بَيْتِ يَهُوذَا رَجُلاً طَرْسُوسِيّاً ٱسْمُهُ شَاوُلُ - لأَنَّهُ هُوَذَا يُصَلِّي. 12 وَقَدْ رأَى فِي رُؤْيَا رَجُلاً ٱسْمُهُ حَنَانِيَّا دَاخِلاً وَوَاضِعاً يَدَهُ عَلَيْهِ لِكَيْ يُبْصِرَ». 13 فَأَجَابَ حَنَانِيَّا: «يَا رَبُّ قَدْ سَمِعْتُ مِنْ كَثِيرِينَ عَنْ هٰذَا ٱلرَّجُلِ، كَمْ مِنَ ٱلشُّرُورِ فَعَلَ بِقِدِّيسِيك فِي أُورُشَلِيمَ. 14 وَهٰهُنَا لَهُ سُلْطَانٌ مِنْ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ أَنْ يُوثِقَ جَمِيعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ بِٱسْمِكَ». 15 فَقَالَ لَهُ ٱلرَّبُّ: «ٱذْهَبْ، لأَنَّ هٰذَا لِي إِنَاءٌ مُخْتَارٌ لِيَحْمِلَ ٱسْمِي أمَامَ أُمَمٍ وَمُلُوكٍ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ. 16 لأَنِّي سَأُرِيهِ كَمْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي». 17 فَمَضَى حَنَانِيَّا وَدَخَلَ ٱلْبَيْتَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ يَدَيْهِ وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلأَخُ شَاوُل، قَدْ أَرْسَلَنِي ٱلرَّبُّ يَسُوعُ ٱلَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي ٱلطَّرِيقِ ٱلَّذِي جِئْتَ فِيهِ، لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ». 18 فَلِلْوَقْتِ وَقَعَ مِنْ عَيْنَيْهِ شَيْءٌ كَأَنَّهُ قُشُورٌ، فَأَبْصَرَفِي ٱلْحَالِ، وَقَامَ وَٱعْتَمَدَ. 19 وَتَنَاوَلَ طَعَاماً فَتَقَّوَى. وَكَانَ شَاوُلُ مَعَ ٱلتَّلامِيذِ ٱلَّذِينَ فِي دِمَشْقَ أَيَّاماً.

ما كان شاول مرتعباً فقط، بل أوشك على الموت، لأن كل ما كان مهماً في حياته من إيمان وشرف وبر وغيرة وإرادة، انكسرت دفعة واحدة، حين ظهر له المقام. ففهم شاول: إنني مخطئ وعدو لله، وعميل للشيطان. فكل ثقافتي وتقواي لم تنفعني شيئاً. أنا ثائر وكافر وهالك. فلا يوجد سقوط أعظم من سقوط المدعي بالتقوى في ذاته من عليائه، إلى معرفته أن كل إنسان هو في طبيعته عدو لله.

ولكن يسوع لم يبد مضطهد كنيسته، بل أعطاه فرصة للتوبة. فتمتم شاول: ماذا تريد يا رب أن أفعل؟ ولم يكن بعدئذ شاول حراً، بل استغنى عن حريته وأصبح عبداً ليسوع. وقد وجد ربه وخضع له طوعاً بدون قيد أو شرط إلى الأبد. وربه شفاه من عماه الروحي وأبرأه من إيمانه المتجمد بفكر الوحدانية. فقد أدرك شاول أن يسوع هو الرب الحي والإله الحق الواحد مع الآب والروح القدس.

وهذا الرب امتحن حالاً إيمان المنسحق، وأمره بالذهاب إلى دمشق. وقبل دقائق كان شاول عازماً أن يدخل أبواب العاصمة راكباً فرساً، مصلحاً غيوراً قوياً. ولكن الآن فقد صار مترنحاً، منقاداً من رفقائه المرتعبين إلى داخل أبواب دمشق. فنزل في بيت أحد الأصدقاء، الذين تعجبوا من خبر النور البهي، الذي ابرق حولهم في البرية.

ولم يتكلم شاول مع الناس، بل انعزل وصلى وصام ولم يرد الحياة وانفصل عن كل الأحياء، واتجه نحو الله ولم يشتق إلا للخضوع للعلي والسلام مع الله وإطاعته إطاعة تامة. فقد أدرك شاول أن الرب يسوع حي، ولم يرفضه. فصلى ملتمساً منه الغفران والخلص من غضب الله. فتعمق في معاني القيامة من بين الأموات وأسرار الصليب، وبنى نفسه على حقائق العهد الجديد.

ويسوع يستجيب كل صلوات التوبة المستقيمة. ووكل رأساً مؤمناً اسمه حنانيا، ليذهب إلى شاول ويساعده للدخول إلى الحياة. فالرب لم يكلف رسولا عظيماً أو ملاكاً بهياً بل إنساناً مغموراً مؤيداً بالله. وقد أعلن الرب لشاول المصلي بنفس الوقت مجي حنانيا إليه، وأنه يضع يديه باسم يسوع على رأسه، لكيلا يرفض دخوله إليه.

وما كان حنانيا منشرحاً لأمر الرب وتفويضه إياه لهذه المهمة، بل خاف من شاول، وارتجف من سلطته، لأن المؤمنين جميعاً قد علموا، أن شاول الشاب المتفقه بالتوراة كان شيطاناً مريداً فاعلاً شراً كثيراً ومضطهداً القديسين في أورشليم. فظهر مستحلاً لحنانيا أن يضع يديه على المتعدي، ليحل فيه الروح القدس، مع أنه لم يعرف يسوع حقاً، ولم يتب توبة نصوحاً. أما الرب فقطع كلمة حنانيا المضطرب، وأمره بحدة: اذهب! فأيها الأخ إذا دعاك يسوع وأمرك بشيء فاذهب. تكلم! اعمل! صل! فنفذ أمر الرب رأسا وكاملاً. ملكك لا ينتظر طويلاً بل ينتظر منك الإطاعة المباشرة.

ولم يوضح يسوع لحنانيا قصة ظهروه لشاول وسبب تبدله، لكنه اعلم المصلي المتواضع الغاية من تعيينه شاول وإرساله. فقد اختاره الله إناء للنعمة ممتلئاً بسلطان الروح القدس. هل فهمت كلمة النعمة؟ لقد جعل الله من عدوه رسولاً ومن الحاقد عليه محاً. وخلص الغارق من عمى التعصب والغرور بالذات، وجعله فاتح عيون الملايين روحياً. وحل الروح القدس في الملبوس التائب، وحرره من كل ثقة على أسس دنيوية، وثبته في النعمة والرجاء الحي في المسيح. وهكذا حمل شاول اسم يسوع في كيانه واعترف به بشفتيه. وقلبه وذهنه وعقله كان ممتلئاً باسم يسوع. فصار شاول شحناً ممتلئاً بهذا الاسم الفريد. فهل أدركت من هو المسيحي الحق؟

فذاك الذي يظهر فيه المسيح قولا سلوكاً، عفة وحقاً براً وقوة. فهل يشرق المسيح في حياتك جلياً؟

وكان على بولس أن يشهد للمسيح أمام الملوك والأمراء والولاة، مقيداً كربه ومنقاداً بحراس. وربه أرسله أيضاً إلى اليهود المتغربين. فكان بولس منشقاً في محبته بين الوثنيين وأبناء أمته، وتألم قلبه لجهالة الأولين، ومن غيظ الآخرين والذي يقر رسائله، يدرك بأي مقدار تعذب بولس لأجل اسم يسوع. ومع ذلك لم يتفاخر لأجل تألمه، لأنه أدرك أن ليس له مكافأة أو استحقاق، إلا النعمة. وليس إلاها.

وسمع حنانيا متعجباً إعلان الرب عن مستقبل شاول وآمن وذهب. ولعله استفهم عما حدث لشاول في الطريق، لأنه كلم الأعمى باسم الرب، الذي ظهر له على الطريق. تغير الناس تماماً وتصلح الأخصام جاعلة إياهم إخوة في عائلة محبة الله.

وعرف حنانيا المصلي، أن الرب يسوع لم يرسله إلى شاول ليفتح عينيه الجسديتين فقط بواسطة قوة وضع الأيادي على رأسه، بل علم أن غاية هذه المعاملة الطقسية هي الامتلاء بالروح القدس وحلول الغفران وتحقيق السلام مع الله والتفويض للخدمة والتقوي للمحبة في سلطان التواضع. فلم يستطع بولس أن يخرج هذه الفضائل من نفسه، ولا من ثقافته ولا من عنصرية قومه، بل المسبح أرسل إليه أخاً بسيطاً ممتلئاً بالروح القدس، لكيلا يتفاخر أحد.

وعندئذ وضع حنانيا الغير مثقف يديه على رأس شاول الفقيه. وفي الحال أبصر الأعمى وامتلأ طالب الله بروح الرب. ولا يستطيع إنسان أن يفسر هذه اللحظة في تاريخ بولس إلا بما قاله لوقا الطبيب، إنه وقع من عينيه شيء كأنه قشور. فأدرك فجأة أن الدان الأزلي هو أبوه السماوي. والمصلوب المحتقر هو حمل الله الوديع. وأن الروح القدس هو محبة الله بالذات. والمسيح المقام هو رجاء المجد المنتظر الآتي قريباً. ففي هذه اللحظة تحقق خلاص المسيح في التائب. فصار قلبه منوراً كأن لمبة كهربائية قد أشعت في قبو دامس.

وبعد معموديته بالروح القدس، مارس شاول معمودية الماء أيضاً، لأنه أراد إطاعة كل كلمات المسيح. وشهد أمام أعضاء الكنيسة وكل العالم، أنه ترك الحياة القديمة والمذهب المتجمد، وقد دخل إلى الحياة الأبدية، وثبت في العهد الجديد. فاعتبر شاول ن ماضيه قد دُفن، وقام إنسان جديد اسمه بولس الصغير.

ونقرأ بعدئذ شيئاً مفرحاً، أن المفدي لم يبتدئ بتسابيح متحمسة، ولم ينفجر بشلال التكلم بالألسنة، بل طلب أكلا عادياً وتغذى جيداً، لأنه صام ثلاثة أيام بلياليها ولم يشرب شيئاً. ولكن بعد ما تصالح مع الله، صح جسده ونفسه في تيار الروح القد، وصار إنساناً عادياً. ولم يكمل بولس مسيره بزهد وتقشف، بل أكل وشرب وعاش لربه الحي.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك أرسلت حنانيا لتملأ شاول بوضع الأيادي بالروح القدس. قدنا إلى التوبة الحقة والرجوع إليك بصدق. لكي يملأنا روحك اللطيف، ونصبح شاحنات مفعمة باسمك وفضائلك.

6 - تبشير شاول في الشام واضطهاده من اليهود (9: 19 - 25)

9: وَكَانَ شَاوُلُ مَعَ ٱلتَّلامِيذِ ٱلَّذِينَ فِي دِمَشْقَ أَيَّاماً. 20 وَلِلْوَقْتِ جَعَلَ يَكْرِزُ فِي ٱلْمَجَامِعِ بِٱلْمَسِيحِ «أَنْ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ ٱللّٰهِ». 21 فَبُهِتَ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعونَ وَقَالُوا: «أَلَيْسَ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي أَهْلَكَ فِي أُورُشَلِيمَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ بِهٰذَا ٱلِاسْمِ، وَقَدْ جَاءَ إِلَى هُنَا: لِيَسُوقَهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ؟». 22 وَأَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ يَزْدادُ قُّوَةً، وَيُحَيِّرُ ٱلْيَهُودَ ٱلسَّاكِنِينَ فِي دِمَشْقَ مُحَقِّقاً «أَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ». 23 وَلَمَّا تَمَّتْ أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ تَشَاوَرَ ٱلْيَهُودُ لِيَقْتُلُوهُ، 24 فَعَلِمَ شَاوُلُ بِمَكِيدَتِهِم. وَكَانُوا يُرَاقِبُونَ ٱلأَبْوَابَ أَيْضاً نَهَاراً وَلَيْلاً لِيَقْتُلُوهُ. 25 فَأَخَذَهُ ٱلتَّلامِيذُ لَيْلاً وَأَنْزَلُوهُ مِنَ ٱلسُّورِ مُدَلِّينَ إِيَّاهُ فِي سَلٍّ.

حيثما يعم الروح القدس تملك المحبة في الكنيسة، ويجري التبشير بين الذين لا يعرفون الرب يسوع. فقد اشترك شاول أياماً في حياة الكنيسة مع التعمق في الأسفار المقدسة والشكر لله. فظهرت له بصيرة العهد الجديد في النبوات القديمة جلياً.

ولم يقدر شاول أن يخبئ كنز اختباراته من التقائه بالمسيح. وكان معروفاً في كنيس اليهود كسفير المجلس الأعلى في أورشليم. فتقدم وسط الكنيس وبشر بيسوع علانية ولم يكتف كما عمل الرسل في أول تبشيرهم بأن يبين الناصري كرجل الله أو نبياً عظيما أو المسيح الموعود، بل قد رأى شاول مجد يسوع فشهد له أنه إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، ذو جوهر واحد مع الآب. فهذه الشهادة سببت ثورة روحية وطعنت في إيمان اليهود المتجمد بوحدانية الله، لأن كل لفظة أن لله ابناً، تحسب عند اليهود تجديفاًوكفراً. أما شاول فشهد من أول يوم بتبشيره عن حقيقة الثالوث الأقدس، لأنه قد سمع صوت يسوع، وعاين مجده، وأدرك أن الإنسان يسوع هو ابن الله بالذات. ولم يشك ثانية في هذه الحقيقة، ونادى بها ضد كل تقاليد وتفاسير وعقائد أخرى. وصرح بولس أن أبوة اله ليست فكراً غريباً، بل هكذا الله وهكذا فقط. ولا يوجد إله آخر إلا الآب والابن والروح القدس. فالإيمان الميت بالوحدانية المجردة هو تخيل غريب بدون عصارة حياة ولا قوة. وإلهنا محبة ويحققها في الشركة بين الآب والابن والروح القدس الإله الواحد.فمن يرفض الابن لا يعرف الله. ومن لا يؤمن بالآب السماوي لم يحصل على الروح القدس بعد.

وبرهن شاول الفقيه المثقف والممتلئ بالروح القدس لليهود العصاة الناقدين، أن يسوع الناصري هو المسيح الحق وأن كل اليهود خطاة، لأنهم قتلوا ابن الله، المرسل إليهم. فلم يباحثهم شاول بأمور ثانوية، بل تقدم إلى لب القضية. ولم يبشر بولس بمسيح حبيب ينعم على كل مستمعيه ويباركهم بلا قيد ولا شرط. بل طلب الخضوع للملك المسيح. لأن ربه عارض طريقه بسلطة نوره الساطع، وأراه أن بره الغيور باطل، وأن النعمة وحدها هي أساس حياته.

واليهود في دمشق فزعوا وتحيروا، لأنهم رجوا أن يرسل إليهم سفير المجلس الأعلى حليفاً، ليقضوا على الحركة اليسوعية النامية في طائفتهم. أما الآن فبرهن هذا الفقيه، أن يسوع هو المنتصر والرب الحي. فليس أحد من اليهود المتزمتين استطاع أن يغلبه. ويعد أيام كثيرة ازداد عدد المؤمنين بالمسيح من اليهود، وصاروا تلاميذ لبولس، وتحمسوا بنشاطه. فقرر المسؤولون في الكنيس اليهودي قتل بولس. فاضطر للاختفاء حيث دخل جواسيس اليهود إلى بيوت المؤمنين كأصدقاء أوفياء. وكان لهم تأثير على رؤوساء الدينة. حتى أنهم اشتركوا مع حراسها في حراسة أبواب المدينة. لكيلا يقدر شاول على الهرب.

وهكذا اختبر الشاب المؤمن لأول مرة، أن لنشر الإنجيل رد فعل، القبول والرفض، الشكر واللعنة، المحبة والبغضة. فلم يقرر شاول البقاء في دمشق، قائلاً لنفسه: الآن علي البقاء هنا مهما كلف الأمر، وأموت للمسيح شهيداً. ولكنه اتفق مع الإخوة الممنين على أن يدلوه في السلة من السور ليلاً. وقبل أسابيع كان قد جاء إلى دمشق كفارس فخور. والآن صار لاجئاً، عليه أن يغادر مدينة الواحة حالاً. وكما كان قلبه سابقاً بارداً قاسياً وغيوراً للناموس، صارت الآن محبته للمسيح في صميم فؤاده ملتهبة. قوة الروح القدس دفعت رسول الأمم إلى كل العالم.

الصلاة: يا ابن الله، نسجد لك، ونكرس لك قلبنا وأذهاننا. ونشكرك لأنك أعلنك لنا أباك السماوي، ومحوت الذنوب، ومسحتنا بروحك القدوس. احفظنا في اسمك، وادفعنا للتبشير بإنجيلك، ليدرك كثيرون اسمك والآب الحنون.

7 - اللقاء الأول بين بولس والرسل في أورشليم (9: 26 - 30)

9: 26 وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِٱلتَّلامِيذِ، وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ. 27 فَأَخَذَهُ بَرْنَابَا وَأَحْضَرَهُ إِلَى ٱلرُّسُلِ، وحَدَّثَهُمْ كَيْفَ أَبْصَرَ ٱلرَّبَّ فِي ٱلطَّرِيقِ وَأَنَّهُ كَلَّمَهُ، وَكَيْفَ جَاهَرَ فِي دِمَشْقَ بِٱسْمِ يَسُوعَ. 28 فَكَانَ مَعَهُمْ يَدْخُلُ وَيَخْرُجُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُجَاهِرُ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ. 29 وكَانَ يُخَاطِبُ وَيُبَاحِثُ ٱلْيُونَانِيِّينَ، فَحَاوَلُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ. 30 فَلَمَّا عَلِمَ ٱلإِخْوَةُ أَحْدَرُوهُ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ وَأَرْسَلُوهُ إِلَى طَرْسُوسَ.

لم يكتب لوقا لنا سيرة الرسل بالتدرج والتفصيل، بل أخذ من اختبارات الأفراد ما وافق موضوع كتابه، لأن شعار سفره ليس أعمال الرسل بالتسلسل وبدون نقص، بل بالحري مسير الإنجيل من أورشليم إلى روما.

فلم يخبرنا الطبيب كلمة واحدة عما عمل بولس في السنوات، التي تلت هروبه من دمشق، لأنه في الرسالة إلى غلاطية (1: 17-24) كتب الرسول بذاته، أنه بقي ثلاث سنوات بعدئذ في العالم العربي. والأغلب أنه تعلم هناك العربية، واشتغل بيديه وبشر بالإنيل. ولكننا لا نعلم أين قضى هذه الفترة من الزمن، وهل أسس هناك كنائس؟ أو هل اختفى من جواسيس المجلس الأعلى اليهودي؟ أو هل بشر أعضاء العهد القديم في هذه المناطق العربية؟

إنما نعلم أنه بعد ثلاث سنوات تقريباً، تقدم إلى أورشليم وحاول أن يتصل بالرسل. ولكن يا للأسف! لم يرد أحد رؤيته، لأنهم لم ينسوا الأموات الذين قتلهم. وربما فكر البعض أن اهتداءه أمام الشام حيلة، ليتسرب إلى قلب الكنيسة، ويقبض على الرسل،ويلاشي الحركة اليسوعية. فلا تتعجب أيها الأخ العزيز المهتدي إلى المسيح، إن كنت لا تختبر شيئاً مختلفاً عما اختبره شاول. فمن الممكن أن المسيحيين لا يقبلونك أو لا يثقون بك ويخافونك، وبنفس الوقت تضطهدك عائلتك وأصدقاؤك السابقون. اقبل هذه الضيقات في الفترة الانتقالية، كمرحلة امتحان إيمانك من ربك، حتى تتعلم الثقة التامة فيه. لأنه ملعون الإنسان، الذي يتكل على الناس، ويجعلهم ذراعه.

أما يسوع فإنه لم يترك عبده البتة، بل وضع على قلب برنابا المؤمن القبرصي، ليتصل بالمضطهد السابق، ويصغي إلى شهادته ويثق بعدوه، ويؤمن بحقيقة ظهور المسيح له أمام الشام، ويتيقن من تجديد ذهنه. فتجرأ أخيراً وتوسط بين الرسل وشاول كشبين له،وفتح له الباب المؤدي إلى الإخوة. فأصبح برنابا الجسر بين المتجدد والكنيسة. وهكذا سيوقف المسيح بجانبك إخوة أفراداً، يثقون بك سنوات طويلة، ويحتملونك بأمانة وإخلاص. ولكن انتبه، فليسوا هم الفداة لك، بل المسيح هو مخلصك وربك ومكملك. فعليه ثقتكوحده.

وشهد شاول أمام بطرس ويعقوب، أن الرب ظهر له، وأنه رأى مجده بعينيه. وسمع صوته المخترق أحشائه. وكيف بشر باسم يسوع بعدئذ، كمدعو مفوض من الرب بكل مجاهرة في الشام وبلدان العرب. وكيف اضطهده اليهود وهددوه بالقتل. فبهذه الشهادة والأبحاث الويلة نمت علاقة الثقة بين الرسل الأصليين ورسول الأمم الجديد. فغفروا له خطية القتل السابقة، وسامحوه بالضيق والدموع، التي سببها لأعضاء الكنيسة، لأنهم غفروا له كما الرب غفر لهم. والثقة التي تأسست في تلك الأيام بين رجال المسيح، بقيت ثابتة حت في الأوقات التي هزت فيها الأسئلة المبدئية عن البر والناموس والخلاص بالنعمة أسس الكنيسة. فكانت هذه الفترة القصيرة، وهي خمسة عشر يوماً التي التقى بها شاول مع الرسل، بالغة الأهمية بتطوير المسيحية، حتى لا تنشق إلى مسيحية يهودية وأممية، بل عاشوا واحداً في المسيح في روح واحد وقوة واحدة.

وبنفس الوقت تباحث بولس الضليع في الناموس مع اليهود اليونانيين المفكرين، الذين أوقعوا استفانوس قبلئذ في الفخ. ولما فند بولس المثقف كل انتقاداتهم، وبرهن لهم من التوراة، أن يسوع هو المسيح الموعود وابن الله في الجوهر، جنوا وقصدوا قتله واعتبروه مرتداً مستحقاً الإبادة بدون شفقة.

أما الرسل وأعضاء الكنيسة، فقد ألحوا على بولس أن يسافر، لكيلا يحدث مرة أخرى اضطهاداً صارماً على الكنيسة. ورافقوه إلى قيصرية على البحر. فأبحر إلى طرطوس بلده الواقعة في جنوب آسيا الصغرى، وعاش هناك مدة طويلة. وربما بشر من هنالك في محيه وفي سوريا، ولكن ليس عندنا علم أكيد بذلك (غلاطية 1: 21).

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك أنت أساس المبتدئين في الإيمان وحمايتهم ورجائهم. علمهم أن ينظروا إليك فقط رئيساً لإيمانهم ومكمله.

8 - عظائم المسيح على يد بطرس (9: 31 - 43)

9: 31 وَأَمَّا ٱلْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَٱلْجَلِيلِ وَٱلسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلامٌ، وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ ٱلرَّبِّ، وَبِتَعْزِيَةِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ. 32 وَحَدَثَ أَنَّ بُطْرُسَ وَهُوَ يَجْتَازُ بِٱلْجَمِيعِ نَزَلَ أَيْضاً إِلَى ٱلْقِدِّيسِينَ ٱلسَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ، 33 فَوَجَدَ هُنَاكَ إِنْسَاناً ٱسْمُهُ إِينِيَاسُ مُضْطَجِعاً عَلَى سَرِيرٍ مُنْذُ ثَمَانِي سِنِينَ، وكَانَ مَفْلُوجاً. 34 فَقَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «يَا إِينِيَاسُ، يَشْفِيكَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ. قُمْ وَٱفْرُشْ لِنَفْسِكَ». فَقَامَ لِلْوَقْتِ. 35 وَرَآهُ جَمِيعُ ٱلسَّاكِنِينَ فِي لُدَّةَ وَسَارُونَ ٱلَّذِينَ رَجَعُوا إِلَى ٰلرَّبِّ.

ونجد للعدد (31) أهمية كبرى، لأن لوقا كتب لنا بكلمات موجزة، أن كنيسة المسيح انتشرت رغم الاضطهاد، في كل المناطق المعروفة باسم فلسطين، التي تجول يسوع فيها. وحتى في المنطقة الجبلية الجليل، قامت كنائس، لا نعرف من أسسها.

ولما رجع شاول إلى المخلص يسوع فقد الاضطهاد ضد المسيحيين قوته الدافعة، لأن الفقهاء كانوا نظريين، واكتفوا بموت استفانوس، كإنذار مخيف للعامة. وبما أن بولس بقي ثلاث سنوات بعيداً عن أورشليم، وتوقف الاضطهاد مدة. وكانت البغضاء كالنار الخمدة المخبأة تحت الأرض، لكنها لم تنشب جهراً، ولم تضطهد المؤمنين علانية.

فاستراحت الكنائس فيما بين الشام والجليل وعلى شاطئ البحر، وبنيت داخلياً في المحبة والتعمق والصبر والتضحيات والشركة، بل خوف الرب بقي فيهم كرأس الحكمة. ففرح المسيحيين ومحبتهم لله الثالوث الأقدس مرتبطة بالوقار أمام القدوس وإذا سمينا اله أبانا بشكر وحمد، فلا ننسى الطلبة الأولى في الصلاة الربانية: ليتقدس اسمك.

وحيث تعيش الكنائس أمام الله في المحبة، وتمتلئ بالروح القدس، يجري التبشير تلقائياً. فلا تحتاج هذه النهضة إلى اجتماعات انتعاشية خاصة، لأن كل مؤمن هو نور في الظلمة. وكل ثابت في الرب ككوكب متلألئ في الليل الدامس، مرشداً الطريق إلى اللاص. وحيث يدمج الروح القدس شهادة السلوك بقوة الكلمة تمسح تعزيته القلوب المضطربة الخائفة من دينونة الله. وحيث يدلنا بشرى الإنجيل على المصلوب، فهناك تتكلل التوبة ببر الإيمان المختوم بحلول الروح القدس في المؤمن. فالروح القدس نفسه هو دافع اتبشير، ويتكلم للأفراد بواسطة المؤمنين المتجددين، حتى أن الكنائس لتزداد بفاعلية قوته: فكيف الحال في كنيستكم؟ وهل تحبون بعضكم بعضاً؟ هل ثبتم في المسيح محوركم؟ وهل تعلن شهادتكم المشتركة إلى كل الناس في قوة المعزي الإلهي؟

وفي الفترة التي استراحت فيها الكنيسة من الاضطهاد، ترك بطرس أورشليم مركز المسيحية، وزار كل الكنائس في الشمال والجنوب، في الشرق والغرب. ونزل أيضاً إلى شاطئ البحر، ووصل إلى المدن القريبة من يافا اليوم.

وفي لدة وجدت شركة للقديسين، لأن الرب اختارهم من العالم، وأخذهم خاصة له. فطهرهم بدم المسيح، وامتلأوا بالروح اللطيف. هكذا أصبحوا قديسين بالنعمة بالإيمان بالمسيح، الذي خلصهم وثبتهم وقدسهم، وحفظهم في محبته.

ورغم هذه الامتيازات كان بينهم مرض وتجارب وضيق. فأحد المؤمنين كان منذ ثماني سنوات مفلوجاً. وقد سمع بطرس عنه، وبحث عن بيته، وزاره كراع أمين لرعويته، وكلمه عن المسيح. وتعمقوا في هذا الاجتماع مع الإخوة في التوراة وصلوا معاً، واعترفوا ي دعائهم بخطاياهم. فأكد بطرس للمفلوج غفران ذنوبه. وقال له: ايها الأخ، يشفيك يسوع المسيح. وبهذه الجملة لخص بطرس الإنجيل كله، واعترف جهراً بأن الناصري يسوع هو المسيح الحق، الذي دُفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. وتجري منه قوى الخلص والشفاء بواسطة المؤمن وإلى المؤمنين، كما قال المسيح: كل من يؤمن بي كما قال الكتاب، تجري من بطنه أنهار مياه حية.

وإينياس المريض سمع وآمن، ووثق بالرسول وأطاع أمره. وقام ولف فراشه المبلول بالدموع، وجلس مع المجتمعين عنده للشركة في الصلاة، وعظموا ربهم. وكل المؤمنين في الساحل، الذين عرفوا هذا الأخ المؤمن في صبره. تهللوا وفرحوا. وأذاعوا الخبر، أن يس بطرس هو الذي أنشأ عجيبة، بل المسيح تدخل في شفاء الكنيسة لأن الرب الحي مجد اسمه بآيات وعجائب متعددة.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لنمو كنيستك. ونعظمك لأجل قوتك العاملة في خدامك. ونطلب لأجل إيماننا الضعيف. اغفر آثامنا، وطهرنا من كل خبث. واشف فتورنا، واجعلنا راكضين في سبيلك.

9: 36 وَكَانَ فِي يَافَا تِلْمِيذَةٌ ٱسْمُهَا طَابِيثَا، ٱلَّذِي تَرْجَمَتُهُ غَزَالَةُ. هٰذِهِ كَانَتْ مُمْتَلِئَةً أَعْمَالاً صَالِحَةً وَإِحْسَانَاتٍ كَانَتْ تَعْمَلُهَا. 37 وَحَدَثَ فِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ أَنَّهَ مَرِضَتْ وَمَاتَتْ، فَغَسَّلُوهَا وَوَضَعُوهَا فِي عِلِّيَّةٍ. 38 وَإِذْ كَانَتْ لُدَّةُ قَرِيبَةً مِنْ يَافَا، وَسَمِعَ ٱلتَّلامِيذُ أَنَّ بُطْرُسَ فِيهَا، أَرْسَلُوا رَجُلَيْنِ يَطْلُبَانِ إِلَيْهِ أَنْ لا يَتَوَانَى عَنْ أَن يَجْتَازَ إِلَيْهِمْ. 39 فَقَامَ بُطْرُسُ وَجَاءَ مَعَهُمَا. فَلَمَّا وَصَلَ صَعِدُوا بِهِ إِلَى ٱلْعِلِّيَّةِ، فَوَقَفَتْ لَدَيْهِ جَمِيعُ ٱلأَرَامِلِ يَبْكِينَ وَيُرِينَ أَقْمِصَةً وَثِيَاباً مِمَّا كَانَتْ تَعْمَلُ غَزَالَة وَهِيَ مَعَهُنَّ. 40 فَأَخْرَجَ بُطْرُسُ ٱلْجَمِيعَ خَارِجاً، وَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَلَّى، ثُمَّ ٱلْتَفَتَ إِلَى ٱلْجَسَدِ وَقَالَ: «يَا طَابِيثَا، قُومِي!» فَفَتَحَتْ عَيْنَيْهَا. وَلَمَّا أَبْصَرَتْ بُطْرُسَ جَلَسَت، 41 فَنَاوَلَهَا يَدَهُ وَأَقَامَهَا. ثُمَّ نَادَى ٱلْقِدِّيسِينَ وَٱلأَرَامِلَ وَأَحْضَرَهَا حَيَّةً. 42 فَصَارَ ذٰلِكَ مَعْلُوماً فِي يَافَا كُلِّهَا، فَآمَنَ كَثِيرُونَ بِٱلرَّبِّ. 43 وَمَكَثَ أَيَّاماً كَثِيرَة فِي يَافَا، عِنْدَ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ.

أمر يسوع رسله قبل سنين عديدة بالكرازة قائلا: أكرزوا قائلين فقد اقترب ملكوت السموات. اشفوا مرضى. طهروا برصاً. أقيموا موتى. أخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم مجاناً اعطوا (متى 10: 7-8). ومنح يسوع لرسله السلطان أن يمارسوا هذه الأعمال باسمه في انسجام كامل معه. ففي أعمال الرسل تحققت إرادة يسوع. والروح القدس أرشدهم لتمجيد الابن وتحقيق مملكة محبته.

وكانت تلميذة في يافا، قد ماتت. وهنا نقرأ للمرة الأولى والوحيدة، في كل الكتاب المقدس كلمة تلميذة تطلق على إحدى المؤمنات بالمسيح. واسم التلميذة طابيثا الذي معناه بالعربية غزالة. وكانت هذه الأخت تتمتع بالخلق الكريم والوداعة. فلا تسار بالنميمة بين الجيران، بل تسارع لمساعدة المرضى. ونظفت بيوت العجائز، وساعدت في تربية الأولاد عند الأمهات المتعبات. ورحمت الأرامل في الكنيسة، اللواتي عشن في ضيق كبير. فضحت غزالة بكثير من ممتلكاتها. وعملت يداها بالتطريز في فراغها، مصلية أثاء أشغالها اليدوية، ليطرز المسيح اسمه في قلوب أعضاء الكنيسة ويصبحوا معاً بساطاً جميلاً لتمجيد اسمه.

وفجأة ماتت القديسة. ولم تكن العادة عندهم وضع المتوفي في العلية. ولكنهم فضلوا ذلك، ليقدر الناس أن يأتوا إليها أفواجاً، ويبكوا ذاكرين محبتها وتضحيتها. ايها الأخ إن مت مرة هل سيبكون عليك، لأجل أعمالك الصالحة المضحية؟ أو هل سيلعنونك، أنك عشت أنانياً قاسياً غير مضح.

وشيوخ الكنيسة سمعوا، أن بطرس مقدام الرسل كان قريباً من مدينتهم. فطلبوا إليه أن يعزي الحزانى، ويساعد الحاضرين في مأساتهم، لأن الفقيدة انتظرت مثلهم مجيء المسيح الثاني، ورجت لقائه في أيام حياتها. فصارت الصدمة في الكنيسة كبيرة، لأن إحى فاضلات الكنيسة قد ماتت قبل مجيء المسيح.

وسمع بطرس الدعوة، وذهب رأساً حوالي 18 كيلو متر من لدة إلى يافا مصلياً، ليعزي الكنيسة. وتذكر بطرس، وتصور كيف دخل الرب يسوع إلى بيت يايروس، حيث كانت النساء يلطمن، ويحلشن شعورهن، ودخل إلى غرفة البنت الميتة، فأحياها. حيث طرد كل الباكي وأقامها بقوله: يا بنتي قومي.

وفي جو هذه التصورات، دخل بطرس إلى بيت غزالة. وقد حزن في قلبه، لما سمع صراخ النساء. واستاء من سلطة الموت بين المؤمنين الأحياء في المسيح. فطرد كل الباكين من الغرفة، وجثا منفرداً وصلى مؤمناً. فقاد الروح القدس دعاءه ليطلب من يسوع إقاة التلميذة. ولما أيقن بطرس، أن يسوع سيمجد في هذه الساعة اسمه، لم يبتدئ بحركات غريبة وتمتمة ساحرة، بل نطق نفس الكلمات التي قالها يسوع لبنت يايروس: يا طابيثا قومي.

وللعجب! فإنه لم يذكر اسم يسوع علناً، لكنه بالقوة الإلهية أقامها بنفس الكلمات التي استخدمها الرب سابقاً. ولا شك أن مقدام الرسل لم يقم الميتة باسمه الخاص، لأنه ليس إنسان فان يقدر أن يغلب الموت من تلقاء نفسه. المسيح وحده فاز على هذا لشبح المميت، لأنه قدوس وثبت بلا خطية دائماً. فإيمان بطرس في المسيح يسوع جرد الموت من قوته، وأعاد التلميذة إلى الحياة.

وسمعت المؤمنة صوت يسوع في كلمات الرسول، وفتحت عينيها مندهشة. وجلست وشمت الطيب، ورأت الأقمطة حول جسدها. وشاهدت الرجل الغريب في غرفتها، مصلياً وناظراً إليها. فبطرس أمسك بيدها وأجلسها كاملاً، وأوضح لها أن يسوع يريدها، أن تخدمه مدة طولة، لتصبح في كيانها شهادة حية لانتصار المسيح على الموت في كل مدن الساحل والمناطق حولها.

ولما دخلت الجموع صامتة فزعة إلى الغرفة وقعوا في حيرة وخجل وبعضهم صلوا، والآخرون جثوا وسبحوا المسيح غالب الموت. وانتشر الخبر في المدينة وما حولها. وكثير من الناس جاءوا أفواجاً للدخول في الإيمان، وكسبوا الحياة الأبدية بثقتهم بيسوع رهم. ولكن لم يثبتوا جميعاً في رئيس الحياة، بل أن عدداً وافراً منهم هو الذي انضم عملياً إلى الكنيسة. وصار عضواً في جسد الله. ولأجل هذه النهضة الإيمانية بقي بطرس مدة طويلة في يافا، يخدم الكنيسة المزدهرة.

وللعجب أن بطرس لم ينزل في أفخم بيوتات الطائفة بل سكن عند دباغ محتقر، وبيته ممتلئ برائحة الجلود ووساختها المنتنة. وكان يسكن خارج المدينة حسب القانون آنذاك، حتى لا يتأذى الناس برائحة مهنته. فأقام بطرس عند هذا الرجل المسكين المؤمن، امكتوب اسمه في السموات.

الصلاة: أيها الرب، نسجد لك لأجل أعجوبة إقامة الميتة في يافا. ونشكرك لأجل إيمان بطرس، الذي أطاع إرشاد صوتك. علمنا أن نطيع جذب روحك، لكل خدمة في اسمك. وطهرنا لنخدمك في قوتك.

9 - بداية التبشير بين الوثنيين بواسطة اهتداء كورنيليوس الروماني قائد المئة (10: 1 - 11: 18)

اَلأَصْحَاحُ ٱلْعَاشِرُ : 1 وَكَانَ فِي قَيْصَرِيَّةَ رَجُلٌ ٱسْمُهُ كَرْنِيلِيُوسُ، قَائِدُ مِئَةٍ مِنَ ٱلْكَتِيبَةِ ٱلَّتِي تُدْعَى ٱلإِيطَالِيَّةَ. 2 وَهُوَ تَقِيٌّ وَخَائِفُ ٱللّٰهِ مَعَ جَمِيعِ بَيْتهِ، يَصْنَعُ حَسَنَاتٍ كَثِيرَةً لِلشَّعْبِ، وَيُصَلِّي إِلَى ٱللّٰهِ فِي كُلِّ حِينٍ. 3 فَرَأَى ظَاهِراً فِي رُؤْيَا نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ مِنَ ٱلنَّهَارِ، مَلاكاً مِنَ ٱللّٰهِ دَاخِلاً إِلَيْهِ وَقَائِلاً لَهُ: «يا كَرْنِيلِيُوسُ». 4 فَلَمَّا شَخَصَ إِلَيْهِ وَدَخَلَهُ ٱلْخَوْفُ قَالَ: «مَاذَا يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ لَهُ: «صَلَوَاتُكَ وَصَدَقَاتُكَ صَعِدَتْ تَذْكَاراً أَمَامَ ٱللّٰهِ. 5 وَٱلآنَ أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالاً وَٱستَدْعِ سِمْعَانَ ٱلْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ. 6 إِنَّهُ نَازِلٌ عِنْدَ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ بَيْتُهُ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ. هُوَ يَقُولُ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». 7 فَلَمَّا ٱنْطَلَقَ ٱلْمَلاكُ ٱلَّذِي كَانَ يُكَّلمُ كَرْنِيلِيُوسَ، نَادَى ٱثْنَيْنِ مِنْ خُدَّامِهِ، وَعَسْكَرِيّاً تَقِيّاً مِنَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يُلازِمُونَهُ، 8 وَأَخْبَرَهُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ وَأَرْسَلَهُمْ إِلَى يَافَا.

منذ انسكاب الروح القدس في عيد العنصرة، حتى الفترة التي قام بها بطرس برحلته الرعوية للكنائس، كان أعضاء الكنائس يتألفون من يهود مواطنين ومتغربين وسامريين وأممين متهودين. وجميعهم قد آمنوا بالمسيح وتعمدوا. فكانت الكنائس آنذاك تحوي مسييين من أصل الديانة اليهودية فقط.

وبسط لوقا قصة اهتداء الأممي كرنيليوس بطريقة عريضة وبتفصيل، ليوضح أن الله نفسه أثبت بواسطة مقدام رسله نهائياً وقطعياً، أن الوثنيين الأتقياء هم مختارون للحياة الأبدية أيضاً. فليس بطرس هو الذي سعى لهذه الطريقة، وما أرادها، بل المسيح فسه هو الذي تدخل في سيرته، كما تدخل في حياة استفانوس وشاول سابقاً، ليقرر المفرق الفاصل في تبشير العالم.

من المعروف أنه عندما يظهر ملاك لمؤمن في العهد الجديد فهذا الظهور يعني، أن الله يبتدئ بتحقيق خطة تفوق كل العقل. ولكيلا يتزعزع إيمان الأمناء، أرسل الرب ملاكه، لتدرك حواس الإنسان الخمس، أن الله ينفذ الآن أعجوبة فريدة، ويفتح طريقة جدية لملكوته. فلإيمان كرنيليوس معنى أساسي لكل الشعوب. ولولا معمودية هذا الأممي الوثني لما أتانا الإنجيل، ولبقى محصوراً في اليهود.

والضابط كرنيليوس كان مسؤولاً عن مئة جندي في المركز الروماني (قيصرية)، الذي كان على شاطئ البحر المتوسط جنوبي جبل الكرمل. وقد تأثر هذا الضابط بالدين اليهودي، الإيمان بالله الواحد والوصايا العشر ونظام التقوى المختلفة كل الاختلاف عن الحياة الاجتماعية للأمبراطورية الرومانية، مع شهواتها ولهوها وخوفها وسطحيتها.

لقد التفت كرنيليوس بقلبه إلى الله. ورتب حياته حسب اعتناقه لمبدئه. فتقواه لم تكن إيماناً عقلياً، أو تحمساً عاطفياً، إنما أخضع أفكاره واقواله وأعماله لروح دينه. فلم يحب الاستعمارية على الشعب المسكين، ولكنه ساعد الأفراد المحتاجين شخصاً، وصلى كثيراً. وبالحري فقد كان قلبه دائماً، في مناجاة مع الله.

والروح الطيب لمثل هذا الرجل، لا يبقى مستتراً، إنما يظهر، ويجري في بيته وإلى زملائه وجنوده. فكلهم أخذوا من روحه المصلي الوديع، واستعدوا للإلتقاء بروح الله الجوهري. فالمؤمن الحق ليس انعزالياً، بل أن دفء محبته يذيب جبال الثلوج في قلو الآخرين، وابتهالاته لأجل الأقرباء والأصدقاء تنبههم للصلاة أمام الله. وقد قال الله العظيم القدوس لكرنيليوس الروماني، أن كل واحدة من صلواته مستجابة، وكل حسنة منه معدودة. فالعلي لا ينسى أعمالك منتظراً صوت قلبك وعطايا يدك ثماراً لإيمانك. عماً أن صلواتك وصومك ليست هي التي تبررك، بل محبة الله. فطاعاتك هي شكر لهذه المحبة العظمى.

وأخبر الملاك كرنيليوس أن يرسل رجالاً إلى يافا، وعين له بيت الدباغ سيمون، حيث يمكث شخص اسمه بطرس، وأن عليه أن يطلبه إليه. فعلم الضابط أن كل أمر يتطب الطاعة والتنفيذ فوراً. فأطاع أمر الله، بدون أن يفكر طويلاً أو يبدي قلقاً بظهور الماك. ولم يخف من الأمور النورية الغريبة، لأن محبة الله لمسته. فآمن بها وتوكل على الرب، الذي دعاه يومياً في صلواته، موقناً أنه لم يرشده ليستقدم إلى بيته جاسوساً أو رجلاً خطيراً، بل خادماً لله ومن رسله.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك دخلت في تاريخ كنيستك، مرة بعد المرة مرشداً. وهديت خطوات رسلك. ونشكرك أيضاً، لأنك تستجيب كل صلوات مستقيمة. ولا تنسى العطايا الشاكرة، حتى من أيدي الناس الذين لا يعرفونك. اجذب كثيراً من لأتقياء إلى ملء خلاصك.

10: 9 ثُمَّ فِي ٱلْغَدِ فِيمَا هُمْ يُسَافِرُونَ وَيَقْتَرِبُونَ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ، صَعِدَ بُطْرُسُ عَلَى ٱلسَّطْحِ لِيُصَلِّيَ نَحْوَ ٱلسَّاعَةِ ٱلسَّادِسَةِ. 10 فَجَاعَ كَثِيراً وَٱشْتَهَى أَنْ يَأْكُلَ. وَبَيْنمَا هُمْ يُهَيِّئُونَ لَهُ وَقَعَتْ عَلَيْهِ غَيْبَةٌ، 11 فَرَأَى ٱلسَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِنَاءً نَازِلاً عَلَيْهِ مِثْلَ مُلاءَةٍ عَظِيمَةٍ مَرْبُوطَةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ وَمُدَلاَّةٍ عَلَى ٱلأَرْضِ. 12 وَكَانَ فيهَا كُلُّ دَوَابِّ ٱلأَرْضِ وَٱلْوُحُوشِ وَٱلّزَحَّافَاتِ وَطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ. 13 وَصَارَ إِلَيْهِ صَوْتٌ: «قُمْ يَا بُطْرُسُ، ٱذْبَحْ وَكُلْ». 14 فَقَالَ بُطْرُسُ: «كَلاَّ يَا رَبُّ، لأَنِّي لَمْ آكُلْ قَطُّ شَيْئا دَنِساً أَوْ نَجِساً». 15 فَصَارَ إِلَيْهِ أَيْضاً : صَوْتٌ ثَانِيَةً: «مَا طَهَّرَهُ ٱللّٰهُ لا تُدَنِّسْهُ أَنْتَ!» 16 وَكَانَ هٰذَا عَلَى ثَلاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ٱرْتَفَعَ ٱلإِنَاءُ أَيْضاً إِلَى ٱلسَّمَاءِ.

كان بطرس مصلياً. وبدون الصلوات الروحية ليس إعلان موحى به. فالصلاة وقراءة الكتاب المقدس تشبه فتح زر الراديو وتعيين الموجة التي تلتقطها. فإن لم تتجه لروح الله القدوس بإرادتك وصواباً، فإنك لا تسمع صوت الله البتة. ولا تشعر بنعمه ولا تتبر هداه. ولكن من يدرس الكتاب المقدس مصلياً، فهذا يكون في صلة مع الله.

وصلى بطرس وكرنيليوس في أوقات معينة يومياً. فكانت أيامهم وأعمالهم منسوجة بالصلوات. فهل نظمت حياتك للصلاة؟ فإن صلواتك المستمرة وتعمقك في الكتاب المقدس لهي أهم من تناول الطعام لغذاء جسدك وتقويته، لأن نفسك تجوع إلى الله وبره، وتشتاق إى التنفس والغذاء والحياة. فلا تحتقر نفسك، بل انفتح لروح الله بالإنجيل يومياً بانتظام، فتنال نعمة فوق نعمة.

ورأى بطرس السماء مفتوحة. لقد فكر بطعام مادي لأنه أصبح جائعاً من الصلوات الكثيرة. وجسده كان متطلباً غذاء. وقد سارع أهل البيت لتهيئة طعامه، وفاحت رائحة طيبة نحو السطح، حيث كان بطرس مصلياً ومنتظراً. واستخدم الله الجوع القاسي، الذي عااه خادمه. فنقله إلى غيبوبة وأراه السماء مفتوحة في قيظ الظهيرة. فرأى بطرس فجأة ملاءة كبيرة نازلة من السماء، حتى لامست الأرض. وفكر أنه واجد فيها لآلئ، أو طعاماً شهياً أو فاكهة لذيذة. ولكنه ويا للأسف، نظر فوجد عقارب وحيات وحرادين وحرباءات سلاحف وسراطين بحرية وألوف من الحيوانات والحشرات الأخرى المحسوبة لدى اليهود نجسة. فاقشعر واشمأز من أشكالها وهيئاتها القبيحة. فهل فهمت معنى رؤية هذه الحيوانات النجسة؟ هي تشبه البشر. نحن بالحقيقة نجسون. وإذا نظر الله إلينا يشمئز من رجاساتن وفجورنا وأفكارنا المستكبرة. فهل شعرت مرة بشيء ولو قليل من نجاستك وقلبك الرديء؟

وفجأة سمع البصير صوتاً: قم يا بطرس، واذبح وكل! ولكن الله يطلب الغلبة على شعورنا المبدئي، لكي ننسجم بمسرته الإلهية. فعارض بطرس مشيئة الرب حتى في الغيبوبة، محتجاً أن القدوس بذاته قد منع في ناموسه اليهود أن يأكلوا شيئاً فاسداً أو دنسً رمزاً لامتناعهم عن كل خطية أو شبهها. فلم يرد بطرس أن يخطئ وينجس نفسه. فدفع بكل قوة قلبه هذا العرض، الذي ظنه تجربة لئلا ينجس نفسه. فكيف تعارض أنت كل تجربة للخطية، حتى في نومك أو غيبوبتك؟ طوبى لك إن كرهت من كل جوانحك الخطية. فيقويك الرو القدس ويرشدك، ويريك منفذاً من التجربة.

ولم يرد الله أن يأكل بطرس حيوانات سامة، بل طلب منه الإطاعة بلا قيد أو شرط لانسكار موقفه الناموسي. ولم يجبر العلي بطرس ألا يقشعر جسده للخطية، بل أن يتعلم محبة الخطاة. أن الخطية تبقى شريرة، ولكن القدوس يحب الخطاة. فلا ريب أن البشر أرار دنسون، مرفوضون من روح الله، كتلك الحيوانات التي رآها بطرس تدب وتعج في الملاءة. أدرك نفسه بدقة. هل أنت مشبه للملاك أو الحيوان؟ أفيك إرادة صالحة أكثر أو نوايا سيئة غالبة؟ إن قلب الإنسان شرير منذ حداثته.

ولكن الله لم يبد حاملي صورته، بل طهر كل الناس مبدئياً. فدم ابنه أوجد فداء يفوق عقولنا. جميع الناس أطهار في عيني الله، رغم خطاياهم. لأنه قد صالح العالم لنفسه في المصلوب. فلا تضيقن الخلاص. هل تعرف مجرماً ما، أو فاسداً أو زانياً، أو تعجرفاً، أو متخيلاً مسكيناً؟ فاعلم أن يسوع حمل خطاياه على الصليب، وكفر عنها، ومحا سيئاته نهائياً. إلا أن هذا الخاطئ لم يعرف بعد النعمة المعدة له بهذا الغفران والتكفير. لا تنس كيف ينظر الله إلى البشر سواسية. منذ سال دم المسيح على الجلجثةفوق الصليب، يعتبر القدوس كل إنسان طاهراً قديساً. وقد أرى الروح القدس بطرس هذه الرؤية ثلاث مرات، لأن العقل الطبيعي والشعور الإنساني، لا يقبل أن الفاسد يكون سليماً، والشرير يعتبر صالحاً، ويراه أمراً مستحيلاً. فالله صبور وأكد لبطرس المتجمدثلاث مرات، أن الصليب قد غلب عقل الإنسان العادي. وهذه الظهورات الثلاثة تدل على أن الله الآب والابن والروح القدس، يريد بكل إرادته الخلاصية، أن كل الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون. قد تم الخلاص. والله ينظر إلى كل البشر، أنهم متبررون بدم ابنه. ولولا هذا لكان ينبغي أن يبيدهم لأجل قداسته حالاً.

الصلاة: أيها الآب السماوي، اغفر شكوكي ومعارضة نفسي لخلاصك، واغلب عقلي ووسع قلبي. وأنر إيماني، لأدرك وسع ومجد خلاصك. وأشهد لكل الناس، أن ابنك الحبيب، غفر على الصليب ذنوب كل الناس. افتح فمي لقول الحكمة، وامنح اعترافي قوةالحق.

10: 17 وَإِذْ كَانَ بُطْرُسُ يَرْتَابُ فِي نَفْسِهِ: مَاذَا عَسَى أَنْ تَكُونَ ٱلرُّؤْيَا ٱلَّتِي رَآهَا؟ إِذَا ٱلرِّجَالُ ٱلَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ كَرْنِيلِيُوسُ، كَانُوا قَدْ سَأَلُوا عَنْ بَيْتِ سِمْعَانَ وَوَقَفُوا عَلَىٱلْبَابِ 18 وَنَادَوْا يَسْتَخْبِرُونَ: هَلْ سِمْعَانُ ٱلْمُلَقَّبُ بُطْرُسَ نَازِلٌ هُنَاكَ؟ 19 وَبَيْنَمَا بُطْرُسُ مُتَفَكِّرٌ فِي ٱلرُّؤْيَا، قَالَ لَهُ ٱلرُّوحُ: «هُوَذَا ثَلاثَةُ رِجَالٍ يَطْلُبُونَكَ. 20 لِٰنْ قُمْ وَٱنْزِلْ وَٱذْهَبْ مَعَهُمْ غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي شَيْءٍ، لأَنِّي أَنَا قَدْ أَرْسَلْتُهُمْ». 21 فَنَزَلَ بُطْرُسُ إِلَى ٱلرِّجَالِ ٱلَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ إِلَيْهِ كَرْنِيلِيُوسُ، وَقَالَ: «هَا أَنَا ٱلَّذِي تَطْلُبونَهُ. مَا هُوَ ٱلسَّبَبُ ٱلَّذِي حَضَرْتُمْ لأَجْلِهِ؟» 22 فَقَالُوا: «إِنَّ كَرْنِيلِيُوسَ قَائِدَ مِئَةٍ، رَجُلاً بَارّاً وَخَائِفَ ٱللّٰهِ وَمَشْهُوداً لَهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةِ ٱلْيَهُودِ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بِمَلاكٍ مُقَدّسٍ أَنْ يَسْتَدْعِيَكَ إِلَى بَيْتِهِ وَيَسْمَعَ مِنْكَ كَلاماً». 23 فَدَعَاهُمْ إِلَى دَاخِلٍ وَأَضَافَهُمْ. ثُمَّ فِي ٱلْغَدِ خَرَجَ بُطْرُسُ مَعَهُمْ، وَأُنَاسٌ مِنَ ٱلإِخْوَةِ ٱلَّذِينَ مِنْ يَافَا رَافَقُوهُ.

24 وَفِي ٱلْغَدِ دَخَلُوا قَيْصَرِيَّةَ. وَأَمَّا كَرْنِيلِيُوسُ فَكَانَ يَنْتَظِرُهُمْ، وَقَدْ دَعَا أَنْسِبَاءَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ ٱلأَقْرَبِينَ. 25 وَلَمَّا دَخَلَ بُطْرُسُ ٱسْتَقْبَلَهُ كَرْنِيلِيُوسُ وَسَجَدَ وَاقِعاً عَلَ قَدَمَيْهِ. 26 فَأَقَامَهُ بُطْرُسُ قَائِلاً: «قُمْ، أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ». 27 ثُمَّ دَخَلَ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ مَعَهُ وَوَجَدَ كَثِيرِينَ مُجْتَمِعِينَ. 28 فَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ هُوَ مُحَرَّم عَلَى رَجُلٍ يَهُودِيٍّ أَنْ يَلْتَصِقَ بِأَحَدٍ أَجْنَبِيٍّ أَوْ يَأْتِيَ إِلَيْهِ. وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَرَانِي ٱللّٰهُ أَنْ لا أَقُولَ عَنْ إِنْسَانٍ مَا إِنَّهُ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ. 29 فَلِذٰلِكَ جِئْتُ مِنْ دُونِ مُنَاقَضةٍ إِذِ ٱسْتَدْعَيْتُمُونِي. فَأَسْتَخْبِرُكُمْ: لأَيِّ سَبَبٍ ٱسْتَدْعَيْتُمُونِي؟». 30 فَقَالَ كَرْنِيلِيُوسُ: «مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ إِلَى هٰذِهِ ٱلسَّاعَةِ كُنْتُ صَائِماً. وَفِي ٱلسَّاعَةِ ٱلتَّاسِعَةِ كُنْتُ أُصَلِي فِي بَيْتِي، وَإِذَا رَجُلٌ قَدْ وَقَفَ أَمَامِي بِلِبَاسٍ لامِعٍ 31 وَقَالَ: يَا كَرْنِيلِيُوسُ، سُمِعَتْ صَلاتُكَ وَذُكِرَتْ صَدَقَاتُكَ أَمَامَ ٱللّٰهِ. 32 فَأَرْسِلْ إِلَى يَافَا وَٱسْتَدْعِ سِمْعَانَ ٱلْمُلَقَّب بُطْرُسَ. إِنَّهُ نَازِلٌ فِي بَيْتِ سِمْعَانَ رَجُلٍ دَبَّاغٍ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ. فَهُوَ مَتَى جَاءَ يُكَلِّمُكَ . 33 فَأَرْسَلْتُ إِلَيْكَ حَالاً. وَأَنْتَ فَعَلْتَ حَسَناً إِذْ جِئْتَ. وَٱلآنَ نَحْنُ جَمِيعاً حَاضِرُونَ أَمَاَم ٱللّٰهِ لِنَسْمَعَ جَمِيعَ مَا أَمَرَكَ بِهِ ٱللّٰهُ».

ما كان لله أن يكون فيلسوفاً ناسجاً أفكاراً فارغة بعيدة عن الحقيقة. فلما كلم الله بطرس في غيبوبته، كان خدام الضابط كرنيليوس في الطريق إليه، وبحثوا عن بيت الدباغ سمعان ووجدوه سريعاً مقادين بتلك الرائحة الفائحة منه. وسألوا عن ضيفه بطس، رجل الله.

وكان بطرس ما يزال شبه ضائع مما حدث له من الوحي، الذي لم يفهمه بوضوح. ولما فرك عينيه سمع جنوداً من الطريق ينادونه باسمه ففزع. فبينما هو في أمواج السماء، إذ حضر رجال البوليس الذين لعلهم جاءوا لأخذه إلى السجن. لكن الروح القدس دفع مقدم الرسل إلى الأمام قائلاً له افتح عينيك وأدرك أن رؤيا الله تتحقق الآن في الواقع المنظور. فاذهب مع هؤلاء النجسين، ولا تفكر أن في مخالفتك للناموس مضادة لله، فأنا أرسلك إلى الأمم. لا تعتبرهم نجسين لأني أحبهم وقد طهرتهم.

لم يهرب بطرس من البوليس، بل أطاع صوت الله، وتقدم إلى الجند الروماني مطمئناً، وأعلن ذاته، وسألهم عن الغاية والسبب الذي دفعهم للقدوم إليه. فقصوا عليه قصصهم أن كرنيليوس الضابط المؤمن المتواضع المحسن للأتقياء من العهد القديم، قد ظهر ل ملاك براق وأمره بأن يستقدم بطرس إلى بيته الخاص، ليسمع منه كلمات إلهية.

وعندما سمع بطرس منهم هذا القول، دعاهم للدخول والراحة لديه، رغم تحظير الناموس ذلك. وأضافهم ليلة كاملة، على حين جثا هو مصلياً إلى الله، وطالباً منه الإرشاد، لأنه لم يعرف ماذا يريد المسيح منه، ولا الأقوال التي عليه أن يتكلم بها إلى كنيليوس الوثني. إنما الذي فهمه أن الله، قد كسر المحظورات الناموسية بواسطة الرؤيا المتكررة ثلاثاً. وكما أن كرنيليوس أطاع مستسلماً لهدى الله، هكذا رضخ بطرس لإرشاد الروح القدس رغم شعور ضميره المربوط بتقاليد الناموس.

وفي صباح الغد ابتدأت رحلته بمحاذاة الشاطئ الفلسطيني من الجنوب إلى الشمال، حيث تقوم قيصرية. وطلب بطرس إلى بعض الإخوة مرافقته كشهود، لأنه شعر بابتداء شيء يفوق العقل والإدراك. فلم يرد الرسول اختبار هذه الحقائق الإلهية بنفسه فقط، بل طب شهوداً يوضحون بعدئذ مقاصد المسيح بصراحة.

وبعد مسيرة يوم كامل وصلت القافلة في صباح اليوم التالي إلى مقصدها في قيصرية. وحسب الضابط الوقت الذي يمكن أن يحضر فيه بطرس إليه، متيقناً أن الرسول لا بد أنه يطيع صوت المسيح مباشرة. فدعا كرنيليوس أقرباءه واصدقاءه الذين حضروا في لباس لعيد، وجلسوا مشتركين في الصلاة منتظرين الحدث العظيم بينهم.

ولما اقترب بطرس إلى بيت الضابط، لم ير كرنيليوس فيه ملاكاً براقاً، أو فيلسوفاً عبقرياً، ولا نبياً بهالة حول رأسه، بل صياداً بسيطاً. ورغم هذا تقدم الضابط إليه وسجد أمامه، عالماً أن الله يطلب التسليم كاملاً له. فسجود كرنيليوس لبطرس كن تعبيراً لإكرامه لله في سفيره القادم إليه.

إنما بطرس منع كل إكرام لذاته بتاتاً. وقال قف كأول كلمة وجهها للضابط. قم سريعاً. لست إلهاً، لكني إنسان مثلك. فهذا هو المبدأ لكل سفير للمسيح، وكل أسقف وبابا، إنه ليس أحد يستحق السجود، لأننا جميعاً خطاة متبررون. ولم ينس بطرس ماضيه، إه كان صياداً غليظاً ومنكراً حالفاً كذوباً. أما الرب فرحمه وفوضه، ليتكلم للشعب والمجمع الأعلى. وهكذا أرسله الآن أيضاً، ليفتح الباب لتبشير الأمم. فمنع كرنيليوس من تأليهه وإكرامه الزائد له. وتباحثا كلاهما ودخلا البيت، حيث كانت الجموع تترقب أعجوبة إلهية على يد الرسول. والحضور كانوا عدداً كبيراً، مزدحمين في الغرفة. وهم وثنيون ممن يحتقرهم اليهود.

وغلب بطرس في نفسه شعور الكراهية تجاه الحاضرين، وقال في البداية موضحاً، أنه يستحيل جلوسه معهم حسب وصية الناموس. ولكنه قد حصل على وصية جديدة من الله، ألا يعتبر إنساناً ما نجساً أو دنساً. وهكذا قبل أن يشترك ويجلس مع المجتمعين بدون معرضة. ورغم ذلك وحتى تلك اللحظة، ما كان بطرس عالماً ماذا ينبغي أن يقول ويعمل، لأن فكر تبشير الأمم كان مستحيلاً وغريباً للمسيحيين من الأصل اليهودي. فسأل الحاضرين، ماذا يريدون منه. فعجبوا هم أيضاً! لأن رجل الله شاورهم في الأمر. فتدخل إذ ذاككرنيليوس، وكرر رواية قصته الحاصلة مع الملاك، والتي حدثت قبل أربعة ايام وأضاف جملة عظيمة قائلاً: نحن الآن حضور أمام وجه الله، لنسمع بدقة الإعلان عما أعطاكه الله. وهذا هو نفس السؤال، الذي تواجهك به أنظار تلاميذك وجيرانك وأصدقائك. ما هي شهدتك؟ وما هي معرفتك عن الله؟ وهل لديك رسالة تبلغها؟ أو أنت صامت كسمك؟ أو مختبر شيئاً من الله، فقل ولا تصمت!

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، قلوبنا بطيئة الفهم. وعقولنا عنيدة، وإذهاننا جاهلة. افتح أعيننا، لنرى كل إنسان مشتاقاً إلى شهادة خلاصك. علمنا إطاعة إرشاد روحك القدوس مباشرة، لنجد الجياع إلى البر ونشبعهم بخلاصك.

10: 34 فَقَالَ بُطْرُسُ: «بِٱلْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ ٱللّٰهَ لا يَقْبَلُ ٱلْوُجُوهَ. 35 بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ ٱلَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ ٱلْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. 36 ٱلْكَلِمَةُ ٱلَّتِي أَرْسَلَهَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ يُبَشِّرُ بِٱلسَّلامِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. هٰذَا هُوَ رَبُّ ٱلْكُلِّ. 37 أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٱلأَمْرَ ٱلَّذِي صَارَ فِي كُلِّ ٱلْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ ٱلْجَلِيلِ، بَعْدَ ٱلْمَعْمُودِيّةِ ٱلَّتِي كَرَزَ بِهَا يُوحَنَّا. 38 يَسُوعُ ٱلَّذِي مِنَ ٱلنَّاصِرَةِ كَيْفَ مَسَحَهُ ٱللّٰهُ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَٱلْقُّوَةِ، ٱلَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ ٱلْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ، لأَّن ٱللّٰهَ كَانَ مَعَهُ. 39 وَنَحْنُ شُهُودٌ بِكُلِّ مَا فَعَلَ فِي كُورَةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَفِي أُورُشَلِيمَ. ٱلَّذِي أَيْضاً قَتَلُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. 40 هٰذَا أَقَامَهُ ٱللّٰهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱثَّالِثِ، وَأَعْطَى أَنْ يَصِيرَ ظَاهِراً، 41 لَيْسَ لِجَمِيعِ ٱلشَّعْبِ، بَلْ ِشُهُودٍ سَبَقَ ٱللّٰهُ فَٱنْتَخَبَهُمْ. لَنَا نَحْنُ ٱلَّذِينَ أَكَلْنَا وَشَرِبْنَا مَعَهُ بَعْدَ قِيَامَتِهِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ. 42 وَأَوْصَانَا أَنْ نَكْرِزَ لِلشَّعْبِ، وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْمُعَيَّنُ مِنَ ٱللّٰهِ دَيَّاناً لِلأَحْيَاءِ وَٱلأَمْوَاتِ. 43 لَهُ يَشْهَدُ جَمِيعُ ٱلأَنْبِيَاءِ أَنَّ كُلَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ يَنَالُ بِٱسْمِهِ غُفْرَان ٱلْخَطَايَا».

عندما ألح كرنيليوس على بطرس ليعلن معرفته عن الله، استنار مقدام الرسل وأدرك، أن كلمة الله ليست معطاة لليهود فقط، بل أن كل إنسان تقي مستقيم حنيف يستحق السماع عن الله، وماذا عمل في المسيح. فهذا الإدراك كان انفتاحاً لعقل بطرس وكل المؤنين المرافقين له، ولاحظوا أن المسيح الآن، قد بدأ بهدم الحائط الفاصل بينهم وبين الأمم. وعلموا مندهشين أن الله يقبل إناساً من كل الشعوب واللغات والألوان والدرجات الحضارية والمترفهة إذا طلبوا الله باستقامة قلب، ومرنوا أنفسهم في الأعمال الصلحة.

وعندئذ أعلن بطرس هدف الإيمان المسيحي بكل بساطة، ولخص كل معانيه في جملة واحدة واسم واحد. فقال: يسوع المسيح هو رب الكل. فمن يقبل هذا الوسيط بين الله والناس يحصل على سلام في ضميره. وهذه الرسالة عن المصالحة الإلهية استودعت أولا لأيدي بناء العهد القديم الذين ركضوا بين كل المدن والقرى اليهودية والسامرة والجليل. ووصل هذا الخبر إلى قيصرية بواسطة فيلبس الشماس، الذي بشر اليهود وقليلاً من الأمميين. لكن بمجيء بطرس إلى هذه البلدة فتح المسيح الإنجيل إلى كل الناس رسمياً، حتى تمت في الرسول الكلمة المعطاة لإبراهيم: تتبارك فيك جميع قبائل الأرض.

وبعدئذ قص الرسول على الحاضرين أهم الوقائع لحياة يسوع، كيف نزل من بلدة جبلية في الجليل إلى وادي الأردن العميق الحار، ليلتقي بيوحنا المعمدان، الذي اجتمع عنده كثير من المشتاقين إلى الله. وهناك فتح الله السماء ومسح يسوع بالروح القدس عانية، واعطاه القوة للخدمة، ليشفي كل الأمراض، ويطرد الشياطين، ويكرز بالإنجيل. ولم يقدم يسوع افكاراً خيالية فلسفية بدون تحقيق عملي، بل عمل ما قال وحقق إرادة الله المعلنة إنجيله. وبطرس والرسل الباقون كانوا شهوداً لحياة يسوع، ورأوا بأعينهم نه عاش في انسجام كامل مع الله، الذي عمل بواسطته. فسلطان المسيح لا ريب فيه.

وحصل المستحيل للعقل الإنساني، أن الناس قتلوا قدوس الله هذا، بطريقة الصلب، على خشبة العار المعدة للعبيد الفارين وللمجرمين الدنسين. أما الله فأثبت براءة محبة ابنه، وأعلن قداسته لما أقامه من بين الأموات. حتى أن يسوع تجول مشكوفاً وملمساً بين الأحياء. ولكنه لم يلتق بكل الناس في مدينة القدس، بل بالنخبة التي منها بطرس. وعاش معهم وأكل وشرب، ليتأكدوا عن حقيقة جسده الذي قام فيه.

والمسيح علمهم في الأيام الأربعين التي هي ما بين القيامة والصعود أسرار ملكوت أبيه السماوي. وقال لهم أن الله قد دفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. وهكذا يكون يسوع هو الديان لكل البشر، والرب على الأحياء والأموات. وحتى كرنيليوس وكل المجتمعين كانوا خاصته، ونحن أيضاً.

أما الخوف من هذا القادر فهو ممنوع، لأن كل الأنبياء الصالحين قد أنبأوا، أن كل من يؤمن باسم يسوع المسيح ينل غفران الخطايا ولا يدخل إلى دينونة. فالآتي من الله أوجد منفذاً أكيداً من يوم الدين، وفتح الباب إلى السماء على مصراعيه. فليس عينا الخوف لأجل خطايانا، ولا الارتجاف لغضب الله العادل، لأن ابن الله غسل بدمه ذنوبنا، وقدسنا نهائياً وقربنا إلى الله أبينا السماوي.

فمن يؤمن بهذه الحقائق يتبرر، ومن يقبل إنجيل الخلاص يتقدس. وبهذه الكلمات قدم مقدام الرسل لأول مرة ملء نعمة يسوع المسيح إلى الأمم الوثنية، وفتح لهم الحق في كفارة المسيح. فجذب بطرس المستمعين إلى الإيمان والانسجام بمشيئة الله الخلاصية

ولم يثبت بطرس بكلمات خصوصية وبصائر عميقة أسرار فداء المسيح لاهوتياً ومنطقياً، بل شهد بحقائق تاريخية شاهداً ليسوع. وذكر هذه الأحداث هو الذي أوجد الخلاص في مستمعيه، وليس التوبيخ على خطاياهم أو استدرار الدموع. فأرشدهم بطرس ألا ينظروا إليه، بل رسم يسوع أمام أنظارهم. لأن الإيمان بيسوع وحده يخلص. ومن يثق به، يتقدس.

وفي هذه المقابلة نجد تثبيتاً تاريخياً فريداً لصلب يسوع، لأن قائد المئة الروماني ما كان ليوافق البتة على شهادة بطرس عن صلب يسوع لولا أنها حدثت عملياً. ولكن هذه الحقيقة كانت معروفة وقد وضحها بطرس سبباً لخلاصنا.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح أنت رب كل الناس. وقد اشتريتهم لله بدمك الثمين وحصلت بعد قيامتك على كل السلطان، في السماء وعلى الأرض. فساعدنا أن نستسلم لك تماماً، وتوضح لكل الناس بلا خوف أنك أنت الرب الوحيد لمجد الله الآب

10: 44 فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ ٱلْكَلِمَةَ. 45 فَٱنْدَهَشَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ مِنْ أَهْلِ ٱلْخِتَانِ، كُلُّمَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ لأَنَّ مَوْهِبَةَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ عَلَى ٱلأُمَمِ أَيْضاً - 46 لأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ وَيُعَظِّمُونَ ٱللّٰهَ. حِينَئِذٍ قَالَ بُطْرُسُ: 47 «أَتُرَى يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَ ٱلْمَاءَ حَتَّى لا يَعْتَمِدَ هٰؤُلاءِ ٱلَّذِينَ قَبِلُوا ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ كَمَا نَحْنُ أَيْضاً؟» 48 وَأَمَرَ أَنْ يَعْتَمِدُوا بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ. حِينَئِذٍ سَأَلُوهُ أَنْ يمْكُثَ أَيَّاماً.

أثبت الله موعظة بطرس البسيطة عن حقائق حياة المسيح وخلاصه بانسكاب الروح القدس على كل الذين سمعوا هذه الكلمات. وهذه الحادثة تكسر كل كلمات معقدة متعالية رنانة، وتتجنب كل موهبة خطابية براقة. فالله يرفض كل متعال أمام الناس، ويكره الروحالمستكبر ويبارك العظة الموضوعية عن حياة ابنه وصلبه وقيامته بواسطة انسكاب الروح القدس. هل تريد استنارة أصدقائك وخلاصهم؟ فادرس عظة بطرس أمام الحضور في بيت كرنيليوس، فتدرك كيف أن الله يوافق على الشهادة البسيطة عن المسيح، ويلهم المتكلم بقوةالسماء.

لقد فتح الإيمان قلوب المستمعين. فقدر روح الله أن يدخل فيهم بلا مانع. وبرهن الرب الحي بواسطة هذا الانسكاب لليهود أن الختان ومعرفة الناموس وحفظ الوصايا ليست ضرورية لنيل هبة الله، بل الإيمان وحده يبرر. وليس لإنسان حق واستحقاق أمام اله. أما الذي يقبل المسيح ويضع نفسه تحت بر دمه، فهذا مرضي أمام العلي.

إن الروح القدس في العالم لا يزال يجري منذ عيد العنصرة كأنهر عريضة إلى الذين يؤمنون بيسوع. وبدون إيمان بالمسيح لا يأتي الروح القدس إلى القلب، لأن الروح يمجد الابن. ولكن حيث يفتح طالب الله نفسه لإنجيل المسيح ينيره الروح المبارك، وينشئ ثقته في ابن الانسان، فيدركه ابن الله، حتى تحل حياة المسيح في المؤمن. فالروح القدس يحقق الايمان بالمسيح بارتكازه في قلوبنا. فليس روح الله فكراً خيالياً أو شعوراً عابراً أو نتيجة من شعورنا الباطني، بل إنه الجوهر الإلهي الحال في المؤمن.

عندئذ ينبع من الذي كان أنانياً محبة الله. والذين لم يعرفوا الله من قبل يسمونه أباهم بغبطة. فتسابيح الحمد وشهادات الانتصار تصعد إلى وحدة الثالوث الأقدس، لأن روح الرب هو روح الشكر وقوة الحياة وفرح السلام. وليس في إلهنا ضيق، بل فرح وسرة ورأفة. هل تعرف الحياة في الروح القدس؟ آمن بالرب يسوع وفدائه من كل قلبك، فتمتلئ بحياة المسيح اليوم.

وفزع اليهود ولعل بطرس نفسه كان فزعاً أيضاً، لما رأوا كيف انسكب الروح القدس على المؤمنين بدون معمودية، ووبدون اعتراف بالخطايا أو حركة خاصة من المستمعين. فالإيمان وحده خلصهم، ليس الأعمال ولا الصلوات ولا الصوم. وليس من حاجة للختان، ولا ضرورة للطقوس من القيام والقعود والركوع والسجود، لأن الجالسين امتلأوا من محبة الله ونوره المبين.

فقرر بطرس عندئذ بجرأة أن الرمز الخارجي لقبول المؤمن في كنيسة المسيح أي المعمودية، لا يجوز أن يمنع عن الذين قبلهم الله بواسطة انسكاب روحه، وأدخلهم إلى عائلته. والروح القدس الذي حل في بطرس والمؤمنين من الأصل اليهودي، هو نفسه روح محب الله، الذي دخل في الوثنيين وحلول الروح القدس عليهم، فعمدوهم مطيعين لإرشاد الرب، وثبتوهم في اسم يسوع. وكان عدد هؤلاء المتجددين كبيراً، لأن كرنيليوس ملأ بيته بأقرباءه وأصدقائه. فتكونت كنيسة هناك دفعة واحدة في قيصرية، المركز الروماني الرئسي في فلسطين.

والمؤمنون الجدد ألحوا على بطرس وأصدقائه، أن يمكثوا معهم، ويشركوهم بالفرح والاختبارات والمعارف في ملء خلاص الله. فتكاثر الحمد في تلك الأيام، وتصاعدت التسابيح للآب والابن، لأنه فتح الباب للأمم على مصراعيه، ليس ببولس بل بمقدام الرسل طرس، وخطط مسير الكنيسة جهراً ونهائياً. ومنذ هذه الساعة يجري الإنجيل إليك أيضاً، وتستطيع قبول الروح القدس بواسطة إيمانك بالمسيح يسوع.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك أصبحت إنساناً لأجلنا. ومت وتحملت خطايانا على كاهلك. وصالحتنا مع الله، وقمت من الموت لتبريرنا. ونشكرك لروحك القدوس المعطى لنا. ونطلب إليك انسكابه على أصدقائنا وأعدائنا.

اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي عَشَرَ : 1 فَسَمِعَ ٱلرُّسُلُ وَٱلإِخْوَةُ ٱلَّذِينَ كَانُوا فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ أَنَّ ٱلأُمَمَ أَيْضاً قَبِلُوا كَلِمَةَ ٱللّٰهِ. 2 وَلَمَّا صَعِدَ بُطْرُسُ إِلَى أُورُشَلِيمَ خَصَمَهُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَهْلِ ٱلْخِتَانِ، 3 قَائِلِينَ: «إِنَّكَ دَخَلْتَ إِلَى رِجَالٍ ذَوِي غُلْفَةٍ وَأَكَلْتَ مَعَهُمْ». 4 فَٱبْتَدَأَ بُطْرُسُ يَشْرَحُ لَهُمْ بِٱلتَّتَابُعِ قَائِلاً: 5 «أَنَا كُنْتُ فِي مَدِينةِ يَافَا أُصَلِّي فَرَأَيْتُ فِي غَيْبَةٍ رُؤْيَا: إِنَاءً نَازِلاً مِثْلَ مُلاءَةٍ عَظِيمَةٍ مُدَلاَّةٍ بِأَرْبَعَةِ أَطْرَافٍ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَأَتَى إِلَيَّ. 6 فَتَفَرَّسْتُ فِيهِ مُتَأَمِّلاً، فَرَأَيْتُ دَوَابَّ ٱلأَرْضِوَٱلْوُحُوشَ وَٱلّزَحَّافَاتِ وَطُيُورَ ٱلسَّمَاءِ. 7 وَسَمِعْتُ صَوْتاً قَائِلاً لِي: قُمْ يَا بُطْرُسُ ٱذْبَحْ وَكُلْ. 8 فَقُلْتُ: كَلاَّ يَا رَبُّ، لأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فَمِي قَطُّ دَنِسٌ أَوْ نَجِسٌ. 9 فَأَجابَنِي صَوْتٌ ثَانِيَةً مِنَ ٱلسَّمَاءِ: مَا طَهَّرَهُ ٱللّٰهُ لا تُنَجِّسْهُ أَنْتَ. 10 وَكَانَ هٰذَا عَلَى ثَلاثِ مَرَّاتٍ، ثُمَّ ٱنْتُشِلَ ٱلْجَمِيعُ إِلَى ٱلسَّمَاءِ أَيْضاً. 11 وَإِذَا ثَلاثَةُ رِجَالٍ قَدْ وَقَُوا لِلْوَقْتِ عِنْدَ ٱلْبَيْتِ ٱلَّذِي كُنْتُ فِيهِ مُرْسَلِينَ إِلَيَّ مِنْ قَيْصَرِيَّةَ. 12 فَقَالَ لِي ٱلرُّوحُ أَنْ أَذْهَبَ مَعَهُمْ غَيْرَ مُرْتَابٍ فِي شَيْءٍ. وَذَهَبَ مَعِي أَيْضاً هٰؤُلاءِ ٱلإِخْوَةُ ٱلسِّتَّةُ.فَدَخَلْنَا بَيْتَ ٱلرَّجُلِ، 13 فَأَخْبَرَنَا كَيْفَ رَأَى ٱلْمَلاكَ فِي بَيْتِهِ قَائِماً وَقَائِلاً لَهُ: أَرْسِلْ إِلَى يَافَا رِجَالاً، وَٱسْتَدْعِ سِمْعَانَ ٱلْمُلَقَّبَ بُطْرُسَ، 14 وَهُوَ يُكَلِّمُكَ كَلاماً بِهِ تَخْلُصُ أَنْتَ وَكُلُّ بَيْتِكَ. 15 فَلَمَّا ٱبْتَدَأْتُ أَتَكَلَّمُ، حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْهِمْ كَمَا عَلَيْنَا أَيْضاً فِي ٱلْبَدَاءَةِ. 16 فَتَذَكَّرْتُ كَلامَ ٱلرَّبِّ كَيْفَ قَالَ: إِنَّ يُوحَنَّا عَمّدَ بِمَاءٍ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتُعَمَّدُونَ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ. 17 فَإِنْ كَانَ ٱللّٰهُ قَدْ أَعْطَاهُمُ ٱلْمَوْهِبَةَ كَمَا لَنَا أَيْضاً بِٱلسَّوِيَّةِ مُؤْمِنِينَ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، فَمَنْ أَنَا؟ أَقَادِر أَنْ أَمْنَعَ ٱللّٰهَ؟». 18 فَلَمَّا سَمِعُوا ذٰلِكَ سَكَتُوا، وَكَانُوا يُمَجِّدُونَ ٱللّٰهَ قَائِلِينَ: «إِذاً أَعْطَى ٱللّٰهُ ٱلأُمَمَ أَيْضاً ٱلتَّوْبَةَ لِلْحَيَاةِ!».

صنع روح الله ببطرس عجائب بارزة. أولاً شفاء الأعرج في لدة. ثانياً إقامة الميتة في يافا. فهل من مزيد على ذلك؟ نعم خلاص الأمم المحتقرة فقط بالنعمة. فهذا كان القمة في تطور جريان قوة الله. وفد فتح الله في نعمته بواسطة الأعجوبة في قيصري الباب للأمم، ليدخلوا ملكوت الله بدون ممارسة الختان وبدون الدروس الناموسية، وبدون علاقة بسلسلة الأسباط وبدون عبودية لطقوس الهيكل. فروح المسيح خلص أناساً بكل حرية وحقق فيهم خلاص الصليب جهراً. وهذه الحادثة التي وقعت في قيصرية كانت رسمياً داية تبشير العالم والانفصال الجهري بين تاريخ العهد القديم والجديد.

وهذا كان سبباً لتزعزع كثير من المسيحيين من الأصل اليهودي. فتجمدت عقولهم وفار دمهم. واغتاظوا مفكرين، أن بطرس أسرع وباع امتياز إسرائيل إلى أعضاء القوة الاستعمارية. فأين الختان رمز عهدنا مع الله؟ وأين الاقتصار على اختيار ذرية الأسباطالاثني عشر فقط؟ وأين المتطلبات العديدة من الناموس الشارع إلى الله؟ فإن سمع رئيس الكهنة والفريسيون أننا قد أدخلنا وثنيين بدون ناموس للعهد مع الله، يلعنوننا ويضطهدوننا مرة أخرى. فثار الإخوة وهيجوا الكنيسة الأصلية في أورشليم.

ولما رجع بطرس إلى القدس، نشب خلاف عنيف بين المؤمنين. وانشقوا فريقين. أحدهم الناموسيون المتمسكون بأحرف الشريعة، والفرقة الثانية بطرس والشهود الستة، الذين رافقوه من يافا إلى قيصرية. فالتقليديون لم يشتكوا على بطرس، لأنه بشر الأمميين،ولم يزعلوا منه إذ قبلهم برمز المعمودية في الكنيسة، بل اشتكوا عليه، لأنه لم يختن المتجددين، ولم يهودهم، وأكل مع الغير مختونين، وعاشرهم كأنهم عائشون بنفس العهد مع الله، كما المختونين المختارين.

ولم يكافح بطرس ضد إخوته المتعصبين. لأنه كان قبلاً غليظاً عنيداً مثلهم، حتى أنه عارض أمر الله في الغيبوبة بقوله، لا ألمس شيئاً دنساً. ولكن الأمر المكرر ثلاثاً: ما طهره الله لا تدنسه أنت، كسر فهم الناموس عند بطرس، وسحق معارضته المستكبرة. وأخيراً رأى بطرس كيف أن كل هذه الحيوانات الوسخة رفعت إلى السماء، ولم تلفظ إلى الأرض والبحر. وذلك رمزاً لاعتبار الله أن النجسين هم طاهرون لأجل المسيح، وأدخلهم أفواجاً إلى السماء. وقد اختبر بطرس معاني هذه الرؤية بواسطة اختباراته مع كنيليوس وفهمها واضحاً وشهد لإخوته، أن الله اختار كل الناس وخلصهم وقدسهم، وليس أعضاء العهد القديم فقط. والقدوس طهر كل إنسان بدم المسيح. فالنعمة أعظم من عقولنا، وأوسع من ناموسنا وأرحم من قلوبنا.

وأعطى بطرس من نفسه حساباً لكل من طلب منه توضيحاً، رمزاً أنه لم يكن السلطان المطلق في الكنيسة يعمل ما يشاء، بل جاوب الغيورين بتواضع، وأراهم كيف أن الروح القدس أكد عليه الذهاب إلى كرنيليوس، وأن ملاك الرب، أمر قائد المئة أن يستدعي بطرس رسول الخلاص إلى بيته.

ولم يتصرف بطرس بشيء مما لم يؤمر به، بل تكلم وبشر المستمعين فقط. وعند ذلك حدث الأمر العجيب، أن الروح القدس انسكب على الوثنيين المستمعين، كما انسكب من قبل على اليهود المنتظرين المصلين. وأبرز بطرس في مدافعته، أن موهبة الله أعطت للإيمان بالمسيح، كما حدث في قيصرية، ومثلما حصل للرسل أنفسهم قبل ذلك. فلا قيمة لأعمال الناموس ولا الختان، لأن قبول الروح القدس هو نعمة فقط وليس غيره.

وأثبت بطرس خدمته بطريقة أقوى مما قاله، أنه لا يقدر أن يمنع الله إذا أعطى روحه للمؤمنين بالمسيح. فلو شاء بطرس تحوير مقاصد الله، فيستحيل ذلك. فكان إثبات بطرس نوعاً من التنكيت والاستهزاء بالناموسيين المتعصبين. ولكن مقدام الرسل حاول تخليصهم أيضاً. ونجح بعظته لهم، إذ المشتكون سكتوا أمام محبة الله العظيمة مدة.

وعندئذ ابتدأت تسابيح الحمد بين أكثرية الرسل. والشكر عم بين الشيوخ لأجل هذا التطور الجديد، حيث أصبح الناس يخلصون بدون شروط الناموس اليهودي، بل بالإيمان بالمخلص وحده، ويحصلون على الروح القدس بواسطة الاستماع للإنجيل وحده. فتعظيم الله كان كبيراً لأن الرب نفسه فتح الباب لتبشير العالم بواسطة بطرس مقدام الرسل.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لتدخلك في سيرة تاريخ الكنيسة، بواسطة إعلاناتك المجيدة لاستفانوس وبولس وبطرس. ونعمتك هي التي مهدت التبشير للأمم ونفذته. فإنك ستكمل عملك المجيد، وتدعو شعباً لا يُحصى من كل الأمم وتقدس، وتحفظه إلى يوم مجيئك. تعال أيها الرب يسوع، وعلمنا أن نبشر إلى ذلك الحين، في إرشاد وقوة روحك القدوس بالحكمة والاجتهاد، تمجيداً لاسمك القدوس. آمين.

10 - تأسيس كنيسة انطاكية للمهتدين من الأصل الوثني (11: 19 - 30)

11: 19 أَمَّا ٱلَّذِينَ تَشَتَّتُوا مِنْ جَرَّاءِ ٱلضِّيقِ ٱلَّذِي حَصَلَ بِسَبَبِ إِسْتِفَانُوسَ فَٱجْتَازُوا إِلَى فِينِيقِيَةَ وَقُبْرُسَ وَأَنْطَاكِيَةَ، وَهُمْ لا يُكَلِّمُونَ أَحَداً بِٱلْكَلِمَةِ إِلاَّ ٱلْيَهُود فَقَطْ. 20 وَلٰكِنْ كَانَ مِنْهُمْ قَوْمٌ، وَهُمْ رِجَالٌ قُبْرُسِيُّونَ وَقَيْرَوَانِيُّونَ، ٱلَّذِينَ لَمَّا دَخَلُوا أَنْطَاكِيَةَ كَانُوا يُخَاطِبُونَ ٱلْيُونَانِيِّينَ مُبَشِّرِينَ بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ. 21 وَكَانَتْ يدُ ٱلرَّبِّ مَعَهُمْ، فَآمَنَ عَدَدٌ كَثِيرٌ وَرَجَعُوا إِلَى ٱلرَّبِّ. 22 فَسُمِعَ ٱلْخَبَرُ عَنْهُمْ فِي آذَانِ ٱلْكَنِيسَةِ ٱلَّتِي فِي أُورُشَلِيمَ، فَأَرْسَلُوا بَرْنَابَا لِكَيْ يَجْتَازَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ . 23 ٱلَّذِي لَمَّا أَتَى وَرَأَى نِعْمَةَ ٱللّٰهِ فَرِحَ، وَوَعَظَ ٱلْجَمِيعَ أَنْ يَثْبُتُوا فِي ٱلرَّبِّ بِعَزْمِ ٱلْقَلْبِ 24 لأَنَّهُ كَانَ رَجُلاً صَالِحاً وَمُمْتَلِئاً مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَٱلإِيمَانِ. فَٱنْضمَّ إِلَى ٱلرَّبِّ جَمْعٌ غَفِيرٌ..

كيف تطور تاريخ الكنيسة ومسير التبشير بعد إعلان الله العظيم لبطرس؟ هل أصلح المؤمنون الكثيرون في قيصرية كنيسة حية، ومركزاً نشيطاً لتبشير العالم مشعاً قوة الإنجيل إلى الشعوب؟ إننا لم نسمع عنهم فيما بعد.

ولكن بعيداً من فلسطين في شمالي سوريا وفي العاصمة انطاكية أكبر مدن الشرق بحياتها السخيفة السطحية، نزل بعض اللاجئين المؤمنين بالمسيح، لأنه منذ الاضطهاد بسبب استفانوس تفرق الهاربون إلى مدن لبنان وقبرص وآسيا الصغرى، وشهدوا في كل مدينة وقرية بيسوع ينبوع الحياة الأبدية. ولكنهم قصروا شهادتهم على أبناء جنسهم من الهيود المتغربين.

وفي انطاكية حدث العكس. فهناك تكلم بعض هؤلاء النازحين إلى اليونانيين وسائر الأمميين مباشرة، وبشروا بدون أن يتدربوا لاهوتياً خصيصاً لهذا الغرض أو يحملوا شهادات فارهة. وبدون مساعدات مالية من مركز تبشيري يمدهم ويوجههم. فتكلموا إلى زملئهم اليونانيين في التجارة والمهن المختلفة عن يسوع الرب المقام من بين الأموات. فحدث مثلما حدث في قيصرية أن الروح القدس حل في المؤمنين دون أن يصيروا يهوداً.

وهذا التجديد العظيم لم يسبب في الكنيس اليهودي ثورة لأن اليهود في هذه العاصمة كانوا منفتحين من قبل للتبشير بالتوراة، حتى أن نيقولا الأممي الوثني أصبح يهودياً. ومن ثم آمن بالمسيح، وامتلأ بالروح القدس، فاختارته الكنيسة في أورشليم بعدذ شماساً من ضمن الشمامسة السبعة. فمن هذا بان واضحاً الحرية في انطاكية، انها أكبر مما كانت في أورشليم. فمشى التبشير تلقائياً.

فماذا كان مضمون وفحوى شهادة هؤلاء اللاجئين المبشرين؟ لم يقدروا أن يبشروا بالمسيح من آيات التوراة، لجهل الناس هناك بالعهد القديم والناموس والنبوات. فسموا يسوع رأساً بالرب، الذي دفع إليه كل السلطات في السماء وعلى الأرض وكل الأشياء صرت به ودامت به (1 كورنثوس 8: 6). وهذا الرب يطلب تكريس حياتنا له وإطاعتنا وخضوعنا. ونستطيع أن نحقق تسليمنا إليه. بدون هموم أو خوف، لأنه مات لأجلنا، وكفر عن ذنوبنا، لنصبح مقبولين أمام العلي. فربنا ليس دكتاتوراً بل محبة محاطة بسلطان. وهو يبرنا لنشترك بحياته الأبدية الفائقة على الموت والفساد.

وهذه الرسالة عن السلطة الرحيمة غلبت القلوب وأنارت العقول، حتى وجد كثيرون العلاقة الشخصية مع الرب يسوع وخلصوا. وأحد أسرار هذه النهضة التبشيرية في انطاكية، كان الاتصال العملي من فرد إلى فرد. فلم يقم المؤمنون المبشرون اجتماعات انتعاشة ضخمة، ولم يستخدموا الراديو أو النشرات بتاتاً، بل نقلوا قوة الخلاص من فم إلى أذن بواسطة اتصالات شخصية. . ولا يزال حتى اليوم هذا الأسلوب هو أقوى طريقة للتبشير. فهل تتكلم مع أصدقائك عن المخلص؟ هل تنقل الروح القدس بواسطة شهادتك عن المسيح؟املأ قلبك بكلمة يسوع، فينطق لسانك باسمه، وترى أن يد الرب عاملة معك مباشرة.

ولما سمع الرسل والشيوخ في الكنيسة الأصلية في أورشليم أنه في أنطاكية البعيدة الشريرة قد آمن كثيرون بالمسيح، لم يتزعزعوا لهذا الخبر، كما استاءوا لما سمعوا عن تجديد كرنيليوس وصحبه في قيصرية، لأن رؤساء الكنيسة وأعضاءها قد أدركوا بعد مباحثتهم الرسمية مع بطرس، أن الله يملأ كل الناس بالروح القدس، إن آمنوا بالمسيح وثبتوا فيه. ولكن لأجل الامتحان وللتفتيش عما إذا كانت الكنيسة الجديدة صحيحة أو هي بدعة مضلة، عينوا رجلاً ممن كانت له معرفة وخبرة بهذه المناطق الرومانية اليوناني، ألا وهو برنابا البار، ليرشد الكنيسة الجديدة باختبارات محبته، ويعلمهم عن حقيقة أمرها.

وإننا نعلم برنابا من تضحيته الكبيرة، المذكورة في الأصحاح 4: 36. وكيف كان بمحبته الأبوية همزة الوصل بين الرسل وشاول. ويشهد لوقا في هذه القراءة، ولعلة قد قابله شخصياً، أن هذا المفوض كان رجلاً صالحاً لإقامة الصلاة بين الناس. وكرز بالإجيل في ملء الروح القدس. ولم يرفض المستمعين إذا لم يفهموا عظته من أول مرة، بل كان يرافقهم بصبر كبير. ووثق بالله أنه هو الذي يكمل المبتدئين بالإيمان، ويقودهم إلى النضوج في المحبة.

هكذا فرح برنابا فرحاً كبيراً، لما رأى الحياة الجديدة في كنيسة انطاكية. ولم ينتقد بادئ ذي بدء الضعفات، ولم يتدخل في المشاكل والخلافات بين الإخوة، بل فرح مع المتجددين، واجتهد لتقوية إيمان الكل، ليثبتوا في ملء المسيح. وفي هذه النهضة لروحية نمت الكنيسة في انطاكية، لأن الناس الشبعانين والخائفين من الموت شعروا أن في هذه الكنيسة قد أشرق رجاء جديد. وظهرت فيها عفة حقة في القوة الإلهية غير موجودة في الأديان المختلفة حولهم.

الصلاة: أيها الرب نشكرك لأنك دعوت أناساً مجهولين كثيرين في كل زمان إلى ملكوتك. ونشكرك لإمكانية الشهادة فرداً لفرد حتى في هذا الزمن. ونطلب منك الحكمة لنبلغ رسالة الخلاص بطريقة بسيطة وبقوة الفرح، ليتخلص كثيرون في اسمك. لأتي ملكوتك اليوم بيننا.

11: 25 ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. 26 فَحَدَثَ أَنَّهُمَا ٱجْتَمَعَا فِي ٱلْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعاً غَفِيراً. وَدُعيَ ٱلتَّلامِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَّوَلاً. 27 وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ ٱنْحَدَرَ أَنْبِيَاءُ مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. 28 وَقَامَ وَاحِدٌ مِنْهُمُ ٱسْمُهُ أَغَابُوسُ، وَأَشَارَ بِٱلُّوحِ أَنَّ جُوعاً عَظِيماً كَانَ عَتِيداً أَنْ يَصِيرَ عَلَى جَمِيعِ ٱلْمَسْكُونَةِ - ٱلَّذِي صَارَ أَيْضاً فِي أَيَّامِ كُلُودِيُوسَ قَيْصَرَ. 29 فَحَتَمَ ٱلتَّلامِيذُ حَسْبَمَا تَيَسَّرَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يُرْسِلَ كُلُّ وَاحِدٍ شَيْئاً، خِدْمَةً إِلَى ٱلإِخْوَةِ ٱلسَّاكِنِينَ فِي ٱلْيَهُودِيَّةِ. 30 فَفَعَلُوا ذٰلِكَ مُرْسِلِينَ إِلَى ٱلْمَشَايِخِ بِيَدِ بَرْنَابَا وَشَاوُلَ.

ولما نزل برنابا من أورشليم إلى انطاكية فكر في البداية بأخيه النشيط شاول الذي في طرطوس. وهذه المدينة تبعد عن انطاكية حوالي 200 كلم، على شاطئ آسيا الصغرى الجنوبي. واغتنم برنابا الرجل الأبوي أول فرصة سنحت له، ليبحث عن صديقه الغيور. لنه أدرك أن الكنيسة النامية في انطاكية بسرعة تحتاج إلى متضلع باللاهوت، لكي تبني الحياة الجديدة والمعرفة الروحية بالتمام على نبوات التوراة والزبور. وكان برنابا يعرف شاول من الوقت الذي كان يضطهد فيه كنيسة أورشليم، وآمن أن ذهنه قد تغير، لظهر رب المجد له على أبواب دمشق.

ففتش برنابا القبرصي على الشاب شاول حتى وجده. وفرح برؤيته وأنه غير مرتد، وما زال ثابتاً في المسيح. فطلب من الشاب اللاهوتي أن يرافقه وعادا معاً إلى انطاكية حيث تعاونا سنة كاملة، وبشرا وعلما وبرهنا وعمقا المستمعين وعزياهم مصلين مؤمني منتصرين.

وقد استخدم الروح القدس برنابا للمرة الثانية ليكون همزة الوصل بين شاول وكنيسة المسيح. وإننا نشهد شاكرين، أن لهذه الخدمة التي قام بها برنابا بإتيانه بشاول وإثباته في الكنيسة نتيجة عظمى في تاريخ الكنيسة، لأنه ثبت رسول الأمم في تيار قة الكنيسة الانطاكية، التي فجر منها الله بحراً من النعمة لكل العالم.

إن علماء التوراة الكبار والأنبياء من العهد القديم كانوا غالباً منعزلين منفردين، ومرتفعين عالياً عن الجماهير كقمم الجبال المرتفعة، متوسطين بين الله والشعب. أما في انطاكية فقد تعلم شاول من برنابا عكس الانعزال، أي الخدمة المشتركة في الكنيسة، والخضوع المتبادل في المحبة، والتعاون في الصبر والتواضع. حتى صار برنابا المعلم الأبوي لشاول في كل أمور الشركة المقدسة حيث يكون التأني والثقة الأساس للنمو المستمر (1 كورنثوس 13: 1-8). وبواسطة هذا العمل المشترك في تعاون المحبة، ازددت الكنيسة كثيراً بالعدد والنوعية الروحية.

فلا نعجب إن كان المؤمنون بيسوع في انطاكية هم أول من لقبوا بالمسيحيين. لأن هذا المسيح ملأ أفكارهم وأقوالهم، ومحبته أصبحت شعارهم. وتحقق في اتباع المقام هؤلاء ما وعد الرب به، أن الروح القدس سيمسحهم. هل تعرف أن كلمة «المسيح» لا تعني إا الممسوح والماسح معاً. ففي العهد القديم حصل الملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء على مسحة الروح القدس من الله برمز الزيت المقدس. فنؤمن أن المسيح هو ملك الملوك ورئيس الكهنة وكلمة الله المتجسدة. وهو يدعوك وكل أتباعه لتمتلئ بالروح القدس. وهكذا صبح معاً جنساً مختاراً وكهنوتاً ملوكياً أمة مقدسة شعب اقتناء، لكي نخبر بفضائل الذي دعانا من الظلمة إلى نوره العجيب. فغنى الله أبينا كله مختبأ في الكلمة (المسيحيون)، لأن الممسوحين هم أولاده وبنفس الوقت أعضاء في جسد المسيح الروحي، مرصوصين معاً هيكلاً للروح القدس. فمن يتعمق في معاني كلمة المسيحيين يمتلئ بروح الفرح، ويسبح الله الثالوث القدوس، لأنه دعانا شهوداً لمخلصنا الحي، الذي أشركنا بصليبه في فضائل الله العظيمة. هل تشكر ربك لأنه جعلك مسيحياً بفرط نعمته وحدها.

لكن المسيحيين لا يعيشون في السماء، بل على الأرض. وربهم قال لهم: ليكن لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم. هكذا حذر الروح القدس المسيحيين بواسطة نبي من العهد الجديد، وهو أغابوس، انه سيأتي جوع عظيم عل كل الناس، لأن غضب الله معلن على كل فجور الناس. وحقاً حصل هذا الجوع في زمن القيصر كلوديوس 31 - 54م. فالمسيحيون يتألمون مع العالم بنفس ضيقاته، ولكنهم لا يقفون متروكين في أمواج الكوارث، لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبهم بواسطة الروح القدس المعطى لهم.

وحدثت أعجوبة في انطاكية على أثر هذه النبوة. فلم يمطر الله على المسيحيين خبزاً من السماء ليخلصهم من الجوع المقبل عليهم، بل الروح القدس أعلن للمصلين ليمتنعوا عن جمع المؤونة ولا يفكروا بأنفسهم أولاً، بل يهتموا بالكنيسة الفقيرة في أورليم عملياً. فلم تؤسس كنيسة انطاكية صندوقاً مشتركاً لتخفيف عبء الضيق المقبل على أعضائها، بل اتفقت على جمع مال لإرساله إلى الفقراء في أورشليم. أليس هذا غباء غير منطقي؟ الروح القدس يعلن جوعاً عالمياً، فيرسل المؤمنون أموالهم للمحتاجين. إن محبة الروح القدس أقوى من كل أنانية. وإن أردت المعرفة عما إذا كنت مسيحياً حقاً أو لا؟ فنسألك كم تضحي باستمرار من مالك للمحتاجين عملياً؟

ووضعت الكنيسة المال المجموع في يد الوعاظ، لأنهم يعرفون، أن رجال الله هؤلاء لا يستخدمون قرشاً لأنفسهم، بل يفضلون تسليم قلوبهم ويضحون بما عندهم لله، خصوصاً بولس، الذي كان معروفاً أنه يعيش من عمل يديه، ولا يقبل عطايا لنفسه البتة. فأصح جواب برنابا المفوض من كنيسة أورشليم للبحث عن حالة كنيسة أنطاكية، لما عاد إلى أورشليم، ان قدم للكنيسة هناك مبلغاً ضخماً برهاناً لمحبة الروح القدس العامل في الكنيسة الأنطاكية الجديدة.

ونقرأ أيضاً أن برنابا وشاول لم يسلما هذه العطية للرسل، بل للشيوخ المسؤولين في الكنائس ضمن المنطقة اليهودية. ولا نعلم متى تعين الشيوخ لهذه الكنائس، ولا كيفية تنظيم خدمتهم خارج أورشليم. ولكن تعيين الشمامسة السبعة عرفنا، أن الرسل تخلا عن التدبير المالي، وتحرروا للصلاة وخدمة الكلمة. فنمت الكنائس، وانتشر الإنجيل، وبان سلطان الروح القدس.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت باني كنيستك بهدوء بروحك القدوس. وتمسح أتباعك بمحبتك. فساعدنا لنصبح مسيحيين حقيقيين، ممتلئين بروحك القدوس. ونضحي حيث يكون الضيق. ونخدم في معيشة المحتاجين. ساعدنا لكيلا ننكر اسمك في الجع العظيم، المقبل على كل العالم. بل نثبت مضحين في كل حين.

11 - اضطهاد الملك أغريبا للكنائس في أورشليم (12: 1 - 6)

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي عَشَرَ : 1 وَفِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ مَدَّ هِيرُودُسُ ٱلْمَلِكُ يَدَيْهِ لِيُسِيئَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ ٱلْكَنِيسَةِ، 2 فَقَتَلَ يَعْقُوبَ أَخَا يُوحَنَّا بِٱلسَّيْفِ. 3 وَإِذْ رَأَىأَنَّ ذٰلِكَ يُرْضِي ٱلْيَهُودَ، عَادَ فَقَبَضَ عَلَى بُطْرُسَ أَيْضاً. وَكَانَتْ أَيَّامُ ٱلْفَطِيرِ. 4 وَلَمَّا أَمْسَكَهُ وَضَعَهُ فِي ٱلسِّجْنِ، مُسَلِّماً إِيَّاهُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَرَابِعَ مِنَ ٱلْعَسْكَرِ لِيَحْرُسُوهُ نَاوِياً أَنْ يُقَدِّمَهُ بَعْدَ ٱلْفِصْحِ إِلَى ٱلشَّعْبِ. 5 فَكَانَ بُطْرُسُ مَحْرُوساً فِي ٱلسِّجْنِ، وَأَمَّا ٱلْكَنِيسَةُ فَكَانَتْ تَصِيرُ مِنْهَا صَلاةٌ بِلَجَاجَةٍ إِلَى ٱللّٰهِ مِنْ أَجْلِهِ. 6 وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ مُزْمِعاً أَنْ يُقَدِّمَهُ، كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ ٱللَّيْلَةِ نَائِماً بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطاً بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَكَانَ قُدَّامَ ٱلْبَابِ حُرَّاسٌ يَحْرُسُونَ ٱلسِّجْنَ.

تغيرت الحالة في أورشليم وفلسطين سنة 41 للميلاد تغييراً كبيراً. فلما تقدم كلوديوس ليصير قيصراً في روما، توسط أغريبا حفيد هيرودس الكبير بينه وبين المجلس الروماني الأعلى ليرضوا بقائد الجيش كلوديوس هذا ليتسنم سدة السلطة. وجزاء لهذه الدمة منح القيصر لصديقه أغريبا الحكم على كل فلسطين. وبهذه المناسبة انتهت سلطة الوالي الروماني على اليهود وابتدأ تسلط دكتاتور شرقي. فحلت محل النظام والحق الروماني الفوضى والاغتصاب واستبداد أغريبا الطاغية.

وهذا الملك الجديد حاول أولاً أن يربح ثقة المجلس اليهودي الأعلى بنوابه السبعين. فقبل مشورة بعضهم، وقبض على بعض الشيوخ والرسل المسيحيين، وأودعهم السجن، ليكسب بريائه بالتقوى عامة الشعب اليهودي. ولما لاحظ ألا معارضة من الجماهير لتصرفه بل أن بعضهم صفق له استحساناً، قطع رأس يعقوب بن زبدي بالسيف، مقلداً الرومان في أحكامهم. ولم يعقد أي جلسة محاكمة متصرفاً بهواه وعلى كيفه.

ويعقوب كان من أتباع المعمدان. فترك المنادي للتوبة لابس الوبر، وتبع يسوع إلى فرح العرس في قانا. ورأى بعدئذ عجائب ربه، وآمن بالملكوت الآتي قريباً، حتى طلبت أمه من يسوع، أن يجلس ابنيها يعقوب ويوحنا عن يمينه وشماله كوزراء. فسأل يسوع آذاك الشابين، إن كانا قادرين أن يشربا كأس غضب الله، المزمع أن يشربها هو. ولما وافقا على ذلك بجهالتهما، أثبت لهما أنهما سيشربان هذه الكأس المرة. ولكن الجلوس عن يمينه وشماله لا يحق إلا للآب السماوي أن يعينه.

فمات يعقوب مظلوماً وصار شهيداً ليسوع، لأنه لم يمت لذاته بل لكونه رسولاً، ولنقمة اليهود على روحه الفعال. وابتدأت موجة الاضطهاد الثانية على المسيحيين بسفك هذا الدم البريء. ولم يثر الاضطهاد غيور للناموس مثلما كان شاول بل الملك اللامبلي المداهن للشعب.

إن ارشادات الرب في ملكوته تختلف. ففي الأول كانت في أورشليم نهضة روحية وحب للكنيسة من الشعب، حتى أن المجمع الأعلى ما استطاع قتل الرسل. ولكننا نرى في زمن استفانوس ازدياد البغضة، لأنه ظهر ابتعاد المسيحيين عن الفكر اليهودي وتركهم للعهد القديم. ولعله قد انتشرت في أورشليم الدعاية، أن المسيحيين قد قبلوا للعهد مع الله وثنيين بدون ختان، وهذا ما يحسبه اليهود تجديفاً شنيعاً.

ففرح الشعب بسفك الدم على يد الملك. فتشجع الظالم لهذا التجاوب الشعبي، وقصد أن يقطع الرأس من الحركة المسيحية، فسجن مقدام الرسل بطرس، واراد أن يباشر محاكمته في أيام الفصح، ليحكم عليه أمام جميع الشعب ويقتله ويعطيهم بهذا حقاً لإبادة كل المسيحيين. فأمر الملك بحراسة بطرس حراسة مشددة بأربعة رجال كل ثماني ساعات على التناوب ليلاً نهاراً، لأن المجمع الأعلى ذكره بتحرير ملاكا لله للرسل الاثني عشر. فأراد الملك أن يغلب كل الملائكة والأرواح بمكره وتشديده، فأمر بربط بطرس مع جنديي من اليمين والشمال، لكيلا ينفرد ثانية واحدة طول النهار.

وأدركت الكنيسة معنى القبض على بطرس، أنه الحد الفاضل بين البقاء والعدم لكنيسة المسيح في فلسطين. فاجتمعوا لصلوات مستمرة ليلاً نهاراً. إن سلاح المسيحي ليس السيف ولا الرشوة ولا الحيلة، بل الصلاة وحدها. فذراع الرب هي حمايتهم وقوتهم ونصهم. والصلاة بالمواظبة ليست إيماناً متحمساً متمرداً، بل ثقة متواضعة بالاستجابة الأكيدة لكل كلمة. ولا توجد قوة على الأرض أقوى من صلاة المسيحيين المشتركة.

وعلم بطرس أن الموت ينتظره، ولكنه نام مطمئناً، لأنه عاش في المسيح، وعلم أن حياته مستترة مع المسيح في الله. فقد قام من الأموات، لما حصل على الروح القدس يوم الخمسين، وعاش مؤمناً ثابتاً في المسيح. فمحبة ربه منحته راحة حتى حين الموت.

الصلاة: نشكرك أيها الرب الحي، لأنك منحتنا حياتك الأبدية وطهرت ضمائرنا، لنطمئن في ساعة الموت أيضاً. فاحفظنا من كل ضرر، وارشدنا حسب مشيئتك وبارك على أعدائنا، ليتغيروا ويتجددوا ويتوبوا وينالوا الحياة الأبدية.

12 - خلاص بطرس على يد الملاك (12: 6 - 17)

12: 7 وَإِذَا مَلاكُ ٱلرَّبِّ أَقْبَلَ، وَنُورٌ أَضَاءَ فِي ٱلْبَيْتِ، فَضَرَبَ جَنْبَ بُطْرُسَ وَأَيْقَظَهُ قَائِلاً: «قُمْ عَاجِلاً». فَسَقَطَتِ ٱلسِّلْسِلَتَانِ مِنْ يَدَيْهِ. 8 وَقَالَ لَهُ ٱلْمَلاكُ: «تَمَنْطَق وَٱلْبَسْ نَعْلَيْكَ». فَفَعَلَ هٰكَذَا. فَقَالَ لَهُ: «ٱلْبَسْ رِدَاءَكَ وَٱتْبَعْنِي». 9 فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ - وَكَانَ لا يَعْلَمُ أَنَّ ٱلَّذِي جَرَى بِوَاسِطَةِ ٱلْمَلاكِ هُوَ حَقِيقِيٌّ، بَلْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَنْظُرُرُؤْيَا. 10 فَجَازَا ٱلْمَحْرَسَ ٱلأَّوَلَ وَٱلثَّانِيَ، وَأَتَيَا إِلَى بَابِ ٱلْحَدِيدِ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْمَدِينَةِ، فَٱنْفَتَحَ لَهُمَا مِنْ ذَاتِهِ، فَخَرَجَا وَتَقَدَّمَا زُقَاقاً وَاحِداً، وَلِلْوَقْتِ فَارَقهُ ٱلْمَلاكُ.

11 فَقَالَ بُطْرُسُ، وَهُوَ قَدْ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ: «ٱلآنَ عَلِمْتُ يَقِيناً أَنَّ ٱلرَّبَّ أَرْسَلَ مَلاكَهُ وَأَنْقَذَنِي مِنْ يَدِ هِيرُودُسَ، وَمِنْ كُلِّ ٱنْتِظَارِ شَعْبِ ٱلْيَهُودِ». 12 ثُمَّ جَاءَ وَهُوَ مُنْتَبِهٌ إِلَى بَيْتِ مَرْيَمَ أُمِّ يُوحَنَّا ٱلْمُلَقَّبِ مَرْقُسَ، حَيْثُ كَانَ كَثِيرُونَ مُجْتَمِعِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ. 13 فَلَمَّا قَرَعَ بُطْرُسُ بَابَ ٱلدِّهْلِيزِ جَاءَتْ جَارِيَةٌ ٱسْمُهَا رَوْدا لِتَسْمَعَ. 14 فَلَمَّا عَرَفَتْ صَوْتَ بُطْرُسَ لَمْ تَفْتَحِ ٱلْبَابَ مِنَ ٱلْفَرَحِ، بَلْ رَكَضَتْ إِلَى دَاخِلٍ وَأَخْبَرَتْ أَنَّ بُطْرُسَ وَاقِفٌ قُدَّامَ ٱلْبَابِ. 15 فَقَالُوا لَهَا: «أَنْتِ تَهْذِينَ!». وَأَمَّ هِيَ فَكَانَتْ تُؤَكِّدُ أَنَّ هٰكَذَا هُوَ. فَقَالُوا: «إِنَّهُ مَلاكُهُ!». 16 وَأَمَّا بُطْرُسُ فَلَبِثَ يَقْرَعُ. فَلَمَّا فَتَحُوا وَرَأَوْهُ ٱنْدَهَشُوا. 17 فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ لِيَسْكُتُوا، وَحَدَّثَهُمْ كيْفَ أَخْرَجَهُ ٱلرَّبُّ مِنَ ٱلسِّجْنِ. وَقَالَ: «أَخْبِرُوا يَعْقُوبَ وَٱلإِخْوَةَ بِهٰذَا». ثُمَّ خَرَجَ وَذَهَبَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.

ازدهرت الكنيسة في أنطاكية ونمت بينما وقعت كنيسة أورشليم تحت الاضطهاد. ويعقوب أحد التلاميذ الثلاثة القريبين ليسوع مات، بينما تحرر بطرس بأعجوبة. فطرق الله مستترة لنا. ولكننا نعلم أن أبانا السماوي هو المحبة بالذات. ونطلب إليه أن يمنحا في كل أحوال حياتنا ثقة كاملة بلطفه.

وكان بطرس مستغرقاً في النوم لأجل راحة ضميره ولثقته بعناية أبيه السماوي فيه. ولم يلحظ السلسلتين اللتين ربطتا في يديه مع الحارسين على جانبيه. ولم يفزع من النور السماوي في الليل لما جاء الملاك عليه. فنام نوماً عميقاً حتى اضطر الملاك هزه بقوة ليستيقظ. فرأى كيف سقطت السلاسل من يديه بلا صوت ولبس ثيابه وهو نعسان مترنح. ولكن الملاك اهتم به كما الأم توقظ ولدها وتساعده ليلبس قطعة قطعة، حتى لا ينسى شيئاً ويذهب سريعاً مهندماً إلى المدرسة. فالأبواب الحديدية المقفلة الثقيلة افتحت بلا زيزقة وانطبقت خلفهما بلا صوت. وهكذا لم يلاحظ أحد من الحراس النائمين هذه الحركة والهرب الهادئ. فقدرة الله غلبت كل المواد. وهو قادر أن يخلص حيث لا إنسان يستطيع أن يفكر بإمكانية الانقاذ. فسلطان أبينا أعظم مما نعلم.

وقد ترك الملاك بطرس حالما وصلا إلى أحد الأزقة. والريح الباردة ليلاً أيقظت بطرس تماماً. فلم يعِ الخطر الواقع فيه رأساً من هروبه وإمكانية اللحاق به والقبض عليه مجدداً، بل فرح جداً لادراكه عناية الآب السماوي به، فما كان إنسان في العام قادراً أن يحرره من الحراس المتعددين، بل الرب نفسه أبطل خطة هيرودس الملك وخلص كنيسته.

وركض بطرس ممتلئ السرور إلى بيت أم البشير مرقس حيث اجتمع المؤمنون ليلاً نهاراً مصلين ليخلص الرب مقدام الرسل. ولما قرع بطرس ليلاً الباب جاءت الجارية لتسمع وميزت صوته فركضت فرحة تخبرهم بسرعة ولهث فلم يصدقها أحد. وقالوا لها لعلك رأيت بحاً أو سمعت وهماً. وآخر قال لعلك مريضة بعقلك. وغيره أضاف ربما ظهر لها الملاك الحارس لبطرس. لقد صلوا لإنقاذه لكنهم لم يتأكدوا أن الله سيستجيب صلواتهم. لأن يعقوب كان قد قُطع رأسه قبل عدة أيام، وقد صلوا من قبل لأجله أيضاً. هكذا ابتهلوا وه بين الرجاء والشك. ولم يعرفوا ما هي إرادة الله في هذه الساعة. وهكذا ظلوا يقرعون باب السماء بدون أن يطلبوا بعناد إنقاذ بطرس، إلا أن تكون مشيئة الآب السماوي.

واستمر الواقف على الباب في البرد يقرع. فأدرك المصلون أن أحداً حقيقة واقف في الدهليز يريد الدخول، وأن الجارية لم تكن متخيلة. فركضوا جميعاً إلى الباب وفتحوا له وكانوا متعجبين لأن الله قد استمع صلاتهم. وأظهر قدرته على الملك الخبيث. وما سمعوا بأعجوبة تخليصه بيد الملاك عظم شكرهم وقويت ثقتهم في عناية أبيهم السماوي.

وبعدئذ طلب بطرس أن يعلموا يعقوب أخا يسوع الذي صار قوياً بالروح واشترك بقيادة الكنيسة في القدس، وكان معروفاً كمصل متزمت، ويخبروه بإنقاذه من السجن. وربما كان ليعقوب قبولاً لدى المجلس الأعلى اليهودي، لأنه كان مسيحياً مخلصاً للناموس وعتبر الإيمان بدون اعمال صالحة ميت. فتقواه وتسليمه إلى أخيه يسوع المرتفع إلى المجد بدا في كثير من الصلوات الحية والخدمات العملية.

وفي الأغلب أن الحاكم أمر بقتل الحراس. وكان فزعاً جداً لأجل إنقاذ بطرس للمرة الثانية. فشعر أن قوة أعظم من سلطته عاملة، فترك أورشليم متلوماً لأن الشعب كان منتظراً محاكمة بطرس علانية ولكنه اختفى. فاقشعر كل الذين سمعوا بالحادثة. وهيروس ذهب إلى قيصرية التي على البحر، لينسى هناك في البحر السلطة والسكر همومه وذنوبه.

الصلاة: أيها الرب نشكرك لأنك حررت بطرس من السجن الداخلي وحفظت كنيستك في أورشليم من الاضطهادات المستمرة. أنت الغالب حتى اليوم. املأنا بروحك وعلمنا الإيمان والصلاة والانتظار. انك تستجيب صلواتنا.

13 - غيظ هيرودس ونهايته (12: 18 - 24)

12: 18 فَلَمَّا صَارَ ٱلنَّهَارُ حَصَلَ ٱضْطِرَابٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ بَيْنَ ٱلْعَسْكَرِ: تُرَى مَاذَا جَرَى لِبُطْرُسَ؟ 19 وَأَمَّا هِيرُودُسُ فَلَمَّا طَلَبَهُ وَلَمْ يَجِدْهُ فَحَصَ ٱلْحُرَّاسَ، وَأَمَرَ أَنْ يَنْقَدُوا إِلَى ٱلْقَتْلِ. ثُمَّ نَزَلَ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ إِلَى قَيْصَرِيَّةَ وَأَقَامَ هُنَاكَ.

20 وَكَانَ هِيرُودُسُ سَاخِطاً عَلَى ٱلصُّورِيِّينَ وَٱلصَّيْدَاوِيِّينَ، فَحَضَرُوا إِلَيْهِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَٱسْتَعْطَفوا بَلاسْتُسَ ٱلنَّاظِرَ عَلَى مَضْجَعِ ٱلْمَلِكِ، ثُمَّ صَارُوا يَلْتَمِسُونَ ٱلْمُصَالَحَةَ لأَنَّ كُورَتَهُمْ تَقْتَاتُ مِنْ كُورَةِ ٱلْمَلِكِ. 21 فَفِي يَوْمٍ مُعَيَّنٍ لَبِسَ هِيرُودُسُ ٱلْحُلَّةَ ٱلْمُلُوكِيَّةَ، وَجلَسَ عَلَى كُرْسِيِّ ٱلْمُلْكِ وَجَعَلَ يُخَاطِبُهُمْ. 22 فَصَرَخَ ٱلشَّعْبُ: «هٰذَا صَوْتُ إِلٰهٍ لا صَوْتُ إِنْسَانٍ!» 23 فَفِي ٱلْحَالِ ضَرَبَهُ مَلاكُ ٱلرَّبِّ لأَنَّهُ لَمْ يُعْطِ ٱلْمَجْدَ لِلّٰهِ، فَصَارَ يَأكُلُهُ ٱلدُّودُ وَمَاتَ.

24 وَأَمَّا كَلِمَةُ ٱللّٰهِ فَكَانَتْ تَنْمُو وَتَزِيدُ. 25 وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلا ٱلْخِدْمَةَ، وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا ٱلْمُلَقَّبَ مَرْقسَ.

الملوك إذا لم يخافوا الله يصبحوا أشراراً. ويترددون بين التعجرف والخوف وبين الغيظ والشهوة. ليس لإنسان مخلوق أن يتسلط على الآخرين. ومن لا ينكسر أمام الله ويبقى صغيراً أمام خالقه لا يستطيع قيادة الآخرين، بل ينتفخ وينتفخ أكثر حتى ينفج.

ونقرأ أن الملك هيرودس أراد الحرب ضد المدن الفينيقية لأنها لا تعمل إرادته. وهذه البلاد أيضاً كانت تحت الحماية الرومانية. فلم يستطع أن يعلن الحرب عليها جهراً، فأخذ يضطهد ويعذب أبناء فينيق المقيمين في بلاده، وصعب الانتقال بين المنطقتن، وألزم اللبنانيين بضرائب فادحة. ولكن التجار بين الفينيقين عرفوا من أين تؤكل الكتف، فلم يذهبوا إلى الملك بل إلى وزيره واعطوه رشوة كبيرة، لكي يلين الحاكم ويسترضيه فيستمر الاتصال ونقل البضاعة والاتجار جارياً.

وأخيراً وافق الملك على تجديد العلاقة السليمة بين البلدين، لكنه صمم أن يلقن الوفد الفينيقي درساً لن ينسوه ويعرفوا أنه ملك عظيم. وإذا صادف أنئذ ميلاد القيصر الروماني كلوديوس. فالملك هيردوس عميله أمر بهذه المناسبة أن تعيد البلاد. وطل حضور الوفد الفينيقي في اليوم الثاني من الاحتفالات التي دامت أسبوعاً، والتي اشتملت على ألعاب سفكت فيها دماء السجناء بيد الجنود والأسود. فحضر أفراد الوفد من صور وصيداء الى سيرك المدينة الرياضية في قيصرية حيث كان الملك حاضراً جالساً على عشه ولابساً لباساً مفضفضاً يتلألأ في أشعة الشمس، كأنه ملاك بهي نازل من السماء.

ومسحوراً بهذا المنظر الملوكي، صرخ الشعب هاتفاً لهيرودس. وبعضهم سماه إلهاً. وفجأة ضربت هذا الملك المستكبر أوجاع شديدة في بطنه، حتى اضطر لحمله من قبل الخدم إلى قصره. وانفتحت قروح في جسده. ومات بعد ذلك بخمسة أيام وعمره حوالي 54 سنة. نعلم من الطبيب لوقا أن الديدان أكلته من الداخل وهو حي.

إن الملك يترك للسلاطين الدنيوية مدة معينة ليتصرفوا كما يريدون. ولكن الذين يتعالون على الله أيضاً يعجل لهم الوقت سريعاً. فالخلاص لا يأتي من إنسان كما قال هتلر عن نفسه بل من الله وحده. ومن لا يكرم ربه فهذا شيطان.

ففي الأيام الأخيرة قبل مجيء المسيح سيقوم حاكم عالمي عظيم، يجلس في الهيكل ويقول عن نفسه أنه إله والمسيح بنفس الوقت. وتجري من يده عجائب كبيرة ويلزم القارات بالنظام والسلام بعنف. فتهتف الشعوب له لأنه يظهر غالباً الفوضى والحروب في العلم.

فيا أيها الأخ لا تستسلم لهذا الجبار المتفوق وانتبه من أقواله، لأنه مجدف الله في كبريائه ومضطهد أتباع المسيح. فاستيقظ ساهراً واترك المسيح الدجال الكذاب الذي هو سارق مجد الله.

ورغم هذا الغليان السفلي في العالم فإن الإنجيل يجري كجدول صاف. والناس يستخرجون منه ماء الحياة، بينما الآخرون يلقون فيه حجارة. ولكن ليس أحد يقدر أن يمنع أو يعارض سيرة بشرى الخلاص لأن كلمة الله غير مقيدة.

وبما أن عدد المؤمنين ينمو في كل حين ويتجسد الإنجيل في سلوكهم وتتكاثر الشهادات في أفواههم وتكثر صلواتهم وشكرهم، فنستطيع أن نقول مع لوقا البشير أن كلمة الله تنمو كثيراً. وهذا هو فرحنا أن الخبر عن يسوع ينتشر في كل العالم بواسطة الشهاات والتعليم والتفسيرات والصلوات وأعمال الصبر والتضحيات العديدة. ونشكر الرب يسوع أنه يسمح لنا بالمساهمة في هذه النهضة الإنجيلية، بواسطة مطبوعات حديثة وإذاعات الراديو واتصالات شخصية. فهل تريد أن تشترك بنشر بشرى الخلاص لكي تنمو كلمة الله ايوم في محيطنا.

ولربما كان برنابا وشاول حاضرين في فلسطين لما تعجرف الملك هيردوس ومات في دينونة الله، لأنهما أتيا بهبة المال من أنطاكية في الوقت المناسب إلى أورشليم لما ازداد الضيق وكثر جداً. فرجعوا شاكرين إلى كنيستهم في انطاكية التي أصبحت منذ ذلكالوقت محور تبشير العالم.

ورافق الشاب مرقس الرجلين ليترك منطقة الخطر وليتدرب في مهمة التبشير. وانضم إلى كنيسة انطاكية وتعلم من شاول وبرنابا كثيراً وأصبح بعدئذ أحد البشيرين الأربعة الذي ضاعف كلمة الله وملأ العالم بها والتي نعيش حتى اليوم من القوة الجارية فيا.

الصلاة: أيها الرب يسوع أنت ملك الملوك ورب الأرباب وأنت مستحق الكرامة والحمد والشكر والتسبيح. نسجد لك ونسلم بين يديك حياتنا خدمة في سبيل مشيئتك. احفظنا واحمنا بالجسد والنفس والروح لكي نساهم في تضعيف كلمتك في وطننا.

مسابقة كيف انتشر الإنجيل في فلسطين وسوريا؟

إن درست معنا أعمال الرسل من الأصحاح السابع إلى الثاني عشر تقدر أن تجاوب بسهولة على 24 سؤالاً من الأسئلة الثلاثين التي بنهاية كل تفسير.

  1. لم اشتكي على استفانوس وحده من دون الرسل الاثني عشر؟

  2. ما هو السر في حياة إبراهيم؟

  3. كيف كان يوسف رمزاً ليسوع المسيح؟

  4. كيف نعلم أن التربية الصالحة لم تصلح موسى؟

  5. ماذا يعني إعلان الله عن ذاته إلى راع عمره 80 سنة في البرية؟

  6. ما هي الأفكار الثلاثة الرئيسية التى احتواها خطاب استفانوس بالنسبة لموسى والناموس؟

  7. لم فضل استفانوس الخيمة على الهيكل الذهبي؟

  8. ما هي العبارات الهامة التي اتهم بها استفانوس المجلس الأعلى؟

  9. اكتب الجمل الثلاث الأخيرة لاستفانوس حرفياً. واذكر المعاني التي تفهمها أنت منها.

  10. ما هي أهم حادثة في اضطهاد المسيحيين بأروشليم؟

  11. ما الفرق بين الإيمان بالمسيح والتصديق بأقوال خدامه؟

  12. ماذا كانت خطية سيمون. وأي طريقة أراه بطرس ليتغلب عليها؟

  13. ما هي البشارة التي فسرها فيلبس للوزير الحبشي؟

  14. ماذا عنى لشاول ظهور المسيح له في المجد؟

  15. ماذا يعني امتلاء شاول بالروح القدس؟

  16. ماذا تعني العبارة ان الانسان يسوع هو ابن الله الحق؟

  17. كيف عزى يسوع شاول في المرحلة التي لم تقبله الكنيسة فيها واضطهده أصدقاؤه السابقون؟

  18. كيف شفى المسيح إينياس في لدة؟

  19. كيف حقق يسوع أمره للتلاميذ بإقامة الموتى؟

  20. ماذا يعني ظهور الملاك للضابط كورنيليوس؟

  21. ما هو معنى كلمة الله لبطرس، ما طهره الله لا تدنسه أنت؟

  22. لم سجد الضابط كورنيليوس لبطرس الصياد. ولماذا منعه بطرس من مثل هذا الإجلال؟

  23. ما هو معنى الجملة، يسوع المسيح هو رب الكل؟

  24. كيف يتم حلول الروح القدس في قلب الإنسان؟

  25. لم تخاصم الناموسيون من المسيحيين مع بطرس؟

  26. بأي طريقة أسست كنيسة أنطاكية الشهيرة؟

  27. من هو المسيحي الحق؟

  28. لماذا اضطهد الملك أغريبا المسيحيين؟ وكيف خطط لهذا الاضطهاد؟

  29. لم اندهش المصلون لما رأوا بطرس واقفاً على الباب؟

  30. كيف نمت كلمة الله رغم الاضطهاد؟

إن جاوبت على 24 سؤالاً من هذه الأسئلة بدقة وشرح واف، نرسل لك الكتاب الذي تختاره من جدول مطبوعاتنا المذكور في آخر هذا الكتاب. ونرجو أن تكون المسابقة التي ترسلها إلينا مستقلة دون أن تضع فيها أي خطاب أو ملاحظات أو أسئلة أو أشياء أخرى.

الجزء الثاني: أخبار عن التبشير بين الأمم وتأسيس كنائس من انطاكية إلى روما بواسطة خدمة الرسول بولس المنطلق بالروح القدس الأصحاح 13 - 28

أولاً: السفرة التبشيرية الأولى (الأصحاح 13: 1 - 14: 28)

1 - افراز برنابا وشاول للخدمة (13: 1 -3)

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ عَشَرَ : 1 وَكَانَ فِي أَنْطَاكِيَةَ فِي ٱلْكَنِيسَةِ هُنَاكَ أَنْبِيَاءُ وَمُعَلِّمُونَ: بَرْنَابَا، وَسِمْعَانُ ٱلَّذِي يُدْعَى نِيجَرَ، وَلُوكِيُوسُ ٱلْقَيْرَوَانِيُّ، وَمَنَايِنُ ٱلَّذي تَرَبَّى مَعَ هِيرُودُسَ رَئِيسِ ٱلرُّبْعِ، وَشَاوُلُ. 2 وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ ٱلرَّبَّ وَيَصُومُونَ قَالَ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ ٱلَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ». 3 َصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ٱلأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا.

كانت انطاكية أكبر عاصمة في الشرق آنذاك، وسميت روما الشرق. وفي هذا المركز الرئيسي للتجارة والمواصلات العالمية تكونت الكنيسة الأولى المترسخة بالحيوية والنضوج، والتي كان أكثر أعضائها من الأميين الذين آمنوا بالمسيح، ليس بواسطة الرسل ب بشهادة مؤمنين بسطاء. ولقد أرسلت الكنيسة الأصلية في أورشليم برنابا كمفتقد أبوي لتقوية المؤمنين الجدد. وهذا المبعوث أخذ برفقته شاول اللاهوتي النشيط. وخدما سوياً الكنيسة الأنطاكية سنة كاملة. فنمت الكنيسة عدداً وقوة وأصبحت المركز الثاني للسيحية بجانب أورشليم ونقطة الانطلاق لتبشير الأمم.

وقد ظهرت مواهب الروح بالغنى في هذه الكنيسة بواسطة النبوة والتعليم. فالأنبياء في العهد الجديد لم يكونوا كمندوبين عن الله منعزلين عن الشعب، بل عاشوا ضمن الكنيسة مثل كل المؤمنين، ولكنهم أدركوا إرادة الله قبل غيرهم، وفهموا الأسرار في مائرهم، ورأوا تطور المستقبل مسبقاً. وأطاعوا إرشاد الروح القدس مباشرة. ومن أجل ذلك فإن بولس قد نبه وحذر المؤمنين في رسائله بعدئذ، وأكد عليهم ألا يحتقروا موهبة النبوة، لأنها ضرورية لإنشاء الكنائس. كما الخميرة في العجين.

أما المعلمون فإنهم قد تعمقوا باجتهاد في ملء كلمة الله. وعلموا أعضاء الكنيسة بانتظام وتدرج معاني التوراة وكلمات يسوع وتعليم الرسل. وهؤلاء المعلمون وجهوا تعليمهم مبدئياً إلى إرادة وذاكرة مستمعيهم، بينما قصد الأنبياء القلوب والأذهان العواطف بالدرجة الأولى. فالله يشاء أن يملك تماماً جسداً ونفساً وروحاً ليدفعك للحمد والتبشير والإيمان الرصين.

وكل المواهب المختلفة في الكنيسة، إنما شملتها المحبة، التي هي رباط الكمال. فلم يوجد بين الأعضاء أسقفاً أو رئيساً، بل كانوا يبحثون أمورهم في حلقة الإخوة والشيوخ بقلب ونفس واحدة. فذلك القبرسي برنابا الرصين الناضج، لم يكن مشرفاً على اكنيسة رغم انتدابه لتفقدها، بل تواضع وارتص في صفوف الإخوة، وأرشدهم إلى التعاون والمشاركة الأخوية. أما الإخوة القيروانيون والقبرصيون، فهم على الأغلب الذين أسسوا الكنيسة الأنطاكية (11: 20). وكان من بينهم مناين أخو الملك هيرودس في الرضاع، الي قطع في السابق رأس يوحنا المعمدان. فالطفلان رضعا معاً حليباً واحداً، ولكنهما لم يحصلا على نفس الروح. فالملك صار زانياً خوافاً من أرواح الأموات، أما مناين فتواضع وأصبح قدوة للمؤمنين في ملء الروح القدس.

ونقرأ اسم شاول في أواخر جدول المسؤولين في كنيسة انطاكية، لأنه كان أصغر الكل، ودخل على اخرة منهم. وأصبح في انطاكية تلميذاً للمرة الثانية رغم علومه الفقهية الضليعة، واختبر عملياً شركة المحبة التي في المسيحيين.

وهؤلاء الإخوة في الإيمان خدموا معاً الرب، كما عبد قبلئذ الكهنة الله ليستنزلوا بركته على أمتهم بواسطة الذبائح المضحاة. وبذلك طلب المسؤولون الخمسة في انطاكية من الرب المسيح أن يحقق ثمار ذبيحته على الصليب في كنيستهم والشعوب التي حوله. وصام القديسون ليس ليتبرروا، لأنهم قد تقدسوا مرة واحدة بدم المسيح. وكان صومهم لأجل الخدمات الصلاتية. فنسوا أكلهم وشربهم، لأن صلاتهم المشتركة لأجل خلاص الأمم كانت لهم أهم من كل الطيبات. فأحلوا في صلواتهم، ليعلن المسيح خلاصه في محيطهم عمياً.

وقد جاوبهم الرب، وكلمهم بروحه جهراً بفم أنبياء الكنيسة. وفي اقتبال هذه الوحي لم ينخبط ويتدحرج أحد منهم على الأرض، بل الجميع سمعوا متعلقين إرادة الله وتخطيطه. والروح القدس تكلم في هذا الوحي في صيغة الأنا، كشخص مستقل مكلماً المؤمنينوآمرهم ومرشدهم ومحبهم ومعزيهم مباشرة. فهو يهب حيثما يشاء حسب مسرته اللطيفة. وبنفس الوقت يكون هذا الروح المبارك أحد الأقانيم في وحدة الثالوث القدوس. إله من إله. نور من نور. إله حق من إله حق. ذو جوهر واحد مع الآب. ممتلئاً المحبة والقداسة المجد. فهذا الروح الطاهر هو الله بالذات، مثلما قال المسيح: «الله روح». وهذا السر يعرفه الساجدون الذين يسجدون لله بالروح والحق مسبحينه ومحبينه بلا انقطاع.

وروح الله القدوس أمر المسؤولين في الكنيسة، أن يفرزوا له برنابا وشاول لخدمة لم تكن من قبل معروفة. فالروح القدس شخصياً دعا الاثنين وجهزهما بقوته، وأرسلهما وعمل فيهما وحفظهما.

وهذه الدعوة والإرسال عنيا للمختارين اصطفاء وتكريساً وتسلمياً كاملاً. ولم يقل الروح القدس مسبقاً ما هي نوعية العمل الذي يريد أن ينفذه بواسطة برنابا وشاول. بل دل المسؤولين في الكنيسة على أن الثالوث الأقدس يقصد عملاً جديداً، لا يستطي أحد منهم تصوره. وإننا لنعترف بخضوع أيها الله القدوس، أن طريقك مقدس، وقديسيك يمشون من مجد إلى مجد، ومن ضيق إلى ضيق، ومن ثمار إلى ثمار لأنك أنت البداية، والنهاية في حياتهم. وعملهم وحده، وليس لأحد من خدامك شرف ولا افتخار.

ولم يختر الروح القدس فجأة رجلين، ما عرفا بعضهما قبلاً ولحمهما لخدمة مشتركة. كلا، بل عرفهما على بعض منذ زمن. وقوى ثقتهما المتبادلة، باختبارات مشتركة. ولم يرسل الروح القدس برنابا مستقلاً أو شاول لوحده، بل جمعهما، كما المسيح سابقاً أسل تلميذيه معاً. ليعزيا كلٌّ زميله، ويصلي أحدهما إذا تكلم الثاني. فليست الوظيفة تسلط فرد، بل هي مسؤولية مشتركة حيث يعتبر كل واحد منهما الآخر أفضل من نفسه.

وقد سمع شاول قبل سنوات في دمشق من لسان حنانيا، أن رب المجد سيرسله إلى ملوك وولاة لإبراز اسم يسوع، وتصادفه آلام وعذاب كبير ونصر وثمار روحية فائقة. وأدرك شاول أنه غير مقتدر لهذه الخدمة الفريدة. فانتظر سنوات هادئاً في طرسوس، حتى دعاهبرنابا لكنيسة انطاكية معلماً ومرشداً. ومن هناك استخلصه الروح القدس وجرده كالسيف الإلهي، بعدما اختبر شاول أن اهتداء الأفراد، ليس هو هدف تبشير العالم، بل تأسيس كنائس حية يجتمع فيها قديسون.

ولما سمع أعضاء الكنيسة في انطاكية أن روح المسيح دعا فجأة زعيمهم الأكبر والأصغر للخدمة، لم ينوحوا لفقدهما بل اجتمعوا وصلوا وصاموا سوياً، لأنهم جميعاً شعروا أن الرب الآن ابتدأ عملاً عظيماً غريباً فريداً.

وبعد ذلك انحنى هذان المختاران المفوضان تحت وضع الأيدي من قبل أعضاء الكنيسة الآخرين، كأنهما ناقصا الحكمة والقوة والفهم، ليحل ملء الروح القدس بكل مواهبه فيهما. والرب أثبت هذا التواضع، وأرشد رسولية اللذين دعاهما طيلة حياتهما لخدمة البشير. فمنذ ذلك الوقت وجد مرسلون يتركون أوطانهم وعشائرهم، لينشروا حسب إرشاد روح المسيح ملكوت الله. وهم رغم عيشهم المتواضع مزودون بسلطانه الروحي.

الصلاة: أيها الرب الحي، لسنا مستحقين رحمتك. ولكن بما أنك سفكت دمك على الصليب لتطهيرنا، نكرس أنفسنا وأولادنا لك لخدمة الأبدية، لكي نخدمك لا بعقولنا وقوانا الخاصة، بل بامتلائنا بروح محبتك، وسعينا متواضعين في سبيل وصاياك خلاص العالم. احفظنا من خطوات مرتجلة، وافتح أعيننا لنرى الناس الجائعين إلى خلاصك.

2 - التبشير في جزيرة قبرص (13: 4 - 12)

13: 4 فَهٰذَانِ إِذْ أُرْسِلا مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱنْحَدَرَا إِلَى سَلُوكِيَةَ، وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي ٱلْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. 5 وَلَمَّا صَارَا فِي سَلامِيسَ نَادَيَا بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ فِي مَجَامِعِ الْيَهُودِ. وَكَانَ مَعَهُمَا يُوحَنَّا خَادِماً. 6 وَلَمَّا ٱجْتَازَا ٱلْجَزِيرَةَ إِلَى بَافُوسَ وَجَدَا رَجُلاً سَاحِراً نَبِيّاً كَذَّاباً يَهُودِيّاً ٱسْمُهُ بَارْيَشُوعُ، 7 كَانَ مَعَ ٱلْوَالِي سَرْجِيُوسَ بُولُسَ، َهُوَ رَجُلٌ فَهِيمٌ. فَهٰذَا دَعَا بَرْنَابَا وَشَاوُلَ وَٱلْتَمَسَ أَنْ يَسْمَعَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ. 8 فَقَاوَمَهُمَا عَلِيمٌ ٱلسَّاحِرُ، لأَنْ هٰكَذَا يُتَرْجَمُ ٱسْمُهُ، طَالِباً أَنْ يُفْسِدَ ٱلْوَالِيَ عَنِ ٱلإِيمَانِ.

9 وَأَمَّا شَاوُلُ، ٱلَّذِي هُوَ بُولُسُ أَيْضاً، فَٱمْتَلَأَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَشَخَصَ إِلَيْهِ 10 وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلْمُمْتَلِئُ كُلَّ غِشٍّ وَكُلَّ خُبْثٍ! يَا ٱبْنَ إِبْلِيسَ! يَا عَدُّوَ كُلِّ بِرٍّ أَلا تَزَالُ تُفْسِدُ سُبُلَ ٱللّٰهِ ٱلْمُسْتَقِيمَةَ؟ 11 فَٱلآنَ هُوَذَا يَدُ ٱلرَّبِّ عَلَيْكَ، فَتَكُونُ أَعْمَى لا تُبْصِرُ ٱلشَّمْسَ إِلَى حِينٍ». فَفِي ٱلْحَالِ سَقَطَ عَلَيْهِ ضَبَابٌ وَظُلْمَةٌ، فَجَعَلَ يَدُورُ ُلْتَمِساً مَنْ يَقُودُهُ بِيَدِهِ. 12 فَٱلْوَالِي حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى مَا جَرَى، آمَنَ مُنْدَهِشاً مِنْ تَعْلِيمِ ٱلرَّبِّ.

لقد أرسل الروح القدس الرسولين، وأرشدهما ونصرهما، لأنهما مجدا اسم الرب يسوع. وأرشد الروح الرجلين أولاً إلى سلوكية، الميناء البعيد عن أنطاكية 25 كلم. وبعدما جثا الرسولان وصليا مع رفاقهم المودعين، دخلا السفينة وأبحرا إلى قبرس وطن برنبا، حيث كان يعرف الجزيرة جيداً، ظاناً أنه سينجح فيها أولاً، ويبشر أبناء جلدته.

ولما وصلا إلى سلاميس الواقعة شرقي الجزيرة، لم يقفا في ساحة سوقها، ويكلما الأمميين، بل دخلا رأساً إلى كنيس اليهود، مقدمين لهم كلمة الله، لأن أعضاء العهد القديم كانوا كثراً في هذه الجزيرة المرتكزة في شرقي البحر المتوسط. ولكننا لم نمع شيئاً عن أي يهودي في قبرس آمن بيسوع المسيح أو رفضه مغيظاً. ويبدو أنه لم يعرهما أحد من السكان هناك اهتماماً، لأن كثيرين من المسافرين مثلهما. كانوا يقبلون إلى الجزيرة بآراء غريبة متعددة.

وهكذا مضيا بطريقهما، وكان معهما يوحنا مرقس ابن أخت برنابا، الذي لم يكن مدعواً من الروح القدس لهذه الخدمة. واتخذوا سبيلهم في الجزيرة قصصاً مقدار مائة وستين كيلومتراً، مبشرين بملكوت الله وداعين الناس للتوبة. ولكن لم نقرأ أن إنساناً احداً قبل دعوتهما وآمن أو اعتمد. ولم تكن كنيسة هنالك. فبانت خدمة مختاري الروح القدس فاشلة لأول وهلة.

ووصلا أخيراً إلى عاصمة الجزيرة بافوس، وفيها مركز الوالي الروماني برتبة قنصلية هامة، التي كانت يومذاك قريبة لرتبة قيصر. فهذا القنصل سرجيوس كان حاكماً بأمره في تلك الجزيرة، ولم يكن مسؤولاً أمام مجلس الدولة الأعلى. وقد كان هذا الحاكممتعلماً ومدبراً واعياً بنفس الوقت. فلما سمع بالتعليم الجديد في جزيرته، استقدم المبشرين ليستخبرا منهما عن دعوتهما.

ومن العجب، أنه كان يعيش في قصره ساحر يهودي له موهبة العرافة النبوية، ولكنه سخرها لخدمة الشيطان. فصار نبياً كاذباً. وقد أعلن للوالي بعض الحقائق عن الناس والمستقبل، ولكنه أضله في طريق الأكاذيب ليستخرج منه مالاً لنفسه. فتسلط هذا النب الكذاب على الوالي وكل الجزيرة بروحه الأشر.

وهو الذي حذر الوالي من برنابا وشاول، لأنهما جاءا بروح جديد للجزيرة. ولما استمع الوالي لهذين الرجلين وانشرحت نفسه لإنجيلهما، عارض الملبوس من روح جهنم بكل مكره وسلطته، ليبطل دخول ملكوت الله إلى منطقته. وألح على الوالي لكيلا يستسلم لإنجيل وليرفض الرسولين، حتى لا تصبح الجزيرة كلها مسيحية. فهذا هو السبب لفشل التبشير غالباً، إنه في بعض البلدان يجلس روح نجس متسلط عليها ومعارض دخول روح الإنجيل، لأن الروح العلوي لا ينسجم مع الروح السفلي. فكل مزج للأديان كذب سطحي.

وأدرك برنابا وشاول سريعاً أن هذا الساحر الملقب باسم بار يشوع حسب التسمية اليهودية، هو عكس يسوع المسيح الممسوح بالروح القدس، إذ هو مفعم من روح الشيطان. فكان دائماً يلوي الحق في العهد القديم، واستخدم معرفته الدينية في طرق أكاذيبه، وباهى بحكمة خادعة، وهي الضلال المبين.

وبما أنه قد صادف أن اسم الوالي بولس نفس اسم الرسول، وكذلك اسم الساحر نفس اسم يسوع. ففكر الرسولان أنه لربما يكون هذا تمهيداً لإتيان ملكوت الله للجزيرة وربما للمملكة الرومانية كلها بواسطة القنصل. ولكن سرعان ما تبخرت أحلامهما، وحدث اطدام بين مكر الشيطان وحق المسيح، المعلن بواسطة شاول جهراً، الذي خلع قناع الزيف عن وجه النبي الكذاب الساحر. ولم يبشر بولس الساحر بتوبة، ولم يقدم له الغفران، بل أصابه وأدانه باسم المسيح، وغلب قوة روحه الشريرة بواسطة الإيمان بيد الرب العامة. ومنقاداً من الروح القدس طعن بولس صميم النبي الكذاب، ولم يمته جسدياً، بل أن المسيح يسوع أقدره لعمل أعجوبة، إذ ضرب الساحر بالعمى، ليجد فرصة للتوبة، كما وجد بولس على تخوم الشام فرصة للتأمل في خطاياه، فيدرك من هو الرب الحق ويؤمن به فيخلص

فأعلن يسوع نفسه في قبرس رباً على كل الأرواح وغالباً الشياطين بشهادة عبده بولس. فشعر الحضور بانتصار الله العظيم، حتى أننا نقرأ من هذه الحادثة فصاعداً في أعمال الرسل اسم بولس «الصغير» قبل برنابا الكبير، لأن الغيور لأجل مجد المسيح حص على السلطان لتعظيم اسم المخلص. وهذا التمجيد بالتمام كان هدف الروح القدس.

وللأسف فإن الوالي آمن بالمسيح الحي لأجل العجيبة فقط، وليس من صميم قلبه. فلم يتجاسر لطلب المعمودية. ورغم أن اسمه بولس، فلم يصبح مبشراً للمسيح كبولس الحق، وبقي رغم إيمانه على الحياد. فصار في فتوره سبباً لتأخر انتشار ملكوت الله في حيه، علماً أنه لم يمانع بالتبشير في الجزيرة، بل سمح بالنداء باسم يسوع، الذي خافه. وبعدئذ لم نعد نسمع أي كلمة أخرى عن بولس سرجيوس هذا في تاريخ الكنيسة أبداً.

لكن بولس وبرنابا اختبرا مجدداً أن تعليم الرب ليس فكراً فارغاً، بل قوة. والرب نفسه رافقهما في موكب انتصاره حتى ولو لم تحدث توبة وإيمان أفواجاً أفواجاً في قبرس وطن برنابا الأمين.

الصلاة: أيها الرب يسوع، أنت المنتصر على كل شيطان. نطلب إليك أن تلاشي من محيطنا كل قوى مضادة لإنجيلك بواسطة رسالة عبيدك، لكيلا يستطيع أحد أن يمنع موكب انتصارك. فنطلب إجراء عمل يدك، مع شهادتنا وحمايتك لكل خدامك.

3 - التبشير في أنطاكية الأناضول (13: 13 - 52)

13: 13 ثُمَّ أَقْلَعَ بُولُسُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَافُوسَ وَأَتَوْا إِلَى بَرْجَةَ بَمْفِيلِيَّةَ. وَأَمَّا يُوحَنَّا فَفَارَقَهُمْ وَرَجَعَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 14 وَأَمَّا هُمْ فَجَازُوا مِنْ بَرْجَةَ وَأَتَوْا إِلَى أَنطَاكِيَةَ بِيسِيدِيَّةَ، وَدَخَلُوا ٱلْمَجْمَعَ يَوْمَ ٱلسَّبْتِ وَجَلَسُوا. 15 وَبَعْدَ قِرَاءَةِ ٱلنَّامُوسِ وَٱلأَنْبِيَاءِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رُؤَسَاءُ ٱلْمَجْمَعِ قَائِلِينَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، إِنْ َانَتْ عِنْدَكُمْ كَلِمَةُ وَعْظٍ لِلشَّعْبِ فَقُولُوا». 16 فَقَامَ بُولُسُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ وَقَالَ: أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ وَٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ ٱللّٰهَ، ٱسْمَعُوا. 17 إِلٰهُ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ هٰذَا ٱخْتَارَ آبَاءَنَا، وَرَفَعَ ٱلشَّعْبَ فِي ٱلْغُرْبَةِ فِي أَرْضِ مِصْرَ، وَبِذِرَاعٍ مُرْتَفِعَةٍ أَخْرَجَهُمْ مِنْهَا 18 وَنَحْوَ مُدَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً ٱحْتَمَلَ عَوَائِدَهُمْ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ. 19 ثُمَّ أَهلَكَ سَبْعَ أُمَمٍ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ وَقَسَمَ لَهُمْ أَرْضَهُمْ بِٱلْقُرْعَةِ. 20 وَبَعْدَ ذٰلِكَ فِي نَحْوِ أَرْبَعِمِئَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً أَعْطَاهُمْ قُضَاةً حَتَّى صَمُوئِيلَ ٱلنَّبِيِّ. 21 وَمِنْ ثَمَّ طَلَبُوا َلِكاً، فَأَعْطَاهُمُ ٱللّٰهُ شَاوُلَ بْنَ قَيْسٍ، رَجُلاً مِنْ سِبْطِ بِنْيَامِينَ، أَرْبَعِينَ سَنَةً. 22 ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَقَامَ لَهُمْ دَاوُدَ مَلِكاً، ٱلَّذِي شَهِدَ لَهُ أَيْضاً، إِذْ قَالَ: وَجَدْتُ دَاوُدَ بْنَ يَسَّى رجُلاً حَسَبَ قَلْبِي، ٱلَّذِي سَيَصْنَعُ كُلَّ مَشِيئَتِي. 23 مِنْ نَسْلِ هٰذَا حَسَبَ ٱلْوَعْدِ أَقَامَ ٱللّٰهُ لِإِسْرَائِيلَ مُخَلِّصاً، يَسُوعَ. 24 إِذْ سَبَقَ يُوحَنَّا فَكَرَزَ قَبْلَ مَجِيئِهِ بِمَعْمُودِيَّةِ ٱلتَوْبَةِ لِجَمِيعِ شَعْبِ إِسْرَائِيلَ. 25 وَلَمَّا صَارَ يُوحَنَّا يُكَمِّلُ سَعْيَهُ جَعَلَ يَقُولُ: «مَنْ تَظُنُّونَ أَنِّي أَنَا؟ لَسْتُ أَنَا إِيَّاهُ، لٰكِنْ هُوَذَا يَأْتِي بَعْدِي ٱلَّذِي لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ أَحُلَّ حذَاءَ قَدَمَيْهِ».

بعد انتصار المسيح على سلطة الظلمة في قبرس. ونظراً لعدم إمكانية تأسيس كنائس في تلك الجزيرة، اتضح لبولس أن الروح القدس لم يرد أن يبشروا في وطن برنابا. فقام وأقلع مع رفقائه نحو شواطئ الأناضول وجباله المرتفعة ولعل برنابا وابن اخته يوحا مرقس فضلا البقاء في الجزيرة القبرسية اللطيفة المناخ، والعمل بجهد وصبر لإنشاء كنائس هنالك. ولكن بولس عرف أن طريقه صوب الأناضول. ولم يرد برنابا الحنون مفارقة زميله بولس، ففضل ترك وطنه من أن يكسر وصية الروح القدس، التي جمعت الاثنين في خدة واحدة.

وأبحر بولس مع زملائه في قوة الرب للشاطئ القريب ولم يبق طويلاً في مدينة برجة على نهر كستروس قريباً من مدينة أنطاكية، بل أوغل تقدماً داخل الأناضول في رؤوس الجبال المرتفعة، مسافة 160 كلم، في رحلة ثمانية أيام حسوماً، وسط الأخطار والتع والحر والجوع والعطش. فلم يكن يوحنا الشاب الأورشليمي مسروراً من هذه الرحلة وتطور الأمور إلى هذا الحد، فقرر ترك الرسولين والعودة إلى بيته. لكن برنابا فضل مرة أخرى البقاء مع شاول على التمسك بعلاقته الشخصية مع قريبه. وودع ابن اخته بقلب إليم لأنه لم يثبت في خدمة الرب، الذي لم يختره لهذه المهمة.

وانطلق بولس وبرنابا وبعض الرفقاء الآخرين إلى انطاكية التي في أسيا الصغرى، المدينة التجارية الواقعة داخل سهول الأناضول، والمرتفعة عن البحر مقدار 1000 متر. ولما وصلوها، لم يبشروا الأمة في ساحتها، بل دخلوا مباشرة إلى كنيس اليهود، لأنأبناء إبراهيم قد حصلوا على نور الله الحق، فأراد بولس أن يكرز لهم بيسوع، ملء النور الإلهي لكل العالم، وأن يجذبهم إلى بهائه. والعظة التي قالها بولس هنالك، وسجلها لنا الطبيب لوقا، تعد مثالاً نموذجياً لكل العظات، التي ألقاها بولس في كنائس ايهود، ليقنع أهل العهد القديم بحقيقة المسيح يسوع. وإذا تعمقنا في هذه العظة نرى كيف أن بولس وبرنابا اعتمدا في إيمانهما وكرازتهما على التوراة والأنبياء، معتبرين العهد القديم أساساً وتمهيداً للعهد الجديد.

ونقرأ أنه قد اجتمع داخل الكنيس في أنطاكية مع اليهود قوم من الأممين الأتقياء، الذين كانوا معجبين بفكرة وحدانية الله والمستوى العالي للحياة الأدبية عند أهل العهد القديم. وكلم بولس هؤلاء الحنفاء إسوة باليهود بتكريم واحترام، لأنهم كانا طلاباً مستقيمين. وقد كان بولس أينما ذهب يؤسس كنائس قوية من أمثال هؤلاء المتقين.

لاحظ في العدد 17-25 من قراءتنا الأفعال الأربعة عشر المفسرة لعمل الله، فتدرك أن تاريخ العهد القديم، ليس خرافة بشرية أو بحثاً لاهوتياً بل سلسلة واقعية من أعمال الله. فإنك لا تقدر أن تفهم العهد القديم ولا الجديد. إن لم تدرك مبدئياً أ الله هو الضابط العالم المالك. فليست السياسة ولا الكوراث ولا الحظ يحرك مصير الشعوب. ولكن يحركه الله وحده. فهو يختار إفراداً بدون استحقاقهم في سبيل نعمته. ويرفض من لا يخضع لكلمته. فادرس المعاني المختلفة في كل الأفعال المفسرة لعمل الله. فكسب حكمة فائقة.

وقد ابتدأ الله باختياره الآباء، تاريخ خلاص العالم. وأكمل تخطيطه لهدفه ألا وهو مجيء المسيح. وفي ممارسة هذا التاريخ الإلهي حرر الرب شعب العهد القديم من العبودية. واحتمل تمردهم في البرية صابراً عليهم. ومنحهم مكاناً في كنعان، وعين عليم قضاة أبراراً من أنفسهم. ووافق على طلبهم ملكاً ينصب عليهم، ومسح أول ملوكهم شاول الذي كان في بداية حكمه قدوة باهرة والذي سمى عل اسمه رسول الأمم، الذي كان وهو شاب يفتخر باسمه شاول الملكي. ولكنه لما التقى بملكه يسوع أخذ تواضعه قدوة. فتخلى عن اسم شاول وتسمى بولس بمعنى الصغير.

وتبلور تاريخ الله في داود الملك الذي وجد بحسب قلب الرب. فقد تاب عن خطاياه طالباً إرادة الله. ونبعت منه صلوات وترانيم بالروح القدس التي يصليها الناس منذ ثلاث آلاف سنة حتى اليوم. والمسيح نفسه أثبت بعض النبوات، التي جاءت على لسان داو. ولكن ظن اليهود أن مواعيد الله هذه لم تتم بعد. فكانوا يتساءلون دواماً: أين هو الابن الموعود، أن يأتي من سلالة داود، وهو بحقيقته ابن الله الأزلي؟ (2 صموئيل 7-12). واليهود جميعاً قد علموا هذا الوعد الجوهري، منتظرين المسيح الملك الإلهي، اذي يرشد شعبهم وكل الشعوب للسلام العام. فابتدر بولس المستمعين إليه بجملة قصيرة، أن ابن داود الذي هو ابن الله بنفس الوقت قد جاء، وأنه يسوع من الناصرة، وهو مخلص العالم أعظم من القيصر في روما، لأنه إنسان حق وإله حق، أبدي قدوس مجيد.

وبعد هذه المجابهة للحاضرين، ذكر بولس حقائق عن يوحنا المعمدان، لأن رسالته عن التوبة والمعمودية انتشرت من قبل حتى آسيا الصغرى. مما دفع بعض اليهود أن يظنوه المسيح. فأبرز بولس بوضوح أن يوحنا المعمدان اعتبر نفسه أصغر من يسوع وخادماً لهوغير مستحق لخدمته. وكان المعمدان منتظراً مجيء المسيح بشوق مبرح. ودل كل تلاميذه على الرب الآتي، طالباً إليهم أن يمهدوا طريقه.

الصلاة: أيها الرب المجيد الضابط الكل، ساعدنا حتى لا ندور حول أفكارنا وأنفسنا، بل نصبح حلقات في سلسلة تاريخك، وننقل الإنجيل للآخرين، ونشهد بأعمالك. فليس الزعماء والأحزاب هي التي تخطط مستقبلنا، بل أنت وحدك ربنا. فعلمنا ااعتراف باسمك، ليأتي ملكوتك إلينا وإلى كل العالم.

13: 26 «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ بَنِي جِنْسِ إِبْرَاهِيمَ، وَٱلَّذِينَ بَيْنَكُمْ يَتَّقُونَ ٱللّٰهَ، إِلَيْكُمْ أُرْسِلَتْ كَلِمَةُ هٰذَا ٱلْخَلاصِ. 27 لأَنَّ ٱلسَّاكِنِينَ فِي أُورُشَلِيمَ وَرُؤَسَاءَهُم لَمْ يَعْرِفُوا هٰذَا. وَأَقْوَالُ ٱلأَنْبِيَاءِ ٱلَّتِي تُقْرَأُ كُلَّ سَبْتٍ تَمَّمُوهَا، إِذْ حَكَمُوا عَلَيْهِ. 28 وَمَعْ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا عِلَّةً وَاحِدَةً لِلْمَوْتِ طَلَبُوا مِنْ بِيلاطُسَ أَنْ يُقْتَلَ. 29 وَلَمَّا تَمَّمُوا كُلَّ مَا كُتِبَ عَنْهُ، أَنْزَلُوهُ عَنِ ٱلْخَشَبَةِ وَوَضَعُوهُ فِي قَبْرٍ. 30 وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ. 31 وَظَهَرَ أَيَّاماً كَثِيرَةً لِلَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ مِنَ ٱلْجَلِيلِ إِلَى أُورُشَلِيمَ، ٱلَّذِينَ هُمْ شُهُودُهُ عِنْدَ ٱلشَّعْبِ. 32 وَنَحْنُ نُبَشِّرُكُمْ بِٱلْمَوْعِدِ ٱلَّذِي صَارَ لآبَائِنَا 33 إِنَّ ٱللّٰهَ قَدْ أَكْمَلَ هٰذَا لَنَا نَحْنُ أَوْلادَهُمْ، إِذْ أَقَامَ يَسُوعَ كمَا هُوَ مَكْتُوبٌ أَيْضاً فِي ٱلْمَزْمُورِ ٱلثَّانِي: أَنْتَ ٱبْنِي أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. 34 إِنَّهُ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، غَيْرَ عَتِيدٍ أَنْ يَعُودَ أَيْضاً إِلَى فَسَادٍ، فَهٰكَذَا قَالَ: إِنِّي سَأُعْطِيكُمْمَرَاحِمَ دَاوُدَ ٱلصَّادِقَةَ. 35 وَلِذٰلِكَ قَالَ أَيْضاً فِي مَزْمُورٍ آخَرَ: لَنْ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَاداً. 36 لأَنَّ دَاوُدَ بَعْدَ مَا خَدَمَ جِيلَهُ بِمَشُورَةِ ٱللّٰهِ رَقَدَ وَٱنْضَمَّ إِلَى آبَائِهِ، وَرأَى فَسَاداً. 37 وَأَمَّا ٱلَّذِي أَقَامَهُ ٱللّٰهُ فَلَمْ يَرَ فَسَاداً. 38 فَلْيَكُنْ مَعْلُوماً عِنْدَكُمْ أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، أَنَّهُ بِهٰذَا يُنَادَى لَكُمْ بِغُفْرَانِ ٱلْخَطَايَا، 39 وَبِهٰذَا يتَبَرَّرُ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ مِنْ كُلِّ مَا لَمْ تَقْدِرُوا أَنْ تَتَبَرَّرُوا مِنْهُ بِنَامُوسِ مُوسَى. 40 فَٱنْظُرُوا لِئَلاَّ يَأْتِيَ عَلَيْكُمْ مَا قِيلَ فِي ٱلأَنْبِيَاءِ: 41 اُنْظُرُوا أَيُّهَا ٱلْمُتَهَاوِنُونَ وَتَعَجَّبُوا وَٱهْلِكُوا، لأَنَّنِي عَمَلاً أَعْمَلُ فِي أَيَّامِكُمْ، عَمَلاً لا تُصَدِّقُونَ إِنْ أَخْبَرَكُمْ أَحَدٌ بِهِ».

42 وَبَعْدَمَا خَرَجَ ٱلْيَهُودُ مِنَ ٱلْمَجْمَعِ جَعَلَ ٱلأُمَمُ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمَا أَنْ يُكَلِّمَاهُمْ بِهٰذَا ٱلْكَلامِ فِي ٱلسَّبْتِ ٱلْقَادِمِ. 43 وَلَمَّا ٱنْفَضَّتِ ٱلْجَمَاعَةُ، تَبِعَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلدُّخَلاءِ ٱلْمُتَعَبِّدِينَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا، ٱللَّذَيْنِ كَانَا يُكَلِّمَانهِمْ وَيُقْنِعَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي نِعْمَةِ ٱللّٰهِ.

قد ابتدأ بولس بالجزء الرئيسي من عظته بمخاطبة قلبية لأبناء إبراهيم وطلاب الله، وشهد لهم أن رسالة الخلاص مرسلة إليهم مباشرة. فكل الأنبياء حتى يوحنا المعمدان ترقبوا تحقيق مواعيد الله. أما الخلاص فقد صار متحققاً وتاماً ومستعداً أن يتحق في المستمعين.

ولم يصمت بولس عن رفض أمته ليسوع. ولم يخبئ حكم الظلم للمجلس الأعلى اليهودي في أورشليم، بل سمى تمردهم وعصيانهم وظلمهم جهالة. وهي بنفس الوقت ذنب وإجرام وتعد كبير، لأنهم لم يطيعوا صوت الروح القدوس. فتمم المجلس الأعلى بحكمه الشرير نبوا الأنبياء، إذ سلم يسوع لأيدي الوالي الروماني، وحرض الشعب لطلب صلبه، حتى خضع الوالي لصوت الأمة الهادر. فاهتم بولس اهتماماً كبيراً ليبرهن للمستمعين، أن يسوع لم يمت حسب رغبات اليهود، بل تماماً حسب النبوة، لأنه لا يتم شيء في العالم بلا إراد الله. فالصليب يرينا أن الناس أصبحوا رغم إتمام مشيئة الله خاطئين، لأنهم كانوا دائماً يعارضون محبة الله.

ولكن الله لم تتناه إمكانيته وقدرته لما قتل الناس مخلص العالم، بل خصوصاً في موته قد عظم انتصار العلي الذي أقام يسوع من القبر. وقد ذكر بولس في عظته أربع مرات أن إقامة يسوع هي عمل الله العظيم. فلم يمت المصلوب مجرماً، بل انسجم مع اللهدائماً. لأنه قدوس. ومن بقي بلا خطية لن يموت. فقيامة المسيح من بين الأموات هي حجر الزاوية المتين في رسالة بولس. وهو شاهد بأن يسوع ظهر أياماً كثيرة لتلاميذه، الذين هم شهود العيان لحقيقة الجسد الروحي للمسيح.

وعلى أساس القيامة أوضح بولس من العهد القديم أن لله ابناً أزلياً قدوساً مجيداً. فكان الله أبا يسوع وثبت أميناً له، وأخرجه من القبر، ورفعه مكاناً عليا إلى مجده. وكل هذه النبوات السامية سمعها داود الملك النبي. ولكنه لم ينلها لنفسه، ب أنه فسد في قبره وتفتت فتاتاً. ومثلما أثبت بطرس في عيد العنصرة قبل ذلك إتمام النبوات في المزمور 16: 10 وأعمال الرسل 2: 27 في يسوع المسيح، هكذا شهد بولس في أنطاكية أنه يستحيل على قدوس الله الفساد، لأن قداسته لم تقبل فساداً.

وحيث أن حياة الله وقداسته كانتا ساكنتين في الإنسان يسوع، لذلك فالمقام من بين الأموات بنفس الوقت هو ينبوع لكل مواهب الله الأخرى. وهكذا شهد الرسول أن يسوع الحي يغفر خطايانا. وليس إنسان يتبرر بحفظ النواميس، ولكن من يلتصق بيسوع الظافر يتبرر. وهذا الالتصاق بيسوع لا يعني إلا الإيمان. فمن يؤمن بالمسيح، يتبرر ويتقدس، ويحيا إلى الأبد فهل ثبت فيه حقاً؟

وهذا الإنجيل يتطلب القرار. أما بالقبول أو بالرفض ويسبب أما الخلاص أو القساوة، الحياة الأبدية أو الموت الزؤام. وقد كرز بولس مسبقاً أن كثيرين من مستمعيه سوف لا يؤمنون بكلماته، لأنها تظهر لهم مستحيلة. ولكن هذا حقاً ما أنبأ به النبي حقوق 1: 5 أن الله سيعمل عملاً عظيماً يفوق عقل الإنسان وقدرة قلبه، حتى أن كثيرين لا يؤمنون بما عمل الله حقيقة.

وفي نهاية الاجتماع، طلب المؤمنون الأمميون من الرسولين، أن يرجعا إليهم في السبت القادم ويكلماهم مرة أخرى عن رسالة الخلاص، التي حركت أذهانهم وشوقتهم كثيراً. وبعض اليهود والأتقياء رافقوهما إلى بيتهما، وتكلموا معهما ساعات طويلة عن الخاص بالنعمة. لأن الرسولين أبرزا منذ البداية أن النعمة هي أساس الخلاص. لأن الإنجيل ليس ناموساً تشريعياً متطلباً من الإنسان أعمالاً من تلقاء نفسه لا يقدر على إتمامها فيفشل، بل يشهد الإنجيل لنا بعمل الله، الذي يقدم لنا الغفران وقوة المسيح وياته مجاناً لكل الذين يؤمنون بيسوع من كل قلوبهم.

الصلاة: أبانا الذي في السموات، نشكرك لأنك أقمت ابنك يسوع من بين الأموات. وغفرت لنا لأجله كل خطايانا. ثبتنا في ابنك واملأ أذهاننا برسالة خلاصك، لنشهد بقدرتك وعملك وانتصارك.

13: 44 وَفِي ٱلسَّبْتِ ٱلتَّالِي ٱجْتَمَعَتْ كُلُّ ٱلْمَدِينَةِ تَقْرِيباً لِتَسْمَعَ كَلِمَةَ ٱللّٰهِ. 45 فَلَمَّا رَأَى ٱلْيَهُودُ ٱلْجُمُوعَ ٱمْتَلَأُوا غَيْرَةً، وَجَعَلُوا يُقَاوِمُونَ مَا قَالَهُ بُولُسُ مُناقِضِينَ وَمُجَدِّفِينَ. 46 فَجَاهَرَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَقَالا: «كَانَ يَجِبُ أَنْ تُكَلَّمُوا أَنْتُمْ أَّوَلاً بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ، وَلٰكِنْ إِذْ دَفَعْتُمُوهَا عَنْكُمْ، وَحَكَمْتُمْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ لِلْحَياةِ ٱلأَبَدِيَّةِ، هُوَذَا نَتَوَجَّهُ إِلَى ٱلأُمَمِ. 47 لأَنْ هٰكَذَا أَوْصَانَا ٱلرَّبُّ: قَدْ أَقَمْتُكَ نُوراً لِلأُمَمِ، لِتَكُونَ أَنْتَ خَلاصاً إِلَى أَقْصَى ٱلأَرْضِ». 48 فَلَمَّا سَمِعَ ٱلأُمَمُ ذٰلِكَ كَانُوا يَفْرَحُونَ وَيُمَجِّدُونَ كَلِمَةَ ٱلرَّبِّ، وَآمَنَ جَمِيعُ ٱلَّذِينَ كَانُوا مُعَيَّنِينَ لِلْحَيَاةِ ٱلأَبَدِيَّةِ، 49 وَٱنْتَشَرَتْ كَلِمَةُ ٱلرَّبِّ فِي كُلِّ ٱلْكُورَةِ. 50 وَلٰكِنَّ ٱلْيَهُودَ حَرَّكُا ٱلنِّسَاءَ ٱلْمُتَعَبِّدَاتِ ٱلشَّرِيفَاتِ وَوُجُوهَ ٱلْمَدِينَةِ، وَأَثَارُوا ٱضْطِهَاداً عَلَى بُولُسَ وَبَرْنَابَا، وَأَخْرَجُوهُمَا مِنْ تُخُومِهِمْ. 51 أَمَّا هُمَا فَنَفَضَا غُبَارَ أَرْجُلِهِمَا عَلَيْهِمْ، وَأَتَيَا إِلَى إِيقُونِيَةَ. 52 وَأَمَّا ٱلتَّلامِيذُ فَكَانُوا يَمْتَلِئُونَ مِنَ ٱلْفَرَحِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ.

أرشد الروح القدس بولس واقتاده من جزيرة قبرس الجميلة، التي انغلقت على نفسها رافضة بشارة المسيح، إلى انطاكية الأناضولية في منطقة جرداء، حيث هناك ظهرت بوادر الروح، لأن المدينة كلها تحركت بواسطة شهادة الرسولين. وفي سبعة أيام بين سبتينتكلم بولس وبرنابا كثيراً مع أناس جياع إلى البر، وأذاعا الرجاء الجديد بيسوع، حتى صار حقل الرب في انطاكية مفلوحاً ومسقياً. ولما رأى شيوخ الكنيس اليهودي، أن كثيرين من الأمم تراكضوا إلى كنيستهم، ليس ليتهودوا بل لينالوا غفران الخطايا بدون الاموس، إنما بالإيمان بالمقام من الأموات، جدفوا على يسوع رافضين الإنجيل. فما أروع هذه الحالة! مئات من الناس الجياع ينتظرون رسالة الخلاص. وشيوخ اليهود يصرخون على بولس ويناقضونه، حتى لا يقدر أن يتكلم ويستمر في عظته.

عندئذ توقف الرسول عن إتمام خطابه، واتجه إلى اليهود مباشرة. وقال بقلب دام وبشدة قوية: إن الروح القدس أرشدني إليكم، لتسمعوا أنتم رسالة الخلاص أولاً، لأن لكم حصة وحقاً فيه منذ اختيار آبائكم. ولكن بما أنكم لا تعتبرون أنفسكم مستحقين لقول حياة المسيح، فإنكم تثبتون في موتكم الروحي عبيداً للناموس وبدون غفران. ومعقدين بخطأ فداء النفس بالنفس. وستسقطون لدينونة عند الله أشد. وكما إخوتكم في أورشليم رفضوا مسيح الله الحق، هكذا أنتم أيضاً ترفضون.

أما نحن فغير مرتبطين بأعضاء العهد القديم فقط، بل المسيح أرسلنا إلى الأمم أيضاً. ونتمم بهذا التبشير العالمي ما أنبأ به إشعياء، الذي شهد أن المسيح هو نور الأمم (49: 6) ومؤسس الخلاص إلى انتهاء العالم.

وفي الإيمان القوي تجاسر بولس أن يفهم هذه النبوة بخصوص نفسه، ووضع وظيفته كرسول الأمم بواسطة هذه النبوة من إشعياء النبي. فبولس كان في المسيح، ولم يشع نوره الخاص، بل أشع نور المسيح به. فخلص المسيح بواسطته مئات الملايين حتى اليوم. ولي أحد وضح لنا معنى التبرير والتقديس والفداء في المسيح مثلما وضحه هذا الرسول المقاد من محبة الله.

فالجمع الغفير أصغوا لهذا الصراع والتبكيت بين الرسولين واليهود بانتباه عميم. ورأوا أن اليهود قفد شحنوا غيرة وبغضة وغيظاً وتجديفاً، بينما بولس وبرنابا بقيا هادئين في المحبة والحزن ممتلئين تواضعاً ووقاراً. وأوضحا أن ليس اليهود هم المتارون للخلاص لوحدهم، بل كل مؤمن بيسوع المسيح، إن آمن به حقاً. فشعر المستمعون بقوة محبة الله في المتكلمين ووثقوا بالروح المتكلم منهما أكثر من فهمهم للمعاني العميقة في عظمتها.

وكثيرون من الأمميين تمسكوا بشهادة الرسولين بفرح وآمنوا أن الخلاص قد تم لكل الناس وكان ابتهاجهم عظيماً. ولكن لم ينضجوا جميعاً إلى الإيمان القوي الرصين. فالتحمس الأول خفت وطأته. ولم يثبت في المسيح إلا الذين تعمقوا في الخلاص، واستسلما للمخلص نهائياً. الكل كانوا مدعوين، ولكن قليلين هم المنتخبون. وفسر لوقا هذا السر بأن الله يعلم القلوب، وأن المستعدين فقط هم كاسبو الحياة الأبدية. وليس أحد يأتي إلى يسوع إلا أن يجذبه الآب السماوي. وإننا لنعلم أن الله يريد خلاص كل الناس.لكن ليس كلهم يأتون. فكل مؤمن يحتوي في ذاته على سر كبير. وإيماننا هبة وامتياز من الله. فهل تشكر يسوع لأجله؟ وهل تعلم أن كل عدم إيمان هو ذنب؟ وأن كل من يرفض يسوع يكون مداناً يوم الدين؟

والذين امتلأوا بالخلاص نشروا فرح الروح القدس من مركز انطاكية إلى كل محيطهم. وكل نهضة انتعاشية تظهر بأشعة تبشيرية من هذا النوع. علماً أن الشاهدين للبشارة لم يقبضوا معاشاً ولم يرشدهم أحد من مركز معين، بل الروح القدس هو الذي يعمل في تباع المسيح.

ولكن الروح الشيطاني يعمل أيضاً وتلقائياً في كل الأتقياء المتدينين المتظاهرين بحفظ الناموس. فاليهود الذين كانوا في انطاكية الأناضولية، جاءوا بوجوه عابسة غيورة للشعائر الدينية إلى النساء الأنطاكيات وحرضوهن للتأثير على رجالهن بطرد الالين من بلدهم. فالحيلة والسلطة هما الوسيلتان المضادتان لانتشار الإنجيل. ولكن روح الرب انتصر في المؤمنين، الذين احتملوا الاضطهاد بصبر، وتقووا تحت الضغط بفرح الروح القدس.

وترك بولس وبرنابا المدينة ونفضا غبار أرجلهما عليها حسب أمر المسيح، ليسلموا الرافضين لدينونة الله بممارسة هذا التصرف. هل امتلأت بفرح الروح القدس أو ترفض خلاص المسيح فتسقط لدينونة الله؟

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك خلصت كل الناس على الصليب. ومنحت لكل مؤمن روح حياتك. فنطلب إليك لأجل كل بلدة في أمتنا، أن تختار منه المستعدين، ليسمعوا دعوتك ويمتلئوا بإنجيلك ليصبحوا نور العالم.

4 - تأسيس كنيسة إيقونية (14: 1 - 7)

اَلأَصْحَاحُ ٱلرَّابِعُ عَشَرَ : 1 وَحَدَثَ فِي إِيقُونِيَةَ أَنَّهُمَا دَخَلا مَعاً إِلَى مَجْمَعِ ٱلْيَهُودِ وَتَكَلَّمَا، حَتَّى آمَنَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ ٱلْيَهُودِ وَٱلْيُونَانِيِّينَ. 2 وَلٰكِنَّ الْيَهُودَ غَيْرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَرُّوا وَأَفْسَدُوا نُفُوسَ ٱلأُمَمِ عَلَى ٱلإِخْوَةِ. 3 فَأَقَامَا زَمَاناً طَوِيلاً يُجَاهِرَانِ بِٱلرَّبِّ ٱلَّذِي كَانَ يَشْهَدُ لِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، وَيُعْطِي أَنْ تُجْرَى آيَاتٌ وَعَجائِبُ عَلَى أَيْدِيهِمَا. 4 فَٱنْشَقَّ جُمْهُورُ ٱلْمَدِينَةِ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ مَعَ ٱلْيَهُودِ وَبَعْضُهُمْ مَعَ ٱلرَّسُولَيْنِ. 5 فَلَمَّا حَصَلَ مِنَ ٱلأُمَمِ وَٱلْيَهُودِ مَعَ رُؤَسَائِهِمْ هُجُومٌ لِيَبْغُوا علَيْهِمَا وَيَرْجُمُوهُمَا، 6 شَعَرَا بِهِ، فَهَرَبَا إِلَى مَدِينَتَيْ لِيكَأُونِيَّةَ: لِسْتِرَةَ وَدَرْبَةَ، وَإِلَى ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ. 7 وَكَانَا هُنَاكَ يُبَشِّرَانِ.

لم يهرب بولس وبرنابا بلا وعي من انطاكية تاركين الأناضول، بل ذهبا في طريقهما مرافقين يسوع المسيح في موكب انتصاره. فوصلا إلى ايقونية، مركز اقتصادي آخر داخل الأناضول. ونراهما كيف دخلا أولاً إلى كنيس اليهود، لأنهما خضعا لنبوات العهد اقديم عالمين أنه ينبغي أن يسمع اليهود أولاً بشرى الخلاص، ليقبلوه أو يرفضوه.

وسرعان ما كونت في قونية كنيسة قوية، مؤلفة من يهود مؤمنين بالمسيح وأمميين متجددين. وكما أن لوقا سجل لنا في الأصحاح 13 عظة نموذجية لبولس داخل كنيس اليهود في انطاكية، فهكذا كان تبشيره في قونية أيضاً. وعندما دخل أناس أفواجاً إلى رحاب لمسيح، وتسلموا حياته الأبدية، غار رئيس الكنيس اليهودي حاسداً وعارض تفسير بولس للتوراة، وجدف على يسوع المصلوب الحي. فحدث انفصال أليم نهائي، الذي لم يقصده بولس راضياً. وهذا الانفصال ما نتج من خطأ في التبشير، ولا تسبب من استكبار أو أنانية ولس. بل كان نتيجة حتمية لإعلان الإنجيل الحق. فكلمة الله، تخلص أو تقسي، تحرر أو تربط. فعلينا أن نعتبر التنقية الروحية في الكنيسة وكل انفصال بالتواضع في سبيل الإنجيل نعمة كبرى.

لماذا لم يؤمن كثير من اليهود بيسوع الناصري المسيح المصلوب ورب السماء؟ فلوقا يكتب لنا، أنهم رغم المعرفة والإدراك وجذب روح الله، لم يريدوا أن يؤمنوا. فذهنهم وإرادتهم كانت مضادة لله وغير مستعدة لقبول النعمة، لأنهم بنوا دينهم وبرهم عل أعمالهم الخاصة وقدرتهم الإنسانية. وهكذا رفضوا التوبة الضرورية، ولم يمارسوا التسليم للمسيح. وكرهوا المخلص القائل، انه هو الطريق الوحيد إلى الله. وحتى اليوم لا يكون إنسان مستعداً لقبول المسيح، إن توقف على الشريعة ظاناً أنها الطريق المستقم إلى السماء. فهذا الإنسان المسكين يغر نفسه، لأنه لم يدرك غرقه في الخطايا. وثقته بتقواه الشخصية تمنعه من التوبة والاعتراف والانكسار. فيظن هذا المرائي المتخيل، أنه غير محتاج إلى يسوع المخلص، ويرفض يده المنجية الممدودة له. فهل أنت محتاج إلى يسوع، وهل تعرف نفسك الضعيفة الملوثة بخطايا عديدة؟ هل تتمسك بمخلصك ليلاً نهاراً كل يوم؟

لقد سمى لوقا الرسولين بولس وبرنابا إخوة، لأنهما تعاونا بمحبة كبيرة وانسجام متواضع في إخوة الروح القدس. فلم يفكر أحد منهما في ذاته، ولا عمل عملاً مستقلاً عن الآخر، بل صليا معاً، واشتركا في إعلان انتصار المسيح.

ولمسا كلاهما البغضة النامية، ولكنهما لم يهربا، بل استمرا يشهدان للكنائس الحديثة بملء قوة المسيح، حتى جرت بالإيمان المتزايد في الكنيسة شفاءات وآيات عجيبة، دالة على وجود المسيح الحي بينهم. فقوي التبشير أكثر فأكثر. وإلى الآن فإن نعمةالمسيح لم تنقصر منذ ذلك الوقت. وهو المستعد لينزل مواهبه على المؤمنين سنداً لشهادتهم. فكانت النعمة والإيمان العنصرين الأساسيين في تبشير الرسل.

والانفصال في كنيس اليهود عم جميع أصقاع المدينة حتى صارت كل عائلة منشقة فريقين. فالبعض مال لليهود ومصالحهم التجارية والهدوء في المدينة فأبغضوا الفكر الجديد، وكانوا مستعدين لطرد بولس وروحه المثير. بينما الفرقة الأخرى شعرت بقوة المسي، وأرادت تنفيذ انتصاره، وصلت لحلول بركة الله من أجل نهضة روحية وتطور في المدينة. فاصطدم الفكر الجديد والتقليد القديم. والمتصلبون لم يعرفوا كيف يغلبون فرقة محبة الله، لأن أعمال الرسل وكلماتهم أضاءت كأنوار براقة في الليل. ولما لم يستطع الهود أن يغلبوا بولس وبرنابا روحياً، تآمروا مع رؤساء المدينة وشيوخ البلدية لتعذيب الرسولين ورجمهما بالحجارة. فلجأوا إلى العنف والقتل، لأن روحهم الناموسي لم يستطع غلبة الروح القدس الحر.

ولاحظ الرسولان هذا القصد مسبقاً، ومضيا من قونية هرباً إلى مدينة أخرى، لأن الموت في سبيل المسيح ليس هو الوصية الوحيدة من الرب، بل الأهم من ذلك أحياناً هو أن تكون الحياة من أجله استمرار لخدمة اسمه ورفع كلمته. فانتبه تماماً ماذا يقوللك الروح القدس في حالتك. فلا تعجبن أن صادفتك ضيقات واضطهادات وشتائم وضغط مؤلم، لأجل اسم يسوع، لأن رسول الأمم بولس، هرب من مدينة إلى أخرى، ومن بلاد إلى بلاد. وتشجع كل مرة مجدداً، ولم يبال بعداوة مضطهديه، بل بشر بعظمة خلاص المسيح في وقت مناسب وغير مناسب. فصل أيها الأخ واصغ إلى إرشاد الروح القدس. ولا تصمت، بل جاهر بعظمة محبة المسيح، فتلبس قوة من فوق.

الصلاة: نشكرك أيها الرب المسيح، لأنك قويت بولس وبرنابا لكيلا يتشاءما رغم استمرار الاضطهاد والضيق. قد قويتهما وأرشدتهما وشجعتهما لتمجيد اسمك القدوس. فساعدنا لكي لا نخاف من أحد، بل نمجد اسمك بجرأة وحكمة في روحك القدوس.

5 - تأسيس كنيسة لسترة (14: 8 - 20)

14: 8 وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتِرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ ٱلرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ، وَلَمْ يَمْشِ قَطُّ. 9 هٰذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ، فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَاناً لِيُشفَى 10 قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِباً». فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي. 11 فَٱلْجُمُوعُ لَمَّا رَأَوْا مَا فَعَلَ بُولُسُ، رَفَعُوا صَوْتَهُمْ بِلُغَةِ لِيكَأُونِيَّةَ قَائِلِينَ: «إِنَّ ٱلآلِهَةَ تشَبَّهُوا بِٱلنَّاسِ وَنَزَلُوا إِلَيْنَا». 12 فَكَانُوا يَدْعُونَ بَرْنَابَا «زَفْسَ» وَبُولُسَ «هَرْمَسَ» إِذْ كَانَ هُوَ ٱلْمُتَقَدِّمَ فِي ٱلْكَلامِ. 13 فَأَتَى كَاهِنُ زَفْسَ ٱلَّذِي كَانَ قُدَّامَ ٱلْمَدِينَةِ بِثيرَانٍ وَأَكَالِيلَ عِنْدَ ٱلأَبْوَابِ مَعَ ٱلْجُمُوعِ، وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ.

حدث في مدينة لسترة وعلى بعد ثلاثين كيلو متراً جنوب غربي إيقونية أعجوبة غريبة، لأن يسوع شفى رجلاً مشلولاً بواسطة كلمات الرسول بولس.

وقبل هذه الحادثة بسنين، شفى بطرس باسم يسوع المسيح مشلولاً عند باب الهيكل، الذي كان شلله منذ الولادة. وهذا الشفاء آنذاك سبب تجمع الشعب في ساحة الهيكل، وأعطيت عظة فعالة على لسان بطرس. ونجم عن ذلك قيادة بطرس إلى المحاكمة، أمام المجلس اليهودي الأعلى.

فنظير ذلك حدث في لسترة مع بولس، حيث بشر الرسول الجماهير، وبينهم كان إنسان مشلولاً منذ ولادته. وهذا المسكين فهم المتكلم، وآمن بقوة المسيح. ولما التقت عينه بعين بولس، أدرك الرسول مشيئة يسوع، وشخص في المشلول، وأمره أن يقوم رأساً على جليه وأن يمشي. فقوة المسيح عملت بواسطة كلمات الرسول بولس دون أن يذكر المتكلم اسم يسوع، ودون أن يمسك الرسول بيد المشلول كما فعل بطرس آنذاك، لأن المريض قد سمع الإنجيل وآمن ببشرى الخلاص. فإيمانه خلصه.

ولسترة كانت مدينة وثنية، لم يكن لأهلها معرفة بالله القدوس الواحد، الذي أمامه كل الناس مذنبون. لكن هؤلاء الوثنيين آمنوا بآلهة وأرواح كثيرة، وصدقوا بإمكانية تجسدها وتجولها بينهم، كما كانوا يؤلهون بسهولة بعض المشهورين، لأن أرواح جهنم والبشر الضالين لا يعيشون بانفصال تام عن بعض.

ولما استمعت الجماهير إلى برنابا وبولس، ورأت شفاءهما للمريض، ظنت أن آلهة صالحة زارت مدينتهم. فسموا برنابا بزفس، لأن صفاته مطابقة له بروح الأبوة واللطف والهدوء والرصانة، كأنه أبو الآلهة، كما سموا بولس بهرمس ساعي الآلهة الذي يتميز بانشاط والحركة والتكلم والكفاح. وحيث كان هناك في المدينة هيكلاً قديماً للإله زفس، فقد استعجل كاهن ذلك الهيكل منتفضاً وراكضاً إلى صيرة الفلاحين، وجلب ثورين سمينين، وقادهما للذبح وهما مزينان بزهور. ونادى في المدينة لتقبل الجماهير أفواجاً إل وليمة الفرح، التي تقام تكريماً للآلهة. وهذه الولائم في الهياكل كانت تتميز بالسكر والبطر والزنى، لأنهم ظنوا أنه بتقديمهم كل طاقاتهم في الفرح والإباحة يكافئون بركات الآلهة.

لم يفهم بولس وبرنابا صراخ الجماهير بلغتهم الدارجة رأساً. وكانوا بعيدين عنهما قليلاً توقيراً وإجلالاً. ولكن حالما فهم الرسولان غاية الذبيحة العظيمة فزعا واشمأزا، وركضا وسط الجماهير، ومزقا ثيابهما تعبيراً عن غضبهما غيرة لله. ووقف بولس على حجر مرتفع وصرخ: قفوا! أنتم مخطئون، فلسنا آلهة البتة، إنما نحن بشر مثلكم من لحم ودم. قد وقعتم في خداع النفس. فزفس وهرمس ما أتيا إليكم. فهذه الآلهة أباطيل وتخيلات غير موجودة. إن كل آلهتكم أباطيل باطلة بلا قوة ولا حياة بل هي أموات وعم.

لكننا نحن نبشركم بالله الوحيد القدوس الحق الذي هو خلق السماوات والأرض وكل ما فيها وكل ما ترونه، وحتى أنتم بأنفسكم. كلنا خليقة الله الصالح، الذي لا يجبر أحداً على تنفيذ إرادته. إنما يترك المعاندين ليقعوا في شهوات قلوبهم ليفسدوا أنفسهم بأنفسهم. ورغم أنانية الشعوب فإن الله يكمل تاريخه مع البشر، ويحب العنيدين، ويهبهم حتى اليوم المطر والشمس والحر والبرد والحصاد. فالله الوحيد هو الذي يعطينا المؤونة والوليمة والفرح. ليس هرمس ولا زفس ولا أي روح آخر، لأنهم جميعاً أباطيل. كذا تكلم الرسولان مع الأفراد والجماهير ومنعوهم من الذبيحة. فاغتاظ الكاهن وحزنت الجماهير، الذين فكروا بالبهجة في الشركة مع الآلهة. وعادوا مستائين إلى بيوتهم، كأنما وقعت عليهم صاعقة من السماء. وكل المدينة تكلمت عن الرسولين وكرازتهما الغرية عن الله الواحد.

14: 19 ثُمَّ أَتَى يَهُودٌ مِنْ أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَقْنَعُوا ٱلْجُمُوعَ، فَرَجَمُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ ٱلْمَدِينَةِ، ظَانِّينَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ. 20 وَلٰكِنْ إِذْ أَحَاطَ بِهِ ٱلتَّلامِيذُ قَامَ وَدَخَلَ ٱلْمَدِينَةَ، وَفِي ٱلْغَدِ خَرَجَ مَعَ بَرْنَابَا إِلَى دَرْبَةَ.

ولقد سمع اليهود في المدن المجاورة عن هذه الوقائع الغريبة، فتراكضوا إلى لسترة، وأججوا نيران الاستياء في الشعب. وتفننوا بالاتهامات والحيل، وسموا الرسولين مضلين ومخربين التقاليد وخطراً على مستقبل المدينة. والجمهور الغاضب انحاز إلى الخادعين منضماً إلى صف وجهاء المدن الأخرى، الذين كانوا يؤلبونهم لقتل الرسولين. وتيقنت الجماهير أخيراً أن بولس، ليس إلهاً بل إنسان مثلهم. فأحاطوا به ورجموه بالحجارة، وفرحوا أنه لم يخرج منه بروق ولا رعود وهو حقاً إنسان ضعيف مثلهم. فهجموا عله أكثر. وأمطروه حجارة صخرية، لأنه تجاسر على ذم آلهتهم. فهكذا ألقي على الأرض دامياً ممزقاً كباطل مهيض، ومغطى بحجارة كثيفة. ولم يهاجم الجمهور برنابا اللطيف، بل قصدوا بولس لوحده بالطعن والإيذاء، لأنه هو الذي كان لولب الحركة والتبشير والشفء. فقد أدركت جهنم من يأتيها بالخطر. ولعل بولس آنئذ قد خطر له استفانوس، الذي رُجم أمام أسوار أورشليم، وغفر ذنوب أعدائه مسلماً روحه بين يدي يسوع الحي.

ولما جرجرت الجماهير بولس ككلب ميت أمام أسوار المدينة. وعادوا إلى بيوتهم متضعضعين من حوادث النهار، جاءه عشاء التلاميذ وأحاطوا بجسده الدامي. وصلوا معاً مؤمنين بقدرة المسيح على الموت كأنما قوة الله تتسرب منهم إلى الجريح وجسده الميت. قام بولس ولباسه ممزق وثوبه مخرق مهلهل مبتل بالدم والوسخ. فنظر إلى إخوته في المسيح صامتاً، ولم يهرب إلى البرية الدامسة. بل رجع معهم إلى المدينة القاتلة، وسط الأعداء. لأنه علم أن المسيح لم يتركه في الموت، بل أقامه مرة أخرى للخدمة. فأثبت المؤمنين في محبة الله، رغم جروحه الأليمة.

وفي اليوم التالي ذهب برنابا وبولس مشياً على الأقدام إلى مدينة دربة القريبة. وكان بولس منهوك القوى ولا تزال جراحه مدماة. لكن قلبه تهلل وسر، لأن المسيح أسس كنيسة حية في لسترة. فتعلم التلاميذ هناك اسم يسوع بواسطة قدوة الرسل.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح اسمك قدوس والشيطان يكره أتباعك، مريداً إهلاكهم. ساعدنا لندرك حقك، ونعلنه بحكمة، ونحب أعدائنا ونبارك معذبينا. ونطلب تأسيس كنيستك في بلدتنا. آمين.

6 - الخدمة في دربة والعودة لتقوية الكنائس المؤسسة حديثاً (14: 21 - 23)

14: 21 فَبَشَّرَا فِي تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ وَتَلْمَذَا كَثِيرِينَ، ثُمَّ رَجَعَا إِلَى لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ وَأَنْطَاكِيَةَ، 22 يُشَدِّدَانِ أَنْفُسَ ٱلتَّلامِيذِ وَيَعِظَانِهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا فِي ٱلإِيمَانِ، َأَنَّهُ بِضِيقَاتٍ كَثِيرَةٍ يَنْبَغِي أَنْ نَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ. 23 وَٱنْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوساً فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَٱسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ ٱلَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ.

ممتلئين بقوة الروح القدس بشر الرسولان المضطهدان أهل دربة. وهي مدينة صغيرة من آسيا الصغرى. وكثيرون من الناس آمنوا بالمسيح تاركين الموت في الخطايا، داخلين إلى حياة الله في البر والقداسة. وبهذا العمل تمم الرسولان أمر المسيح الذي قال: دُفع إليّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به. وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر.

وتأثر الرسولان خصوصاً بمعنى الكلمات: «وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به». لأن كنائسهم كانت جديدة وبدون كتاب مقدس باللغة اليونانية، وبدون نظام اجتماعاتهم، وبدون خبرة في المناقشات مع أعدائهم. فشابه الرسولان الأم التي ولدت أطفالاً واستلزم مفارقتهم، رغم أنهم غير مستطيعين تغذية أنفسهم، ولا السعي لأجل سد إعوازهم. فاشتاق قلباهما لأولئك الأطفال الروحيين المتروكين. فلم يخافا خطر الموت، ورجعا بجرأة إلى المدن التي اضطهدا فيها سابقاً. فالمحبة تغلب كل خوف وتطرده، لأنها أعم الدوافع في الإنسان.

وعاد الرسولان إلى لسترة حيث جرم بولس. وهناك لم يبشرا الجماهير عامة، بل قويا المؤمنين الذين دعاهم المسيح من العالم نخبة لملكوته. وبهذه الخدمة مارس الرجلان واجب بنيان النفوس بعد التبشير. ولم يتكلما عن أحلام ورجاء متخيل، بل شهدا لهم كل وضوح أنه ينبغي أن ندخل ملكوت الله بضيقات كثيرة. انتبه لقد قالا (ينبغي) فلا تستطيع أن تدخل ملكوت الله بدون ضيقات، بل ستلاقي أمواج البغضة والكذب والعذاب والآلام لأجل المسيح، عربوناً لدخولك إلى رحاب النعمة.

وفهم الرسولان بعبارة ملكوت الله مملكة أبي ربنا يسوع المسيح، التي أصبحت ظاهرة في قوة الابن. وكل المؤمنين ينتظرون مجيئه في المجد وإعلان قدرته على الأرض، علماً أن كل مولود ثانية من الروح القدس هو اليوم عضو في ملكوت الله، لأن يسوع المسيح اشترى لنا بدمه العضوية والقداسة والتواضع والمحبة. فهل دخلت إلى رحاب المسيح؟ وهل تترقب ظهور ملكوت الآب عند مجيء مخلصنا المسيح؟ فليس خلاص نفسك ولا نمو الكنائس العديدة هو هدف ملكوت الله، بل ظهور مجد الآب والابن في شركة الذين يعيشون في قوة الروح القدس. فاطلبوا اولاً ملكوت الله وبره، فتزاد وتترتب لك الأمور الأخرى تلقائياً.

ولم يعظ الرسولان عن الإيمان والآلام والمجد فقط، بل نظما الكنائس عملياً. واختارا على أساس اختباراتهم شيوخاً وعيّناهم لترؤس الاجتماعات وحمل المسؤولية للفقراء والمرضى حيث كانت حياتهم قدوة في القداسة والخلاص والعفة باتباع المسيح.

وهكذا قوى الرسولان الكنائس واستطاعا أخيراً أن يتركا رعاياهم وسلماهم إلى الراعي العظيم المسيح الذي كان معهم كل الأيام. ولممارسة هذا التسليم، استعدوا مصلين وصائمين، وطلبوا ملء الروح القدس للمسؤولين الجدد في الكنائس، وآمنوا أن المسيح نفسه يحمل المسؤولية عن كنيسته. ولم يشترع الرسولان قوانين وطقوساً وكتباً ترنيمة للكنائس، بل سلما المجتمعين إلى يدي المسيح الحي. عالمين أنه قادر أن يقدس إلى التمام كل الذين ينجذبون إلى موكب انتصاره.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت رأس كنيستك والراعي الأمين. فنطلب إليك لأجل كل حلقات جديدة للمؤمنين، أن تباركها، وتملأها بروح تواضعك. لكي لا تنقص قوة ومحبة ومعرفة، واستعداداً للتبشير. اغفر لتلاميذك كل الذنوب يومياً. وامنحهم شيوخاً مسؤولين يعملون إرادتك في عفة وحق وقدرة للآخرين.

7 - الرجوع إلى انطاكية سوريا وعرض نتائج الخدمة على الإخوة هناك (14: 24 - 28)

14: 24 وَلَمَّا ٱجْتَازَا فِي بِيسِيدِيَّةَ أَتَيَا إِلَى بَمْفِيلِيَّةَ، 25 وَتَكَلَّمَا بِٱلْكَلِمَةِ فِي بَرْجَةَ، ثُمَّ نَزَلا إِلَى أَتَّالِيَةَ، 26 وَمِنْ هُنَاكَ سَافَرَا فِي ٱلْبَحْرِ إِلَى أَنْطَاكِيَة، حَيْثُ كَانَا قَدْ أُسْلِمَا إِلَى نِعْمَةِ ٱللّٰهِ لِلْعَمَلِ ٱلَّذِي أَكْمَلاهُ. 27 وَلَمَّا حَضَرَا وَجَمَعَا ٱلْكَنِيسَةَ، أَخْبَرَا بِكُلِّ مَا صَنَعَ ٱللّٰهُ مَعَهُمَا، وَأَنَّهُ فَتَحَ لِلأُمَمِ بَابَ ٱلإِيمَانِ. 8 وَأَقَامَا هُنَاكَ زَمَاناً لَيْسَ بِقَلِيلٍ مَعَ ٱلتَّلامِيذِ.

عاد الرسولان في سفرة طويلة، ونزلا إلى شاطئ البحر، وبشرا في مدينة برجة في ساحل جنوب الأناضول. ولكننا لا نسمع أي خبر عن تأسيس كنيسة هنالك، لأن الروح القدس لم يرسل الرسولين إلى الساحل، بل إلى الجبال وحر السهول الداخلية. فتركا على ريث المدينة، ودخلا ميناء انطاكية وأبحرا إلى الشرق عائدين إلى انطاكية سوريا، إلى تلك الكنيسة المحبوبة، التي اختارهما الروح القدس منها إلى عمل غامض آنذاك. ولكن برجوعهما من هذه السفرة التبشيرية الأولى، اتضح ما هو عمل الروح القدس، الذي قصده منذ الأزل: تأسيس كنائس مؤلفة من مؤمنين أمميين ويهود. فهذه الأعجوبة التي تحققت سابقاً في انطاكية السورية تتابعت، لأن الروح القدس أوجد ثماراً مشابهة في كل بلد تخطياها.

وبهذا اتضح أيضاً أن الباب إلى الأمم كان مشرعاً على مصراعيه. فهل المؤمنون مستعدون أن يدخلوا من هذا الباب. ويبشروا الشعوب؟ وقد دخل المدعوون من الأمم بواسطة هذا الباب المفتوح إلى رعوية المسيح. فليس اليهود وحدهم هم المختارون للعهد مع لله، بل كل الذين يؤمنون بالمسيح إنما يختبرون أن الباب إلى الله القدوس مفتوح لهم، لأن دم المسيح طهرنا والروح القدس يجددنا. فمن يؤمن يخلص.

وبفرح عظيم دعا بولس وبرنابا كل أعضاء الكنيسة للإجتماع، لأنهم كانوا يصلون من أجلهما أثناء سفرتهما الطويلة ليلاً نهاراً، لأجل إرشادهم وحفظهم من قبل الله. فأخبر الرسولان شاكرين الله عما عمله المسيح بواسطة خدمتهما المشتركة. ففاق الابتاج وظهرت نبوات وتقوى الرجاء. ومجد الكل الله الآب والابن والروح القدس. فنتيجة هذه الرحلة التبشيرية كانت عاصفة الشكر للرب يسوع لأن التبشير في صميمه كان شكراً للجلجلة.

وارتاح بولس وبرنابا في شركة الإخوة الناضجين، واختبرا من جديد المواهب الغنية المتعددة، التي منحها المسيح للكنيسة في هذه العاصمة. فعظموا معاً النعمة الإلهية المعطاة للذين يؤمنون بالمسيح ويخدمون العالم في قوة الروح القدس.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نعظمك لأنك دعوت كل الناس إلى ملكوتك. وخاطبتنا أيضاً وأكدت لنا خلاصنا. وأحييتنا من الموت في الذنوب. وطهرتنا بدمك وأرسلتنا لتبشير أصدقائنا. فساعدنا لنسلك بالتواضع والعفة في فرح روحك مطيعين إرشاده كل يوم.

ثانياً: المؤتمر الرسولي في أورشليم (15: 1 - 25)

اَلأَصْحَاحُ ٱلْخَامِسُ عَشَرَ : 1 وَٱنْحَدَرَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ، وَجَعَلُوا يُعَلِّمُونَ ٱلإِخْوَةَ أَنَّهُ «إِنْ لَمْ تَخْتَتِنُوا حَسَبَ عَادَةِ مُوسَى، لا يُمْكِنُكُمْ أَنْ تَخْلُصُوا». 2 فَلمَّا حَصَلَ لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا مُنَازَعَةٌ وَمُبَاحَثَةٌ لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ مَعَهُمْ، رَتَّبُوا أَنْ يَصْعَدَ بُولُسُ وَبَرْنَابَا وَأُنَاسٌ آخَرُونَ مِنْهُمْ إِلَى ٱلرُّسُلِ وَٱلْمَشَايِخِ إِلَى أُورُشَلِيمَ مِنْ أَجْلِ هٰذِهِ ٱلْمَسْأَلَةِ. 3 فَهٰؤُلاءِ بَعْدَ مَا شَيَّعَتْهُمُ ٱلْكَنِيسَةُ ٱجْتَازُوا فِي فِينِيقِيَةَ وَٱلسَّامِرَةِ يُخْبِرُونَهُمْ بِرُجُوعِ ٱلأُمَمِ، وَكَانُوا يُسَبِّبُونَ سُرُوراً عَظِيماً لِجَمِيعِ ٱلإِخْوَةِ. 4 وَلَمّا حَضَرُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَتْهُمُ ٱلْكَنِيسَةُ وَٱلرُّسُلُ وَٱلْمَشَايِخُ، فَأَخْبَرُوهُمْ بِكُلِّ مَا صَنَعَ ٱللّٰهُ مَعَهُمْ. 5 وَلٰكِنْ قَامَ أُنَاسٌ مِنَ ٱلَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا مِنْ مَذْهَبِ ٱلْفَرِّيسِيِينَ وَقَالُوا: «إِنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَنُوا، وَيُوصَوْا بِأَنْ يَحْفَظُوا نَامُوسَ مُوسَى».

يظهر الشيطان أحياناً تقياً جداً، ويعلم الناس حفظ النواميس. كأنهم يستطيعون أن يكسبوا زيادة على غفران المسيح قداسة خاصة، كأنه لا يكفي التبرير بدمه، ولا النعمة كأساس لحياتنا مع الله.

هكذا قدم من أورشليم إلى انطاكية بعض المؤمنين المتزمتين الناموسيين، وأزعجوا السلام والانسجام في كنيسة انطاكية. وطلبوا لأنفسهم حق التعليم في الاجتماعات، ليقودوا المؤمنين إلى ملء الخلاص. وادعوا أن دم المسيح غير كاف لفداء المؤمنين، بل أنهم يحتاجون إلى ختن ناموس موسى، كما أمر الله رمزاً لعهده. وقالوا أن الناموس كله موحى به من الله، وكل من لا يحفظ الناموس بدقة يُدان.

فامتلأ بولس وبرنابا بالغضب المقدس. وكان الأخير قد جاء مفتشاً من قبل أورشليم من قبل. وشهد الرسولان بكل صراحة وشدة أن حلول الروح القدس في المؤمنين لا يتوقف على حفظ الناموس أو معرفته، حسب اختباراتهم في مدن آسيا الصغرى. فالخلاص نعمة فط، وليس نتيجة حفظنا للناموس. أما المؤمنون الفريسيون من القدس، فقد طلبوا خضوعاً بلا قيد أو شرط لوحي العهد القديم، بينما بيّن بولس أن الله أعلن ناموساً جديداً في المسيح، الذي أكمل لأجلنا الناموس القديم وغلبه، وأدخلنا إلى عصر النعمة.

وهكذا نشب صراع عنيف روحي في الكنيسة. فاضطرب لأجله المؤمنون الجدد، لأن الفرقتين برهنتا حقهما من التوراة. ونتج عن ذلك كما حصل بعدئذ عدة مرات في التاريخ الكنسي، إن أعضاء الكنيسة طلبوا عقد مؤتمر قمة لتقرير ما هي إرادة الله بواسطة الرسل والشيوخ والناضجين في الإيمان.

وبناء على هذا الأمر الهام، ذهب بولس وبرنابا باسم الكنيسة الانطاكية بالسفن إلى لبنان وزارا الإخوة في المدن الساحلية. ونسمع لأول مرة في هذه المناسبة، أنه قد تأسست في لبنان كنائس مسيحية، ودخل أفراد كثيرون إلى الحياة الأبدية. وهؤلاء الإخوة فرحوا فرحاً عظيماً، لما سمعوا كيف دعا الله وثنيين غرباء للعهد معه، بدون ختان وبدون أعمال الناموس، نعمة وهبة فقط. والفرح عند هؤلاء المؤمنين كان عظيماً، لأن الفينيقيين كانوا رجال الرحلات والاكتشافات، وعلموا أن الدين اليهودي مع أحكامه الناموسية لا يقدر أن يجدد العالم. فأدركوا فكرة النعمة رأساً، وعظموا يسوع للحرية في الروح القدس المشرقة في عصر جديد.

وفي منطقة السامرة شهد المسافرون بعجائب عمل الله أيضاً، لأن الخبر عن الاختبارات الروحية شجع المؤمنين وأرشدهم ليقدموا بعزم خلاص المسيح لكل العالم.

ولما وصل الرسولان إلى أورشليم، تراكض المؤمنون مع بقية الرسل والشيوخ لملاقاة الوفد، فالجميع شعروا بأهمية هذا الالتقاء. لأن القادمين كانوا أول وفد يأتي من خارج فلسطين، طالباً القرار والتوضيح في أسئلة حول الإيمان. والفقيه السابق شاولتواضع، وطلب باسم الكنيسة في انطاكية تثبيتاً لتعليمه عن النعمة. كما أن الكنيسة في أورشليم كلها عاينت في هذه المرة العدو السابق الذي اختاره الله رسولاً لخلاص الأمم.

ولم تبدأ الجلسات بتحليل المبادئ العقائدية، بل سمع المجتمعون أولاً تقريراً عن اختبارات برنابا وبولس، كيف أسس المسيح بإنجيله كنائس عديدة في سوريا وآسيا الصغرى بخدمتهما. فدخل انتصار الرب في أدمغة كل المستمعين. ولم يقدر أحد أن ينكر أعوبة انسكاب الروح القدس على الأمم. وخصوصاً شهادة برنابا المحترم الرصين أثرت على المجتمعين في القدس، لأنه كان معروفاً ومرسلاً منهم في السابق.

وبعدما انتهى وفد انطاكية من عرض أفكاره. قام بعض المؤمنين الذين كانوا سابقاً فريسيين متزمتين. ولم يموتوا عن ثقتهم بطاقتهم الخاصة رغم إيمانهم بالمسيح. فطالبوا ليس فقط بالختان لمن آمن من الأمم، بل أيضاً خضوعهم للناموس كله بحذافيره. وؤلاء الناموسيون المتعصبون إذاً، لم يعارضوا تبشير الأمم، بل فرحوا بفوز المسيح، إنما طالبوا بحدة بتهويد المتجددين، لكيلا يقوم عهد جديد بجانب عهد موسى. وبهذا الطلب أوقفوا ابن الله يسوع وأعماله بنفس المستوى مع النبي موسى وأعماله. وأظهروا بها عدم فهمهم العصر الجديد بحريته من الناموس وثباته في محبة الله الكاملة.

الصلاة: أيها الرب يسوع، افتح أعيننا لنراك وندرك عظمة محبتك لكيلا نؤمن بأنفسنا ولا نتمسك بطاقتنا الضعيفة، بل نتوقف على انتصارك فقط ونقرأ بإنارة الروح القدس الكتاب المقدس ونصبح أمناء لعهدك الجديد المعلن في إنجيلك الشريف.

15: 6 فَٱجْتَمَعَ ٱلرُّسُلُ وَٱلْمَشَايِخُ لِيَنْظُرُوا فِي هٰذَا ٱلأَمْرِ. 7 فَبَعْدَ مَا حَصَلَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ قَامَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّه مُنْذُ أَيَّامٍ قَدِيمَةٍ ٱخْتَارَ ٱللّٰهُ بَيْنَنَا أَنَّهُ بِفَمِي يَسْمَعُ ٱلأُمَمُ كَلِمَةَ ٱلإِنْجِيلِ وَيُؤْمِنُونَ. 8 وَٱللّٰهُ ٱلْعَارِفُ ٱلْقُلُوبَ شَهِدَ لَهُمْ مُعْطِياً لَهُمُ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ كَمَا لَنَا أَيْضاً. 9 وَلَمْ يُمَيِّزْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِشَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ بِٱلإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ. 10 فَٱلآنَ لِمَاذَا تُجَرِّبُونَ ٱللّٰهَ بِوَضْعِ نِيرٍ عَلَى عُنُقِ ٱلتَّلامِيذِ لَمْ يَسْتَطِعْ آبَاؤُنَا وَلا نَحنُ أَنْ نَحْمِلَهُ؟ 11 لٰكِنْ بِنِعْمَةِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ نُؤْمِنُ أَنْ نَخْلُصَ كَمَا أُولَئِكَ أَيْضاً». 12 فَسَكَتَ ٱلْجُمْهُورُ كُلُّهُ. وَكَانُوا يَسْمَعُونَ بَرْنَابَا وَبُولُسَ يُحَدِّثَانِ بِجَمِيعِ مَا صَنَعَ ٱللّٰهُ مِنَ ٱلآيَاتِ وَٱلْعَجَائِبِ فِي ٱلأُمَمِ بِوَاسِطَتِهِمْ.

بعد الاجتماع العام الذي انعقد بحضور جميع الأعضاء، اجتمع مرة ثانية عمداء الكنيسة في اجتماع مغلق، ليجدوا في الصلاة والتعمق في التوراة والأنبياء توضيحاً لمسألة الناموس والإنجيل. وكانت الجلسة حامية طويلة، لأن الفرق بين مطاليب العهد القديم وهبات النعمة في العهد الجديد كبير. ومن لا يدرك حقيقة هذا الفرق، تكون قراءته للكتاب المقدس سطحية. ولكن الحمد لله ففي نهاية البحث. قام بطرس، الذي أظهر أنه المقدام الحق للرسل، بشهادته في إرشاد الروح القدس وإعلانه أسس خلاصنا. فأبرز أن اله لم يستخدم بولس، بل استخدمه هو أولاً لتنفيذ مشيئته في إبلاغ الإنجيل للأمم. فآمنوا وحسن إيمانهم. ليس بتصديق نظري فقط، بل إيماناً حقاً بتسليم القلب إلى يسوع نهائياً وقبول خلاصه على الصليب.

والله هو العليم العارف القلوب والمثبت الإيمان بيسوع بشهادة ختم روحه. فكل مؤمن حق بالمسيح ينال من الله شهادة واضحة غير مكتوبة على ورق فان، بل قد كتبت بالروح القدس الحال في قلوب الذين يحبون يسوع. كما كتب بولس إلى أهل أفسس. إذ آمنتم تمتم بروح الموعد القدوس.

ولا يوجد نوعان من الروح القدس. فمن يتعلق من اليهود بيسوع الحي، يعش بنفس القوة كالمؤمنين من الأمم. فلا يوجد فرق بين المؤمنين بنسبة العنصر والجنس والعمر والثقافة والملك. الجميع واحد في المسيح. لأننا جميعاً حسب طبيعتنا خطاة، كما أن كل المؤمنين يتبررون أو يتطهرون بدم المسيح. والروح القدس لا يحل في إنسان بدون تطهير تام، لأن روح الله والخطية لا يجتمعان في القلب معاً. فمن يسكن فيك، المسيح أو الشرير؟

وأصل بطرس شهادته عن عمل الله الحر. وسمى كل الناموسيين مجربين الله، الذين يضادون قصد عزمه. لأن القدوس قصد أن يفدي الأمم بدون الناموس. فمن من الخلق يستطيع أن يمنعه من تنفيذ إرادته؟ إن محبة الله أعظم من عقولنا.

وفي هذه المعرفة سمى بطرس الناموس نيراً ثقيلاً؟ قد حررنا يسوع منه بواسطة قوله: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم. فمن قصد إتمام ناموس موسى بقدرته الخاصة ينسحق من استحالة وصية الله: كونوا قدسين لأني أنا قدوس.ليس إنسان يستطيع أن يقدس نفسه على درجة الله. فالناموس يسحق من يطلب القداسة سحقاً تاماً. فالمسيح حررنا نهائياً من نير العهد القديم، ووضع على عنقنا نيره الخاص الهين، لأن المسيح نفسه هو يحمله معنا. لا نستطيع العيش بدون نير إلهي، لأن النير رمز إلى شركتنا مع الله والمسيح. فنحن متحدون معه بالعهد الجديد الذي هو النير الهين فنذهب حيث يذهب هو، ونقف حيث يقف هو. وبشركته معنا يغيرنا بواسطة تواضعه ووداعته.

وقد أوضح بطرس للناموسيين في القدس، أنه ليس آباؤهم الأتقياء ولا هو ولا هم جميعاً بحافظي الناموس عملياً، لأننا كلنا ضعفاء أشرار وغير مستحقين الشركة مع الله. هكذا شهد عن نفسه بالشر والبعد عن الخير. ومن لا يدرك هذا المبدأ، فإنه لم يدر المسيح بعد، وهو ما يزال واقفاً في العهد القديم على رجل واحدة، ويحاول بالرجل الثانية فقط دخول العهد الجديد.

وبعد هذا الاعتراف وصل بطرس إلى قمة كل الأقوال في العهد الجديد. وشهد في جلاء الروح القدس بشعار كنيسة المسيح. فليس بواسطة الأعمال ولا الصلوات ولا السلوك المستقيم، ولا التبرعات والحج ولا بالختان والطقوس، بل بنعمة دم يسوع المسيح وحده،وفي أمانة شفاعته، نجد الحق لبرنا أمام الله، وننال القوة التي تدفعنا لممارسة المستحيل، بأن نحب أعداءنا متقدسين لخدمة الله. وأكثر من ذلك فإننا لا نؤمن أننا سندان في اليوم الأخير على أساس أعمالنا وإلا فسنهلك. إنما نلقي رجاءنا بالتمام على النعمة. فماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، متعلق فقط بنعمة الغفران ونعمة التقوية ونعمة الكمال. فنشهد بابتهاج قائلين: ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا ونعمة فوق نعمة.

وبعد هذه الشهادة البطرسية المنقادة من الروح القدس لم يتجرأ أحد من الإخوة الفريسيين أن يتفوه بكلمة واحدة. ولم يرد أحد منهم أن يكون مجرباً لله. ولا تجرأ منهم واحد على ترك النعمة والتمسك بالناموس، أساساً للخلاص العتيد.

وبرنابا ثم بولس من بعده شهدا مرة أخرى بتفاصيل عن موكب انتصار المسيح في آسيا الصغرى، وكيف أنه أثبت إرادته الخلاصية بآيات ومعجزات باهرة. وكان بولس متحفظاً في هذا الاجتماع. وترك المجال لبرنابا المحترم في هذا المحيط، ليخبرهم عما جرى لما في رحلتهما التبشيرية. وبهذه الشهادة قدم برنابا آخر خدمة المحبة تجاه بولس والكنيسة، وربطهما معاً لكيلا تصبح كنيسة بطرسية في اليهودية، وكنيسة بولسية من الأمم.

والمسيح الرب المقام أرشد بروحه الرسل ليتقدموا بجرأة. وحيثما لم تتمكن عقولهم من استيعاب تفسير الناموس والتوفيق بين الآرء المتنافرة، فإنه جعل ضمائرهم واختباراتهم في الروح القدس مقياساً لقرارهم. فالرسل لم يقسوا قلوبهم لصوت الروح القد، بل أطاعوا جذب العهد الجديد وألقوا رجاءهم بالتمام على النعمة.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك أرشدت في هذا المؤتمر الحاسم قلوب الرسل، ووضعت شعار الإنجيل نوراً على سارية منارة كنيستك. ساعدنا حتى لا نرتد إلى الناموس اليهودي، ونبرر أنفسنا بأنفسنا، متقدمين بثقتنا في دمك، إلى عرش النعمة يوم الدينونة الأخيرة، لأن روحك يعطي شهادة لروحنا، أننا أولاد الله باسمك.

ملاحظة: هذه الجملة من الرسول بطرس، هي إحدى القمم في تطور سفر أعمال الرسل. وبالحقيقة فإنها محوره الروحي، كما أنها في وسطه بالنسبة لمجموع كلمات السفر، إذ عدد الكلمات التي قبلها مثل عدد ما بعدها في هذا السفر الهام. وبنفس الوقت تكون هذه الآية هي آخر ما نطقه بطرس في سفر أعمال الرسل وخلاصه وتاج عظته. ومن الآن لا يذكر لوقا شيئاً عن سيرة بطرس في سفره البتة، لأنه قد أتم وظيفته كراعي الكنيسة، وأبرز إنجيل النعمة نهائياً أساساً للخلاص الحق.

15: 13 وَبَعْدَمَا سَكَتَا قَالَ يَعْقُوبُ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، ٱسْمَعُونِي. 14 سِمْعَانُ قَدْ أَخْبَرَ كَيْفَ ٱفْتَقَدَ ٱللّٰهُ أَّوَلاً ٱلأُمَمَ لِيَأْخُذَ مِنْهُمْ شَعْباً عَلَى ٱسْمِهِ. 15 وَهٰذَا تُوافِقُهُ أَقْوَالُ ٱلأَنْبِيَاءِ، كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: 16 سَأَرْجِعُ بَعْدَ هٰذَا وَأَبْنِي أَيْضاً خَيْمَةَ دَاوُدَ ٱلسَّاقِطَةَ، وَأَبْنِي أَيْضاً رَدْمَهَا وَأُقِيمُهَا ثَانِيَةً، 17 لِكَيْ يَطْلُبَ ٱلْبَاقونَ مِنَ ٱلنَّاسِ ٱلرَّبَّ، وَجَمِيعُ ٱلأُمَمِ ٱلَّذِينَ دُعِيَ ٱسْمِي عَلَيْهِمْ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ ٱلصَّانِعُ هٰذَا كُلَّهُ. 18 مَعْلُومَةٌ عِنْدَ ٱلرَّبِّ مُنْذُ ٱلأَزَلِ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ. 19 لِذٰلِكَ أَنَا أرَى أَنْ لا يُثَقَّلَ عَلَى ٱلرَّاجِعِينَ إِلَى ٱللّٰهِ مِنَ ٱلأُمَمِ، 20 بَلْ يُرْسَلْ إِلَيْهِمْ أَنْ يَمْتَنِعُوا عَنْ نَجَاسَاتِ ٱلأَصْنَامِ، وَٱلّزِنَا، وَٱلْمَخْنُوقِ، وَٱلدَّمِ. 21 لأَنَّ مُوسَى مُنْذُ أَجْيالٍ قَدِيمَةٍ لَهُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ مَنْ يَكْرِزُ بِهِ، إِذْ يُقْرَأُ فِي ٱلْمَجَامِعِ كُلَّ سَبْتٍ».

نجد في الكنيسة اختلافات عميقة مبدئية، لا يمكن حلها بأجوبة عقائديه، لأن كل فريق يسند آراءه على أدلة من الكتاب المقدس أو يفسر آياته برأيه الخاص، ولكن المحبة والإخوة أعظم من الاختلافات المنطقية والاحتمال المتبادل في التواضع هو سر استرار الكنيسة.

فبعد أن أبرز بطرس مقدام الرسل شعار الإنجيل قام يعقوب أخو يسوع، وطلب من الإخوة المجتمعين، أن يسمعوا له، لأنه كان ممثلاً الجناح الناموسي في الكنيسة. ولم يقدر أن يقبل بسهولة كلمات بطرس واختباراته إلا بإثباتها بالأنبياء. والروح القدس رشد هذا المؤمن الناموسي، حتى وجد البراهين القاطعة لأفكار بطرس في سفر عاموس 9: 11-12 وإشعياء 45: 21. فاطمأن قلبه لأنه فهم أن الله قدم لنسل داود الخلاص للمرة الثانية، لكي يخلص بواسطتهم البشر وكل الوثنيين. وبهذه الطريقة خضع المتضلع في التورا للنبوة الحقة، واعتبر أن المسيح لم يبن ملكوته بواسطة المخلصين من اليهود فقط، بل عزم منذ الأزل على تخليص كل الناس. ولا ريب أن الخالق الأزلي ينفذ خطته بأساليبه التي يريدها. فخلاص العالم هو هدف إرادة الله وغاية أعماله. فكيف تنسجم أيها الأخمع هذا القصد الإلهي؟ وهل ينطبق عملك مع عمل الله؟ وبماذا تضحي لأجل تبشير العالم؟

لم يقل يعقوب، إنه لا حاجة للمؤمنين من الأمم أن يختتنوا، بل أقترح، الا يثقل عليهم بالنواميس، وأن يعطوا حرية، لأن ليس أحد يقدر أن يعارض عمل الله. ولعل يعقوب فضل، لو صار كل مؤمني الأمم يهوداً، لأنه لا يفكر بعهد جديد، بل تكلم عن إصلاح بيت داود الهابط، ولكنه خضع لإرشاد أخيه الأكبر يسوع ووافق على التطور الجديد في الكنيسة المتحررة من الناموس القديم.

وألحف يعقوب بشدة مقابل التحرر من الناموس أن يمتنع المؤمنون الأمميون عن عبادة الأصنام والزنى وأكل المنخنقة والدم. ألا تعتبر هذه الطلبات ارتداد للفكر الناموسي؟ كلا، لأن زعيم الكنيسة يقدم بهذا النظام الطريقة العملية لحفظ الشركة بين امؤمنين اليهود والأمميين، لأن حفظة الناموس لا يقدرون أن يأكلوا مع أناس يبيحون أكل المنخنقة والدم. فهذه الأنظمة ليس قصدها إتمام الناموس للتبرير، بل هي حل وسط لكيلا تنتهي الشركة بين المؤمنين. فالمحبة هي الجسر والقصد في هذا الاقتراح، وليست لفريضة الناموسية.

وعلم يعقوب أن الأمميين يشرفون على الخطر المقبل عليهم إن أقاموا الولائم حول الأصنام بالرقص والفجور، لأنه علم أنه سيصعب عليهم الانفصال عن شركة أمتهم. فاقترح عليهم أن يمتنعوا بعزم وثبات عن كل تلوث ودنس لا ينسجم مع التبرير المتمم لهم لى الصليب. فطلب منهم الاعتزال لله. فلا يمكنك أن تخدم الرب والأصنام القديمة أو الحديثة، كما أن جسدك هو هيكل للروح القدس، وليس وكراً لكل نجاسة. وقد أثبت بولس في رسائله بعدئذ هذين الطلبين اللذين تقدم بهما يعقوب توضيحاً لطرق المحبة العلمية 1 كو 10: 21 و6: 18).

وقد رأى يعقوب بجانب كنيسة المتحررين من الناموس كنيس اليهود. فلم يقدر أن يقفز من العهد القديم إلى العهد الجديد، لأنه رأى في ناموس موسى وحياً متطلباً الإطاعة، إنما دل الناموسيين من بين المؤمنين على وجود المجامع اليهودية في كل مدن الالم، حيث يستطيع كل طالب للناموس أن يستسلم لأحكامه. ولم يعترف يعقوب بهذا البيان أن إلى جانب قداسة المسيح قداسة مساوية أو أعلى، كلا بل أكرم كلمة الوحي المعطاة لموسى. أما نحن فنشكر المسيح، لأنه حررنا بواسطة تعليم بولس من العقد الناموسية تمماً، وأرشدنا إلى الناموس الروحي في محبة المسيح الحال في قلوبنا. فليست الشريعة ضاغطة علينا كواجب مستحيل التطبيق، بل الروح القدس أصبح فينا الدافع للمحبة. فلا نستطيع أن نؤذي أحداً ونحب ربنا من كل قلوبنا بنفس الوقت.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، اغفر لنا حكمتنا الناقصة ومحبتنا الصغيرة في علاج الانشقاقات في الكنيسة. وعلمنا احتمال الإخوة الذين يحبونك، ويفهمون بعض الأشياء خلاف فهمنا. فصليبك محورنا وروحك قوتنا. آمين.

15: 22 حِينَئِذٍ رَأَى ٱلرُّسُلُ وَٱلْمَشَايِخُ مَعَ كُلِّ ٱلْكَنِيسَةِ أَنْ يَخْتَارُوا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَيُرْسِلُوهُمَا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ مَعَ بُولُسَ وَبَرْنَابَا: يَهُوذَا ٱلْمُلَقَّبَ بَرْسَابَا، وَسِيلا، رَجُليْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي ٱلإِخْوَةِ. 23 وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ هٰكَذَا: «اَلرُّسُلُ وَٱلْمَشَايِخُ وَٱلإِخْوَةُ يُهْدُونَ سَلاماً إِلَى ٱلإِخْوَةِ ٱلَّذِينَ مِنَ ٱلأُمَمِ فِي أَنْطَاكِيَةَ وَسُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّة: 24 إِذْ قَدْ سَمِعْنَا أَنَّ أُنَاساً خَارِجِينَ مِنْ عِنْدِنَا أَزْعَجُوكُمْ بِأَقْوَالٍ، مُقَلِّبِينَ أَنْفُسَكُمْ، وَقَائِلِينَ أَنْ تَخْتَتِنُوا وَتَحْفَظُوا ٱلنَّامُوسَ - ٱلَّذِينَ نَحْنُ لَمْ نَأْمُرْهُمْ. 25 رَأَينَا وَقَدْ صِرْنَا بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ أَنْ نَخْتَارَ رَجُلَيْنِ وَنُرْسِلَهُمَا إِلَيْكُمْ مَعَ حَبِيبَيْنَا بَرْنَابَا وَبُولُسَ، 26 رَجُلَيْنِ قَدْ بَذَلا نَفْسَيْهِمَا لأَجْلِ ٱسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ - 27 فَقدْ أَرْسَلْنَا يَهُوذَا وَسِيلا، وَهُمَا يُخْبِرَانِكُمْ بِنَفْسِ ٱلأُمُورِ شِفَاهاً. 28 لأَنَّهُ قَدْ رَأَى ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ وَنَحْنُ، أَنْ لا نَضَعَ عَلَيْكُمْ ثِقْلاً أَكْثَرَ، غَيْرَ هٰذِهِ ٱلأَشْيَاءِ ٱلْوَاجِبَة: 29 أَنْ تَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ ٱلدَّمِ، وَٱلْمَخْنُوقِ، وَٱلّزِنَا، ٱلَّتِي إِنْ حَفِظْتُمْ أَنْفُسَكُمْ مِنْهَا فَنِعِمَّا تَفْعَلُونَ. كُونُوا مُعَافَيْنَ».

كل جلسة لمؤتمر تنتهي عادة بقرار يكتب خطياً، ويوافق عليه من الأعضاء. فماذا كان مضمون المحضر الأول في الكنيسة المسيحية؟ إنه:

  1. ذكر الهيئة المرسلة للتقرير. وهي ليست الرسل لوحدهم بل الشيوخ أيضاً. وليس هذان الفريقان المسؤولان فقط، بل الكنيسة بأجمعها لأنها جسد المسيح، وهو وحدة لا انفصام لها. وأي قرار لا يوافق عليه الكل يسبب استمرار الاضطراب والضيق والمشاك.

  2. ذكر المرسل إليهم التقرير. وهؤلاء ليسوا أعضاء الكنيسة في العاصمة انطاكية فقط، بل أيضاً أعضاء الكنائس الصغيرة المتاخمة لأنطاكية وما حولها، وسائر كنائس سورية ولواء الاسكندرون وأضنة. وقد سمى أعضاء كنيسة أورشليم أبناء هذه الكنائس إخوة. وهذا اللقب يشير إلى المساواة في الحق والشركة في ملكوت أبيهم السماوي. وبهذه الكلمة التغى الفرق وزالت المشكلة، لأن المؤمنين من الأصل اليهودي اعتبروا المؤمنين من الأمم إخوة حقيقيين.

  3. فحوى الرسالة، ألا وهو السلام المبني على الفرح النابع من خلاص المسيح. فهذه المعاني الثلاثة تتضمنها الكلمة اليونانية التي حيا الإخوة في أورشليم بها إخوتهم في المسيح على البعد. فالسلام بالسرور هو موضوع تبشيرنا، وليس الناموس والتوة والتوبيخ. إننا خدام فرحكم، مقدمين لكم ملء الخلاص في المسيح.

  4. وظهر من التقرير، أن الكارزين بالناموس، الذين ذهبوا إلى الكنيسة في انطاكية، لم يكونوا مبعوثين من أورشليم ولم يتلقوا أمراً بذلك، بل ذهبوا باسمهم الخاص، ليبثوا آراءهم الشخصية. وقد تأسفت الكنيسة لتسبب هؤلاء الإخوة بالاضطراب والتور. وإننا لا نقرأ في المحضر مثلما كتب بولس عنهم بعدئذ، إنهم إخوة كاذبون (غلاطية 2: 4) إنما الذي نقرأه فقط، فهو أنهم ما كانوا مفوضين بتلك الكرازة من قبل الرسل في أورشليم، ولم يعطهم المؤتمر الأول في القدس موافقة واعتباراً على عملهم المستقل.

  5. وللعجب العجاب أن المسؤولين، لم يؤلفوا رسالة عقائديه ولا تعاليم تفصيلية. بل قرروا بالإجماع أن يختاروا رجلين رصينين يرسلوهما ليفسرا الفتوى، لأن الكلمات المكتوبة ما كانت كافية، بل تحتاج إلى مساندة بكلمة الله المتجسدة في خدامه. وهذا أرسل المسؤولون في أورشليم مع الوصايا الجديدة التفسير لها، ليس بتطويل في الشروح بل بإخوة ممتلئين من الروح القدس.

  6. وهذان النبيان من العهد الجديد، لم يذهبا منفردين. بل انطلقا مع برنابا وبولس، اللذين حصلا على إكرام من قبل الكنيسة الأورشليمية، رفعهما فوق كل لوم، إذ وصفوهما بكلمة حبيبين. وهذا اللقب استحقاه، لأن محبة الله كانت قد انسكبت في قلبهما بواسطة الروح القدس المعطى لهما. فالمحبة والسرور والسلام والخلاص هي الأسس والقوة والمبادئ في رجال الله والكنائس. فمن هذه الفضائل تنضج الشهادة المشهورة لهذين الرسولين، إنهما بذلا أنفسهما لأجل المسيح واسمه وكنيسته. ونقرأ هنا نفس الكلمة لتي قالها المسيح عن نفسه: «لم آت لأُخدم بل لأَخدم ولأبذل نفسي فدية عن كثيرين». فهذه هي ثمرة محبة الله الجوهرية، إنها تدفعنا إلى تضحية الذات لأجل الضالين، كما أن المسيح بذل نفسه لأجل الخطاة المجرمين. وهذا هو لب معنى المسيحية.

  7. ونقرأ بعدئذ جملة تكاد تفوق كل تفسير، لأن المسؤولين في أورشليم كتبوا أن الروح القدس وهم اتخذوا معاً هذا القرار سوية. فالروح القدس أعلن لهم أن الكنيسة المسيحية المتحررة من الناموس هي حسب مشيئة الله بالتمام وأن أعضاء الكنيسة ينسجون مع مسرة الله في هذا التطور الجديد. وفي قوة الروح القدس اعتبر المقررون أنفسهم على نفس الدرجة في المسؤولية مثل الروح القدس، وحملوا طوعاً المسؤولية لهذا القرار. فلم يملك فيهم روح الاتكالية، بل أنهم خدام الرب ووكلاء أسرار الله (1 كو 4: 1)

  8. وبعدئذ كتبوا إلى أعضاء الكنيسة في انطاكية، أن يمتنعوا عن مزج الأديان الممارس في ولائم الذبائح للأصنام، وأن يبتعدوا عن كل شبه نجاسة ويمتنعوا عن أكل المخنوق والدم. ليستطيعوا الاستمرار مع المسيحيين من الأصل اليهودي. وهذه الوصية ل تتعلق بنيل الخلاص، بل بالثبات في شركة القديسين.

15: 30 فَهٰؤُلاءِ لَمَّا أُطْلِقُوا جَاءُوا إِلَى أَنْطَاكِيَةَ، وَجَمَعُوا ٱلْجُمْهُورَ وَدَفَعُوا ٱلرِّسَالَةَ. 31 فَلَمَّا قَرَأُوهَا فَرِحُوا لِسَبَبِ ٱلتَّعْزِيَةِ. 32 وَيَهُوذَا وَسِيلا، إِذْ كَانَا هُمَ أَيْضاً نَبِيَّيْنِ، وَعَظَا ٱلإِخْوَةَ بِكَلامٍ كَثِيرٍ وَشَدَّدَاهُمْ. 33 ثُمَّ بَعْدَ مَا صَرَفَا زَمَاناً أُطْلِقَا بِسَلامٍ مِنَ ٱلإِخْوَةِ إِلَى ٱلرُّسُلِ. 34 وَلٰكِنَّ سِيلا رَأَى أَنْ يَلْبَثَ هُنَاكَ. 35 أَمَّا بُولُسُ وَبَرْنَابَا فَأَقَامَا فِي أَنْطَاكِيَةَ يُعَلِّمَانِ وَيُبَشِّرَانِ مَعَ آخَرِينَ كَثِيرِينَ أَيْضاً بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ.

كانت نتيجة رحلة برنابا وبولس إلى أورشليم أن المؤتمر هنالك اتخذ قراراً بإرسال أخوين إلى انطاكية برسالة ليقرآها هنالك. وكان يهوذا وسيلا نبيين علما مستمعيهما في إلهام مباشر من الروح القدس، الذي أثبت الانسجام الكامل بين المسيحيين اليهد والمسيحيين الأمم.

فاستمر الفرح والسلام في الكنيسة الانطاكية، وعادت الأفكار لواجبها المقدس، ألا وهو تبشير الأمم. فالشيطان يحاول دائماً أن يهز الكنائس بواسطة الانشقاقات في التعليم ويحاول إبعاد المؤمنين من هدف تبشير العالم. ولكن حيث يخضع الفرقاء إلى جب روح الحق، فسرعان ما يتحدون ويتجهون إلى الوجهة الإلهية المبدئية وهي تبشير الأمم وخلاص الضالين وامتلاء الطالبين بالروح القدس.

فالسؤال لكل كنيسة هو: هل تختصمون أو تبشرون معاً؟ أسرعوا بحل مشاكلكم، لأنكم أنتم غير مدعوين للخلاف، بل ربكم دعاكم إلى نشر بشرى الخلاص في محيطكم. أو هل تريدون منع انطلاق موكب انتصار المسيح بسبب عنادكم وكبريائكم.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، اغفر لنا كل تباطؤ في التبشير وسامحنا لحكمتنا الناقصة في حل الخلافات في الكنيسة. وتجاوز عن كبريائنا وعنادنا، لكيلا نطلب شرف أنفسنا، بل ننشر معاً ملكوتك، ونمجد اسمك، وندعو بانتصارك، لكي يخل كثيرون في محيطنا.

ثالثاً: السفرة التبشيرية الثانية (15: 36 - 18: 22)

1 - انفصال بولس عن برنابا (15: 36 - 41)

15: 36 ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ قَالَ بُولُسُ لِبَرْنَابَا: «لِنَرْجِعْ وَنَفْتَقِدْ إِخْوَتَنَا فِي كُلِّ مَدِينَةٍ نَادَيْنَا فِيهَا بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ، كَيْفَ هُمْ». 37 فَأَشَارَ بَرْنَابَا أَنْ يَأْخُذَا مَعَهُمَا أَيضاً يُوحَنَّا ٱلَّذِي يُدْعَى مَرْقُسَ، 38 وَأَمَّا بُولُسُ فَكَانَ يَسْتَحْسِنُ أَنَّ ٱلَّذِي فَارَقَهُمَا مِنْ بَمْفِيلِيَّةَ وَلَمْ يَذْهَبْ مَعَهُمَا لِلْعَمَلِ، لا يَأْخُذَانِهِ مَعَهُمَا. 39 فَحَصَلَ بَيْنَهُمَا مُشاجَرَةٌ حَتَّى فَارَقَ أَحَدُهُمَا ٱلآخَرَ. وَبَرْنَابَا أَخَذَ مَرْقُسَ وَسَافَرَ فِي ٱلْبَحْرِ إِلَى قُبْرُسَ. 40 وَأَمَّا بُولُسُ فَٱخْتَارَ سِيلا وَخَرَجَ مُسْتَوْدَعاً مِنَ ٱلإِخْوَةِ إِلَى نِعْمَةِ ٱللّٰهِ. 41 وٱجْتَازَ فِي سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ يُشَدِّدُ ٱلْكَنَائِسَ.

حيث تكون دعوة الله فعندها تتحقق قوته في رسله. وحيث لا يدعو الرب خادماً روحياً تبقى خدمته ميتة ووظيفته مميتة خراباً بلا قوة. فبولس لم يقدر أن ينام مرتاحاً طول الوقت في كنيسة انطاكية المزدهرة، لأنه رأى أمام عينيه الأولاد الروحانيين في الأناضول، الذين ولدهم الروح القدس ثانية بواسطة كرازته، وقد عاشوا أحداثاً بالإيمان في محيط عدائي. فاجتذب بولس كل الإخوة في الكنائس المتفرقة في أنحاء سورية وآسيا الصغرى ليسقي واحات السماء في صحارى العالم.

ولم يقل بولس: أنا أذهب لوحدي، بل لنذهب معاً، عالماً أن الروح القدس اختاره وبرنابا معاً للخدمة المشتركة. وأنه بارك هذه الخدمة المشتركة فوق الإدراك بقوة وسلطان وثمار. وبرنابا الأكبر في هذه الفرقة، كان مستعداً أن يرافق بولس مرة أخرى في هذه السفرة التبشيرية الثانية المتعبة مع طرقها الطويلة وأخطارها العنيفة وضيقاتها واضطهاداتها. ولم يحصل إعلان من الروح القدس هذه المرة بسفر الرسولين للخدمة، بل كان مجرد اقتراح من بولس نفسه، الذي تشوق بقلبه المنفطر على الكنائس، حتى يرى الإخوة مرة أخرى.

ولعل برنابا شاء أن يسافر أولاً مثل السابق إلى قبرس وطنه، حيث لم نقرأ شيئاً عن تأسيس كنيسة فيها. لكن بولس لم يرد الطرق في الحديد البارد، بل أراد التقدم رأساً إلى الحقول الخصبة. وربما حصلت قبيل تلك الأيام الحادثة الأليمة المذكورة فيغلاطية 2: 18 لما خالف الرسولان برنابا وبطرس ضمائرهما، وسايرا المسيحيين من اليهود وامتنعا عن العشاء مع الأمميين. فحصلت شقة عميقة الجذور لأن هذين الرسولين عصيا حرية الإنجيل في سبيل محبة الناموس خوفاً من ألسنة المتعصبين في القدس.

وأخيراً لما أراد برنابا أن يأخذ يوحنا مرقص ابن اخته للمرة الثانية في سفرتهما التبشيرية ليمرنه في خدمة الإنجيل، انفجر بولس نهائياً وصارت مخاصمة كبيرة بين الأخوين المختبرين، لأن رسول الأمم رأى في الشاب مرقس جباناً وضعيفاً، مما يشكل خطراً على الخدمة ويمنع البركة. فعاند بولس بمقدار أنه لم يسمع لكلمات برنابا الأبوي الوسيط، حتى أن برنابا لم يجد حلاً إلا أن يأخذ ابن اخته ويبحر معه إلى قبرس. وبهذه الطريقة برهن برنابا عن نفسه مرة أخرى كهمزة وصل مباركة بين خادم مهم لملكوت لله والكنيسة، كما أنه سابقاً أدخل شاول الحديث بعد اهتدائه إلى حلقة الرسل الخائفين منه. وبارك الرب مرافقة برنابا بمرقس حتى صار بشيراً شهيراً. ولا نسمع في سفر أعمال الرسل بعد هذه الحادثة شيئاً عن مرقس. ولكننا نجد في رسائل بولس أنه قبل مرقس الرصين في رفقته. ولعل هذا كان بعد موت برنابا. فأصبح مرقس شريك بولس، وبعدئذ شريك بطرس أيضاً، وكتب عن لسانه الإنجيل الفعال، المسمى باسمه.

وعلى أثر الخصومات نشأت فرقتان تبشيريتان. وكان الحق مع كلتيهما. ولكن محبة الله عظمت في التسامح والبركة المتبادلة. واختار بولس سيلا المؤمن اليهودي من أورشليم رفيقاً له، لأن المؤتمر الرسولي عينه شاهداً لصحة رأي بولس، وأرسله إلى انطاكة معه ليثبت حيرة المؤمنين الأمميين من الناموس. وكان لسيلا أيضاً رعوية رومانية، التي ساعدته كثيراً برحلاته في مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. وهو كان شريكاً في كتابة الرسالة إلى تسالونيكي. وقبلها تعلم مع بولس احتمال الآلام في السجون. ونقأ بعدئذ في وقت ربما كان فيه بولس سجيناً، أن سيلا رافق بطرس في تجوله لتفقد الكنائس المتروكة (1 بطرس 5: 12). وهنالك نقرأ أيضاً التقاء مرقس معهما وانضمامه إليهما. مما يطلعنا على الحركات الغريبة الهامة في إرشاد الروح القدس، ضمن تطور الكنيسة في العالم.

وتألم الإخوة الانطاكيون كثيراً من المخاصمة بين برنابا وبولس، وصلوا باستمرار. لأنهم شعروا بالحق مع بولس، وأدركوا المحبة في برنابا الأبوي. فطلبوا من المسيح الحي لكليهما الغفران والتفويض والتقوية للخدمة، لكي تظهر بركة الرب في الفرقتي. ولا نقرأ أن الشيوخ وضعوا الأيادي على المسافرين، بل أنهم قد سافروا تلقائياً تتميماً لسفراتهم الأولى في قوة الرب.

وابتدأ بولس رحلته التبشيرية الثانية الطويلة، ولم يعرف الهدف ولا النهاية ولم يخطط لها. إلا أنه كان يشتاق لزيارة الكنائس في سورية الشمالية وفي مناطق طرطوس، حيث تأسست بواسطة خدماته كنائس متعددة. ولم نعرف المراكز ولا أسماء هذه الكنائس ولكننا نفرح أن الرب أوجد في المدن بين أنطاكية وآسيا الصغرى منارات لإنجيله وسط الظلمات الدامسة.

الصلاة: أيها الرب نشكرك، لأنك غفرت للإخوة المتخاصمين ذنوبهم وقدستهم للخدمة الجديدة. املأنا بالعزم للتبشير وقونا، لكيلا نبقى مسترخين في كنائسنا، بل ننطلق لنشر إنجيل خلاصك.

2 - تقوية كنائس سوريا والأناضول واختيار تميوثاوس للخدمة (16: 1 - 5)

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّادِسُ عَشَرَ : 1 ثُمَّ وَصَلَ إِلَى دَرْبَةَ وَلِسْتِرَةَ، وَإِذَا تِلْمِيذٌ كَانَ هُنَاكَ ٱسْمُهُ تِيمُوثَاوُسُ، ٱبْنُ ٱمْرَأَةٍ يَهُودِيَّةٍ مُؤْمِنَةٍ وَلٰكِنَّ أَبَاهُ يُونَانِيٌّ، 2 وَكانَ مَشْهُوداً لَهُ مِنَ ٱلإِخْوَةِ ٱلَّذِينَ فِي لِسْتِرَةَ وَإِيقُونِيَةَ. 3 فَأَرَادَ بُولُسُ أَنْ يَخْرُجَ هٰذَا مَعَهُ، فَأَخَذَهُ وَخَتَنَهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْيَهُودِ ٱلَّذِينَ فِي تِلْكَ ٱلأَمَاكِنِ، لأَنَّ ٱلْجَمِيع كَانُوا يَعْرِفُونَ أَبَاهُ أَنَّهُ يُونَانِيٌّ. 4 وَإِذْ كَانُوا يَجْتَازُونَ فِي ٱلْمُدُنِ كَانُوا يُسَلِّمُونَهُمُ ٱلْقَضَايَا ٱلَّتِي حَكَمَ بِهَا ٱلرُّسُلُ وَٱلْمَشَايِخُ ٱلَّذِينَ فِي أُورُشَلِيمَ لِيَحْفَظُوهَا. 5 فَكَانَتِ ٱلْكَنَائِسُ تَتَشَدَّدُ فِي ٱلإِيمَانِ وَتَزْدَادُ فِي ٱلْعَدَدِ كُلَّ يَوْمٍ.

صعد بولس من طرسوس المدينة الباهرة بمدرجها وجامعاتها إلى الجبال الطورسية العالية الشرسة، ومضى مسافات طويلة على قدميه في سهول الأناضول المرتفعة الحارة الجافة، حتى وصل أيضاً بعد عناء كبير إلى دربة. وإننا إذ نجد في هذا المبشر شوقاً جاحاً إلى كنائسه. حتى أنه لا يدخر لنفسه أمناً من الأخطار، وغايته أن يرى أحباءه، فكم بالأحرى مجيء المسيح أكيداً ليتحد معنا إلى الأبد. لأنه فدانا على الصليب. أن الرب يشتاق إلينا ويأتينا بأقرب وقت ممكن.

وفي دربة قوى بولس وسيلا الأعضاء وأخبراهم عن الكنيسة المصلية في انطاكية. وثبتاهم في حريتهم من الناموس التي وافقت الكنيسة الأصلية في أورشليم عليها. وكان سيلا عضواً مبعوثاً من تلك الكنيسة، فأصبح قولهما رسمياً. كما أن سيلا كنبي من الرح القدس أعلن مباشرة أن الأمم يتجددون بالنعمة بدون حفظ الناموس، وينالون حلول قوة الروح القدس مجاناً بدون أعمال الإنسان، بل بالإيمان بالمسيح، الأمر الذي كان عظيماً وجذرياً وجوهرياً بمقدار أن المستمعين كلهم فتحوا أنفسهم لروح النعمة النابعة من العهد الجديد.

ولما وصل المبشران إلى لسترة، وجدا هناك شاباً اسمه تيموثاوس. وقد أصبح مؤمناً في رحلة بولس السابقة، لما رجم في تلك المدينة. وكان الشاب ابن يوناني وأمه يهودية. وامتاز هذا المؤمن الجديد بنار المحبة والحكمة اللطيفة، حتى أنه قوى الكنائسوشجعها ووحدها وبناها دون تفويض سابق من الرسل. وقد سافر أيضاً إلى إيقونية وزار الإخوة هناك. فكان معروفاً عند كل المسيحيين، واعترفوا به كخادم أمين للمسيح.

وشعر بولس ببصيرة الروح القدس، أن هذا الشاب يستطيع مساعدته ودعاه شريكاً في سفراته الطويلة الخطيرة. وحقاً ليس أحد رافق الرسول المعذب أميناً كتيموثاوس، حتى سماه بولس ابنه الأمين، الذي بنى النفوس في الكنائس الحديثة في فيلبي وكورنثوس وي أماكن أخرى، حيثما لم يقدر الرسول أن يمكث طويلاً. فأصبح تيموثاوس مكملاً عمل بولس (فيلبي 2: 20 و1 كو 4: 17). والأغلب أنه بعد موت بولس صار تيموثاوس خليفة الرسول في الكنيسة الكبيرة في أفسس. فمارس هناك ما كان قد كتبه الرسول إليه في رسائله. وصبحت هذه الرسائل المرشدة أساساً لبنيان الكنائس حتى اليوم.

وطفحت في دعوة هذا الشاب النشيط تيموثاوس كرفيق لبولس مشكلة عويصة، لأن أمه كانت يهودية وأباه يوناني. فحسب الشريعة اليهودية آنذاك كان هذا الزواج غير شرعي، واعتبر الشاب لذلك ابناً غير شرعي. فختن بولس لتيموثاوس لم يكن لتبريره أو تقديسه بل لكيلا يعثر اليهود بنقدهم إياه. فأصبح الشاب متهوداً معترفاً به لرعوية أمه، وقدر أن يشترك مع اليهود في الحياة الاجتماعية، كما كان بنفس الوقت يونانياً يخدم اليونانيين بتبشيره. فلم يكن ما فعله بولس من ختن تيموثاوس ارتداد إلى عبودية الناوس، بل تقدما في سبيل المحبة. وليس لربح الأمميين بل ليربح اليهود ختن تلميذه. فالتبشير لا يتقيد بقالب متجمد، بل يتمشى مع حرية المحبة المضحية المتفانية بالخدمة.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك ولدت تيموثاوس ثانية ابناً روحياً لك وملأته بمواهب روحك القدوس، ليبني كنائسك ويستعد للذهاب بالسفر التبشيري الصعب. ساعدنا أن نتبعك أيضاً ونشترك في بناء كنيستك بالأمانة، ونربح نفواً باسمك.

3 - ممانعة الروح القدس للرسل في التوجه لبعض الأمكنة (16: 6 - 10)

16: 6 وَبَعْدَ مَا ٱجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاطِيَّةَ، مَنَعَهُمُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِٱلْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. 7 فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بثِينِيَّةَ، فَلَمْ يَدَعْهُمُ ٱلرُّوحُ. 8 فَمَرُّوا عَلَى مِيسِيَّا وَٱنْحَدَرُوا إِلَى تَرُوَاسَ. 9 وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي ٱللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: «ٱعْبُرْ إِلَى مَكدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا!». 10 فَلَمَّا رَأَى ٱلرُّؤْيَا لِلْوَقْتِ طَلَبْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ، مُتَحَقِّقِينَ أَنَّ ٱلرَّبَّ قَدْ دَعَانَا لِنُبَشِّرَهُمْ.

يمتحن المسيح أحياناً مرسليه بامتحانات ثقيلة. وإحداها صمته عن صلواتهم أو رفض تخطيطاتهم، رغم طلباتهم الملحة المستفهمة.

لقد اجتاز بولس وسيلا وتيموثاوس معاً الكنائس في دربة ولسترة وقونية وانطاكية الأناضولية، ووعظوا وكرزوا ووصلوا أخيراً إلى حدود خدمتهم السابقة. فبهذا انتهت خطة بولس الأصلية، أن يزور الكنائس الحديثة لتقويتها (15: 36). فماذا يعملون؟ أيرجون أو يتقدمون؟

فصلى هؤلاء المبشرون ليرشدهم الرب، إن كان يريد أن يقتحموا أفسس العاصمة المهمة لمحافظة آسيا التابعة للرومان؟ لقد مانع الروح القدس، قائلاً لا. وهل يرجعون؟ قال لا. هل يبقون في إيقوينة لا لا. إنه ليس لرجال الله تخطيط خصوصي. ولربما فضل بولس أن يذهب إلى أفسس، مركز المحافظة الرومانية. ولكنه لم يتجرأ على السفر، لئلا يكون معارضاً لمشيئة ربه، بل طلب منه أرشاده باستمرار، عالماً أن كل تقدم في ملكوت الله بدون أمر الرب خطية مستوجبة الفشل الذريع.

وسيلا كان نيباً (15: 32) وتكلم الروح القدس بواسطته مباشرة. كما أن هذا الروح أثبت سابقاً للمؤمنين من الأمم حريتهم من التبعية للناموس. ولكن حتى سيلا لم يسمع جواباً من الله، أين يذهبون، وماذا يعملون؟ فكل تخطيطاتهم شطبها روح الله. وأخياً تقدموا إلى الشمال متكلين على الله. ومن بعدئذ شرقاً نحو غلاطية، ومن ثم غرباً. ومن هنالك اتجهوا إلى الشمال مرة أخرى. فوصلوا بعد السفر المرهق. وفي إرشاد خفي من الروح القدس إلى شاطئ البحر المتوسط عند ترواس، حيث وقف البحر نصب أعينهم فلم يتطيعوا تقدماً أكثر.

ولم يتكلم الله إليهم، فلماذا يا ترى؟ ولربما راجعوا أفكارهم، وتصوروا المشاجرة مع برنابا وانفصالهم عنه بسبب مرقس. فهل ارتكبوا بذلك خطأ، فأحزنوا الروح القدس. ولذلك ابتعد عنهم! ولربما فكروا في ختن تيموثاوس، هل كانت هذه العملية مضادة لحرية من الناموس، وانحصرت قوتهم الروحية؟ أم لعل تشكلة فرقتهم لم تحز مرضاة الرب أو ارتكب أحدهم خطية ما؟ أو أخطأوا في بعض مبادئ تبشيرهم؟ فدفعت هذه التساؤلات القديسين إلى التوبة وانكسار الأنفس والصلوات الحارة وتمسك الإيمان بالنعمة فقط. فأدروا من جديد، أنه لم تكن إطاعتهم للمسيح ولا عصمتهم سبباً للبركة والثمار وجريان قوة الله فيه، بل نعمة المسيح وحدها، التي اختارتهم ودعتهم وعينتهم وقدستهم وحفظتهم. فلا فضل للمبشرين البتة، ولا بسلوكهم ما يكفل استمرار العلم. إنما الإيمان في نعة المصلوب المجانية هو الذي يسبب الثمار والشكر والاطمئنان. فدم المسيح يطهرنا من كل إثم، ويحفظنا في شركتنا مع الله. فالمصالحة على الصليب هي سبب سلطان خدام الرب فقط.

وبعد كفاحات الإيمان الطويلة في ليالي امتحان الأنفس، وبعد الانكسار في التوبة التامة، كلم الله بولس فجأة في الحلم. فرأى النائم رجلاً في لباس مكدوني على شاطئ البحر الثاني، صارخاً ومنادياً. تعالوا اعبروا إلى مكدونية وساعدونا. فلم يظهرالمسيح لرسول الأمم، بل فلاح بسيط طالب الخلاص معبر عن حاجته. وهذه الدعوة إلى الخلاص تمثل حاجة أوروبا كلها إلى نور الشرق، وليس عكساً.

عندئذ تحاور الرجال الثلاثة عن معنى الحلم، وأدركوا في يقين الروح القدس، أن يسوع لا يريدهم في آسيا. بل يرسلهم نحو الغرب، صوب روما. فأدركوا معاً الحلم كدعوة إلهية وأمراً لتبشير الإنجيل في أمة الاسكندر الكبير.

ورأساً ابتدأ هؤلاء المبشرون تلبية الدعوة، باحثين عن سفينة مقلعة. ولم يدرسوا اللغة المكدونية، ولم يسألوا عن معارف ووسطاء هنالك، بل انطلقوا رأساً، حيث تكلم الروح القدس إليهم أخيراً بعد صمت طويل، وأثبت نعمته مانحاً لهم نوراً وإرشاداًإلى أفق جديد. فالآن زال عنهم الثقل الكابس، وطغا الفرح العميم. فأبحروا مهللين مترنمين لأن عاصفة محبة الله هبت من جديد في شراعهم.

وابتدأ من العدد 10 يسطر المؤلف كلامه بصيغة «نحن» دالاً على أن لوقا الطبيب قد انضم إليهم في ترواس في الوقت المناسب، الذي قيضه الله قبل الانطلاق للحصاد في البلدان الجديدة أثناء هذه الرحلة الثانية. فنسمع من الآن الأخبار من شاهد عيان ن عجائب المسيح الحي، التي حققها بواسطة عبيده بموكب انتصاره في أوروبا.

فتأكد لوقا أن الرب قد وحده مع الرجال الثلاثة ليمجدوا معاً اسم الله. ولربما عرف بولس من قبل لما كان في انطاكية - سورية. فتعاونا الآن لفتح أوروبا للمسيح.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك مع الرجال الثلاثة لأنك دعوتنا نحن الفاشلين الغير مستحقين، لنمجد اسمك في محيطنا. احفظنا من الخطوات غير المتزنة، وقدس مقاصدنا، لكي نفعل مشيئتك، وندرك الوقت والمكان، الذي نستطيع به أن مجدك.

4 - إنشاء كنيسة فيلبي (16: 11 - 40)

16: 11 فَأَقْلَعْنَا مِنْ تَرُوَاسَ وَتَوَجَّهْنَا بِٱلِاسْتِقَامَةِ إِلَى سَامُوثْرَاكِي، وَفِي ٱلْغَدِ إِلَى نِيَابُولِيسَ. 12 وَمِنْ هُنَاكَ إِلَى فِيلِبِّي، ٱلَّتِي هِيَ أَّوَلُ مَدِينَةٍ مِنْ مُقَاطَعَةِ مَكِدُوِيَّةَ، وَهِيَ كُولُونِيَّةُ. فَأَقَمْنَا فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ أَيَّاماً. 13 وَفِي يَوْمِ ٱلسَّبْتِ خَرَجْنَا إِلَى خَارِجِ ٱلْمَدِينَةِ عِنْدَ نَهْرٍ، حَيْثُ جَرَتِ ٱلْعَادَةُ أَنْ تَكُونَ صَلاةٌ، فَجَلَسْنَا وَكُنَّا نُكلِّمُ ٱلنِّسَاءَ ٱللَّوَاتِي ٱجْتَمَعْنَ. 14 فَكَانَتْ تَسْمَعُ ٱمْرَأَةٌ ٱسْمُهَا لِيدِيَّةُ، بَيَّاعَةُ أُرْجُوانٍ مِنْ مَدِينَةِ ثَيَاتِيرَا، مُتَعَبِّدَةٌ لِلّٰهِ، فَفَتَحَ ٱلرَّبُّ قَلْبَهَا لِتُصْغِيَ إِلَى مَا كَانَ يقُولُهُ بُولُسُ. 15 فَلَمَّا ٱعْتَمَدَتْ هِيَ وَأَهْلُ بَيْتِهَا طَلَبَتْ قَائِلَةً: «إِنْ كُنْتُمْ قَدْ حَكَمْتُمْ أَنِّي مُؤْمِنَةٌ بِٱلرَّبِّ، فَٱدْخُلُوا بَيْتِي وَٱمْكُثُوا». فَأَلْزَمَتْنَا.

إن عاصفة محبة الله دفعت سفينة رسله مباشرة من آسيا إلى أوروبا. وحيث كانت السفرة عادة تستغرق خمسة أيام بليالهيا، فقد وصلت السفينة على غير عادتها في يومين. ولم يبق بولس في ميناء المدينة الساحلية كفلا بل انطلق رأساً إلى مدينة فيلبي مرز المحافظة.

انتصر أوغسطوس القيصر على قتلة يوليوس قيصر حين تعقبهم إلى هذه المدينة التي حصلت في سهولها تلك المعركة الهائلة الشهيرة. وبعدئذ نهض بفيلبي ووسعها وزينها وحررها من الضرائب وجعلها منجعاً للجنود المتقاعدين. فشابهت هذه المدينة مدينة انطاية السورية في جوها ونظام حكمها.

ولقد كان بولس متوتر الأعصاب متشوقاً للالتقاء بالرجل المقدوني، الذي شاهده حلماً. وللعجب فإنه ما وجد أحداً يهتم بالمسيح وخلاصه. فالكل كان هدفهم التمتع والراحة. وخدام المسيح لم يجدوا يهوداً، لأن المدينة كان يخيم عليها الطابع العسكري ليس النشاط التجاري. فتساءل الرجال فيما بينهم، هل كان الحلم هاجساً والدعوة انعكاس لتمنياتهم الخاصة؟

وقد علم بولس، أن المدن التي ليس فيها كنيس خاص لليهود. فإنهم يجتمعون فيها سبتاً عند مسيل المياه خارج المدينة للغسولات ولإجراء الطقوس الصلواتية المشتركة. فتقدم الرسول إلى نهر كنكيتس على بعد كيلو مترين خارج المدينة. وحقاً فقد اجتمعت سوة من اليهود واليونان للصلاة المشتركة. ولما رآهم بولس، تساءل ما لي وللنساء؟ لقد رأيت رجلاً في الحلم، وليس امرأة. أنا لا أفتش عن نساء غرباء.

والروح القدس جعل رسول الأمم متواضعاً، فلم يميز بين غني وفقير كبير أو صغير، رجل أو امرأة حر أو عبد، أبيض أو أسود. بل أشبع كل نفس جاعت إلى كلمة الإنجيل. فكلم النساء الجالسات بملء الخلاص.

وكان بين المستمعات تاجرة بائعة أرجوان، وهي في الأصل من مدينة ثياتيرا في آسيا الصغرى البلد الذي منع الروح القدس مرسليه أن يبشروا فيه. ولكن ها هي ذي الآن في مدينة فيلبي المكدونية تستمع إلى بشرى الخلاص. إنها غنية وتتاجر بأثمن بضاعة آنذاك. صناعة الأرجوان. وهي نشيطة قادرة على تمييز الناس، فأدركت سريعاً قوة الله الجارية من الرسل. وشعرت بصوت الله، مصغية إلى الإنجيل بكل انتباه. عندئذ فتح الرب قلبها، فاستنارت وولدت ثانية في الحال ولادة روحية. ليس لصلاحها الشخصي بل لأنها اتمعت وجاعت إلى كلمة الله. فالإنجيل يجدد حتى اليوم قلوب طالبي بر الله، فيحل روح الحق في الذين يخضعون له.

وليديا كانت ترتدي الملابس الحديثة تبعاً للموديل. كانت ذكية خبيرة، فأدركت رأساً لب الخلاص. وطلبت المعمودية، لأنها آمنت أن يسوع هو ابن الله، الذي غفر ذنوبها على الصليب. فخضعت تحت ماء المعمودية، وامتلأت من الروح القدس، واختبرت المحبة والحق والحياة الأبدية.

وللعجب فإن بولس، لم يعمد هذه المرأة لوحدها بل كل بيتها أيضاً، المتضمن زوجها وأولادها وعبيدها ومساعديها في العمل جميعاً. فوثق بولس في قدرة روح الله أن المستنارة تنير غيرها أيضاً، والموهوبة بمحبة الله تجعل من الأنانيين خداماً للرب علياً. ما أوسع قلبك يا بولس. فليس عندك درس طويل تمهيداً للتعميد، بل جرأة لتسليم جماعة كاملة للمسيح، متكلاً عليه أنه سيكمل العمل المبتدئ. فعلم بولس أنه ليس هو، بل المسيح يخلص المؤمنين.

وبعدئذ طلبت المؤمنة الغنية من بولس ورفقائه الثلاثة، أن يسكنوا في بيتها، ويمكثون عندها مدة، ويفتحون في بيتها مركزاً للتبشير. ولكن بولس لم يرد قبول هذه المساعدة، وفضل أن يشتغل هو وزملاؤه بأيديهم، ليسكبوا قوتهم. ولكن التاجرة الشاطرة لحفت على رجال الله حتى استسلموا لطلبها، وبقوا ليقووا المتجددين. فقبل بولس المكوث عندها واستضافتها إياهم هكذا تغلبت محبته على ما اعتاده، لأن المحبة هي مبدؤه الأهم.

لقد رأى بولس في الحلم رجلاً. لكن الشخص المهتدي كان امرأة. وأتى الرسول من دين يعطي السيطرة للرجال. أما في أوروبا، فقد اختار المسيح أولاً امرأة. ونرى في هذه التطورات رموزاً لحرية المرأة وقدرة الرسول أن يصغي إلى إرشادات الروح القدس. بواسطة إطاعة الرسول أتى الإنجيل إلى أوروبا. والثمرة الأولى كانت امرأة مؤمنة بائعة أرجوان.

الصلاة: أيها الرب، نشكرك لأنك فتحت قلب السيدة ليديا، وجاوبت اشتياقها بانسكاب روحك. اغفر لنا تفكيرنا المحدود. ووسع صدورنا في سبيل التواضع والمحبة، لكي نسمع أيضاً البنات والسيدات حق الإنجيل بكل طهارة وحكمة.

16: 16 وَحَدَثَ بَيْنَمَا كُنَّا ذَاهِبِينَ إِلَى ٱلصَّلاةِ، أَنَّ جَارِيَةً بِهَا رُوحُ عِرَافَةٍ ٱسْتَقْبَلَتْنَا. وَكَانَتْ تُكْسِبُ مَوَالِيَهَا مَكْسَباً كَثِيراً بِعِرَافَتِهَا. 17 هٰذِهِ ٱتَّبَعَتْ بولُسَ وَإِيَّانَا وَصَرَخَتْ قَائِلَةً: «هٰؤُلاءِ ٱلنَّاسُ هُمْ عَبِيدُ ٱللّٰهِ ٱلْعَلِيِّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَ لَكُمْ بِطَرِيقِ ٱلْخَلاصِ». 18 وَكَانَتْ تَفْعَلُ هٰذَا أَيَّاماً كَثِيرَةً. فَضَجِرَ بُولُسُ وَٱلْتَفَتَ إِلى ٱلرُّوحِ وَقَالَ: «أَنَا آمُرُكَ بِٱسْمِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا». فَخَرَجَ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ.

العالم ممتلئ بالشياطين، حتى أن الرسول يوحنا قال: العالم كله قد وُضع في الشرير. ونرى سلطة الشياطين الماكرة اليوم جهراً. وفي زمن يسوع تراكض الملبوسون المظلمون إلى النور الأصيل، وصرخوا: ما لنا ولك. أنت قدوس الله. لماذا أتيت لتهلكنا. كذا اجتذبت العرافة بتأثير روح بولس ومحبة رفقائه، فصرحت: انتبهوا يا أناس هؤلاء الرجال رسل الله العلي، الذين يرشدونكم إلى الخلاص من الأرواح والموت.

كانت العرافة معروفة في كل المدينة. والناس يبتسمون لها، ويخافونها بنفس الوقت. وكثيرون أصغوا بانتباه لإعلاناتها، وسقطوا إلى قبضة الشيطان لأجل استفهامهم عن مستقبلهم من العرافة. أيها الأخ ننصحك ألا تذهب إلى عرافة أو شيخ ليشفيك، لأن إيمانك بهم يربطك بأرواحهم! فاستاء بولس من عبارات الملبوسة. لماذا؟ لقد اشمأز من الصوت الغريب الطالع من أعماقها. ولم يعتبر بولس كلامها دعاية صالحة لإنجيله. ولم يرد انتباه كل المدينة لتبشيره بواسطة هذا الروح المضل.

وعرف بولس أيضاً أن روح الشيطان ليس هو روح المسيح. إنما هو أمكر الماكرين، وأكذب الكاذبين. فبتاتاً لا يريد بولس أن يسند تبشيره بروح العرافة، حتى ولو أبرزت كثيراً من الحقائق في سبيل كذبها.

فإلهنا ليس الإله العلي بين آلهة وأرواح وجن. بل الله الوحيد وليس غيره. وخصوصاً في ذلك الزمن، فقد آمن العالم اليوناني بكثير من الآلهة والأوراح. فعنت دعاية الجارية خراب الإيمان بالله الوحيد في الإنجيل.

وبزيادة على ذلك، لم يعرف روح الشيطان الله الوحيد في جوهره. فلم يعرفه أنه الآب القدوس، وأن ابنه يسوع المسيح يجلس عن يمينه مالكاً معه في وحدة الروح القدس على أساس الفداء بالصليب. وأيضاً لم يعترف الروح الشرير أن بولس ورفقاءه هم أبناءالله، وليسوا عبيده فقط، لأن الخلاص الحق لا يحررنا من الخطية والموت والشيطان فقط بل يمنحنا التبني والولادة الثانية كأولاد الله.

هكذا أنكر الروح الشرير الله ولب الخلاص، رغم أنه تكلم عن الخالق وفدائه، جاعلاً منه أمراً مدهشاً عكساً من غاية المسيح الذي يريد الهدوء والتأمل لأن بهما يتوب الإنسان، ويسمع كلام ربه ويتأمله بإيمانه فيخلص.

وأدرك بولس استعباد البنت للروح الشرير. ورأى نفسها المعذبة. واشمأز من نجاسة الشيطان وإضلاله الملايين. فرحم الرسول المسكينة، وطرد الروح الشرير منها بأمره إياه بالخروج منها. ولم يقدر بولس أن يخرج الروح الشرير باسمه الخاص، كما كان يفع المسيح. كلا بل أن رسول الأمم، اعترف أنه باطل وغير مقتدر، ويسوع المسيح هو المخلص الوحيد. فأمر الروح النجس أن يخرج باسم المسيح يسوع.

وحقاً فإن هذا الاسم الفريد يسوع معروف في جهنم. فالناس الأغبياء هم عميان ومتدينون بتعصب وجهل، ولا يعرفون حقيقة الله. ولكن في كلمة بولس ظهر من هو الرب الحق. أنه يسوع المسيح الحي. فلم يستخدم بولس دعاية الشيطان إسناداً لتبشيره، بل أخر بإنجيله الروح الشرير من المعذبة، وخلصها في عمق نفسها.

وحتى الآن فإن لاسم يسوع قوة عظيمة. ولكن ليس لنا أن نستخدم هذا الاسم حسب أهوائنا، بل ننتظر بتواضع إرشاد الروح القدس. لأن بولس لم يخرج في أول التقائه بالفتاة الشيطان منها، بل بعد أيام كثيرة. وبعد صلوات متعددة استيقن أن يسوع نفسه أرا هذا الأمر. فتحقق ذلك بجملة واحدة قاطعة: باسم يسوع. وحتى اليوم يستطيع جماعة من المصلين السالكين في حماية روحه إخراج الأرواح النجسة. فانتبه أيها الأخ ألا تفعل شيئاً باسمك الشخصي، متلاعباً بأفكارك، ولا تستخدمن اسم يسوع كتجربة لتحقيق رغبات، بل اخضع للإنجيل وروحه، فتر عظمة الرب تتحقق حولك وفيك.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك ونسجد لك لأنك حررت المرأة الملبوسة من الروح الشرير. وأنت لا زلت حتى اليوم رب الأرباب، وتحرر أفراداً من قيود الشياطين وأكاذيبهم المفترية. افتح أعين الملايين لكي يروا الأكاذيب الدينية الباطل، ويخلصوا في قوة اسمك الفريد.

16: 19 فَلَمَّا رَأَى مَوَالِيهَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ رَجَاءُ مَكْسَبِهِمْ، أَمْسَكُوا بُولُسَ وَسِيلا وَجَرُّوهُمَا إِلَى ٱلسُّوقِ إِلَى ٱلْحُكَّامِ. 20 وَإِذْ أَتَوْا بِهِمَا إِلَى ٱلْوُلاةِ قَالُوا: «هٰذَانِ ٱلرَجُلانِ يُبَلْبِلانِ مَدِينَتَنَا، وَهُمَا يَهُودِيَّانِ، 21 وَيُنَادِيَانِ بِعَوَائِدَ لا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْبَلَهَا وَلا نَعْمَلَ بِهَا، إِذْ نَحْنُ رُومَانِيُّونَ». 22 فَقَامَ ٱلْجَمْعُ مَعاً عَلَيْهِمَا، وَمَّزَقَ ٱلْوُلاةُ ثِيَابَهُمَا وَأَمَرُوا أَنْ ُضْرَبَا بِٱلْعِصِيِّ. 23 فَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا ضَرَبَاتٍ كَثِيرَةً وَأَلْقُوهُمَا فِي ٱلسِّجْنِ، وَأَوْصُوا حَافِظَ ٱلسِّجْنِ أَنْ يَحْرُسَهُمَا بِضَبْطٍ. 24 وَهُوَ إِذْ أَخَذَ وَصِيَّةً مِثْلَ هٰذِهِ أَلْقَاهُمَا فِي ٱلسِّجْنِ ٱلدَّاخِلِيِّ، وَضَبَطَ أَرْجُلَهُمَا فِي ٱلْمِقْطَرَةِ.

اعتبرت الجارية العرافة بقرة حلوباً لعدة أغنياء، وهم لا يبالون بعذاب تلك الملبوسة النفسي، بل كوموا أموالاً من كذب الشيطان ومكره بواسطتها. فاغتاظوا لما انتهى فجأة مورد رزقهم، وأشبهوا مجانين، وتربصوا ببولس وسيلا، وقبضوا عليهما وجروهم بشغب وعنف إلى رئيس البلدية، واتهموهما بإثارة التمرد في المدينة. طبعاً أنهم لم يقولوا شيئاً عما فعله الرسولان من تحرير تلك المستعبدة من كابوس التباسها، بل ألصقوا برسل وداعة المسيح أنهم ثوريون من اليهود، ويدخلون عوائد غير مستحبة وغير لائقة لروماني شريف. فأثاروا حمية العساكر المتقاعدين، الذين كانوا يقطنون مدينة فيلبي، خاصة بعد انتهاء خدمتهم. فسرعان ما اهتاجوا، لأن موالي العرافة كانوا معروفين ومحترمين. وهكذا تقدمت أمواج الجماهير صاخبة إلى دار البلدية. ولما وصلوا إلى رئيسي البلدية، رأى هذان المسؤولان، أن الرأي العام ضد اليهوديين. فأعطى أحدهما علامة البلدية، فخفوا هجوماً على الرسولين ومزقوا ثيابهما، حتى عروهما وضربوهما ضربات أليمة كثيرة. وأشبعوهما تعييراً وسخرية، أمام مشهد الجماهير المستهزئة.

ولأجل الاستخبار عن هذين المشاغبين المضروبين، فقد ألقيا في السجن، إلى غرفة داخلية ضيقة وسخة، وظهورهما دامية من الجَلد، وأجسامهما منهوكة متألمة. وأكثر من ذلك، فقد وضعوا أرجلهما في المقطرة، القيد الشديد. وصفدوهما بسلاسل ثقيلة كيلا يهبا. فبماذا فكر المسكينان المحبوسان؟ أَلَعَنا الرومان؟ أو تأسفا لتحريرهما العرافة من شيطانها؟ أو خافا من مغبة الاعتداء على الكنيسة النامية حديثاً؟ لا ثم لا! فإن المحبوسين تكلما مع ربهما في الصلاة، وباركا مضطهديهما وأدركا أنهما اشتركا في مل صليب المسيح.

16: 25 وَنَحْوَ نِصْفِ ٱللَّيْلِ كَانَ بُولُسُ وَسِيلا يُصَلِّيَانِ وَيُسَبِّحَانِ ٱللّٰهَ، وَٱلْمَسْجُونُونَ يَسْمَعُونَهُمَا. 26 فَحَدَثَ بَغْتَةً زَلْزَلَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى تَزَعْزَعَتْ أَسَاسَاتُ ٱلسِّجْنِ، فَانْفَتَحَتْ فِي ٱلْحَالِ ٱلأَبْوَابُ كُلُّهَا، وَٱنْفَكَّتْ قُيُودُ ٱلْجَمِيعِ. 27 وَلَمَّا ٱسْتَيْقَظَ حَافِظُ ٱلسِّجْنِ، وَرَأَى أَبْوَابَ ٱلسِّجْنِ مَفْتُوحَةً، ٱسْتَلَّ سَيْفَهُ وَكَانَ مُزْمِعاً أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ ظَانّاً أَنَّ ٱلْمَسْجُونِينَ قَدْ هَرَبُوا. 28 فَنَادَى بُولُسُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «لا تَفْعَلْ بِنَفْسِكَ شَيْئاً رَدِيّاً، لأَنَّ جَمِيعَنَا هٰهُنَا».

لم يسترح الرسولان بعد عذابهما وتشقق ظهورهما الدامية في إحدى المستشفيات تحت إشراف علاج راهبات لطيفات، بل كانا مقيدين بالمقطرة والسلاسل، جالسين في العراء على الصخور والظلمة مخيمة ورابضة عليهما. ولكنهما لم يشتما ولم ينوحا بل رتلا معا. فالصلاة بصوت خفيف لم تكفهما، لأن قلبهما امتلأ شكراً وحمداً لانتصار المسيح بعد المنع الطويل من الروح القدس في آسيا الصغرى. لقد أشرقت أصباح غلبة المسيح في أوروبا، فعلى الظلمة أن تسمع اسم المقام من بين الأموات. ولا حائل مطلقاً لاقتحام ملوت الله وانتشاره في الأرض. فرتل المعذبان بصوت عال حتى سمعهما المحبوسون الآخرون. وكان منتصف الليل، لما بلغت ترانيم الحمد عنان السماء. وهذا الخبر في أعمال الرسل كان رمزاً معزياً لكثير من المعذبين والمضطهدين في تاريخ الكنيسة، إذ ارتفع حمدها في منتصف وآناء الليل الغسق. عندئذ جاوبهما الله فجأة ليس بظهور ملاك ولا بكلمات وحي، بل بزعزعة زلزال. فبان لهما لأول بادرة كأنما الشيطان يزيد في تعذيبهما. وسقطت حجارة وأتربة من السقف عليهما. ولكن بعد قليل انفتحت كل أبواب السجن بقوة، وسقطت عنهما كل سلاسلهما المعذبة. ومع ذلك لم يهرب بولس مستغنماً الفرصة مع السجناء الأُخر الذين كانوا مضطربين في أعماق قلوبهم من الترتيل وجواب الله عليه بالزلزلة، حتى ما تجرأوا على الحراك. وربما خافوا من دينونة الله على خطاياهم الظاهرة.

لكن رئيس السجن انتفض من فراشه، ورأى أبواب السجن مفتوحة، ظاناً أن كل السجنى قد فروا. فخاف من عار هربهم من يده، ومما ينتظره من محاكمة وعذاب أليم، وقتل له واستعباد لعائلته. وهكذا مزحوناً بهذه المخاوف والتصورات استل سيفه مزمعاً أن يخرق صدره به.

ورأى بولس مدير السجن المزمع على الانتحار وسيفه بيده، فصرخ به: قف لا تقتل نفسك. لا تخف لم يهرب أحد، كل السجناء موجودون هنا. فالمحبة في صوت بولس وتعزيته بهذا الكلام الرقيق كان عكس ما اعتاده هذا الضابط من شتائم المسجونين ولعناتهم ووحيتهم وصراخهم. وكان إذا أُتيح للسجناء فرصة، مزقوا حراسهم وانطلقوا هاربين. لكن الآن يا للغرابة، أبواب السجن مفتوحة. ومع ذلك ها أولاءهم السجناء لا يهجمون عليه كالوحوش، بل أن أحدهم وهو بولس، يناديه بكل كلام لطيف حتى لا يضر بنفسه ويرديها الحف. فصدم هذا الكلام عقل الحارس وفاق تصوره. واستغربه جداً، لأن عدوه أحبه وخلصه من الانتحار. فصار يفتح عينيه ويبحلق بها محاولاً تجميع أفكاره كأنما كان في حلم سحيق.

الصلاة: أيها الرب الحي، دعنا نسمع صوتك اللطيف إن سقطنا في اليأس والاحتيار. وعلمنا سمع كلمات محبتك إن زال رجاونا. واجذبنا إلى تعزيتك لكي نعيش ولا نموت أبداً.

16: 29 فَطَلَبَ ضَوْءاً وَٱنْدَفَعَ إِلَى دَاخِلٍ، وَخَرَّ لِبُولُسَ وَسِيلا وَهُوَ مُرْتَعِدٌ، 30 ثُمَّ أَخْرَجَهُمَا وَقَالَ: «يَا سَيِّدَيَّ، مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ أَفْعَلَ لِكَيْ أَخْلُصَ؟» 31 فَقَالا: «آمِن بِٱلرَّبِّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ». 32 وَكَلَّمَاهُ وَجَمِيعَ مَنْ فِي بَيْتِهِ بِكَلِمَةِ ٱلرَّبِّ. 33 فَأَخَذَهُمَا فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مِنَ ٱللَّيْلِ وَغَسَّلَهُمَا مِنَ ٱلْجِرَاحَاتِ، وَٱعْتَمَدَ فِي ٱلْحَالِ هُوَ وَٱلَّذِينَ لَهُ أَجْمَعُونَ. 34 وَلَمَّا أَصْعَدَهُمَا إِلَى بَيْتِهِ قَدَّمَ لَهُمَا مَائِدَةً، وَتَهَلَّلَ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ إِذْ كَانَ قَدْ آمَنَ بِٱللّٰهِ.

صرخ رئيس السجن. أعطوني مصباحاً. وهذا الطلب رمز على أنه قد عاش طيلة حياته العسكرية في ظلم وظلمات. ولكن الآن استنار قليلاً بكلمات بولس. فأدرك نور الروح السماوي رأساً وسجد عند قدمي الرسول الذي خلص حياته. ولعله ظنهم آلهة أو ملائكة إذ ان مستحيلاً عليه عدم هربهما ومحبتهما الفائقة له والمحافظة على حياته. إن لطف المسيح أعظم ثورة روحية في العالم.

ولم يستغل بولس ارتعاب الرجل لينتفخ، بل وضح للضابط أنه مثله إنسان لكن تغيّر وتجدد بنعمة المسيح. ولما سمع هذا المرتعب المضطرب قول الرسول قاده مع رفيقه إلى الساحة. فشاهد جسديهما الدامين، وخاف من غضب الله. لأنه اشترك في تعذيب رسله الكام وتمتم بهلع مخيف: ماذا يجب عليّ أن أفعل، لكي أهرب من غضب القدوس وأخلص؟ عندئذ لخص الرسول بولس لهذا الحائر الإنجيل في جملة عظيمة، هي من أهم جمل الكتاب المقدس. وبشر المرتعب بالحق الكامل صراحة: آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك. فذا القول أعطى الحارس رجاء قوياً. فلم يهلكه الله، ولم يضربه بصاعقة من السماء، بل فتح له طريق الباب إلى النعمة في شخص يسوع المسيح. وشهد بولس لكل المتراكضين والمتجمهرين هنالك نساء ورجالاً، عبيداً وسجناء، شيباً وشباباً، أن المسيح يسوع هو الب المقتدر أن يجري زلازل، القادر أن يغفر الذنوب، المعطي خلاصاً، والرب الذي يقيم من الموت والمستعد أن يملأ التائبين بالروح القدس واللطيف، الذي يحرر الإنسان من سلطة خطاياه. فبكلمات قليلة ألقى رسول الأمم الإنجيل إلى القلوب الفزعة. وهؤلاء الستمعون آمنوا رأساً وأدركوا أن الله نفسه كان واقفاً في رسله أمامهم. هكذا لا يتكلم إنسان، بل الأزلي بالذات، مقدماً لهم يد المصالحة. فنما نور الإنجيل السماوي في قلوب المستمعين. ودعا الضابط الرسولي إلى داره، وغسل جروحهما وألبسهما ثياباً نظيفة وطلب منهما المعمودية، رمزاً لتسليمه الكامل إلى ملك المحبة يسوع المسيح.

وهذا الضابط المتقاعد والمشرف على السجن، أراد تصفية كل رواسب حياته. وأراد فتح بيته لهذا الروح الجديد. وجمع كل أهله وخدامه وموظفيه ليعتمدوا في نفس الليلة معاً. وقد أدرك هذا العسكري أن لأمر الله ضرورة، وكل تباطوء يكون خطية. فجوابه كان توبة كاملة مباشرة، وتسليماً تاماً للرب الحي.

وعندما حل الروح القدس في المتعمدين، انشرحت صدورهم لذكر الله. وملأت ترانيم الحمد قلوبهم، وأدركوا أن الله قد زارهم وسط السجن وغياهب الظلمات.

عندئذ هيأوا العلية. التي في بيتهم وابتدأوا يحضرون الطعام لإقامة وليمة كبيرة. وتهللوا معا، لأن المسيح قد غسل ضمائرهم من الخطايا، وقدسهم مجاناً، هم الخطاة المجرمون الذين عاشوا الآن في ملء نور الله وسط الليل البهيم. ما أجمل هذه الصور، أن تقام وليمة في نصف الليل! فالمسيح أنار المؤمنين وسط الظلمات المحيطة بهم، وملأهم بأعظم الفرح. هذا كان ثمار احتمال العذاب وإطاعة الإيمان في بولس وسيلا. كما أن ليديا ولوقا وتيموثاوس، لم ينتهوا من الصلاة لأجل المحبوسين.

16: 35 وَلَمَّا صَارَ ٱلنَّهَارُ أَرْسَلَ ٱلْوُلاةُ ٱلْجَلاَّدِينَ قَائِلِينَ: «أَطْلِقْ ذَيْنِكَ ٱلرَّجُلَيْنِ». 36 فَأَخْبَرَ حَافِظُ ٱلسِّجْنِ بُولُسَ أَنَّ ٱلْوُلاةَ قَدْ أَرْسَلُوا أَنْ تُطْلَقَا، فَٱخْرُجَ ٱلآنَ وَٱذْهَبَا بِسَلامٍ. 37 فَقَالَ لَهُمْ بُولُسُ: «يَضَرَبُونَا جَهْراً غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْنَا، وَنَحْنُ رَجُلانِ رُومَانِيَّانِ، وَأَلْقَوْنَا فِي ٱلسِّجْنِ - أَفَٱلآنَ يَطْرُدُونَنَا سِرّاً؟ كَلاَّ! بَلْ لِيَأْتوا هُمْ أَنْفُسُهُمْ وَيُخْرِجُونَا». 38 فَأَخْبَرَ ٱلْجَلاَّدُونَ ٱلْوُلاةَ بِهٰذَا ٱلْكَلامِ، فَٱخْتَشَوْا لَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُمَا رُومَانِيَّانِ. 39 فَجَاءُوا وَتَضَرَّعُوا إِلَيْهِمَا وَأَخْرَجُوهُمَا، وَسَأَلُوُمَا أَنْ يَخْرُجَا مِنَ ٱلْمَدِينَةِ. 40 فَخَرَجَا مِنَ ٱلسِّجْنِ وَدَخَلا عِنْدَ لِيدِيَّةَ، فَأَبْصَرَا ٱلإِخْوَةَ وَعَّزَيَاهُمْ ثُمَّ خَرَجَا.

انتظر حافظ السجن بقلب مشوش القرار النهائي للمسؤولين في البلدية، لأنه حرر السجينين بلا أمر منهما واستضافهما. ففرح كثيراً لما سمع الأمر الجديد بتخليتهما. وركض فرحاً إلى بولس ينبئه، وطلب إليه الذهاب بسلام، لكي لا يتعرض لأذى.

ولكن ها هوذا بولس منتصب رافض الذهاب ومطالب بحقه، ليس لنفسه بل لكل الكنيسة. إنهما ليسا لصين بل رومانيين. وقد وقع عليهما ظلم ثلاث مرات. فضربا جهراً وهذا عذاب للعبيد فقط، ينبغي ألا يقع على روماني البتة. وحكم عليهما بلا محاكمة، وهذا يعني في دولة عادلة مثل الرومان خطأ من القضاة وخطراً عليهم يؤدي بهم إلى السجن والمقاصصة الشديدة. ومن ثم في إقامة الدعوة على المسؤولين.

فطلب بولس أن يأتي الحكام شخصياً إلى السجن ويعتذروا منهما ويرافقوهما كضيفي شرف وسط شوارع المدينة. فلم يقصد بولس الانتقام لأنه كمؤمن حق قد غفر للمسؤولين مسبقاً، كل ذنبوهما. ولكنه أراد تبرير الكنيسة الجديدة جهراً، وإظهارها كحركة شريف غير محتاجة للتخفي في الكهوف والمغاور والسراديب.

وحقاً فإن مسؤولي المدينة أسرعوا خوفاً إليه. وتكلموا مع رسول الأمم متواضعين، ولاطفوه وطلبوا إليه ترك المدينة، تحرزاً من المشاكل التي يثيرها إنتقاماً أسياد العرافة التي تحررت من السيطرة بالنعمة.

ولم يبال بولس بكلامهم كثيراً، بل عاد إلى بيت ليديا بائعة الأرجوان، حيث كان أعضاء الكنيسة مجتمعين للصلاة. وها هي ذي محاطة بجمع من الإخوة في بيتها، مما يدلنا أنه بين اهتداء الأوروبية الأولى وخلاص مدير السجن كانت فترة طويلة بشر الرسو خلالها أهل فيلبي، مؤسساً كنيسة حية. وبعد أن التقوا في بيت ليديا، عزى المعذبون إخوانهم السالمين بتأكيد حضور المسيح أثناء كل الضيق. بعدئذ مضى الرسولان وتيموثاوس معهما، وخلفا الطبيب لوقا في فيلبي ليرعى الكنيسة هنالك. لذلك نقرأ منذ هذه الحدثة كلام البشير لوقا بصيغة الغائبين (هم)، دلالة على أن لم يذهب معهما.

الصلاة: أيها الرب نشكرك، لأن كلمتك تخلص أناساً وتغيرهم. فنؤمن أنك تخلص بيتنا كاملاً أيضاً. طهر قلوبنا من كل الذنوب بدمك الثمين، ونق أذهاننا تماماً بإنارة الروح القدس، لكي يرى كل أعضاء عشيرتنا محبتك الموهوبة لنا، ويشتاقن لاطمئنان سلامك.

5 - تأسيس كنيسة تسالونيكي (17: 1 - 9)

اَلأَصْحَاحُ ٱلسَّابِعُ عَشَرَ : 1 فَٱجْتَازَا فِي أَمْفِيبُولِيسَ وَأَبُولُونِيَّةَ، وَأَتَيَا إِلَى تَسَالُونِيكِي، حَيْثُ كَانَ مَجْمَعُ ٱلْيَهُودِ. 2 فَدَخَلَ بُولُسُ إِلَيْهِمْ حَسَبَ عَادَتِهِ، وَكَانَ ُحَاجُّهُمْ ثَلاثَةَ سُبُوتٍ مِنَ ٱلْكُتُبِ، 3 مُوَضِّحاً وَمُبَيِّناً أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ ٱلْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ وَيَقُومُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلْمَسِيحُ يَسُوعُ ٱلَّذِي أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِه. 4 فَٱقْتَنَعَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَٱنْحَازُوا إِلَى بُولُسَ وَسِيلا، وَمِنَ ٱلْيُونَانِيِّينَ ٱلْمُتَعَبِّدِينَ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ، وَمِنَ ٱلنِّسَاءِ ٱلْمُتَقَدِّمَاتِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ. 5 فَغَارَ ٱلْيَهُودُ غَيْر ٱلْمُؤْمِنِينَ وَاتَّخَذُوا رِجَالاً أَشْرَاراً مِنْ أَهْلِ ٱلسُّوقِ، وَتَجَمَّعُوا وَسَجَّسُوا ٱلْمَدِينَةَ، وَقَامُوا عَلَى بَيْتِ يَاسُونَ طَالِبِينَ أَنْ يُحْضِرُوهُمَا إِلَى ٱلشَّعْبِ. 6 وَلَمَّا لَمْ يَجِدُوهُمَا، جَرّوا يَاسُونَ وَأُنَاساً مِنَ ٱلإِخْوَةِ إِلَى حُكَّامِ ٱلْمَدِينَةِ صَارِخِينَ: «إِنَّ هٰؤُلاءِ ٱلَّذِينَ فَتَنُوا ٱلْمَسْكُونَةَ حَضَرُوا إِلَى هٰهُنَا أَيْضاً. 7 وَقَدْ قَبِلَهُمْ يَاسُونُ. وَهٰؤُلاءِ كُلُّهُمْ يَعْمَلُونَ ضِدَّ أَحْكَامِ قَيْصَرَ قَائِلِينَ إِنَّهُ يُوجَدُ مَلِكٌ آخَرُ: يَسُوعُ!» 8 فَأَزْعَجُوا ٱلْجَمْعَ وَحُكَّامَ ٱلْمَدِينَةِ إِذْ سَمِعُوا هٰذَا. 9 فَأَخَذُوا كَفَالَةً مِنْ يَاسُونَ وَمِنَ ٱلْبَاقِينَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُم.

مدينة تسالونيكي، هي عاصمة تجارية لا تزال حتى اليوم. ويسكنها أكثر من ربع مليون وتقع على مسافة 150 كلم من فيلبي. ولما وصلها بولس توجه أولاً إلى كنيس اليهود، لأن فيه اجتمع الذين أحبوا الله الوحيد، وطلبوه وأصغوا لكلمته. مع العلم أن الين اليهودي، كان مرخصاً له رسمياً من قبل السلطات، بينما لم يسمحوا لأي دين جديد بالنشاط العلني. وبمدة ثلاثة سبوت برهن بولس الفقيه الأورشليمي أن المسيح الإلهي لم يأت كملك باهر متسلط على كل العالم بقدرته السماوية، بل ينبغي أن يُرفض ويتألم مة ويموت في العار، ويقوم من بين الأموات ليصالح البشر مع الله، ويجدد القلوب التائبة. وهذا الفكر كان جديداً غريباً على اليهود، الذين انتظروا مسيحاً سياسياً مقتدراً على الشعوب. وأما حمل الله فلم يدركوه. ففسر بولس لمستمعيه أن يسوع من الناصرة هو محبة الله المتجسدة، الذي تراكضت إليه الجماهير، مصغية لكلامه وشفاءاته وأعماله العظمى مستعجبة. فحسده لذلك أعضاء المجمع الأعلى، ورفضوا ألوهيته واضطهدوه بمكر، وحكموا عليه حكماً لدا، حتى صلب أخيراً بأيدي الرومانيين. ولكن موته كان الذبيحةالوحيدة التي أرضت الله، وكفرت عن ذنوبنا ومحت آثامنا. وبرهن بولس ضرورة موت المسيح من أسفار العهد القديم أولاً. وأبرز بعدئذ صلاحيته كشاهد عيان بجانب التوراة، لأنه حصل على رؤى ووحي مباشرة من المسيح الحي، لينقلب العالم بإنجيله.

ولكن بعض اليهود آمنوا ببشرى الخلاص، وقبلوا المسيح يسوع الإلهي، وخضعوا لرسالة بولس الرسول. وكذلك آمن المتقون اليونانيون بعدد أوفر وإيمان أقوى، لأنهم تأثروا بشرح التوراة، وانضموا إلى جماعة بولس وسيلا علانية. وكثير من النساء المحترما قبلن بشارة العفة والحق والقداسة. وانفتحن لروح المسيح القدوس، وثبتن في خلاصه الفعال: . فنشأت في مدينة تسالونيكي كنيسة حيوية، واستمر بولس وسيلا وتيموثاوس على تعليم المؤمنين هناك بأمانة وثبات.

اقرأ رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تسالونيكي العدد 1 و2 بدقة. فتعرف سريعاً مقدار اللطف والقوة والحماس العامل في رسل المسيح المبشرين في تسالونيكي. وهل تعرف أن هذه الرسالة الأولى إلى أهل تسالونيكي هي أقدم جزء من العهد الجديد المكوب باللغة اليونانية، واقدم من كل الأناجيل؟ وتجد فيها طريقة بولس التبشيرية في أول مراحل كفاحه ومضمون إنجيله، الذي فتح أبواب المدن والشعوب. فاقرأ هذه الرسالة بانتباه، تفهم سفر أعمال الرسل بطريقة أوضح.

وكما حسد المجلس الأعلى اليهودي يسوع آنذاك هكذا حسد اليهود في تسالونيكي بولس. لأن كل الأعضاء الوجهاء من اليونان، الذين كانوا يجيئون إلى كنيستهم سابقاً، انحرفوا نحو بولس. وبما أن حياة الشاهد الرسولي بلا لوم وتعليمه منطبق مع التوراة،فلم يقدروا أن يشتكوا عليه. ففتشوا على بعض الغوغاء في الشوارع والأزقة، ورشوهم والبوهم لإثارة الشغب، وهيجوا المدينة كلها للتأثير على الرأي العام ضد المسيحيين.

والجماهير اتجهوا نحو بيت ياسون الفخم، الذي كان غنياً محترماً في المدينة، وقد نزل عنده بولس وسيلا. ولكنهما لم يكونا عنده في البيت ساعة الهجوم والتظاهر. فدخلت الجماهير قاعات هذا البيت، وبحثوا أخيراً كل زاوية وخزانة فلم يجدوا لهما أثاً. فقبضوا أخيراً على ياسون نفسه وبعض الإخوة، وجروهم إلى رئيسي المدينة، واشتكوا على بدع يسوع. وللعجب فإنهم قد استخدموا نفس الكلمات الاتهامية، التي تفوه بها المجلس اليهودي الأعلى في أورشليم أمام بيلاطس الوالي الروماني في محاكمة المسيح قب عشرين سنة تقريباً، فقالوا أن بولس وسيلا يناديان بيسوع الملك الأعظم ليخضعوا كل الشعوب له. وهذا معناه اضمحلال الدولة الرومانية. فهذه الشكوى كانت خطيرة وهزت شلوش الدولة الرومانية من الأعماق، لأن اليهود لووا حق يسوع الملك الروحي وجعلوا الويع المتواضع ثائراً خطراً على كل الشعوب. والمسيح حقاً هو ملك الملوك ورب الأرباب، ويجلس عن يمين الآب حياً ومالكاً معه المسكونة والعوالم. وليس سلطانه دنيوياً مبنياً على مدافع وضرائب وعنف، بل طرق حكمة قائمة على ثمار الروح القدس، المنشئ مملك الله الروحية في قلوب الذين يخضعون لربهم. وأما الملحدون فيخربون أنفسهم بأنفسهم ويحولون العالم الجميل إلى مزبلة ومجزرة ومعتقل وكابوس وسجن كبير.

وقام رؤساء المدينة العقلاء، وفهموا مصدر الشغب وخافوا ضغط الرومان لأجل الهيجان. فلذلك هدأوا الجموع، وقبلوا من ياسون كفالة ضخمة، لأنه وضح لهم أن غاية المسيحيين ليست سياسية البتة. وأن كل مؤمن يفضل أن يموت كمسيحه ولا يرتكب عنفاً أو ظلماً. وأن مملكة يسوع هي مملكة روحية لا تظهر إلا في مجيء المسيح الثاني في المجد. عندئذ تزول العوالم، لأنه كان متأكداً مائة بالمائة أن ليس لبولس غاية سياسية البتة، وتكفل بأنهما سيتركان المدينة رأساً.

ومسألة ملكية يسوع حركت في تاريخ الكنيسة شعوباً وملوكاً وقياصرة وبابوات كثر. فبولس بشر غالباً بالمسيح المصلوب. ولكن خلفاءه طلبوا قيصر مقتدراً متسلطاً على العالم كله. ولقد نسي هؤلاء أن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم، لا يبني إلا بقلب منسحقة تائبة. وبالحقيقة فإن المسيح يدعو كل القياصرة والجنرالات والزعماء ليرجعوا من تعجرفهم واستكبارهم إلى التواضع والقناعة والرحمة، لأن دين المسيح، لا يقوم على السيف ولا على الثورات، بل على كلمة الخلاص وقوة المحبة فقط. ولكن إن أتى الميح فسيغلب كل القوى المضادة لله. فلا يكون فيما بعد موت ولا حزن ولا تجربة للخطية. هذا الكيان الجديد في مجد الله الآب هو ملكوت الله الحق.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أنت الملك العظيم وتملك قلبي ومالي. نكرس لك حياتنا، ونطلب إليك أن تمنحنا الحكمة لنخدمك أمناء. ادع كثيرين إلى ملكوتك، لكي يعيشوا إلى الأبد.

6 - تأسيس كنيسة بيرية (17: 10 - 15)

17: 10 وَأَمَّا ٱلإِخْوَةُ فَلِلْوَقْتِ أَرْسَلُوا بُولُسَ وَسِيلا لَيْلاً إِلَى بِيرِيَّةَ. وَهُمَا لَمَّا وَصَلا مَضَيَا إِلَى مَجْمَعِ ٱلْيَهُودِ. 11 وَكَانَ هٰؤُلاءِ أَشْرَفَ مِنَ ٱلَّذِينَ فِي تَسَالُونِيكِي،فَقَبِلُوا ٱلْكَلِمَةَ بِكُلِّ نَشَاطٍ فَاحِصِينَ ٱلْكُتُبَ كُلَّ يَوْمٍ: هَلْ هٰذِهِ ٱلأُمُورُ هٰكَذَا؟ 12 فَآمَنَ مِنْهُمْ كَثِيرُونَ، وَمِنَ ٱلنِّسَاءِ ٱلْيُونَانِيَّاتِ ٱلشَّرِيفَاتِ، وَمِنَ ٱلرِّجَالِ عَدَدٌ لَيْسَ بِقلِيلٍ.

13 فَلَمَّا عَلِمَ ٱلْيَهُودُ ٱلَّذِينَ مِنْ تَسَالُونِيكِي أَنَّهُ فِي بِيرِيَّةَ أَيْضاً نَادَى بُولُسُ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ، جَاءُوا يُهَيِّجُونَ ٱلْجُمُوعَ هُنَاكَ أَيْضاً. 14 فَحِينَئِذٍ أَرْسَلَ ٱلإِخوَةُ بُولُسَ لِلْوَقْتِ لِيَذْهَبَ كَمَا إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَأَمَّا سِيلا وَتِيمُوثَاوُسُ فَبَقِيَا هُنَاكَ. 15 وَٱلَّذِينَ صَاحَبُوا بُولُسَ جَاءُوا بِهِ إِلَى أَثِينَا. وَلَمَّا أَخَذُوا وَصِيَّةً إِلَى سِيلا وَتِيمُوثَاوُسَ أَنْ يَأْتِيَا إِلَيْهِ بِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ، مَضَوْا.

كان بولس يجول من مدينة إلى أخرى من أجل المسيح. وحياته أشبهت سلسلة ضيقات. وكل حلقة من هذه السلسلة مشابهة الأخرى، إلا في بعض الاستثناءات الطارئة. فمن عادته أن يدخل المدن مصلياً مع رفقائه ويفضل العواصم على القرى. وكان يبحث قبل كل شيءعن كنيس اليهود، لأنه آمن باختيار شعبه، وبشرهم بيسوع المصلوب والحي. وهم بدورهم كانوا يمتحنون تعليمه الجديد على ضوء التوراة والأنبياء. فبعضهم آمن وخاصة المتقون من الأمم الذين قبلوا متحمسين قوة التعليم الجديد وثبتوا في مصالحة المسيح. فاغتا اليهود، لأنهم لم يحبوا فكر حمل الله الوديع، بل أرادوا مسيحاً سياسياً مسيطراً وبانياً مملكته على الناموس. فاندلعت نيران خصام وبغضة واضطهاد وعذاب مقيم وتهديد بموت أليم وطرد وهرب مستديم. وكان الذي يبقى في المدينة من خدمة الرسول هو كنيسة مسيحية حية صغيرة، تدرك وتؤمن أن المسيح هو يسوع من الناصرة، الذي وضع في أتباعه حياة الله بواسطة الروح القدس. وكثيراً ما كانت تتألم هذه الكنائس الحديثة عقب طرد بولس باضطهادات عنيفة، كما يقرأ نص رسالة تسالونيكي (1 تسا 2: 14 ، 3: 1-4 و2 تسا 1: 4. ورافق الإخوة التسالونيكيون بولس إلى مدينة صغيرة، اسمها بيرية على سبعين كيلو متر غربي تسالونيكي، ظانين أنه هناك مضمون سلامه أكثر من المدن الكبرى بمراكز خطوط مواصلاتها العامة. ولكن بولس لا يهتم بضمان نفسه البتة، بل قلبه مشتعل بيسوع، لأن رأى مجده الحق. ومحبته للأمم أجبرته أن يكرز بالخلاص ليتغير كثيرون.

وكان اليهود في بيرية مستعدين لاستماع الفكر الجديد، وبحثوا في الأسفار القديمة، وكسبوا بواسطة هذا التعمق الحياة الأبدية، مع الذين يعيشون في محيطهم، متشوقين للرسالة المعزية للقلوب. وهذه الطريق نموذجية للتبشير، ولكنها ليست المنهج الوحد للوصول إلى يسوع. فمن يتعمق طواعية في كلمة الله، يختبر أن هذه الكلمة تخلق في نفسه تطهيراً وتبريراً ومحبة وتقديساً وقوة شاهدة ورجاء لمجيء المسيح. أيها الأخ، اغلب تعبك وكسلك وكسر الممانعة في نفسك ضد كلمة الله واملأ فؤادك بأقوال المسيح، فصبح إنساناً سعيداً مشابهاً ينبوع محبة الله في محيطك، لأن الفكر والروح الذي بداخلك، يفيض منك أيضاً.

ونتيجة تبشير بولس كانت كنائس مختلطة من مسيحيين يهود وأمميين. ففي هذه الكنائس غلبت الانقاسامات بين الشعوب والحضارات وفيما بين الغرب والشرق، لأن محبة المسيح هي القوة الفائزة في المؤمنين جميعاً. وهذا الانتصار الروحي والنمو اللطيف هو وكة جارحة في عين الشيطان. فهو عامل بكل قدرته لإهلاك الكنائس داخلياً أو خارجياً. وأقبل اليهود المتعصبون من تسالونيكي إلى بيرية غاضبين وهزوا بأكاذيبهم المؤمنين الجدد محاولين تفجير شركة المحبين ليضطهدوا بولس بعنف.

فظهر عندئذ الروح اللطيف المسالم في هؤلاء الرجال. وقبل أن يحصل الاصطدام رافقوا بولس إلى البحر البعيد 40 كلم. وأدخلوه بسرعة إلى إحدى السفن، لكيلا تصيبه شرور المبغضين. لقد أتى بولس منفرداً إلى بيرية، تاركاً زملاءه في تسالونيكي لتقويةالكنيسة. والآن ها هوذا يترك بيرية لوحده مسافراً نحو أثنيا، المدينة التي تراكمت كبرج الأرواح على جبلها أمامه، مدينة الفلاسفة والمفكرين المرتبطين بكبريائهم وسطحيتهم، لأن أهل أثينا حسبوا أنهم يستطيعون سبر كل أسرار العالم بعقولهم. أما الروح القدس من الرب المقام من بين الأموات، فلم يعرفوه.

لم يخف بولس من مركز الفلسفة. وشعر أنه تقدم الآن إلى كفاح طويل سيزعزع الكنيسة في تاريخها لطيلة ألف سنة باستمرار، لأن الفلسفة بدون الله ورسالة الإنجيل كنور وظلمة، سماء وجهنم، وحي الله ووسوسة الشيطان. فلم يرد بولس أن يدخل إلى هذا الحب المبدئي مع الأرواح وحيداً حيث تيقن أنه ليس عبقرياً، بل عضواً في جسد المسيح. فطلب من زميليه سيلا وتيموثاوس أن يحضرا رأساً من تسالونيكي ويوافياه في أثينا. هكذا طلب بولس مساعدة أتباعه في المصارعة مع الأرواح النجسة، كما أن يسوع طلب في جثسماني من تلاميذه أن يسهروا ويصلوا معه. ولكن كما أنه كان على الرب يسوع ممارسة هذا الكفاح منفرداً، وشرب كأس غضب الله منعزلاً، هكذا كان على بولس أن يسافر إلى أثينا وحيداً، ويحتمل استهزاء المفكرين واحتقار الناس وحكمتهم البشرية.

الصلاة: نشكرك أيها الرب المسيح، لأنك شجعت بولس مرة بعد المرة ألا يهتم بالاضطهادات والعذاب، بل يمجد اسمك القدوس. طهرنا يا رب للخدمة، واملأنا بدافع محبتك، لكيلا نخاف من إنسان أو روح أو مذهب، بل نبشر بخلاص كل المشتاقين إلك.

7 - بولس في أثينا (17: 16 - 34)

17: 16 وَبَيْنَمَا بُولُسُ يَنْتَظِرُهُمَا فِي أَثِينَا ٱحْتَدَّتْ رُوحُهُ فِيهِ، إِذْ رَأَى ٱلْمَدِينَةَ مَمْلُؤَةً أَصْنَاماً. 17 فَكَانَ يُكَلِّمُ فِي ٱلْمَجْمَعِ ٱلْيَهُودَ ٱلْمُتَعَبِّدِينَ، وَٱلَّذِينَ يُصَادفُونَهُ فِي ٱلسُّوقِ كُلَّ يَوْمٍ. 18 فَقَابَلَهُ قَوْمٌ مِنَ ٱلْفَلاسِفَةِ ٱلأَبِيكُورِيِّينَ وَٱلرِّوَاقِيِّينَ، وَقَالَ بَعْضٌ: «تُرَى مَاذَا يُرِيدُ هٰذَا ٱلْمِهْذَارُ أَنْ يَقُولَ؟» وَبَعْضٌ: «إِنَّهُ يَظْهَرُ مُنَادِيً بِآلِهَةٍ غَرِيبَةٍ» - لأَنَّهُ كَانَ يُبَشِّرُهُمْ بِيَسُوعَ وَٱلْقِيَامَةِ. 19 فَأَخَذُوهُ وَذَهَبُوا بِهِ إِلَى أَرِيُوسَ بَاغُوسَ، قَائِلِينَ: «هَلْ يُمْكِنُنَا أَنْ نَعْرِفَ مَا هُوَ هٰذَا ٱلتَّعْلِيمُ ٱلْجَدِيدُ ٱلَّذي تَتَكَلَّمُ بِهِ. 20 لأَنَّكَ تَأْتِي إِلَى مَسَامِعِنَا بِأُمُورٍ غَرِيبَةٍ، فَنُرِيدُ أَنْ نَعْلَمَ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هٰذِهِ». 21 أَمَّا ٱلأَثِينِيُّونَ أَجْمَعُونَ وَٱلْغُرَبَاءُ ٱلْمُسْتَوْطِنُونَ، فَلا يَتَفرَّغُونَ لِشَيْءٍ آخَرَ إِلاَّ لأَنْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَسْمَعُوا شَيْئاً حَديثاً.

رافق بعض الإخوة بولس من بيرية إلى أثينا وتركوه هناك وحده. ولم يذهب حسب تخطيطه الخاص إلى هذه المدينة. فالله نفسه قاده حتماً إلى المصارعة مع الفلسفة اليونانية. وكان بولس منتظراً تيموثاوس وسيلا ليغلب معهما في صلوات مشتركة الأرواح المكبرة في هذه العاصمة المشهورة.

ولكن رسول الأمم الكريم لم يستطع الجلوس منتظراً ويداه مكتفتان، بل تمشى في المدينة واستاء نخزاً في صميم قلبه لما رأى أصناماً متعددة في الهياكل المرمرية. وكانت عبادة الآلهة قد تغلب عليها اليهود من قبل. ومع الأسف ها هي ذي تشرئب من جديد. فأدرك بولس رأساً بألم شديد أن عبادة الأصنام العديدة ومزج الأديان، هو سبب عدم الإيمان الصحيح العميق.

فلم يعتبر الأثينيون الإيمان، أنه الحق الأساسي والأمر الجوهري. ولم يستمسكوا بحقيقة الوحي، بل رفعوا عقولهم فوق المبادئ جمعاء، وحللوا كل مبدأ بفلسفاتهم.

وأمام هذا الواقع الشنيع كافح بولس ضد آلهة الأباطيل، التي كانت سبب الفلسفات الملحدة. وحاول إرجاع الأثينيين إلى عبادة الله الحي الواحد.

ولا شك أن العقل والفكر، هما هبة إلهية. ولكن حيث يعيش الإنسان بعيداً عن ربه وبدونه، فكل تفكير يلتوي ويفسد ويشر شراً. ونرى أن المفكرين سرعان ما يتكبرون. ويعتدون بأنفسهم، إنهم يستطيعون إدراك الله بعقولهم. فيسقطون عمياً إلى الغباوة، رم عبقريتهم.

فعدم توقيرهم لله الحي، والخرافات العديدة عن أنصاف الآلهة والأرواح النجسة، قاد البشر إلى تأليه الإنسان، لأنه من لا يعرف الله، يجعل نفسه إلهاً ومحور الكون ومقياس الكل.

فاحتد بولس من إلحاد الأثنيين، خصوصاً لأنهم عبدوا آلهة كثيرة. وغضبه هذا كان ساعة النعمة لكل أوروبا وبركة كبرى، لأن رسول المسيح هذا طعن في سبيل إجلال الله شلوش أوروبا المريضة، وأبرز المسيح الحي الرجاء الوحيد للأمم. إن نقمة بولس على الفن والأديان والفلسفات الكافرة كان سبباً لفتح أوروبا أمام التبشير الإنجيلي.

وقد ذهب بولس حسب عادته المبدئية إلى كنيس اليهود هنالك، ليلتقي بأناس يكرمون الله. ولكننا لم نقرأ أن أحداً من اليهود أو متقي الأمم قبل المسيح، لأن كل سكان هذه المدينة اعتادوا أن يجعلوا من الإيمان لعبة نظرية. وحتى في كنيس اليهود كانو يتباحثون عن الآراء المختلفة المتلألئة أكثر من خضوعهم لإعلان الله الحق.

ثم انطلق الرسول إلى الشوارع، وبشر في الطرق والساحات، لأنه في أثينا قد سمح لأي امريء أن يقول ما يحلو له، لأن التكلم والكتابة صارت رخيصة ومن سقط المتاع. وكل إنسان ظن أنه فيلسوف صغير. وبولس في حكمته لم يقدم للأثنيين الإنجيل بطريقة العظ، بل استخدم أسلوب المكالمة مثل سقراط، ليلتقي مع تلاميذ الفكر بأساليبهم المعتادة.

وبعد مدة تنازل بعض المفكرين بأنفسهم أنهم فلاسفة، وطلبوا التحدث مع الجوالة اليهودي المتشرد. فالأبيقوريون كانوا وجوديين، يرون في متع الحياة بطرق ظريفة معاني الكون. واعتبروا كل تفكير آخر حلماً وتخيلات. أما الرواقيون فاستسلموا للعقل اعالمي، ليتحرروا من عبودية الدوافع الدنسة في الإنسان بواسطة تطور فضائلهم وضبط نفوسهم. وكلا الوجوديين والمثالين، لم يفهموا رسالة بولس فسموه مهذاراً. ولهذه الكلمة في اليونانية معنى ناقر الحَب، كأنه لا يقدر أن ينشئ من ذاته فكراً خاصاً، بل يرق آراءه من الآخرين، ولا يقدر أن يجمعها في سلك نظام فكري موحد. إنما هو مبعثرها مشوشة فوضى غير مهضومة كالحَب في حوصلة الدجاجة.

وبعضهم سمع أن بولس يقول عن يسوع أنه رب المجد، وأن قيامته رمز لمستقبلنا، فأرادوا أن يسمعوا أكثر عن هذه المواضيع بطريقة منطقية، ليستطيعوا النقد والحكم على مبادئه، ليستهزئوا به، أو يقبلوه في حلقة المفكرين. ولكن ليس أحد من المستمعين، كر أنه في حاجة ماسة إلى الله. ولم يتب منهم أحد أو يشعر بخطاياه، بل فكروا جميعاً بمشاهدة تسلية تشنف آذانهم، أما ليجدوا شيئاً طريفاً يذكرونه في كتبهم التي يؤلفونها، أو يتعظموا بنقدهم وضحكهم على المسكين.

ولربما اشترك في هذه المباحثة مفتشون من الدوائر الثقافية، لأنهم أخذوا بولس وقادوه للمكان الرسمي، حيث تحاكم الأفكار والمذاهب والمبادئ، ليمتحنوا إن كان يدخل في بلادهم روحاً غريباً مزعجاً لانسجام الأرواح المتعددة في أثينا. فطلبوا منه لطف زائف عرض تعليمه ومبدأ فلسفته. ولكن قلوبهم لم تطلب الله وأذهانهم غير جائعة إلى البر، وما فكروا إلا بإخضاع أفكار بولس لأنظمة ألعاب مبادئهم. فليس أحد آمن بإمكانية معرفة الحق صحيحاً، لأن الله كان مستتراً عليهم. فزنى تفكيرهم مستسلماً إلىكل فكر متلألئ، وانتفحوا لكل مذهب جذاب، كما أن فلسفتهم لم تكن إلا إبراز الأنا المستأثرة. فكل واحد من هؤلاء المساكين، أراد إظهار عبقريته الخيالية. فما عرفوا أن الله هو العظيم وحده وكلنا باطلون عدم علماً أن أحد حكمائهم أدرك عميه، واعترف متائماً: أنا أعرف أنني لا أعرف شيئاً. حقاً أنه لم يدرك الله، فلم يعرف نفسه، لأنه أعمى قائد عميان.

الصلاة: أيها الله القدوس الحق، احفظني من تمرد الأفكار. لأستسلم لمعرفتك، ولا أضل في تلاعب الأفكار الفلسفية، مؤلهاً أناساً آخرين ونفسي. أنت عظيم وحدك. وكلنا باطلون خطاة زناة بأرواحنا. اغفر لنا ذنوبنا الفكرية، وقدس أذهانن لنثبت في كلمتك.

17: 22 فَوَقَفَ بُولُسُ فِي وَسَطِ أَرِيُوسَ بَاغُوسَ وَقَالَ: أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلأَثِينِيُّونَ، أَرَاكُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَأَنَّكُمْ مُتَدَيِّنُونَ كَثِيراً، 23 لأَنَّنِي بَيْنَمَا كُنْتُ أَجْتَازُ وَأَنْظُرُإِلَى مَعْبُودَاتِكُمْ، وَجَدْتُ أَيْضاً مَذْبَحاً مَكْتُوباً عَلَيْهِ: «لِإِلٰهٍ مَجْهُولٍ». فَٱلَّذِي تَتَّقُونَهُ وَأَنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، هٰذَا أَنَا أُنَادِي لَكُمْ بِهِ. 24 ٱلإِلٰهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْعَالَمَ وَكُلَّ مَا فِيهِ، هٰذَا، إِذْ هُوَ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لا يَسْكُنُ فِي هَيَاكِلَ مَصْنُوعَةٍ بِٱلأَيَادِي، 25 وَلا يُخْدَمُ بِأَيَادِي ٱلنَّاسِ كَأَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى شَيْءٍ، إِذْ هُوَ يُعْطِي ٱلْجَمِيعَ حَيَاةً وَنَفْسً وَكُلَّ شَيْءٍ. 26 وَصَنَعَ مِنْ دَمٍ وَاحِدٍ كُلَّ أُمَّةٍ مِنَ ٱلنَّاسِ يَسْكُنُونَ عَلَى كُلِّ وَجْهِ ٱلأَرْضِ، وَحَتَمَ بِٱلأَوْقَاتِ ٱلْمُعَيَّنَةِ وَبِحُدُودِ مَسْكَنِهِمْ، 27 لِكَيْ يَطْلُبُوا ٱللّٰهَ لَعَلَّهمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً. 28 لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ. كَمَا قَالَ بَعْضُ شُعَرَائِكُمْ أَيْضاً: لأَنَّنَا أَيْضاً ذُرِّيَّتُهُ. 29 فَإِذْ نَحْنُ ذُرِّيَّةُ ٱللّٰهِ لا يَنْبَغِي أَنْ نَظُنَّ أَنَّ ٱللاَّهُوتَ شَبِيهٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ حَجَرٍ نَقْشِ صِنَاعَةِ وَٱخْتِرَاعِ إِنْسَانٍ.

أثينا مدينة جميلة لطيفة، ولكن أورشليم أعظم. الأكمة حول أثينا والسهول والبحر تنسجم كنغمة بديعة، ولكن أورشليم تشبه مذبحاً محاطاً بأكمة جبال الدينونة والنعمة. ولقد وقف بولس وسط محور الفن اليوناني في مركز الثقافة الأثينية في فيء الجبلالمؤله «البرتنون»، وكافح لأجل الله الوحيد الخالق القدير، الضابط الكل. ولم يكرز بولس بالمسيح المصلوب، لأن مستمعيه لم يفهموا الغفران، ولم يطلبوه. فلم يبين بولس أسس إيمانه كلها، ولا استجاب لطلب الناس والظروف المحيطة. ولم يعترف بأفكاره الروية المحجبة عن المستمعين. إنما بشرهم ليخلصهم. وابتدأ من أول درجة وهي مخافة الله بدء الحكمة. فحاول المبشر الحكيم، أن يحرر الأثينيين من الاعتقاد بالآلهة الكثيرة، ليقودهم إلى وحدانية الله وإلى المسؤولية أمامه. فيبتدئون أن يسألوا مشيئته تائبن مرتجفين من شخصيته القدوسة.

ولم يدن بولس الفلاسفة المتعلمين لأجل جهالتهم الروحية، بل ارتبط بتدينهم السطحي، وأكرم مقاصدهم الصالحة، رغم أنه استاء في صميم قلبه من آلهتهم الكثيرة. إن الرسول استطاع التمييز بين الأشخاص الضالين وحالتهم الضالة. فلم يرفض الضال الطالب بل قدم له ضالته المنشودة. كل الناس يشتاقون إلى الله، ولكنهم لا يعرفونه، لا يستطيعون التقدم إليه لأجل خطاياهم.

وانتصب بولس وسط العباقرة المتخيلين، وقال بجرأة أنه عارف الإله المجهول والمستتر لهم، ويبشر به. إن في هذا لعجب عجاب! لقد حاول اليونانيون إرضاء كل الأرواح والآلهة معا. ولكي لا ينسوا أي إله لم يعرفوه، فإنهم بنوا مذبحاً للإله المجهول، قدموا عليه ذبائح لحماية أنفسهم من غضبه. فبولس استخدم هذا المذبح الوثني كهمزة الوصل بين وثنيتهم وإيمانه، ودل مستمعيه بواسطته على خالق الكل، الذي يدير حتى اليوم السماوات والأرض، الغيوم والأرواح. وتسكن في يديه البحور والفضاء والنجوم، حتى أه أحصى شعرك أيضاً. كنا في حاجة ماسة في أيامنا التكنيكية، أن نتعمق في مجد وعظمة الله الخالق، لكي ندرك عملياً أن العلوم الحديثة في الفيزياء والكيمياء وعلم الأحياة والفلك، ليست إلا تفسيرات متواضعة لقدرته غير المحدودة. فالله الحي أعظم من عقلنا، وأعلى من قدرة إدراكنا، لأنه هو خلق جمجمتنا الصغيرة. كلنا مخلوقون، أما هو فروح خالق، وإننا منفصلون عنه لأجل خطايانا. هذه هي العلاقة الأساسية بين الإنسان والله. كلنا نحتاج إلى معرفة الله الخالق من جديد، وتوجيه أفكارنا إليه. لكيلا نؤل العلوم والتكنيك والناس والمال، وننسى الله الحق الواحد.

والله العظيم غير محتاج لا إلى العبادة، ولا إلى الذبائح فهو قدوس وعظيم في ذاته غير متعلق بعون الناس ولا يطلب غذاء ولا ذبائح، وليس هو بمحدود ومحبوس في هياكل وكنائس ومعابد. وليس روحه متحجر في أصنام أو حجارة غريبة. إن إلهنا حر ومجيد. يحقق مقاصده في خلق الحياة مستمرة في الناس والحيوانات والنبات. وحتى النجوم الجديدة فإنها تتكون بمشيئته من غازات ضبابية نورية، ثم تتكاثف مادة صلدة. فمن يكرم الخالق يؤدي أول واجب تجاهه. وشكرنا وسجودنا لا بد منه إن أدركنا مجده. وهكذا حاول بلس تحرير مستمعيه من الإيمان بأصنام مذهبة وهياكل مرمرية، وقادهم إلى الله الخالق العظيم.

وأشار الرسول بعدئذ إلى ضابط الكل، الذي يتدخل في تاريخ الشعوب. لقد خلقنا من آدم وأعطى لكل أمة وصايا. وطور الشعوب رغم سلطة الخطية الساكنة في أجسادهم. ولكن من يحفظ شريعته يبقى. أما من يترك الله، فيغرق في رفاهية الأنانية. إن الله الرحم يعطي لكل عشيرة ولكل شعب زمناً للتأمل وتحقيق المواهب والنجاح. ويحدد لهم حدود مسكنهم. ولكن من يفقد احترام الله يفقد حقوقه الإنسانية أيضاً. فأهم واجب لكل الشعوب، أن يطلبوا الله ويجدوه، لأن ليس هدف طموحنا هو المال أو الشرف أو السلطة أو اعلم، بل الله الحي بذاته. فكل إنسان غير متجه نحو الله هو ضال. فهل تطلب ربك أو تدور حول نفسك، هل تركض وراء أهداف فانية أو تثبت في معطي الكل؟ إنه خالق الحياة يومياً، ويدير الشعوب حسب أخلاقهم.

والله العظيم لا يجلس على غيوم السماء، ولا يحل في هياكل حجرية لأنه روح، وهو موجود في كل مكان. فليس هو غائباً بعيداً عنا مستحيل الاقتراب منه، بل هو قريب إلى جانبك. ويسمع كل كلمة من كلماتك ويعرف أفكارك. وضميرك مكشوف أمامه، ويظهر كل بعة فيه، كما يظهر هيكل الإنسان في جسده أمام الأشعة الكهربائية بآلة الطبيب. ولا تستطيع أن تخبئ شيئاً أمامه، وضميرك يعلن خطاياك.

ومن يدرك الله منا ونحن خطاة، ويشعر مرتعباً بمحبة الله يسجد للذي خلقنا على صورته. واستخدم بولس لتوضيح هذه العلاقة المبدئية بين الله والناس كلمة من الفلسفة اليونانية «إننا ذرية إلهية». هذه الجملة رهيبة فمصدرنا ليس العدم ولا المادة ودها ولا الشر البتة. إننا آتون من الله، ونحن فيه، وهو هدف سيرنا. فينبغي أن أفكارنا تتوجه إلى الله فقط. وإلا نحن خطاة. وليست تماثيل الفن ولا الأبنية الفخمة المتلألئة بالذهب في أشعة الشمس، وليس أنظمة الأفكار الفلسفية هي دلالة على مجد الله ي الدنيا، إنما كل إنسان هو من ذرية العلي، ومدعو ليحقق صورته.

الصلاة: أيها الله القدوس. لقد خلقت الكون وتحفظه في صبرك. وفيك نعيش. وبرحمتك نستمر. نشكرك لعظمة محبتك. ارشد أفكارنا دائماً إليك.

17: 30 فَٱللّٰهُ ٱلآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ ٱلنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِياً عَنْ أَزْمِنَةِ ٱلْجَهْلِ. 31 لأَنَّهُ أَقَامَ يَوْماً هُوَ فِيهِ مُزْمِعٌ أَنْ يَدِينَ ٱلْمَسْكُونَةَ بِٱلْعَدْلِ، ِرَجُلٍ قَدْ عَيَّنَهُ، مُقَدِّماً لِلْجَمِيعِ إِيمَاناً إِذْ أَقَامَهُ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ.

32 وَلَمَّا سَمِعُوا بِٱلْقِيَامَةِ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ كَانَ ٱلْبَعْضُ يَسْتَهْزِئُونَ، وَٱلْبَعْضُ يَقُولُونَ: «سَنَسْمَعُ مِنْكَ عَنْ هٰذَا أَيْضاً!». 33 وَهٰكَذَا خَرَجَ بُولُسُ مِنْ وَسَطِهِمْ. 34 وَلٰكِنَّ أُنَاساً ٱلْتَصَقُوا بِهِ وَآمَنُوا، مِنْهُمْ دِيُونِيسِيُوسُ ٱلأَرِيُوبَاغِيُّ، وَٱمْرَأَةٌ ٱسْمُهَا دَامَرِسُ وَآخَرُونَ مَعَهُمَا.

لقد أرى بولس للفلاسفة عظمة الله الخالق، ومعنى الإنسان كصورة إلهية من ذريته. فمن يهلك هذه الصورة في ذاته، يسقط للدينونة. والله عيّن يوماً سيدين فيه الجميع. فكل ضمير وكل شعور للحق، وكل أديان العالم تعلم أن الله سيدين الجميع. فلا بد ن الدينونة العادلة. والمقياس في هذه المحكمة الإلهية هو الله بالذات وقداسته، كما قال: كونوا قديسين، لأن أنا قدوس. فالدينونة هي الفكر الرابع الأساسي الذي قدمه بولس لمستمعيه.

فنظراً لحقيقة الدينونة علينا، دعا بولس كل الناس للرجوع وتغيير التفكير وتجديد الأذهان. إننا لا نعيش لنتبع مثلاً عليا، ولنشترك بخرافات آلهة أو أرواح، بل نسرع حتماً إلى يوم الدين هدف البشر. فليست الأحلام ولا الأفكار الإلحادية ولا التتع بالفنون تعني الحياة، بل الاستعداد للدينونة. ولم يترك الله الخيار للإنسان أن يستعد ليوم الدين حسب رغبته أو لا يستعد، بل يأمر كل الناس في كل القارات أن يرجعوا إليه، ويتركوا غباوة الفلسفة الملحدة، ولا يبنون ذواتهم على آلهة العلوم التكنيية الميتة. فإن الله وحده هو الحقيقة، وليس دين بدون يوم الدين. فالدعوة إلى التوبة، كانت الموضوع الخامس الذي طرقه الرسول بولس في محاضرته.

وبعد هذا التمهيد الطويل العميق، ابتدأ بولس بالجزء الثاني من عظته، قائلاً: إن الله سيمارس دينونته بإنسان واحد يسوع المسيح. فهو قدوس وبلا لوم. ولم يجد الموت حقاً فيه. وهذا الرجل هو الوحيد الذي أقامه الله من الأموات، هو حي. وقد غلب اخطية، والموت وكل التجارب. واختبر كل الضيقات ووسوسة الشيطان وغلب. فلهذا له الحق والقدرة أن يدين كل الناس. وقد دفع إليه كل السلطان في السماء وعلى الأرض. فإبراز المسيح دياناً هو الفكر السادس في العظة على أكمة الأريوباك.

ولكن ليس هدف المسيح الهلاك أو إبادة الخطاة. إنما يقصد إنشاء مملكة السلام وتنفيذ الخلاص لكل البشر. ولا يتم الدخول في رحاب الله بواسطة تلاعب الأفكار الفلسفية، بل بواسطة الإيمان الذي هو التسليم المطلق إلى الله. والمسيح يساعدنا لهذا اإيمان، ويمنحنا عهداً جديداً، الذي هو إمكانية الهرب من الدينونة. فلم يطلب المسيح منا توبة من تلقاء أنفسنا، ولا تغيير الذهن بقدرة عقولنا، بل المسيح يعيننا إلى التوبة والتغيير والإيمان، الذي ليس مجرد تصديق بل علاقة شخصية مع المسيح الحي. واروح القدس هو القوة الذي يثبتنا في الإيمان والسلوك الطاهر. فالإيمان بالمسيح يجدد الإنسان. ولهذا السبب لا نستطيع أن نؤمن بنفس الوقت بآلهة وأرواح وفلسفات ونتبع مع ذلك المسيح، لأن التسليم الكامل لمخلصنا يغيرنا إلى صورته. فهل أدركت الفكر السبع في عظة بولس، وهو أن المسيح يمنحنا الإيمان لا الفلسفة طريقاً إلى الخلاص الأبدي؟

وأهم شيء في حياة المسيح نقتدي به هو قيامته المجيدة. ففيه تبلورت قوة الله وقداسته وحكمته. إنه محطم الموت نهائياً. وكل الضيق، والدموع غلبت في قيامته. فليست فكرة التشاؤم من الدينونة، ولا أن الحياة لا معنى لها هي هدف تاريخ البشر، ولا يجب علينا اتباع الفلسفة الرواقية المتقشفة، بل إنما الحياة الأبدية في الطهارة والمجد والفرح تشرق في أفق مستقبلنا. وقد دعا بولس الفلاسفة بفكرته الثامنة المبدئية بإيمان بالمسيح الحي المحيي، الظاهرة فيه الحياة الأبدية بواسطة قيامته. فبهذا البدأ أعطى لمستمعيه هدفاً تاريخياً وتنظيماً فكرياً لقبول هذه الحياة المسيحية.

فضحك عندئذ المفكرون لأن الفلسفة البشرية تنتهي بالموت. وكل إدراك بشري ينتهي في الباب المؤدي إلى الآخرة. والمفكر المستقيم يعترف أنه لا يقدر أن يفكر إلا بالممكن المعقول. فقيامة المسيح هي للعقل الإنساني الطبيعي غير معقولة وخرافة. فالأينيون عثروا بقبر المسيح المفتوح. وظهرت فلسفاتهم عن تصور الفكر ومحدوديته والريب المشكك فيما بعد الموت وعدم الإيمان مطلقاً. وقال بولس بكل صراحة في رسائله، أنه لا إنسان يستطيع إدراك ألوهية المسيح بدون الروح القدس. فمن يكون متمسكاً بروحه الاص لا يكون مستعداً لحلول روح الله فيه.

إنها لضربة مريرة لبولس أن نخبة الفلاسفة وتلاميذهم من كل العالم، استهزأوا به جهراً، أو أهملوه وراءهم ظهرياً، قائلين بسخرية: إن شاء الله نسمعك مرة ثانية. وبالحقيقة لم يسمعوا مرة ثانية كلمة الله، لأن بولس ترك المدينة صامتاً حزيناً. فبرياء الفلاسفة منعتهم من خلاص المسيح. وبولس وضح لنا في رسالته إلى أهل كورنثوس 1: 12-2: 15 بحدة فاصلة، ما الفرق بين الفلسفة والإيمان. ولا تستطيع إدراك اختبارات بولس في أثينا، إلا إذا تعمقت بالفقرة المذكورة في رسالته إلى أهل كورنثوس.

ولكن الشهادة بوحدة الله الخالق العظيم، والدعوة إلى التوبة قبل دينونة الله وعرض الإيمان بالمسيح المقام، لم يبق بدون ثمار، إذ أن رجلاً من المسؤولين في محكمة آريوس باغوس وامرأة محترمة وبعض الأفراد قبلوا الإيمان بالمسيح وتجددوا بواسطت إلى الحياة الأبدية. فتكونت في أثينا وسط كبرياء الفلاسفة العمي، كنيسة صغيرة متواضعة عائشة من ملء حياة المسيح المقام من بين الأموات.

الصلاة: أيها الله القدوس نسجد لك، لأن ملكوتك غير مبني على حفظ الناموس ولا على إدراك الفلسفات المختلفة، بل على الإيمان بابنك يسوع المسيح، الذي حررنا من خوف الدينونة إلى ابتهاج الحياة الأبدية.

8 - تأسيس كنيسة كورنثوس (18: 1-17)

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّامِنُ عَشَرَ : 1 وَبَعْدَ هٰذَا مَضَى بُولُسُ مِنْ أَثِينَا وَجَاءَ إِلَى كُورِنْثُوسَ، 2 فَوَجَدَ يَهُودِيّاً ٱسْمُهُ أَكِيلا، بُنْطِيَّ ٱلْجِنْسِ، كَانَ قَدْ جَاءَ حَدِيثاً مِنْ إِيطَالِيا، وَبِرِيسْكِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ - لأَنَّ كُلُودِيُوسَ كَانَ قَدْ أَمَرَ أَنْ يَمْضِيَ جَمِيعُ ٱلْيَهُودِ مِنْ رُومِيَةَ. فَجَاءَ إِلَيْهِمَا. 3 وَلِكَوْنِهِ مِنْ صِنَاعَتِهِمَا أَقَامَ عِنْدَهُمَا وَكَانَ يَعْمَلُ، لأَنَّهُمَا كَانَا فِي صِنَاعَتِهِمَا خِيَامِيَّيْنِ. 4 وَكَانَ يُحَاجُّ فِي ٱلْمَجْمَعِ كُلَّ سَبْتٍ وَيُقْنِعُ يَهُوداً وَيُونَانِيِّينَ.

إن الأسلوب التبشيري الحكيم الذي يتخذ من التدين الموجود في الناس منطلقاً للبشارة بالمسيح، لم ينفع بولس كثيراً في أثينا، لأن الفلاسفة اليونان استهزأوا بقيامة المسيح بنفس الروح، كما استهزأ المجلس اليهودي الأعلى بالمسيح وخلاصه من قبل.فترك بولس حسب أمر ربه هذه المدينة المستكبرة (متى 10: 14)، لأن الناموسيين والفلاسفة مرضى في نفس المستشفى. الأولون يريدون إكمال الناموس في قوتهم الذاتية. والآخرون يقصدون إدراك الله بأفكارهم الذاتية. وكلاهما مستحيل. فالناموسيون لم يريدوا قبل الخلاص مجاناً. والفلاسفة لا يريدون إخضاع عقولهم تحت الوحي. فهم أنانيون مستكبرون مانعوا أنفسهم من رحمة الله عمداً. فالإنسان الطبيعي لا يدرك الله الحقيقي بدون إنارة روحه، ولا يقدر أن يتمم الناموس إلا بمحبة هذا الروح. فالناموسي يبقى قاسيً في ذاته، بينما الفيلسوف هو جاهل غبي رغم أفكاره الطائرة. وقد ترك بولس الذي استهزئ به مدينة الأصنام والمفكرين، وقلبه متألم. وشعر مسبقاً أن أمواج الأرواح المفكرة الملحدة ستسبب ضرراً كبيراً وخراباً في تاريخ الكنيسة، لأن الأرواح لا تريد الضوع لله.

فوجد بولس خيراً لما أرشده الرب الحي إلى زوجين يهوديين، ما تكلما كثيراً، بل صليا وآمنا واشتغلا بأيديهما. والأغلب أنهما أصبحا في روما مؤمنين بالمسيح. ولكن لما ابتدأ في العاصمة هناك اضطهاد رسمي ضد اليهود، في زمن القيصر كلوديوس (41-54 هربت عائلة الخيامي إلى كورنثوس، وهي ميناء كبير مشهور بنجاسته وغناه، وشعبها كان خليطاً من العالم. ووجد بولس عند هذين الزوجين المؤمنين عملاً له، لأنه لم يقبل عطايا، بل اشتغل بيديه لكسب معيشته، هو وزملاؤه.

هكذا اشتغل بولس في كورنثوس كخيام أثناء النهار، ووعظ بعد نهاية الشغل. لم يسترح مساء أو في أيام الفرص ولا سبتاً، بل ضحى بوقته وقوته للرب. وفي هذه الأيام الأولى التي قضاها هنالك كان بولس مقتصراً على الخدمة التعليمية في كنيس اليهود فق. وربما دفعته الخبرة المرة في أثينا إلى فترة صلاة وتأمل، حتى يراجع كل أساليب تبشيره، وأسس كرازته، كما نقرأ في الرسالة الأول إلى كورنثوس 1: 18-2: 16. فإن قرأت هذه الآيات بدقة تشعر بحالة بولس آنذاك.

18: 5 وَلَمَّا ٱنْحَدَرَ سِيلاَ وَتِيمُوثَاوُسُ مِنْ مَكِدُونِيَّةَ، كَانَ بُولُسُ مُنْحَصِراً بِٱلرُّوحِ وَهُوَ يَشْهَدُ لِلْيَهُودِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ. 6 وَإِذْ كَانُوا يُقَاوِمُونَ وَيُجَدِّفُونَ نَفَضَ ثِيَابَهُ وَقَالَ لَهُمْ: «دَمُكُمْ عَلَى رُؤُوسِكُمْ. أَنَا بَرِيءٌ. مِنَ ٱلآنَ أَذْهَبُ إِلَى ٱلأُمَمِ». 7 فَٱنْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى بَيْتِ رَجُلٍ ٱسْمُهُ يُوسْتُسُ، كَانَ مُتَعَبِّداً لِلّٰهِ، وَكَانَ بَيْتُهُ مُلاصِقً لِلْمَجْمَعِ. 8 وَكِرِيسْبُسُ رَئِيسُ ٱلْمَجْمَعِ آمَنَ بِٱلرَّبِّ مَعَ جَمِيعِ بَيْتِهِ، وَكَثِيرُونَ مِنَ ٱلْكُورِنْثِيِّينَ إِذْ سَمِعُوا آمَنُوا وَٱعْتَمَدُوا.

وحالما أتى سيلا وتيموثاوس إلى بولس، انتعش في شركة الإخوة من جديد. وبما أن أحد الأخوين أتى بعطية كبيرة من الكنائس في مكدونية (2 كو 11: 9) وجد الرسول وقتاً بزيادة للتبشير، وبرهن في كنيس اليهود من التوراة أن يسوع الناصري المصلوب، هو امسيح الحق المرفوض من اليهود. بعدئذ حصل ما هو متعارف دائماً، أن كراهية الأكثرية ازدادت، وتفاقمت بشدة رافضين بولس ومجدفين على إنجيله، حتى اضطر بولس للإنفصال عنهم، قائلاً: دمكم على رؤسكم، أنا بريء، لأني قلت لكم كل كلمة الخلاص. وهذه العبارةتعني أن رافضي المصلوب سيقفون في الدينونة الأخيرة كمنتحرين، لأنهم رفضوا عمداً نعمة الخلاص، فلا يوجد لهم تكفير آخر، قد حكموا على أنفسهم بالهلاك.

ومن هذه الحادثة فصاعداً، نرى بولس موجهاً خدمته إلى الأمميين في كورنثوس. ولكنه لم يبتعد عن كنيس اليهود بعيداً. بل استأجر غرفة في بيت ملاصق للكنيس، عند رجل تقي اسمه يوستوس. ولم يخش بولس أن يكون للمسيح صياداً للناس، وخطف الرواد من با كنيس اليهود، ليدخلهم إلى اجتماعه الخاص في بيته. واستمر باجتماعاته خلال أيام الأسبوع أيضاً. وأكرم رئيس المجمع اليهودي بزيارات ومكالمات وإناره بحق ومحبة حتى أصبح مؤمناً. وكان هذا معجزة للكورنثيين. فأصبح أنضج شخص من أعضاء العهد القديم مسيياً، وقبل التعميد لنفسه وامرأته وأولاده وعبيده من يد بولس، ودخل إلى رحاب المسيح (1كو 1: 14). وبعد دخوله إلى المسيحية تبعه كثيرون وازدهرت الكنيسة في كورنثوس جداً.

18: 9 فَقَالَ ٱلرَّبُّ لِبُولُسَ بِرُؤْيَا فِي ٱللَّيْلِ: «لا تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلا تَسْكُتْ، 10 لأَنِّي أَنَا مَعَكَ، وَلا يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ، لأَنَّ لِي شَعْباً كَثِيراً فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَة». 11 فَأَقَامَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ يُعَلِّمُ بَيْنَهُمْ بِكَلِمَةِ ٱللّٰهِ.

12 وَلَمَّا كَانَ غَالِيُونُ يَتَوَلَّى أَخَائِيَةَ، قَامَ ٱلْيَهُودُ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى بُولُسَ، وَأَتَوْا بِهِ إِلَى كُرْسِيِ ٱلْوِلايَةِ 13 قَائِلِينَ: «إِنَّ هٰذَا يَسْتَمِيلُ ٱلنَّاسَ أَنْ يَعْبُدُوا ٱللّٰهَ بِخِلافِ ٱلنَّامُوسِ». 14 وَإِذْ كَانَ بُولُسُ مُزْمِعاً أَنْ يَتَكَلَّمَ، قَالَ غَالِيُونُ لِلْيَهُودِ: «لَوْ كَانَ ظُلْماً أَوْ خبْثاً رَدِيّاً أَيُّهَا ٱلْيَهُودُ، لَكُنْتُ بِٱلْحَقِّ قَدِ ٱحْتَمَلْتُكُمْ. 15 وَلٰكِنْ إِذَا كَانَ مَسْأَلَةً عَنْ كَلِمَةٍ، وَأَسْمَاءٍ، وَنَامُوسِكُمْ، فَتُبْصِرُونَ أَنْتُمْ. لأَنِّي لَسْتُ أَشَاءُ أَنْ أَكُونَ قَاضِياً ِهٰذِهِ ٱلأُمُورِ». 16 فَطَرَدَهُمْ مِنَ ٱلْكُرْسِيِّ. 17 فَأَخَذَ جَمِيعُ ٱلْيُونَانِيِّينَ سُوسْتَانِيسَ رَئِيسَ ٱلْمَجْمَعِ، وَضَرَبُوهُ قُدَّامَ ٱلْكُرْسِيِّ، وَلَمْ يَهُمَّ غَالِيُونَ شَيْءٌ مِنْ ذٰلِكَ.

علم بولس أنه لا بد بعد اهتداء رئيس الكنيس اليهودي، أن تهجم عليه عاصفة الحقد والبغضاء. فهل يبقى في كورنثوس أو يهرب؟ ما هو الأفضل للكنيسة الحديثة؟ فسأل ربه مصلياً فجاوبه، مجدداً له أمر التبشير بالصراحة والتعزية. وإننا نقترح عليك حفظ هذه الكلمات السماوية التي تبلورت فيها مشيئة الله تبلوراً صافياً.

إن المسيح يمنعك من كل نوع خوف، لأن ليس خوف في المحبة الإلهية. فالمسيح قريب منك. لذلك تقو ولا تسكت، تكلم واشهد بحقيقة المقام من بين الأموات. إن إيماننا ليس ديناً ولا فلسفة، بل شخص التصقنا به. إن المسيح قام، حقاً قام. والرب نفسه يؤك لكل عبيده حضوره كل يوم إلى انقضاء الدهر. هذه هي التعزية الكبرى لرسله وخدامه وأتباعه. لست متروكاً ولا منفرداً ولا منسياً. إن ربك الذي بررك، يرافقك ويقدسك ولا يفارقك أبداً. ويثبت فيك حتى في لحظة الموت. فلا يصادفك شيء إلا ما شاءه المسيح بفيضان محبته. إنه مرشدك بعينه. فكل مكائد إبليس لا تصلك، لأن ربك يحميك.

وشركة الله معك غايتها الناس الكثيرين الذين حولك. وقد اختارهم للخلاص ويدعوهم بواسطتك، ويسمعون في صوتك كلمته، ويأتون إليه ويتجددون بالإيمان. ويلتحمون في محبة الروح القدس بكنيسة واحدة، داخلين رعوية الله أعضاء شعبه المقدس، الذي يدعو بضائل الذي دعاهم من الظلمة إلى النور. ومما لا ريب فيه، أن الرب يعرف كل قلب في مدينتك يطلبه أو يحمده. فلا تيأس بل آمن فقط. أن انتصار المسيح يتحقق اليوم. والمتكلون عليه يرافقونه في موكب انتصاره.

وأكد الرب يسوع لبولس بشكل خاص، أنه سيحدث معه في كورنثوس خلاف ما حصل في أنطاكية وقونية وليسترة وفيلبي وتسالونيكي وبيرية. فلا أحد يستطيع طرده. ومن يحاول إيذاءه يسقط من يد الرب. فبقي الرسول سنة ونصف في هذه المدينة الشريرة، وبشر بالإنجيل بلا انزعاج بجانب كنيس اليهود وفي شركة المفديين.

وقد حدث سنة 50-51 ب م. أن غاليون أصبح قنصلاً في كورنثوس، مشرفاً على محافظة أخائية كلها. وعند ظهوره حاول اليهود القيام باضطهاد ضد المسيحيين. ولم يشتكوا على بولس، أنه عدو القيصر وداعية للملك الإلهي، بل اشتكوا عليه أنه لا يعلم ناموسه اليهودي بصواب ويتجاوز بهذه الطريقة الرخصة الرومانية للدين اليهودي. ولكن الوالي غاليون كان مبدئياً مضاداً لليهود من فرقة القيصر كلوديوس، الذي طرد أهل العهد القديم من روما. فرفض الوالي الشكوى بعنف. ولم يسمح لبولس أن يدافع عن نفسه. وقد حم المسيح إذا عبده. حتى أنه لم يحتج أن ينطق بكلمة واحدة للدفاع عن نفسه.

ورئيس الكنيس اليهودي الجديد، الذي رفع الشكوى ضد بولس إلى الحاكم باء بالفشل، فإن المتقين في المجمع اليهودي أخذوه وضربوه ضرباً مبرحاً أمام أعين الوالي، لأن هذا الرئيس اليهودي الجديد سبب لجماعته سمعة سيئة أمام الحاكم الجديد. لقد حاولالرئيس الحاخامي إبعاد يد المسيح عن حماية بولس، فسقطت ثقيلة عليه. فلا يقدر أحد على منع إنشاء كنيسة الله، ما دام الرب يحمي مختاريه. فآمن ولا تصمت، تكلم واشكر ربك في شركة إخوتك آناء الليل وأطراف النهار.

الصلاة: أيها الرب المسيح، نشكرك لأنك حميت عبدك بولس في كورنثوس. وقويته وأكدت له، أنك أنت معه. قو إيماننا، زد محبتنا، واحفظنا في الرجاء الحي، لنشهد بجرأة أمام الضالين، أنك أنت خلصتهم حقاً.

9 - عودة بولس إلى الشرق أورشليم وأنطاكية (18: 18 - 22)

18: 18 وَأَمَّا بُولُسُ فَلَبِثَ أَيْضاً أَيَّاماً كَثِيرَةً، ثُمَّ وَدَّعَ ٱلإِخْوَةَ وَسَافَرَ فِي ٱلْبَحْرِ إِلَى سُورِيَّةَ، وَمَعَهُ بِرِيسْكِلاَّ وَأَكِيلا، بَعْدَمَا حَلَقَ رَأْسَهُ فِي كَنْخَرِيَا - لأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ نَذْرٌ. 19 فَأَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ وَتَرَكَهُمَا هُنَاكَ. وَأَمَّا هُوَ فَدَخَلَ ٱلْمَجْمَعَ وَحَاجَّ ٱلْيَهُودَ. 20 وَإِذْ كَانُوا يَطْلُبُونَ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ زَمَاناً أَطْوَلَ لَمْ يُجِبْ. 21 بَلْ وَدَّعَهُمْ قَائِلاً: «يَنْبَغِي عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ أَعْمَلَ ٱلْعِيدَ ٱلْقَادِمَ فِي أُورُشَلِيمَ. وَلٰكِنْ سَأَرْجِعُ إِلَيْكُمْ أَيْضاً إِنْ شَاءَ ٱللّٰهُ». فَأَقْلَعَ مِنْ أَفَسُسَ. 22 وَلَمَّا نَزَلَ فِي قَيْصَرِيَّةَ صَعِدَ وَسَلَّمَ عَلَى ٱلْكَنِيسَةِ، ثُمَّ ٱنْحَدَرَ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ.

لقد أسس الرب يسوع في مكدونية واليونان كنائس حية بواسطة عبده بولس، الذي كان يترك عادة أحد مساعديه في هذه الكنائس لتقوية لبها. ومع الوقت تأكد بولس أن خدمته قد انتهت في اليونان، لأن روح الرب أرشده ليرجع إلى الكنيسة الأصلية في أورشليم وانطاكية، لكي يربط الكنائس الجديدة بالكنائس السابقة، فلا تستقل الكنائس الحديثة بنفسها.

ولربما نذر بولس نظراً لوحدة الكنيسة نذراً، أن يبلغ الإخوة في أورشليم بعظائم الرب التي أجراها، ليشتركوا في هتاف موكب انتصاره. ولا نعرف بدقة لماذا حلق بولس شعره عائداً إلى أورشليم، ولكن المؤكد أنه لم يلحقه لاستنزال نعمة الرب عليه، لنه عرف أن كل النعمة معطاة للإيمان فقط. وربما أراد بولس بواسطة هذا النذر أن يشكر المسيح لكل النعمة التي أعطاها في الماضي له ولكل الكنائس.

ولما سمع أكيلا وبريسكلا أن رسول المسيح سيترك كورنثوس، قررا ترك المدينة أيضاً، ربما لأنهما اضطهدا بسبب إعطاء عمل لبولس. فسافروا معاً نحو سوريا. ولكن السفينة أرست في أفسس زمناً، حيث استقر في هذه المدينة الزوجان، وفتحا مشغلاً لعملهما

وهذه المدينة العاصمة كان بولس قد اشتاق لتبشيرها منذ مدة طويلة. ولكن الروح القدس منع دخوله وخدمته في محافظة آسيا. وفي اليوم الذي أرست السفينة فيه على الشاطئ، نزل بولس إلى المدينة متجولاً فيها، دارساً أحوالها بوعي تام، ليرى مقدار إمكانية الخدمة والتبشير فيها مستقبلاً ودخل كنيس اليهود، وفسر لهم التوراة. وللعجب فقد تعجب اليهود من تفسيره، وطلبوا إليه أن يرجع يوم السبت الآخر.

ولكن بولس رفض الانصياع إلى طلبهم، لأن قصده كان أورشليم، وأراد أن يذهب إليها. وكان مضطراً لذلك الذهاب رغم انفتاح أبواب الخدمة على مصاريعها في أفسس. وللمرة الثانية دفعه صوت ربه عن هذا المركز. الذي كان الحلقة الناقصة في سلسلة الكنائس المشيدة على طول الخط من تركيا إلى اليونان. ولكن بولس لم يبشر حسب إرادته، بل كما كتب الرسول يعقوب حسب مشيئة الرب (يعقوب 4: 15). وأدرك بولس في نهاية سفرته التبشيرية الثانية، أن الطريق للتبشير في سفرة ثالثة مقبلة هو معد ومهيأ تماماً في العامة أفسس، لأنه وجد هناك أيضاً مهنة يتكسب منها. وكنيساً يهودياً لا يضاده مسبقاً، بل طلب مسؤولوه منه تكرار الزيارة.

فأبحر بولس بالسفينة إلى قيصرية فلسطين بقلب شكور وصعد إلى أورشليم، وسلم على الإخوة في الكنيسة، وسجد في الهيكل وهو يهودي أمين. لكنه لم يلبث فيها إلا قليلاً، حتى عاد أدراجه إلى كنيسة انطاكية، التي أرسلته من قبل إلى خدمة التبشير بين الأمم. فعظم الحمد لاسم المسيح، لأن نبوة الروح القدس السابقة قد تحققت بطريقة عجيبة. في السابق كان قد انطلق مع برنابا بإرشاد الروح القدس بلا هدف مقصود. لكن الآن ها هي ذي الكنائس الكثيرة، مؤسسة في سائر الأنحاء، وفيها شيوخ أمناء. والروح القدس خلص وقدس كثيرين. فانتشر خلاص المسيح محققاً قدرته باستمرار.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأجل الكنائس التي تأسست بواسطة موتك على الصليب في كل العالم. وقد أرشدت بروحك رسلك، وقدست مستمعيهم بالإيمان. احفظنا من المضلين والمتحمسين والفلسفات والغرور في القضايا الاجتماعية، لي نتمسك بإنجيلك ونمجد اسمك مخلصاً رباً آتياً.

رابعاً: السفرة التبشيرية الثالثة (18: 23 - 21: 14)

1 - بولس في الأناضول وأبلوس في أفسس وكورنثوس (18: 24 - 28)

18: 23 وَبَعْدَمَا صَرَفَ زَمَاناً خَرَجَ وَٱجْتَازَ بِٱلتَّتَابُعِ فِي كُورَةِ غَلاطِيَّةَ وَفِرِيجِيَّةَ يُشَدِّدُ جَمِيعَ ٱلتَّلامِيذِ.24 ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى أَفَسُسَ يَهُودِيٌّ ٱسْمُهُ أَبُلُّوسُ، إِسْكنْدَرِيُّ ٱلْجِنْسِ، رَجُلٌ فَصِيحٌ مُقْتَدِرٌ فِي ٱلْكُتُبِ. 25 كَانَ هٰذَا خَبِيراً فِي طَرِيقِ ٱلرَّبِّ. وَكَانَ وَهُوَ حَارٌّ بِٱلرُّوحِ يَتَكَلَّمُ وَيُعَلِّمُ بِتَدْقِيقٍ مَا يَخْتَصُّ بِٱلرَّبِّ. عَارِفاً مَعْمُودِيَّة يُوحَنَّا فَقَطْ. 26 وَٱبْتَدَأَ هٰذَا يُجَاهِرُ فِي ٱلْمَجْمَعِ. فَلَمَّا سَمِعَهُ أَكِيلا وَبِرِيسْكِلاَّ أَخَذَاهُ إِلَيْهِمَا، وَشَرَحَا لَهُ طَرِيقَ ٱلرَّبِّ بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ. 27 وَإِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَجْتازَ إِلَى أَخَائِيَةَ كَتَبَ ٱلإِخْوَةُ إِلَى ٱلتَّلامِيذِ يَحُضُّونَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوهُ. فَلَمَّا جَاءَ سَاعَدَ كَثِيراً بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّذِينَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا، 28 لأَنَّهُ كَانَ بِٱشْتِدَادٍ يُفْحِمُ ٱلْيَهُودَ جَهْراً، مُبَيِّناً بِٱلْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ.

شابه بولس أبا له أولاد كثيرين من روح الرب في مدن عديدة. فاشتاق إليهم وأراد رؤيتهم. فلم يسترح مدة طويلة في انطاكية، بل قام ومشى على قدميه ألوف الكيلومترات في جبال وسهول، عبر أنهر وبدون حذر. وكان عاطشاً في الصحارى، ولكن قلبه دفعه إل المتجددين ليقويهم وينيرهم، ليصبحوا نوراً في الظلمة بواسطة محبتهم العلمية وإيمانهم الزائد. ولم يذهب بولس إلى الكنائس المحترمة فقط، ويمارس الطقوس باحترام وفخر، بل فتش على الأفراد والمنعزلين أيضاً، لأن كل المؤمنين كجسد واحد وليس يعضهم بأفل من بعض.

وقبل مجيئه إلى أفسس، ظهر فجأة أبلوس معلم مؤمن بيسوع. وهو لم يأت من أورشليم ولا من انطاكية، بل من الاسكندرية. وهذه المدينة الكبرى في حوض البحر المتوسط كانت الثانية بعد روما، وكانت مركزاً للفلسفة الإغريقية أكثر من أثينا يومذاك. وقد اول فيها الفيلسوف فيلو المشهور أن يوحد الثقافة اليونانية مع حكمة العهد القديم. وربما كان أبلوس متشرباً من كتبه، لأنه كان ماهراً بليغاً بالخطابة غزير الاطلاع.

ولم يعرف حقيقة حلول الروح القدس في قلبه، بل كان تابعاً لطريق يوحنا المعمدان متعمداً بالماء، تائباً عن خطاياه ومنتظراً مجيء المسيح. وربما أنه التقى في الاسكندرية أو في أورشليم بمسيحيين، وسمع منهم أن يسوع الناصري هو المسيح الحق. فتعق أبلوس في أسفار العهد القديم، وأدرك باستغراب انطباق سيرة يسوع على المواعيد بالمسيح. وقبل موته على الصليب وقيامته من القبر وصعوده إلى السماء، وترقب مجيئه ثانية، لكي ينشئ مملكة سلامه على الأرض. فبشر أبلوس بتحمس ونشاط وبلاغة عن هذه الحقائ المسيحية، علماً أنه لم يعرف لب الخلاص. والروح القدس لم يحل فيه برغم أن روح الرب عمل بواسطته، كما عمل في أنبياء العهد القديم، وملأ قلب يوحنا المعمدان. ولكنه لم يكن مولوداً ثانية حقاً من الروح والماء.

ولما سمع الزوجان أكيلا وبريسكلا هذا الشاب واعظاً بيسوع، متكلماً في كنيس اليهود، فرحا لأجل تقوية الشهادة المسيحية. ولكنهما سرعان ما لاحظا أن هذا الرجل البليغ، تكلم كلمات صحيحة بأسلوب مدهش، ولكن تنقصه القوة. فقد أصبح فيلسوفاً مؤمناً بالمسيح، ولم يكن ابناً لله ممتلئاً بالروح القدس. فدعا هذان الصانعان الغير مثقفين ذلك الخطيب الباهر إلى منزلهما، وعلماه حقائق الخلاص بحذافيرها. ونجد في هذه الدورس أربع أعاجيب:

  1. أبلوس كان متواضعاً حتى تنازل إلى مستوى الصناع واستمع للزوجين.

  2. 2 - ظهر ان الجاهل في مسح الروح القدس يتكلم أحكم من الفيلسوف المؤمن بيسوع.

  3. بريسكلا المرأة كانت هي المتكلمة والدافعة في هذا البحث، لأن اسمها أصبح يُذكر من الآن فصاعداً أولاً، الأمر الذي يدلنا على أن امرأة مؤمنة تستطيع أن تعطي شهادة فعالة واضحة.

  4. وعلى الأغلب أن أبلوس حصل بواسطة هذين الصانعين على قوة الروح القدس، كما أن بولس حصل على هذا الروح بواسطة حنانيا البسيط في دمشق. فالرب يستخدم كثيراً المطيعين الصغار ليبطل الكبار الموهوبين. فطوبى للكنيسة التي أعضاؤها بسطاء مؤمنونلا ينتقدون المتكلم أمام الحضور، ولا يتكلمون في غيبته، بل يدعونه إلى بيتهم ويفسرون له حقيقة الروح القدس بدقة أكثر مما هو يفهم. فمن هذه المكالمة بين الصانعين وأبلوس تبين أن بولس قد علم أرباب عمله أثناء الشغل اليدوي، أكثر مما قدرت كل الكتبالفلسفية أن تصبه حكماً في أبلوس، لأن الإيمان في الروح القدس اقوى من علوم العقول والتحمس البليغ.

ونقرأ أيضاً أنه كان في أفسس إخوة كثيرون. فخدمة بولس القصيرة وسقاية بريسكلا لتربة أفسس بتبشيرها سببت إنشاء نواة الكنيسة هنالك، المعروفة من الكنائس الأخرى التي حولها في حوض البحر المتوسط.

فكتب الإخوة من أفسس إلى كنيسة كورنثوس، ليقبلوا أبلوس المؤمن بيسوع في لباس الفيلسوف، المقتدر أن يبرهن من العهد القديم أن يسوع هو الرب المسيح الحي. فأبلوس لم يترك أفسس كما دخلها متكلاً على عقله ومرتكزاً على شعوره بالتوبة، بل بنى تبشره على النعمة فقط. وبرهن بالنعمة الإلهية في كورنثوس أن المسيح هو المخلص والمنجي والفائز المقتدر. وببلاغته قدر أبلوس أن يغلب اليهود، حتى آمن بواسطته كثيرون وأعتبروه أباهم الروحي (1 كو 1: 12). ولكن بنفس الوقت كان هذا المبشر خطراً على المؤمين، إذ لم ينضم رسمياً إلى مجموع الكنائس المرتبطة بأورشليم وانطاكية، بل بقي مستقلاً بنفسه. ورغم هذا فقد اعتبره بولس بعدئذ أخاً في المسيح، وقبل مواهب المسيح فيه لتقوية الكنائس. فلا ترفض أيها الأخ متكلمين غرباء وشهوداً مستقيمين للمسيح من كائس أخرى، بل اسمح لهم أن يخدموا فرقتكم، لكي تكملوا لكمال المسيح، إلا البدع في التعليم والانقسام، فلا تقبلوه ولا تسمحوا له بالدخول إلى باب حظيرتكم.

الصلاة: نشكرك أيها الرب، لأنك دعوت مؤمنين جهلاء للشهادة. ونعظمك لأنك أرشدت المثقفين التائبين ليقبلوا إرشاد البسطاء إلى ملء نعمتك. اعطنا الجرأة والتواضع والتعاون لندرك حاجة كنيستنا إلى تكميلها بواسطة الإخوة الأمناء من اكنائس الأخرى.

2 - انتعاش روحي في أفسس وحافظة آسيا الأناضولية (19: 1 - 20)

اَلأَصْحَاحُ ٱلتَّاسِعُ عَشَرَ : 1 فَحَدَثَ فِيمَا كَانَ أَبُلُّوسُ فِي كُورِنْثُوسَ أَنَّ بُولُسَ بَعْدَ مَا ٱجْتَازَ فِي ٱلنَّوَاحِي ٱلْعَالِيَةِ جَاءَ إِلَى أَفَسُسَ. فَإِذْ وَجَدَ تَلامِيذَ 2 سَأَلَهُْ: «هَلْ قَبِلْتُمُ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ لَمَّا آمَنْتُمْ؟» قَالُوا لَهُ: «وَلا سَمِعْنَا أَنَّهُ يُوجَدُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ». 3 فَسَأَلَهُمْ: «فَبِمَاذَا ٱعْتَمَدْتُمْ؟» فَقَالُوا: «بِمَعْمُودِيَّةِ يُوحَنَّا». 4 فَقَال بُولُسُ: «إِنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِمَعْمُودِيَّةِ ٱلتَّوْبَةِ قَائِلاً لِلشَّعْبِ أَنْ يُؤْمِنُوا بِالَّذِي يَأْتِي بَعْدَهُ، أَيْ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ». 5 فَلَمَّا سَمِعُوا ٱعْتَمَدُوا بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ. 6 وَلمَّا وَضَعَ بُولُسُ يَدَيْهِ عَلَيْهِمْ حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْهِمْ، فَطَفِقُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَاتٍ وَيَتَنَبَّأُونَ 7 وَكَانَ جَمِيعُ ٱلرِّجَالِ نَحْوَ ٱثْنَيْ عَشَرَ.

كان ينزل بولس عادة أثناء سفراته التبشيرية في العواصم ومراكز المواصلات ومحاور التجارة، عالماً أن من هذه النقط يشع الإنجيل تلقائياً إلى كل النواحي. هكذا أسس كنائس في انطاكية وقونية وفيلبي وتسالونيكي وكورنثوس. وفي هذه السلسلة الطويلةمن المدن والمراكز فيما بين أورشليم وروما كانت مدينة أفسس همزة الوصل، التي لم تنفتح للتبشير بشكل واسع، ولم تتأصل فيها كنيسة قوية حتى ذلك الوقت.

ولما نزل بولس من السهول الداخلية الأناضولية وصل إلى هذه العاصمة الجميلة الواقعة على البحر التي لها مدرج يسع خمسة وعشرين ألف شخص. وكان لها حكم ذاتي فوضها به الرومان. وأهلها كانوا تجاراً ماهرين. وقد أقيم في وسطها هيكل فخم لصنم الآله أرطاميس المركز الديني للمدينة، الذي يحج إليه الناس زرافات ووحدانا من مختلف البلاد.

ولما جاء بولس إلى هذه الحاضرة، وجد اثني عشر رجلاً كانوا متعلقين بتعاليم يوحنا المعمدان، مما يدلنا على أن لتلك المدينة أهمية دولياً وثقافياً، حيث تصلها مختلف التيارات الدينية، ويحل فيها عدد من الأجناس، حتى أن البدع الصغيرة مثل مذهبالمعمدان، كانت تصب فيها. وقد استعد أتباع المعمدان هنالك في شدة التوبة لمجيء المسيح. منكسرين لكبريائهم فاتحين قلوبهم لرب الإنجيل. ولربما سمعوا من أبلوس أن يسوع الناصري، هو مسيح الله، الذي مات ودُفن وقام وصعد إلى السماء. والآن ها هم أولاء منتظرون مجيئه الثاني، مترقبين ظهوره ليلاً نهاراً.

ولاحظ بولس بسرعة أن الإيمان بالتوبة العاطفية والتعمق في الكتاب المقدس باستمرار والثقة العقلية بيسوع لا تكفي، لأن هؤلاء التلاميذ كان ينقصهم الروح القدس. فأرادوا أن يستعدوا بتقواهم الخاصة لمجيء المسيح. ولم يعرفوا سر النعمة جوهر إيمانا. فعلينا الاعتراف بكل خجل، أن كثيراً من المسيحيين يدرسون الإنجيل، ويقرأون الكتاب المقدس، ويدخلون الكنائس، ويتوبون بخشوع، ويعرفون كثيراً عن الإيمان، ولكن لم يخرجوا بعد من عبودية الناموس إلى حرية الخلاص، لأن قوة المسيح تنقصهم.

فمعرفة حقائق الخلاص وممارسة المعمودية بالماء لا تخلصك، بل الروح القدس الذي يأتي من الآب والابن. فهدف الإيمان ليس العلم الديني فقط، بل تجديد القلوب والولادة الثانية. وغاية موت المسيح هي تطهيرنا من الخطايا لننال الحياة الأبدية اليومبواسطة انسكاب الروح القدس في فؤادنا. فتأكد أيها الأخ العزيز أن هدف العهد الجديد، ليس الفكر ولا العلم ولا التوبة ولا الندامة ولا التقوى ولا التدين ولا درس سيرة يسوع، إنما غاية الخلاص هو امتلاؤنا بالروح القدس، الذي هو روح المسيح الوديع التواضع اللطيف.

وسأل بولس هؤلاء الرجال الاثني عشر بكل صراحة: هل قبلتم الروح القدس، لما آمنتم بالمسيح؟ وهكذا نسألك شخصياً: هل تسلمت الروح القدس حقاً، أو لا زلت ميتاً في خطاياك؟ لا تهرب من هذا السؤال، بل قف وأدرك حالك، واعترف بحاجتك، واركع وسلم نفس نهائياً إلى يسوع الحي. واتحد به بالإيمان في وعوده. انك ستنال قوة متى حل الروح القدس عليك، وتكون شاهداً له وليس لنفسك بل للذي اشتراك بدمه الثمين خاصة له.

وهذا التسليم الكلي، تم عند الرجال الاثني عشر في أفسس بواسطة المعمودية على اسم يسوع، ووضع يدي بولس على رؤوسهم. وعندئذ تسربت قوة الله إلى التائبين، وامتلأوا من روح الرب. ونقول لك إن تعمدت سابقاً على اسم يسوع، فليس ضرورياً إعادة معمويتك. بل تمسك بتعميدك، وآمن أن الرب الحي وعدك شخصياً بروحه القدوس. وهو يعطيك حسب إيمانك طلباتك المواظبة. لأن المسيح نفسه يشاء أن يملأك بفضائله، لتعيش إلى الأبد. وقد قال يسوع بكل وضوح: اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يُفتح لكم. فاطلب من ربك انسكاب الروح القدس فيك، فيحل الله في قلبك. ويصبح جسدك هيكلاً للروح القدس. ويمتلئ فؤادك بمحبة طاهرة، وينطلق لسانك، وتشترك في شوق المرنمين، الممتد في كل قارات أرضنا. وحمد الله من القلوب الفائضة بالروح هو العلامة الواضحة للمفديين. فهل يسمع أصدقاؤك وأقرباؤك شكرك للخلاص؟ هل تحب ربك؟ وهل تشكره باستمرار؟ إن كل كلماتك تتغير إن يثبت الروح فيك. عندئذ لا تمجد ذاتك بل الله. ولا تشهد بقدرتك، بل تعظم المسيح مخلصك. وكل كلمات بذيئة تزول، وكل كذب يمضي، لأن روح الرب يخلق فيك قلباً جديداً ولساناً جديداً وخليقة جديدة.

وبجانب الحمد والتعظيم، يكون الثمر الثاني من انسكاب الروح القدس في قلبك، أن تدرك أسرار الله أكثر من نبي، وترى فجأة أن الله أبوك. ليس إنسان يستطيع القول أن الخالق الأزلي، القادر على كل شيء هو أبوه. ومستحيل الفكر أن لله أولاداً، بطرية جسدية. ولكن المولودين من الروح القدس يعرفون تلقائياً، أنهم ليسوا أناساً طبيعيين فقط، بل لأجل موت المسيح، حصلوا على حق التبني الإلهي. ودخل فيهم جوهر الله بالنعمة. ولما أتى الروح القدس إليهم عرفوا قلوبهم وشر كل البشر. ولكن انتصار المسيحأشرق على كل الظلمة، مانحاً لنا تأكد تبريرنا. حتى نتنبأ أن ملكوت الله يأتي أكيداً وينتصر نهائياً، لأن القوة الموهوبة لنا هي عربون لمجد عتيد أبدي، غير فانٍ، نام غالب.

فنسألك مرة أخرى: هل قبلت الروح القدس؟ هل تحمد الله أبيك، وتمجد المسيح مخلصك بكل قلبك وسلوكك؟ هل تأكدت من أبوة الله وتترقب مجيء المسيح الثاني؟ عندئذ نؤكد لك، أنك من مولودي الروح القدس، وواحد معنا في انكسار القلب والمحبة والفرح.

الصلاة: أيها الآب السماوي، نسجد لك بتهلل، لأنك فديتنا بابنك الحبيب من كل خبثنا، وغفرت لنا خطايانا كلها، وطهرت ضمائرنا بدم المسيح. وملأتنا بروحك القدوس الطاهر اللطيف. امسح كل شاب وبنت تطلبك من كل القلب، واملأهم بقدرتك. أن ليس أحد، يقدر أن يخرج روحك من ذواتهم. فنؤمن بنعمتك وعملك وجريان خلاصك. آمين. تعال أيها الرب يسوع.

19: 8 ثُمَّ دَخَلَ ٱلْمَجْمَعَ، وَكَانَ يُجَاهِرُ مُدَّةَ ثَلاثَةِ أَشْهُرٍ مُحَاجّاً وَمُقْنِعاً فِي مَا يَخْتَصُّ بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ. 9 وَلَمَّا كَانَ قَوْمٌ يَتَقَسُّونَ وَلا يَقْنَعُونَ، شَاتِمِينَ ٱلطَّرِيقَ أمَامَ ٱلْجُمْهُورِ، ٱعْتَزَلَ عَنْهُمْ وَأَفْرَزَ ٱلتَّلامِيذَ، مُحَاجّاً كُلَّ يَوْمٍ فِي مَدْرَسَةِ إِنْسَانٍ ٱسْمُهُ تِيرَانُّسُ - 10 وَكَانَ ذٰلِكَ مُدَّةَ سَنَتَيْنِ، حَتَّى سَمِعَ كَلِمَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ جَمِيعُ ٱلسَاكِنِينَ فِي أَسِيَّا، مِنْ يَهُودٍ وَيُونَانِيِّينَ. 11 وَكَانَ ٱللّٰهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُّوَاتٍ غَيْرَ ٱلْمُعْتَادَةِ، 12 حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى ٱلْمَرْضَى، فَتزُولُ عَنْهُمُ ٱلأَمْرَاضُ، وَتَخْرُجُ ٱلأَرْوَاحُ ٱلشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ.

منذ مجيء المسيح الأول أصبح شعار تاريخ عالمنا كيان ملكوت الله على الأرض ونموه وإكماله. وكل التطورات الساسية والثورية والدينينة والاقتصادية، ليست إلا مخاضاً لظهور ملكوت الله أبينا. وقد دعا يسوع لهذه المملكة الروحية الحاضرة فيه باستتر. فهو الملك الإلهي ورب الأرباب. ولكنه لم يسيطر الآن على شعوب الأشرار، بل أرسل روحه اللطيف المنسكب إلى قلوب المصلين. فمنذ هذا الوقت، حضر ملكوت الله مستتراً في الكنيسة الحقة. وامتد إلى كل القديسين الحامدين أمواتاً وأحياء، لأنهم شعب الله لحي. ولكنا نترقب وصول المسيح الظاهر، ليتضح لكل خليقة أنه رب المجد، وأن موكب انتصاره يمر بهتاف في كل البلدان. هل وصل ملكوت الله إلى قريتك ومدينتك ومدرستك؟ إن المسيح قال حيث يجتمع إثنان أو ثلاثة باسمي، هناك أكون في وسطهم.

إن عظات بولس عن ملكوت الله بمثل هذه الأفكار، كانت طيلة ثلاثة أشهر مواضيع أبحاثه مع المجتمعين في كنيس اليهود في أفسس. وكل أهل العهد القديم استمعوا بلذة وانتباه. لأن كل يهودي يترقب انبثاق سلطان الله على الأرض. ولكن بولس تقدم وقال: ل يأتي الملكوت في المستقبل، بل قد صار. فالملك مولود. وكان حياً، وقُتل وغلب الموت. وأطفأ غضب الله، ومحا خطايانا، وارتفع إلى أبيه مالكاً وبانياً ملكوته.

لم يناقش بولس ملكوت الله كموضوع فلسفي، بل أعلنه وطلب الخضوع الكامل له والتسليم إلى الملك الإلهي. فليس ديننا فكراً تقياً، أو قانوناً مستحيلاً تطبيقه، بل التصاقاً بشخص حي يسوع المسيح المنتصر على الموت والشيطان.

لم يكن كل المستمعين في كنيس أفسس موافقين على عظات بولس. ولم يتوبوا جميعاً، بل أن بعضهم تقسى، وعارضوا الرسول وشتموه جهراً. وللعجب فإن عامة الناس لم يسكتوهم، إنما بقوا صامتين، وأرادوا مشاهدة الفرقة التي ستغلب. عندئذ قرر بولس الانعزا، لأن كرازة الإنجيل ليست مسابقة، بل إعلان وخلاص وفداء. فمن يسمع ويطع يخلص. ومن يقبل المسيح مخلصاً شخصياً يعش إلى الأبد.

وبعض المستمعين قرروا نهائياً تسليم حياتهم ليسوع، وتبعوه وأرادوا أن يسمعوا أكثر عن ربهم الحي، فقد أصبحوا تلاميذ. وأفرز بولس هذه الجماعة المستعدة لملكوت الله، من الشاتمين والسامعين بلا مبالاة، وكون من التلاميذ كنيسة حية.

ولهذه الغاية استأجر بولس داراً كبيرة مشابهة للجامعة. ولم يعلم المستمعين يوم السبت فقط، بل وزع كل يوم للجائعين إلى خبز الحياة الغذاء الروحي. ويا للعجب! فإن بولس كان يشتغل صباحاً وبعد الظهر بيديه لكسب معيشته. ووعظ ظهراً ومساء في أوقت الاستراحة. فهذا الرجل الطرسوسي كان ملبوساً بمحبة الله وممتلئاً بمواهب النعمة، وبذل حياته في سبيل ملكوت يسوع. ووعظ واشتغل بولس طيلة سنتين، بكل قوة قلبه وجسده رغم ضعفه الشخصي. حتى كملت نعمة المسيح في ضعفه.

وكثيرون من أهل القرى والمدن المحيطة تراكضوا إلى أفسس ليروا هذا الرجل الغريب اليهودي. وتكلموا عنه في السوق وفي مجالس النساء وحلقات الشبيبة. فكان هو موضوع الأبحاث. الكل شعروا أن بولس لم يقدم لهم أفكاراً فلسفية فارغة بمثل عليا، بل تجي منه قوة الله مباشرة إليهم، مزعزعة القلوب ومجددة الناس وخالقة رجاء في اليائسين.

وحدثت عجائب فائقة. لقد شفى المرضى أيام المسيح بلمس ملابسه. وبمرور بطرس شفى المرضى بفيئه. وعند بولس خطفوا وزرة مهنته أو منديله، الذي كان يمسح به عرقه. ولما تناوله المرضى شفوا، إن كانوا قد آمنوا بالمسيح. ولكن انتبه، فلم يقم بولس بعجئب وآيات، بل الله برهن قدرته وطرد أمراضاً وأرواحاً شريرة من المساكين بواسطة الإيمان بالمسيح، الذي كان بولس رسوله.

وابتدأ في محافظة آسيا انتعاش روحي كبير، كما لم يحدث في أي منطقة من حوض البحر المتوسط قبلا. لقد فكر بولس قبل سنين أن يذهب تلقائياً إلى أفسس لتبشيرها. أما الروح القدس فمنعه من الذهاب إلى العاصمة. والرسول أطاع جذب الروح، وانقذف إلى أروبا. وللمرة الثانية رفض التجربة، ولم يبق في أفسس رغم الفرص الإيجابية. بل أتم نذره مطيعاً لربه. فلهذا أثبت يسوع الحي إطاعة عبده وفتح بواسطته كنوز ملكوته، وأظهر قدرته، لأن يسوع حاضر وعامل ومخلص حيث يستسلم الناس مطيعين لروحه.

الصلاة: نعظمك أيها الآب السماوي، لموكب انتصار ابنك، الواصل إلينا اليوم، ونشكرك لأجل القوة الإلهية، النابعة من الصليب. قدسنا إلى طاعة كاملة. لتكن مشيئتك وليأت ملكوتك عندنا وفي كل الأرض.

19: 13 فَشَرَعَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْيَهُودِ ٱلطَّوَافِينَ ٱلْمُعَّزِمِينَ أَنْ يُسَمُّوا عَلَى ٱلَّذِينَ بِهِمِ ٱلأَرْوَاحُ ٱلشِّرِّيرَةُ بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، قَائِلِينَ: «نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِيَسُوعَ ٱلَّذِي يَكْرِز بِهِ بُولُسُ!» 14 وَكَانَ ٱلَّذِينَ فَعَلُوا هٰذَا سَبْعَةَ بَنِينَ لِسَكَاوَا، رَجُلٍ يَهُودِيٍّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ. 15 فَقَالَ ٱلرُّوحُ ٱلشِّرِّيرُ لَهُمْ: «أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ، َأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟» 16 فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي كَانَ فِيهِ ٱلرُّوحُ ٱلشِّرِّيرُ، وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ، حَتَّى هَرَبُوا مِنْ ذٰلِكَ ٱلْبَيْتِ عُرَاةً وَمُجَرَّحِينَ. 17 وَصَارَ هٰذَا مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ ٱلْيَهُودِ وَٱلْيُونَانِيِّينَ ٱلسَّاكِنِينَ فِي أَفَسُسَ. فَوَقَعَ خَوْفٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَكَانَ ٱسْمُ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ يَتَعَظَّمُ. 18 وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا يَأْتُونَ مُقِرِّينَ وَمُخْبِرِينَ بِأَفْعَالِهِمْ، 19 وَكَانَ كَثِيرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ يَسْتَعْمِلُونَ ٱلسِّحْرَ يَجْمَعُونَ ٱلْكُتُبَ وَيُحَرِّقُونَهَا أَمَامَ ٱلْجَمِيعِ. وَحَسَبُوا أَثْمَانَهَا فَوَجَدُوهَا خَمْسِينَ أَلْفاً مِنَ الْفِضَّةِ. 20 هٰكَذَا كَانَتْ كَلِمَةُ ٱلرَّبِّ تَنْمُو وَتَقْوَى بِشِدَّةٍ.

إن إنشاء ملكوت الله حرب وكفاح بين السماء وجهنم، بين روح الله وروح الشيطان. فأما أن يفتح الناس أنفسهم للأرواح الشريرة أو لقوة أبينا السماوي. فنجد ملبوسي جهنم وممتلئي محبة الله.

وقد حصل بعض المؤمنين في العهد القديم على القدرة أن يخرجوا باسم الرب الحي أرواحاً شريرة، كما نعلم هذا من الإنجيل، لأن الشياطين تقشعر من الله القدوس. ولكن اليهود لم يقدروا أن يسكبوا في المتحرر من الروح الشرير روحاً جديداً. فأصبح المحررون بعض المرات أكثر شراً مما كانوا قبلاً.

وكان سبعة شباب هم أولاد لرجل اسمه سكاوا الذي سمى نفسه ادعاء رئيس الكهنة، يتجولون في أفسس ومحيطها مخرجين أرواحاً نجسة. وهؤلاء الشباب سمعوا عن بولس ولربما شاهدوا، كيف شفى باسم يسوع وغلب قوات نجسة ففكروا بتجريب استعمال اسم يسوع، ليربوا من وراء قدرته. فاستخدموا اسم الأسماء كقاعدة للسحر. ولكنهم لم يعرفوا المخلص شخصياً، ولم يلتجئوا إلى قدرته ولم يؤمنوا به. هذا كان ذنبهم، لأنهم استخدموا اسم يسوع كسحر مجربين الله.

وروح الملبوس تحرك رأساً وصرخ بألم قائلاً: أعرف من هو يسوع. واسم بولس ليس غريباً عني. إن جهنم تعترف وهي تصر بأسنانها، أنها تعلم غالب الشيطان، ولا تستطيع أن تغلبه بعد، لأن حمل الله قد رفع خطية العالم، وأتم المصالحة بين الله والناس. الأبالسة تعرف الصليب والمسيح الحي المقام من بين الأموات، وهي عالمة إقبال ساعة الدينونة. وبولس كان أحد سفراء المسيح، وكلماته معروفة ومسجلة في الدوائر السفلى. وأفكاره لم تكن باطلة، بل مفعمة القوة لإنشاء مكلوت الله على الأرض.

أيها الأخ، هل أدركت أن جهنم تعرف يسوع وترتجف منه؟ كثيرون من الناس عمي ويسدون آذانهم ويقسون قلوبهم ضد الإنجيل. إنهم يسقطون غنمية لأيدي الشيطان. وهجوم الملبوس على السبعة شباب مجربي الله كان دليلاً على هجوم الشيطان على الذين لم يطمئنا في رحاب المسيح. فالأرواح لم تجد لها سلطة وقوة وحقاً في بولس وفي أعضاء جسد المسيح الروحي. ولكن من يبق بعيداً عن المخلص يقف بدون معرفة في دائرة الشيطان، لأن العالم كله قد وُضع في الشرير. أما المسيح فيتدخل إلى مملكة الشيطان ويحرر الأسرى يخرجهم ظافراً. ومن يتبع المسيح يختبر أن الغلبة التي تغلب العالم هي إيماننا.

وإن حدث أن سألك الناس: من أنت؟ فأجب. أنا خاصة يسوع المسيح، متبرر بدمه ثابت فيه. وإن شاء الرب تختبر بالإيمان في شخصيته، أن الناس يتحررون بواسطة شهادتك من سلطة الشيطان.

ولما سمع أهل أفسس أن اسم يسوع معروف في جهنم، وأن بولس هو سفير الرب الحي، وقع خوف على كل المفكرين. وفكروا في حالتهم وحالة أنفسهم، وتأكدوا من إتيان دينونة الله. فتابوا حقاً وسجدوا ليسوع طالبين السماح والخلاص. ولم يعظموا بولس البتة، ل مجدوا يسوع المسيح، الذي فك قيود الخطية عن كثيرين في أفسس، وحررهم من كابوس السحر. وقد أتى هؤلاء المنقذين من السحر، واعترفوا بذنبوهم ومكرهم وأعمالهم الظالمة جهراً أمام الرسول والشيوخ، ليتخلوا تماماً من كل خبثهم، وليشترك الإخوة الراسخون صلاتهم للرب أن يحررهم دم المسيح إلى التمام، ويقدسهم الروح القدس تقديساً أبدياً.

أيها الأخ إن المسيح ما يزال حتى اليوم مخلصاً قادراً أن يخلصك من سلطة الأرواح الشريرة. ربما استشرت عرافاً مرة، أو اتكلت على نوع من السحر. أو ذهبت إلى شيخ ليرقيك ويشفيك. أو آمنت بخرزة زرقاء أو إحدى وسائل الشرور الموجودة في محيطك. فنلب إليك باسم المسيح أن تعترف بهذه الخطايا جهراً أمام الله. وإن أمكن أن تصلي مع خدام الرب الراسخين، لكي يحررك اسم يسوع من كل أربطة الشيطان. مع العلم أن من يعط للشيطان اصبعه الصغير عمداً، فإنه يأخذ منه اليد والذراع والجسد كله. ولكن من يتبمن كل قلبه ويلتجئ إلى يسوع يحرره ابن الله تحريراً كاملاً. فلا تهمل ساعة خلاصك. اليوم يتحقق انتصار الله فيك إن آمنت بيسوع.

لقد حدثت طقطقة في جهنم لما أنشئت كنيسة المسيح في أفسس وهرب أفراد من الموت الأزلي إلى الحياة الأبدية. وإيمان المفديين المشترك وشركة صلواتهم أنزلت قوة كبيرة من المسيح إلى الكلمة المكروز بها، لأن ليس بسحر ولا بعقول بشرية، ولا بتقوى نموسية يغلب المسيح ظلام الوثنيين بل بواسطة كلمة عبيده فقط. ولا يمنحك المسيح اليوم قوة أخرى قادرة أن تغلب العالم غير الإنجيل الشريف. فاملأ فؤادك بكلمة ربك، لكي تثبت في شركة المصلين، فيحرر المسيح بواسطة خدمتكم المشتركة كثيرين من الملبوسين يثبتهم في ملكوته. وهذه هي الغلبة، التي تغلب العالم إيماننا.

الصلاة: نسجد لك أيها الرب يسوع، المنتصر على الموت والشيطان والخطية. أنت القدوس الأزلي، ولم تسقط في تجربة. اغفر لنا ذنوبنا وحررنا من كل ارتباط شيطاني. ونجنا وكل الذين يطلبونك، وثبتهم في شركة القديسين. عليك نتكل وإياك نعم. أنت مخلصنا وناصرنا ومكملنا. آمين.

مسابقة تبشير بولس للأمم

إن جاوبت على 25 سؤال من هذه الأسئلة الواحد والثلاثين التالية التي تعالج الأصحاحات 13 - 19 من سفر أعمال الرسل بصحة وصواب نرسل لك الكتاب الذي تختاره من جدول مطبوعاتنا المرفقة في هذا الكتاب.

  1. من هو الروح القدس؟ وبماذا أمر المصلين في أنطاكية؟

  2. لماذا اغتاظ بولس، وكيف عملت يد الرب مع كلمته؟

  3. ما هي القوة الدافعة والهدف في تاريخ الله مع البشر؟

  4. بماذا كرز بولس عن قيامة يسوع؟ وما هي البشارة التي علقها على قيامته؟

  5. كيف شهد بولس بحقه في تبشير الأمم. وكيف تحقق هذا الإيمان في الوثنيين؟

  6. لماذ هرب بولس وبرنابا من مدينة إلى مدينة؟

  7. لماذا سمى بولس كل الآلهة أباطيل؟

  8. ماذا عمل بولس وبرنابا في الكنائس الحديثة أثناء عودتهما إليها؟

  9. ما هو الفكر الجديد الذي اختبره الرسولان نتيجة تبشيرهما في سفرتهما الأولى؟

  10. لماذا لم تقرر الكنيسة في انطاكية من نفسها حلاً للمشكلة بل طلبت من الرسل في أورشليم حلاً نهائياً لها؟

  11. ما هي العبارة التي قالها بطرس وهي شعار عظته. ولماذا اعتبرتها كنيسة المسيح أساساً للخلاص؟

  12. ما الفرق بين الامتناع عن بعض الأشياء في سبيل المحبة وحفظ الناموس لأجل الخلاص؟

  13. ما هي الأفكار الرئيسية في القرار الذي اتخذه المؤتمر الرسولي في أورشليم؟

  14. ما هي الغاية المبدئية والدافع لسفرة بولس التبشيرية الثانية؟

  15. هل كان ختن تيموثاوس ضرورياً أم لا. ولماذا؟

  16. ماذا يعني منع الروح القدس للمؤمنين من خدمتهم. وماذا تعني دعوتهم لخدمة جديدة؟

  17. ما هي الأعجوبة في حياة ليديا. ولماذا عمّد بولس بيتها كاملاً؟

  18. ما هو الكذب الذي كان في قول العرافة الملبوسة. وما هو الحق الذي قاله بولس؟

  19. لماذا رتل السجناء المعذبون ترانيم الحمد في غسق الليل؟

  20. لم تكوت الآية عدد 31 من أهم كلمات الكتاب المقدس؟

  21. كيف يكون يسوع المسيح ملك الملوك ورب الأرباب؟

  22. كيف كانت العادة عند تبشير بولس إذا دخل مدينة؟

  23. لم احتد بولس من الآلهة المتعددة في أثينا؟

  24. ما هي الأفكار الثلاثة في أول جزء من عظة بولس عن الله أمام فلاسفة أثينا؟

  25. ما هو المخرج الوحيد من دينونة الله في يوم الدين؟

  26. ما هو وعد المسيح الخاص الذي تلقاه بولس في كورنثوس؟

  27. ما هي المدن الأربع التي زارها بولس في نهاية سفرته التبشيرية الثانية؟

  28. ما هي العجائب الأربع التي تمخض عنها الاجتماع بين أبلوس والزوجين العاملين؟

  29. كيف حصل الرجال في أفسس على الروح القدس؟ وكيف تستطيع الحصول على هذا الروح المبارك؟

  30. كيف ظهر ملكوت الله في أفسس؟

  31. لم تعظم اسم يسوع وكلمته في أفسس تعظيماً كبيراً؟

الرجاء أن تكون المسابقة التي ترسلها إلينا على ورقة مستقلة، دون أن تضع فيها أي خطاب أو ملاحظة أو أسئلة أو أشياء أخرى.

3 - الرسول يخطط لعودته إلى أورشليم وتقدمه من ثم إلى رومية (19: 21 - 22)

19: 21 وَلَمَّا كَمِلَتْ هٰذِهِ ٱلأُمُورُ، وَضَعَ بُولُسُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ بَعْدَمَا يَجْتَازُ فِي مَكِدُونِيَّةَ وَأَخَائِيَةَ يَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، قَائِلاً: «إِنِّي بَعْدَ مَا أَصِيرُ هُنَاكَ يَنْبَغِي أَنْ أَرى رُومِيَةَ أَيْضاً». 22 فَأَرْسَلَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ ٱثْنَيْنِ مِنَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَخْدِمُونَهُ: تِيمُوثَاوُسَ وَأَرَسْطُوسَ، وَلَبِثَ هُوَ زَمَاناً فِي أَسِيَّا.

أطلق الرومان كلمة آسيا أولاً على إحدى المناطق التابعة لهم في الأناضول. وكانت أفسس عاصمة هذا الإقليم ومحوراً للمواصلات. ثم بعدئذ أطلقت هذه الكلمة (آسيا) على القارة الأسيوية كلها، التي لم تعرف بدقة بحدودها ومناطقها وتفصيلاتها إلا من قرن تقريباً، من باب إطلاق اسم الجزء على الكل.

وفي تلك المنطقة الأناضولية التي سميت آسيا أولا، بشر بولس زهاء سنتين ونصف، وأشبع الجياع إلى البر. فنشأت كنيسة حية شعت أنوار محبتها على محيطها، وإلى آخر قرية من المحافظة دخلت بشرى الخلاص. فأصبحت أفسس المركز الثالث الرئيسي بعد أورشلي وانطاكية لانطلاق الإنجيل إلى روما. وقد كتب بولس من هذه العاصمة رسالتيه الغيورتين إلى أهل كورنثوس، وتألم من مشاكلهم مصلياً، حتى أرشد الرب الإخوة هناك إلى تمييز الأرواح، وحررهم من العقد الفكرية والنفسية.

وفي فترة بقائه في هذه المدينة قام بولس بمشروع جمع تبرعات لكنيسة أورشليم المحتاجة، وأشرك الكنائس اليونانية والأناضولية في هذا المشروع الهام، كما نقرأ في رسالته الثانية الأصحاح 8-9. وبقيت هذه المدينة مئات السنين بعد ذلك محوراً للمسيية، حيث رعى الرسول يوحنا خراف المسيح هنالك. وذكرها الرب الحي ليوحنا في رؤياه كأم الكنائس في أولها (رؤيا 2: 1-7). وفي زمن القياصرة البيزنطيين عقدت بأفسس إحدى المؤتمرات المسكونية سنة 431 ب م.

وفي نهاية خدمة بولس هنالك سنة 55 إذ شكر المسيح لأجل انتصاره في آسيا الصغرى، وضح الروح القدس لرسول الأمم، أنه عليه قريباً أن يرجع إلى أورشليم. ليربط الكنيسة الجديدة بالكنيسة الأولى في القدس.

ولكن بولس أراد أن يرى أعضاء الكنائس اليونانية المحبوبين مرة أخرى، وخطط في صلوات كثيرة وبإرشاد الروح القدس للسفر أولاً غرباً نحو روما وبعدئذ إلى الشرق تجاه أورشليم.

وعلم الرسول أن المدينة المقدسة، ليست هي نهاية المطاف في سفراته التبشيرية، لأن الروح القدس أعلن له، أن روما ستكون هدفه الأخير. فالإنجيل مندفع من أورشليم إلى روما، ومن مركز الروح القدس إلى مركز السلطة المدنية، لكي يغلب سلاح البر كل لأسلحة الظالمة. فما وجدت بلدة ولا حزب ولا دين إلا ويطلب المسيح منه الخضوع. إنه هو الرب وأمامه ستجثو كل ركبة، مما في السموات وما على الأرض وتحت الأرض، وتعترف كل الألسنة أن يسوع المسيح هو الرب لمجد الله الآب. فتعظيم هذا الاسم الفريد كان ادافع والضرورة في رحلات بولس التبشيرية.

ولم يكن بولس عبقرياً منعزلاً في ملكوت الله، بل خدم مشتركاً مع إخوة كثيرين، الذين هم يمثلون جسد المسيح الروحي. وليس أحد من الإخوة قادراً على الخدمة دواماً بدون إخوته الآخرين. فنعترف بأننا محتاجون إلى صلواتك وشركتك، كما أنك تحتاج إل خدمتنا وابتهالاتنا. فنصلي لأجلك. فهل تصلي لأجلنا عملياً؟ لقد بعث بولس تيموثاوس ممهداً لسفرته، الذي خدمه بأمانة كابنه. وتيموثاوس هذا الخليط الدم كان همزة الوصل بين الرسول والكنائس المؤسسة جديداً في أغلب الأحيان. وها هوذا الآن يمهد الطريق لبولس لسفرته الوداعية الكبيرة.

الصلاة: نشكرك أيها الرب المسيح، لأن ليست السلطة ولا الشيطان يستطيع منع موكب انتصارك. لقد أدخلتنا إلى رحاب ملكوتك. علمنا الإطاعة لصوت روحك القدوس، لكي نركض حيثما تريد، ونقف حيثما تشاء.

4 - ثورة صاغة الفضة في أفسس (19: 23 - 41)

19: 23 وَحَدَثَ فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ شَغَبٌ لَيْسَ بِقَلِيلٍ بِسَبَبِ هٰذَا ٱلطَّرِيقِ، 24 لأَنَّ إِنْسَاناً ٱسْمُهُ دِيمِتْرِيُوسُ، صَائِغٌ صَانِعُ هَيَاكِلِ فِضَّةٍ لأَرْطَامِيسَ، كَانَ يُكَسِّبُ ٱلصُّنَّاعَ مَكْسباً لَيْسَ بِقَلِيلٍ. 25 فَجَمَعَهُمْ وَٱلْفَعَلَةَ فِي مِثْلِ ذٰلِكَ ٱلْعَمَلِ وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ سِعَتَنَا إِنَّمَا هِيَ مِنْ هٰذِهِ ٱلصِّنَاعَةِ. 26 وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَتَسْمعُونَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَفَسُسَ فَقَطْ، بَلْ مِنْ جَمِيعِ أَسِيَّا تَقْرِيباً، ٱسْتَمَالَ وَأَزَاغَ بُولُسُ هٰذَا جَمْعاً كَثِيراً قَائِلاً: إِنَّ ٱلَّتِي تُصْنَعُ بِٱلأَيَادِي لَيْسَتْ آلِهَةً. 27 فَلَيْسَ نَصِيبُنَا هٰذَ وَحْدَهُ فِي خَطَرٍ مِنْ أَنْ يَحْصُلَ فِي إِهَانَةٍ، بَلْ أَيْضاً هَيْكَلُ أَرْطَامِيسَ - ٱلإِلٰهَةِ ٱلْعَظِيمَةِ - أَنْ يُحْسَبَ لا شَيْءَ، وَأَنْ سَوْفَ تُهْدَمُ عَظَمَتُهَا، هِيَ ٱلَّتِي يَعْبُدُهَا جَمِيعُ أَسِيَّا وَٱلْمَسْكونَةِ». 28 فَلَمَّا سَمِعُوا ٱمْتَلَأُوا غَضَباً، وَطَفِقُوا يَصْرُخُونَ قَائِلِينَ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ ٱلأَفَسُسِيِّينَ». 29 فَٱمْتَلَأَتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُّهَا ٱضْطِرَاباً، وَٱنْدَفَعُوا بِنَفْسٍ وَاحِدَة إِلَى ٱلْمَشْهَدِ خَاطِفِينَ مَعَهُمْ غَايُوسَ وَأَرِسْتَرْخُسَ ٱلْمَكِدُونِيَّيْنِ، رَفِيقَيْ بُولُسَ فِي ٱلسَّفَرِ.

30 وَلَمَّا كَانَ بُولُسُ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَ ٱلشَّعْبِ لَمْ يَدَعْهُ ٱلتَّلامِيذُ. 31 وَأُنَاسٌ مِنْ وُجُوهِ أَسِيَّا - كَانُوا أَصْدِقَاءَهُ - أَرْسَلُوا يَطْلُبُونَ إِلَيْهِ أَنْ لا يُسَلِّمَ نَفْسَهُ إِلَى ٱلْمَشْهَدِ. 32 وَكَانَ ٱلْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَٱلْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ، لأَنَّ ٱلْمَحْفَل كَانَ مُضْطَرِباً، وَأَكْثَرُهُمْ لا يَدْرُونَ لأَيِّ شَيْءٍ كَانُوا قَدِ ٱجْتَمَعُوا! 33 فَٱجْتَذَبُوا إِسْكَنْدَرَ مِنَ ٱلْجَمْعِ، وَكَانَ ٱلْيَهُودُ يَدْفَعُونَهُ. فَأَشَارَ إِسْكَنْدَرُ بِيَدِهِ يُرِيدُ أَنْ يَحْتَجَّ ِللشَّعْبِ. 34 فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ يَهُودِيٌّ، صَارَ صَوْتٌ وَاحِدٌ مِنَ ٱلْجَمِيعِ صَارِخِينَ نَحْوَ مُدَّةِ سَاعَتَيْنِ: «عَظِيمَةٌ هِيَ أَرْطَامِيسُ ٱلأَفَسُسِيِّينَ!».

عزم بولس على الذهاب إلى أورشليم، ولكنه تباطأ وبقي في آسيا. وقد شاء الرب أن يلقنه درساً صعباً في الكفاح مع الأرواح وامتحان إيمانه.

كان في افسس هيكل مشهور للآلهة أرطاميس. وقد انتصب بمئة وستين عموداً مرمرياً على علو تسعة عشر متراً. وتمثال الآلهة كان مصنوعاً من خشب أسود متين. وكان بولس خلال السنتين اللتين أقام بهما في أفسس، قد علم أهلها إن كل الآلهة أباطيل، وأن لهياكل فارغة وبدون معنى. فامتنع المؤمنون بالمسيح عن الاشتراك بالطقوس الأرطاميسية، وهزوا رؤوسهم إشفاقاً بالذين اتكلوا على أصنام مصنوعة من حجر وخشب مذهب.

وهذا الابتعاد عن الاعتقاد بالآلهة المتحجرة، سرعان ما لاحظه بياعو التحف والأيقونات والصاغة الذين كانوا يصنعون هياكل من فضة مصغرة من هيكل أرطاميس العظيم، ويبيعونها للحجاج بربح كبير. وفي وادي النيل وبلاد الهند اكتشفوا في هذه الأيام بضاً من هذه النماذج الأرطاميسية الفضية، التي كان يشتريها السواح لحماية أنفسهم، ويأخذونها معهم إلى بلادهم. ولكن منذ أعلن بولس أن المسيح هو رب الأرباب، اضمحلت أرزاق هؤلاء الصياغ، لأن كل متجدد يعرف أن الكتابة والخرز وكل ما يستعمله الناس للحماية والحفظ ليس إلا غروراً وكذباً وخداعاً بلا قوة.

عندئذ جمع أحد الصاغة وهو موظف في الهيكل أيضاً، واسمه ديمتريوس كل شركائه ووضح لهم خطر الحالة، وأن الجوع متربص بهم، لأن بولس جذب في بلدهم وسائر البلاد الآسيوية الناس من التقاليد وإيمان الآباء، قائلاً أن كل الأصنام والصور ليست إلا هبء باطلاً.

وفهم ديمتريوس زعيم الصياغ، أنه ليست فقط النماذج المصغرة للهيكل باطلة عند بولس، بل أيضاً الهيكل برمته، مما يؤرث الخطر على المدينة كلها، لأن زعامتها الدينية تضمحل واقتصادها يخرب. فاعتبر بولس أنه العدو الأكبر لمدينة أفسس العاصمة.

فجن الصناع العاملون في الصياغة، وانطلقوا راكضين متظاهرين علناً صارخين بتأييد عقيدتهم «عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين». ولما وجد الهائجون زميلي بولس خطفوهما. ولكن لم يصبهما ضرر، لأن يد الرب حمتهما وسط الهيجان. لم يكن بولس جباناً وأراد أييد زميليه، فقام للمبادرة إليهما. ولكن التلاميذ المجتمعين للصلاة أخذوه ومنعوه. عالمين ألا معنى للقول والشهادة أمام جمهور أسكرته التخيلات وتملكه الغرور، فراح يتدفق كنهر كبير مخيف وسط الشوارع. ففي مثل هذه التيارات الصاخبة يفقد الفرد شخصيه وتفكيره لمدة، ويلتحم الجميع في روح واحد، يدفعهم بلا روية. فقد صاروا نفساً واحدة، ليس للخير بل للخراب، وحدة شريرة حسب الروح الذي حل فيهم.

ولعل بولس الجريء كان رغم ضغط أتباعه عليه مزمعاً أن يدخل إلى المدرج، حيث يجتمع الشعب في الملمات والأفراح عادة. وكان هذا المكان يسع خمسة وعشرين ألف شخص. وقد أرسل فجأة المسؤولون عن الهياكل في العاصمة وسائر آسيا الصغرى خبر لبولس، مفاد أن حضوره إلى المدرج الممتلئ بالناس الساخطين عليه لا ينفع البتة بل يضر، وألحوا على بولس أن يبقى بعيداً عنهم. أما الشعب في ذلك المدرج فكان يصرخ. وديمتريوس مسبب هذا الهيجان اختفى، لأن المظاهرة لم تتم بإذن من البلدية. وكان كل هيجان شعبي مموعاً من حكام الرومان ونظام البلدة. فخاف ديمتريوس من القصاص. والجمهور المجنون هاج بلا قائد في المدرج الواسع.

عندئذ ابتدأ اليهود المبغضون لبولس، أن يدفعوا يهودياً آخر إلى الأمام. وكان على الأغلب مسيحياً، ليدافع عن بولس والكنيسة. فقبض الجمهور على هذا الشاب اسكندر كذبيحة مقبولة، ورفعوه إلى المنبر في وسطهم. لقد حاول التكلم لأجل الكنيسة، لكن رعان ما أدرك الجمهور، أن المتلكم ليس بولس بالذات، بل يهودي آخر. فانفجروا وصبوا حقدهم على اليهود في شخص اسكندر هذا، وزمجروا مدة ساعتين كاملتين بعقيدة إيمانهم صارخين: عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين.

واليوم لا يعرف أحد هذه الآلهة أرطاميس. فكان الحق مع ديمتريوس الصائغ، الذي قال أن شهرتها ستزول بسبب انتشار الإنجيل. ولكن آنذاك في ذلك الموقف كان عشرات الألوف مستعدين في سبيلها، أن يمزقوا اسكندر قطعاً وإرباً. فصلّت الكنيسة وبولس لأج هذا المتضايق ورفيقاه الاثنين. وبسط الرب يده فوق شهوده، حتى لم تطلهم أيدي الحاقدين، ولم يصيبوا شعرة من رؤوسهم. إلا أن الهواء ارتج من صراخ الجماهير المتصرفة كوحوش ملتحمة بروح شرير.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأن جيش ملكوتك أقوى من جنود الشيطان، ولم يسقط أحد من أولادك وسط الجماهير الهائجة في أفسس. علمنا الاتكال عليك، لكيلا نخاف من إنسان أو روح، لأنك اشتريتنا لله خاصة بدمك الثمين.

19: 35 ثُمَّ سَكَّنَ ٱلْكَاتِبُ ٱلْجَمْعَ وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلأَفَسُسِيُّونَ، مَنْ هُوَ ٱلإِنْسَانُ ٱلَّذِي لا يَعْلَمُ أَنَّ مَدِينَةَ ٱلأَفَسُسِيِّينَ مُتَعَبِّدَةٌ لأَرْطَامِيسَ ٱلإِلٰهَةِ ٱلْعَظِمَةِ وَٱلتِّمْثَالِ ٱلَّذِي هَبَطَ مِنْ زَفْسَ؟ 36 فَإِذْ كَانَتْ هٰذِهِ ٱلأَشْيَاءُ لا تُقَاوَمُ، يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا هَادِئِينَ وَلا تَفْعَلُوا شَيْئاً ٱقْتِحَاماً. 37 لأَنَّكُمْ أَتَيْتُمْ بِهٰذَيْنِ ٱلرَّجُليْنِ، وَهُمَا لَيْسَا سَارِقَيْ هَيَاكِلَ، وَلا مُجَدِّفَيْنِ عَلَى إِلَهَتِكُمْ. 38 فَإِنْ كَانَ دِيمِتْرِيُوسُ وَٱلصُّنَّاعُ ٱلَّذِينَ مَعَهُ لَهُمْ دَعْوَى عَلَى أَحَدٍ، فَإِنَّهُ تُقَامُ أَيَّامٌ لِلْقَضَاءِ، وَيُوجَدُ وُلاةٌ، فَلْيُرَافِعُوا بَعْضُهُمْ بَعْضاً. 39 وَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَ شَيْئاً مِنْ جِهَةِ أُمُورٍ أُخَرَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى فِي مَحْفِلٍ شَرْعِيٍّ. 40 لأَنَّنَا فِي خَطَرٍ أَنْ نُحَاكَمَ مِنْ أَجْلِ فِتْنَةِ هٰذَا ٱلْيَومِ. وَلَيْسَ عِلَّةٌ يُمْكِنُنَا مِنْ أَجْلِهَا أَنْ نُقَدِّمَ حِسَاباً عَنْ هٰذَا ٱلتَّجَمُّعِ». 41 وَلَمَّا قَالَ هٰذَا صَرَفَ ٱلْمَحْفَلَ.

كان رجل حكيم بجلس في المدرج بين الهائجين، هادئ الأعصاب ومتفهماً شعبه. وهو رئيس البلدية. ولقبوه بالكاتب. فلم يحاول تكليم الصارخين، بل تركهم للزمجرة والعجيج ساعتين، مفتكراً أنهم حالما يتعبون يقرعهم تقريعاً. ولما رأى أن الأكثرية قد تعبت في الجو الحار، قام وابتدأ التكلم، فصمت الجمهور صمتاً كاملاً. وأبرز المسؤول أولاً شهرة الأفسسيين. وشهد أن الصنم الخشبي الأسود لأرطاميس الآلهة قد هبط من السماء. ولا ضرورة للمجادلة مطلقاً. كل العالم يعرفه. ولا أحد ينكر هذا الاعتقاد. فالهدوء واجب ضروري، لكيلا يقع أي عمل متسرع. وهو مستعد للبث بكل التفاصيل.

وبعدئذ بيّن أن رفيقي بولس والشاب اسكندر، لم يسرقوا شيئاً، ولم يجدفوا على الهياكل، كما اتضح من التحقيق، الذي أجراه أثناء صراخهم مدة الساعتين. فهؤلاء الثلاثة أبرياء. والجمهور هو الملام، لأنهم خطفوهم بلا حق.

وبما أن ديمتريوس زعيم الصاغة لم يقدم شكوى رسمية، والغالب أنه لم يحضر فيما بعد إلى المحفل، خوفاً من اتهامه بالثورة، فقد طلب الكاتب من جماعة الصياغين أن يتقدموا إليه بشكوى رسمية، إن كان لهم أية أدلة اتهامية ضد شخص معين. فتسير القضيةبطريقها القانوني.

واستمر يهدئ الشعب أكثر فأكثر، إذ لم يمنعهم من تبلور رأيهم العام واتخاذهم قراراً جماعياً، بل طلب منهم تقديم طلباتهم في اجتماع رسمي يحضره كل الأهالي الذين لهم حق التصويت. وهذه الأدلة من لوقا تعطينا بصيرة عميقة لكيفية تنظيم المدن في لحضارة اليونانية أثناء الاستعمار الروماني.

وفي النهاية هدد رئيس البلدية الجماهير المصغية إلى كلامه، ودلهم على خطر غضب الرومان، الذين سحبوا من كل مدينة غير مستحقة امتيازات، كما أنهم منحوا لكل جماعة منظمة امتيازات جديدة. فليس أحد من أهل أفسس أراد أن يكون سبباً لفقدان لطف المعاملة الرومانية، بل بالعكس فالكل سعوا نحو هذه الغاية وازديادها. فهدأت رؤوس المجانين خلال خطاب الكاتب الحكيم، وعاد الجميع إلى بيوتهم ككلاب مقعية.

5 - السفرة الأخيرة إلى مكدونية واليونان (20: 1 - 2)

اَلأَصْحَاحُ ٱلْعِشْرُونَ : 1 وَبَعْدَمَا ٱنْتَهَى ٱلشَّغَبُ، دَعَا بُولُسُ ٱلتَّلامِيذَ وَوَدَّعَهُمْ، وَخَرَجَ لِيَذْهَبَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ. 2 وَلَمَّا كَانَ قَدِ ٱجْتَازَ فِي تِلْكَ ٱلنَّوَاحِي وَوَعظَهُمْ بِكَلامٍ كَثِيرٍ، جَاءَ إِلَى هَلاَّسَ، 3 فَصَرَفَ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ.

أدرك بولس في الشغب الأفسسي من جديد أن الكنيسة المنتشرة ليست مؤمنة من الخطر والاضطهاد بل بالعكس، فبمقدار ازدياد البركة تزداد هجومات إبليس أيضاً. فعلى المؤمنين في الكنائس الكبيرة أن يصلوا بانتباه «لا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشير». لقد صلى بولس وأتباعه الأمناء خلال مدة الهيجان، فهدأ الرب العاصفة وخلص المتضايقين، كما انتهر الزوبعة على بحيرة طبريا، فصار هدوء عظيم.

وبعد انفجار البغضة في أفسس للمؤمنين، أن بولس لا يقدر البقاء في المدينة والمنطقة، لأن حب الانتقام فار في صدور الغوغائيين. ولم يعد يستطيع الرسول التجول منفرداً في الطرق والأزقة. ولكن بولس الأبوي لم يهرب خوفاً من الخطر الجاثم في المدنة، بل طلب نخبة تلاميذ المسيح لاجتماع منظم، كان عكس الشغب الحاصل في المدرج. فعزى بولس الحزانى بحضور المسيح، الذي يضع روحه القدوس في كل أتباعه الأمناء.

هكذا ودع رسول الأمم أهل كنيسة أفسس بقلب أليم، وابتدأ بسفرته الطويلة، ماراً في مناطق فيلبي وتسالونيكي وبيرية. وهو نفسه يفسر اختباراته في هذه الرحلة برسالته الثانية إلى أهل كورنثوس الأصحاح 7: 5 بكلماته: لما أتينا إلى مكدونية، لم يكن جسدنا شيء من الراحة، بل كنا مكتئبين في كل شيء. من خارج خصومات من داخل مخاوف. لكن الله الذي يعزي المتضعين عزانا. فلم يسافر بولس لرحلة صيفية للاستجمام، بل دخل إلى الكفاح والحرب والجهد الجهيد ضد التعصب والكراهية والتجارب. لقد امتلأ بولس بكمة الله ووعظ بقوة الروح القدس، ليس من أجل التبشير فقط، بل لأجل التعليم والتنبيه لتقوية الكنائس. فكان بولس راعياً أميناً، طالباً الضالين، مضمداً الجراح مقاصصاً العنيدين.

ولما دخل بولس إلى مدينة كورنثوس سنة 56 تقريباً، خدم مدة ثلاثة أشهر الكنيسة المزعزعة من التجارب الفلسفية والحماسية. ولكنه وجد بجانب كل هذه المجهودات وقتاً كافياً، ليؤلف أطول رسائله للكنيسة في روما، التي لم يؤسسها هو شخصياً. وبهذه ارسالة إلى أهل روما، أبرز الرسول تعليمه بطريقة منظمة منطقية بعمق وقوة فائقة، الأمر الذي طلبه الفلاسفة منه في أثينا من قبل، ولكنه لم ينجز طلباتهم، لأنهم لم يكونوا ناضجين روحياً، ليدركوا هذه الأفكار المسيحية المبدئية. وهذه العظة بشكل رسالةإلى أهل رومية، لا تزال حتى اليوم أفضل عرض لمبادئ المسيحية بطريقة منظمة موجزة، حتى أن الروح القدس يبشر بكلمات بولس هذه العالم إلى يومنا هذا.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نشكرك، لأنك أنت المحافظ المنتصر. وتحفظ أحباءك في العواصف والضيق والهجومات والتجارب. اعطنا رعاة أمناء في كنائسنا، ومصلين جرآء، لنكرمك معاً بإيمان ثابت ومحبة فائقة ورجاء حي.

6 - المؤامرة لقتل بولس في كورنث وأسماء رفقائه في عودته إلى أورشليم (20: 3 - 5)

20: 3 ثُمَّ إِذْ حَصَلَتْ مَكِيدَةٌ مِنَ ٱلْيَهُودِ عَلَيْهِ - وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْعَدَ إِلَى سُورِيَّةَ - صَارَ رَأْيٌ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى طَرِيقِ مَكِدُونِيَّةَ. 4 فَرَافَقَهُ إِلَى أَسِيَّا سُوبَاتَرُسُ ٱلْبِيرِيُّ، وَمنْ أَهْلِ تَسَالُونِيكِي: أَرِسْتَرْخُسُ وَسَكُونْدُسُ وَغَايُسُ ٱلدَّرْبِيُّ وَتِيمُوثَاوُسُ. وَمِنْ أَهْلِ أَسِيَّا: تِيخِيكُسُ وَتُرُوفِيمُسُ. 5 هٰؤُلاءِ سَبَقُوا وَٱنْتَظَرُونَا فِي تَرُواسَ.

نظم بولس جمع التبرعات في كل الكنائس في مكدونية واليونان وآسيا والأناضول لأجل مساعدة الكنيسة في أورشليم المضطهدة. وتستطيع قراءة هذا الموضوع في 2 كو 8: 16-24. ولم يرد السفر إلى القدس منفرداً، بل في شركة أخوة مختارين، فيرافقه مندوبي عن كل كنيسة أسسها.

وحيث أن السفن كانت لا تبحر أثناء فصل الشتاء لسبب العواصف في حوض البحر المتوسط، فقد خطط بولس لسفرته مع زملائه في وقت الربيع مبحرين من كورنثوس إلى سورية.

وأما اليهود في كورنثوس، فقد عزموا بمرارة على قتل بولس، لأنه سبب لهم رفضاً وعاراً أمام الوالي الروماني، لما اشتكوه فردت شكواهم. وربما فكر بعض المصممين على قتله أن يقتله ليحوز ويختلس المبلغ الكبير من المال الذي جمعه بولس لأهل أورشلي. أما المسيح فحافظ على عبده، وحماه من هذه المؤامرة الرديئة. وعندما علم بولس بهذه المؤامرة، قرر رأساً ألا يبحر بالسفينة، لأنه ربما كان التخطيط أن يقضوا عليه فوق اليم، لكيلا يبقى منه أثر يدل على الجريمة. وهكذا اجتاز الطريق المتعب الطويل عئداً على قدميه إلى أفسس. وطول هذا الطريق مئات الكيلو مترات، ويستلزم لقطعه ساعات وأشهراً، اجتازها الفريق البولسي معاً ميمماً وجهه شطر أورشليم.

ونقرأ على الأقل أسماء ثمانية من مرافقي بولس. والتأمل في هؤلاء الرجال يعطينا بصيرة بأحوال الكنيسة في اليونان والأناضول، وفكرة عن نتيجة عمل بولس التبشيري. وإن كانت لديك خارطة عن اليونان وآسيا الصغرى، فاطلع عليها في قراءتك لهذا الدرس فتر المناطق الواسعة التي تأصل فيها الإنجيل والكنائس.

ونقرأ أولاً عن كنيسة بيرية، التي استودع فيها أحد الآباء المؤمنين ولده سوباترس المتجدد لبولس رفيقاً لسفرته، ليحمل باسم الإخوة تبرعاتهم إلى أورشليم، فإذاً رغم ترك بولس السريع لبيرية وتوجهه إلى أثينا، لم تنته بمغادرته تلك الكنيسة، بل نمت وأصبحت في المسيح أمينة ثابتة.

ومن المدينة التجارية تسالونيكي رافقه عنها أرسترخس وسكوندس. فالأول كان رفيقاً لرسول الأمم سابقاً في أفسس، وكان أحد الشابين اللذين خطفهما الجمهور إلى المدرج، وبقي محفوظاً في حماية المسيح. فلم يترك بولس رغم هذا الاختبار، بل أكمل الطرق معه، وعزاه لما احتجز في السجن الطويل المرير ورافقه أثناء سفرته إلى رومية رغم الأخطار الهائلة. كولوسي 4: 10 وفيلمون عدد 24.

وجاء معه من كنيسة فيلبي لوقا الطبيب نائباً عن المؤمنين في هذه المدينة، لأنه من الأصحاح 20: 6 فصاعداً نعود نقرأ أخبار أعمال الرسل في صيغة نحن. وهكذا ابتدأ الطبيب البشير سفرته الطويلة المهمة، التي جمع فيها التفاصيل لإنجيله الشهير، وقبل الأشخاص ليبني على شهاداتهم سفر أعمال الرسل.

وليس كنائس اليونان ومكدونية فقط هي التي أرسلت مندوبين وعطايا إلى الكنيسة الأورشليمية، بل أيضاً المؤمنين من الأناضول وآسيا اشتركوا في هذه السفرة. فنقرأ بجانب تيموثاوس الزميل الأمين لبولس ألا هو غايوس من دربة، علامة أن العلاقة بين هذه الكنائس في آسيا الصغرى والرسول لم تنته البتة طيلة السنين العديدة.

وأتى من أفسس الأخ تيخيكوس، الذي رافق بولس ايضاً في سجنه الطويل. وكان هو كاتباً مسلماً الرسائل إلى أهل أفسس وكولوسي وفيلمون. فبقي هذا الرجل رفيقاً للرسول عبر السنين من اليونان إلى أورشليم، والتقى به في رومية مرة أخرى خادماً وكاتباً له.

ونقرأ عن تروفيموس من أفسس، أنه أصبح في أورشليم سبب سجن الرسول، لأن اليهود المتعصبين زعموا أن بولس أخذ هذا الشاب الأممي الغير المختون وقاده إلى داخل الهيكل.

فعودة بولس إلى أورشليم أشبهت موكب انتصار المسيح، لأن الرسول أتى بغنيمة محبة الله الغنية، مرافقاً بأناس مؤمنين مندوبين عن الأمم. ولم يزوروا الكنيسة الأصلية بكلمات كثيرة فارغة، بل جمعوا تبرعات مالاً غزيراً وقصدوا وضعه في هيكل الروح القدس أي في شركة القديسين.

الصلاة: أيها الرب المسيح، نشكرك لأنك اخترت من كل البلدان أناساً يتبعونك في طريقك كحمل الله، ويضعون أجسادهم وأنفسهم ذبيحة مرضية لله. فنطلب إليك أن تقبلنا وأولادنا وأصدقاءنا وأقرباءنا وتقدسنا لخدمة أبدية مشتركة.

7 - عظة الليل والعشاء الرباني في ترواس (20: 6 - 12)

20: 6 وَأَمَّا نَحْنُ فَسَافَرْنَا فِي ٱلْبَحْرِ بَعْدَ أَيَّامِ ٱلْفَطِيرِ مِنْ فِيلِبِّي، وَوَافَيْنَاهُمْ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ إِلَى تَرُواسَ، حَيْثُ صَرَفْنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ.

7 وَفِي أَّوَلِ ٱلأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ ٱلتَّلامِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزاً، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي ٱلْغَدِ، وَأَطَالَ ٱلْكَلامَ إِلَى نِصْفِ ٱللَّيْلِ. 8 وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي ٱلْعِلِّيَّةِ ٱلَّتي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا. 9 وَكَانَ شَابٌّ ٱسْمُهُ أَفْتِيخُوسُ جَالِساً فِي ٱلطَّاقَةِ مُتَثَقِّلاً بِنَوْمٍ عَمِيقٍ. وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَاباً طَوِيلاً، غَلَبَ عَلَيْهِ ٱلنَّوْمُ فَسَقَطَ مِنَ ٱلطَّبَقَة ٱلثَّالِثَةِ إِلَى أَسْفَلُ، وَحُمِلَ مَيِّتاً. 10 فَنَزَلَ بُولُسُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ وَٱعْتَنَقَهُ قَائِلاً: «لا تَضْطَرِبُوا لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ». 11 ثُمَّ صَعِدَ وَكَسَّرَ خُبْزاً وَأَكَلَ وَتَكَلَّمَ كَثِيراً إِلَ ٱلْفَجْرِ. وَهٰكَذَا خَرَجَ. 12 وَأَتُوا بِٱلْفَتَى حَيّاً، وَتَعَّزُوا تَعْزِيَةً لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ.

إن مدينة ترواس المهد لأناشيد هوميروس وأساطير اليونان الكثيرة قد صارت من قبل نقطة الانطلاق لتبشير أوروبا ببولس وزملائه. وبعد الشغب الذي حصل ضد الرسول في أفسس أتى إلى ترواس وأسس هناك باسم المسيح كنيسة حية (2 كورنثوس 2: 12). وفي عودته إلى أورشليم زار للمرة الأخيرة هذه المدينة. وصرح لوقا أنهم احتاجوا للسفر من كفلا ميناء فيلبي لترواس إلى خمسة أيام بلياليها، بينما احتاجوا ليومين فقط في عبورهم الأول من آسيا إلى أوروبا. وهذا يدلنا على أنه في الفترة الأخيرة من سفرة بولس أصبح كل شيء أصعب وأعند وأكثر مضادة. ولكنهم تحملوا كل شيء بصبر ورجاء وقوة نامية.

ونسمع عن الاجتماع في ترواس لأول مرة في سفر أعمال الرسل، أن المؤمنين من الأمم لم يجتمعوا يوم السبت في عيد اليهود، بل في أول يوم من الأسبوع، وكسروا في الشركة الخبز كعشاء رباني وفكروا بموت ربهم إلى أن يجيء. فقيامة المسيح وحضوره في سرالعشاء وقوته في الروح القدس كانت للمسيحيين الأولين الأسس لحياتهم الإيمانية. فأفكارهم دارت حول الرب الحي، الذي يستمع لصلواتهم ويبررهم ويقدسهم، ويشفع فيهم عند الله ويكملهم، ليستحقوا استقباله عند مجيئه الثاني مزينين بأعمال صادرة من الروح اقدس.

وأطال بولس عظته. ولم يكل مستمعوه بعد عشرين دقيقة. ولم يقل أحد بعد ساعة. يكفي لنرجع إلى بيوتنا. إنما نار الروح القدس تسربت من الرسول إلى القلوب وأنارتها وأنعشتها وقوتها. فالمصابيح الكثيرة في العلية كانت رمزاً للأذهان العديدة التي أنارها الإنجيل. فأصبح نور عظيم من مجموعة هذه الأنوار المضيئة في الظلمة.

وكان دخان كثير من المصابيح ساعد في استرخاء الحضور ونعسهم قليلاً. وأحد الشبان واسمه أفتيخوس جلس على رفرف الشباك، ليشم هواء نقياً. ولعله تعب أثناء النهار، فكان منهوكاً. وأراد سماع عظة بولس، ولكن أجفان عينيه انطبقت أكثر فأكثر، فنام وأسه يهز، وما لبث أن مال إلى جانب، فسقط إلى الحضيض سقوطاً عظيماً من ارتفاع ثلاث طبقات.

وهذا يذكرنا بما قاله يسوع: اسهروا وصلوا لكيلا تدخلوا في تجربة. أما الروح فنشيط. وأما الجسد فضعيف. ونعترف أن الوعي والانتباه أثناء العظة ومطالعة الكتاب المقدس عمل ثقيل. وكثير من الكنائس تميل إلى النوم بسبب العظات الكثيرة الطويلة، وسقط رغم الإنجيل الكامل إلى الموت الروحي في الخطايا والتخيلات والسطحية.

فتجمد أعضاء كنيسة ترواس فزعين عند سقوط الشاب. أما بولس فهرول سريعاً نازلاً إلى أسفل على الدرج. فالشاب كان ميتاً حقاً، وقلبه كف عن الخفقان. وقد أراد الشيطان أن يستهزئ على العظة عن المقام من بين الأموات بواسطة موت أحد مستمعيه. فاستا بولس لفوز الشيطان. والروح القدس صور أمام عينيه معاملة النبي إيليا في الصرفند، حيث وضع رجل الله نفسه ثلاث مرات على ابن الأرملة الميت فأعاده بصلاة الإيمان إلى الحياة (الملوك الأول 17: 17-24) فارتمى بولس أمام كل الحضور على الميت، ليس ثلاث رات كإيليا، بل مرة واحدة باسم يسوع وعانقه فتنفس. لقد استخدم بطرس في يافا لإقامة ميت. وحقق في هذين الزعيمين من الرسل ما أمر به تلاميذه في إنجيل متى 10: 7 قائلاً: وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين قد اقترب ملكوت السموات. اشفوا مرضى. طهروا براً. أقيموا موتى. أخرجوا شياطين. مجاناً أخذتم مجاناً أعطوا.

وإقامة الميت في ترواس حصلت بسرعة حتى أن الجمع النازل من العلية ما كاد يصل إلى الجنينة إلا وأبصر الميت حياً. وأتى بولس إليهم وقال: لا تخافوا ارجعوا واصعدوا مرة أخرى إلى العلية، لنكمل العظة، الشاب حي حقاً. والرسول لم يتفاخر بهذه الأجوبة. ولوقا الطبيب الحاضر، لم يذكر إلا قليلاً عن هذا العمل المثير. ولكن في نهاية الاجتماع أتى أقرباء الشاب به إلى بولس ليشكر الرسول لخلاصه. أما بولس فدفع كل مجد عن نفسه إلى يسوع، وعظمه وحده، لأنه هو القادر على إقامة الأموات، وغفران الخطيا، وإخراج الشياطين.

وانتصار المسيح هذا الشامل الدنيا والآخرة، كان مضمون عظة بولس التي مطمطها إلى الصبح. ولم يتكلم فقط، بل كسر أيضاً مع الحضور الخبز المقدس، وشرب معهم من كأس الخلاص، لكي يصبحوا معاً خبزاً واحداً وأعضاء في جسد المسيح متحدة. ويشتركوا في وة حياته، ويتقدسوا بدمه الثمين. فحلول المسيح في قلوب المؤمنين وتوحيد أتباعه في جسده الروحي، هو السر العظيم في كنيسة المسيح عبر القرون.

أيها الأخ، أأنت نعسان تعبان أو شبعان؟ أو تريد السماع أكثر من كلمة المسيح وتنتعش من بشرى الخلاص؟ لأن المخلص حرر العبيد من الخطية والموت ليرافقوه في موكب انتصاره.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأنك أقمت أمواتاً بواسطة رسلك الكرام. نشتاق إليك ونتمنى مجيئك، لكي تقيمنا أيضاً بكلمتك القوية، لأنك جعلتنا واحداً في جسدك الروحي، وتتمركز في قلوبنا بواسطة روحك القدوس. نشكرك من صمم قلوبنا طالبين بركاتك لكنائس كل العالم.

8 - من ترواس إلى ميلينوس (20: 13 - 16)

20: 13 وَأَمَّا نَحْنُ فَسَبَقْنَا إِلَى ٱلسَّفِينَةِ وَأَقْلَعْنَا إِلَى أَسُّوسَ، مُزْمِعِينَ أَنْ نَأْخُذَ بُولُسَ مِنْ هُنَاكَ، لأَنَّهُ كَانَ قَدْ رَتَّبَ هٰكَذَا مُزْمِعاً أَنْ يَمْشِيَ. 14 فَلَمَّا وَافَانَا إِلى أَسُّوسَ أَخَذْنَاهُ وَأَتَيْنَا إِلَى مِيتِيلِينِي. 15 ثُمَّ سَافَرْنَا مِنْ هُنَاكَ فِي ٱلْبَحْرِ وَأَقْبَلْنَا فِي ٱلْغَدِ إِلَى مُقَابِلِ خِيُوسَ. وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلآخَرِ وَصَلْنَا إِلَى سَامُوسَ، وَأَقَمْنَا فِي تُرُوجيلِيُّونَ، ثُمَّ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلتَّالِي جِئْنَا إِلَى مِيلِيتُسَ، 16 لأَنَّ بُولُسَ عَزَمَ أَنْ يَتَجَاوَزَ أَفَسُسَ فِي ٱلْبَحْرِ لِئَلاَّ يَعْرِضَ لَهُ أَنْ يَصْرِفَ وَقْتاً فِي أَسِيَّا، لأَنَّهُ كَانَ يُسْرِعُ حَتَّى إِذا أَمْكَنَهُ يَكُونُ فِي أُورُشَلِيمَ فِي يَوْمِ ٱلْخَمْسِينَ.

لم ينم بولس ومندوبو الكنائس المختلفة في تلك الليلة العجيبة، بل أقلعوا صباحاً في سفرتهم إلى أورشليم. إلا أن بولس انفصل عن زملائه، الذين سافروا بحراً حول شبه الجزيرة، بينما مشى هو مسافة الخمسة والعشرين كيلو متراً على قدميه إلى ميناءأسوس. وقد أراد بولس الاعتزال والمسير منفرداً، ليجد وقتاً كافياً للصلاة والشكر والحمد والتعظيم، لأن يسوع قد عمل شيئاً عجيباً في هذه الليلة. وإليه أراد بولس أن يقدم كل مجد. فانفصل عن إخوته لكيلا يشخصوا فيه كرجل غريب ولا يداهنوه، بل يفكروامعاً ويدركوا ماذا عمل الرب يسوع بإقامة الشاب في ترواس. فإن هذه الإقامة هي الدليل على قوة الله العاملة، والرمز لإقامة كثيرين من الخطايا في كل مكان حين يكرز بملء الإنجيل الصافي. وقد مشى بولس على قدميه مسافات طويلة. فكان له وقت أكثر مما نجد لنا، نحن الذين نسافر بالسيارات بسرعة بين البلاد والمتكلمين أكثر مما نبتهل. فصلى الرسول في انعزاله واشترك بالأبدية ورحاب المسيح.

هل أخذت خارطة ونظرت إلى تركيا؟ فتش على أسماء الجزائر الكبيرة ميتيليني وخيوسا وساموس الواقعة بين تركيا واليونان. فتجد خطوط سفرة موكب انتصار المسيح.

وفي هذه المرة لم ينطلق المسافرون إلى الكفاح الروحي كجنود، بل شابهوا سفينة تفيض بغنمية أو شحناً ملآناً ببركات الصحاد. لقد أتى بولس برزمة محترمة من كل كنيسة. والمال المتبرع به الذي معهم، كان رمزاً أن ذبيحة المسيح ربت الكنائس الحديثةإلى فكر التضحية. وهذا كان بعد خمسة وعشرين عاماً من موته على الصليب. فالجميع ما قدموا لربهم فضة وذهباً كمساعدة المحتاجين فقط، بل قدموا أنفسهم ذبيحة حية، وضحوا بأوقاتهم وقوتهم رغم الخطر والمتاعب. فهل صرت أنت ذبيحة كاملة للمسيح أو لا زلت أنانياً بخيلاً؟

وأراد بولس الوصول إلى أورشليم في عيد الخمسين، لأن هذا العيد اليهودي القديم كان عيد الشكر في نهاية الحصاد. وهو بنفس الوقت عيد بداية الكنيسة المسيحية. فقد أتى بولس بحصاد كثير لم يلبث أن تحول إلى نقطة انطلاق تبشير العالم. فليس أحد أتى برزم عديدة مثله. فبعد مضي ربع قرن فقط من حلول الروح القدس على التلاميذ المصلين أسست في كل المراكز والعواصم بين أورشليم وروما كنائس ممتلئة من هذا الروح المبارك. هذه هي العجيبة الكبرى في الفترة الأولى من تاريخ الكنيسة. وهذه العواصم تشبه لقلوب التي تطرد دم الحياة إلى أطراف الجسد. هكذا يتسرب الإنجيل إلى كل المناطق. وهذا كله تم بدون ضربة واحدة بالسيف، وبدون مؤسسة مركزية، وبدون تمويل مادي، وبدون عون دولي. فأشرق اسم يسوع مخلصاً على كل الشعوب. علماً أن الإنجيل لم يكون مكتوبا آنذاك في اللغة اليونانية، وأن رسالة الخلاص توقفا على شهادة شفهية من الشهود أو على رسائل الرسل فقط. فالأناجيل كتبت بعدئذ لتقوية الكنائس الحديثة، التي أرادت معرفة سيرة يسوع وتاريخ أعماله. فلم يكن الإنجيل الكتاب الأول في بداية الكنيسة، بلرسائل الرسل المرافقة بسلوك حياتهم برهاناً لقوة الخلاص.

وحتى اليوم فإننا نعيش من القوة الإلهية النابعة من رسل المسيح، لأن رسائلهم ليست إلا عظات وتحذيرات وتوبيخات وتعزيات لكنائسهم. فهل تريد إدراك الحياة الروحية في الكنائس الأولى؟ فادرس رسائل الرسل، فتشترك في أنهر الروح القدس الذي لا يزال يعمل في العالم حتى اليوم، ويصفي المؤمنين ويثبت المطيعين في المسيح.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نشكرك لأنك أقمت نخبة من الأموات في الذنوب والخطايا. وربطتنا بكلماتهم رمزاً لنعمتك. ساعدنا لنقدم أنفسنا وأجسادنا ذبيحة مرضية أبدية، ليس بكلمات وشعور فقط، بل بعمل ووقت ومال وتعب وحق.

9 - العظة الوداعية أمام الأساقفة والشيوخ (20: 17 - 38)

20: 17 وَمِنْ مِيلِيتُسَ أَرْسَلَ إِلَى أَفَسُسَ وَٱسْتَدْعَى قُسُوسَ ٱلْكَنِيسَةِ. 18 فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ قَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مِنْ أَّوَلِ يَوْمٍ دَخَلْتُ أَسِيَّا، كَيْفَ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ الّزَمَانِ، 19 أَخْدِمُ ٱلرَّبَّ بِكُلِّ تَوَاضُعٍ وَدُمُوعٍ كَثِيرَةٍ، وَبِتَجَارِبَ أَصَابَتْنِي بِمَكَايِدِ ٱلْيَهُودِ. 20 كَيْفَ لَمْ أُؤَخِّرْ شَيْئاً مِنَ ٱلْفَوَائِدِ إِلاَّ وَأَخْبَرْتُكُمْ وَعَلَّمْتُكُمْ بِهِ جَهراً وَفِي كُلِّ بَيْتٍ، 21 شَاهِداً لِلْيَهُودِ وَٱلْيُونَانِيِّينَ بِٱلتَّوْبَةِ إِلَى ٱللّٰهِ وَٱلإِيمَانِ ٱلَّذِي بِرَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. 22 وَٱلآنَ هَا أَنَا أَذْهَبُ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّداً بِٱلرّوحِ، لا أَعْلَمُ مَاذَا يُصَادِفُنِي هُنَاكَ. 23 غَيْرَ أَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ يَشْهَدُ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ قَائِلاً: إِنَّ وُثُقاً وَشَدَائِدَ تَنْتَظِرُنِي. 24 وَلٰكِنَّنِي لَسْتُ أَحْتَسِبُ لِشَيْءٍ، وَلا نَفْسِي ثَِينَةٌ عِنْدِي، حَتَّى أُتَمِّمَ بِفَرَحٍ سَعْيِي وَٱلْخِدْمَةَ ٱلَّتِي أَخَذْتُهَا مِنَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لأَشْهَدَ بِبِشَارَةِ نِعْمَةِ ٱللّٰهِ».

توقفت سفينة بولس في ميناء ميليتوس. فطلب الرسول إلى شيوخ الكنيسة والمسؤولين في افسس ومحافظتها آسيا، أن يوافوا إليه، رغم أن المسافة ستين كيلو متراً بين بلدهم والميناء ميليتوس. لأن زياراته إلى أفسس لم يرها حكيمة بعدما شاغب ضده الشعب ناك علانية. والإخوة الأمناء أسرعوا إليه، ليروا أباهم الروحي في المسيح، ويستمعوا إليه وينالوا منه البركة والقوة الإلهية لخدمتم في الروح القدس.

وقد حدثنا لوقا بهذه المناسبة عن العظة الفريدة في أعمال الرسل التي ألقاها بولس على زملائه في الخدمة وعلى المسؤولين في الكنائس. فكل مؤمن خادم للمسيح، خير له أن يتعمق بكل كلمة في هذا الخطاب، لأنه يتضمن الإرشاد لخدمة مثمرة في التبشير الكنيسة. وأظهر بولس لنا فيها ثلاثة أشياء.

  1. كيفية خدمته

  2. مضمون كرازته

  3. إيضاح الروح القدس للمستقبل

لقد كان بولس سفير المسيح لكل الأمم، لكنه أتى خادماً متواضعاً بسيطاً، كما أن المسيح كان وديعاً ومتواضع القلب. وكل من لا يأتي بهذا المبدأ إلى الكنيسة، ولا يقوم بهذه الفضائل في خدماته ووظائفه، فإنه يهدم ولا يبني.

مع العلم أن خدمة خدام الرب ليست وجهتها الكنيسة أولاً، بل الرب بالذات. أمامه هم مسؤولون، وإياه يحبون، ويريدون أن يقدموا له الكنيسة كعروس مقدسة. وهذه الخدمة ليست لذيذة كلحس العسل، بل تعني تحرير الأسرى من قيود الخطايا، وتطهير الساقطي في الوحل الأثيم واحتمال العنيدين الثائرين وهداية الأطفال الروحانيين بصبر فائق، وتبريك الأعداء الذين يضطهدونهم. والشيطان يقصد أولاً خدام الرب ليسقطهم من علو المحبة إلى وحل الزنا والبغضة والكراهية بواسطة التجارب والحيل والعنف. فلذلك يشهد بولس لخدام الرب. أن دموعاً كثيرة وزعلاً وحزناً هو شعار الخدمة، وليس ثماراً وفرحاً وتمتعاً واستراحة. فمن يرد خدمة الرب يجب أن يستعد للضيقات والرفض والخصام وليس لزيادة المعاش أو الشرف أو الخيالات الروحية.

ومثل بولس في شخصيته التعليم المسيحي أمام الكنيسة. فعاش ما قال وسلك حسب تبشيره. فقدوته كانت خلاصة بشارته وأعماله مهمة ككلماته. مما يدلنا على أن سلوكنا في محيطنا هو شهادة واضحة عن فداء المسيح ومحبته وقدرته. فكل ما لم يكن متجسداً فيكفلن يفهمه مستمعوك من كلامك. فسلوكك هو الأساس لتبشيرك.

واتبع بولس في عرض معاني بشارته ثلاثة أساليب. وهي التبشير والتعليم والشهادة. فوجد لكل إنسان الكلمة المناسبة، حسب قدرته على الإدراك. فلم يعط للأطفال في الروح طعاماً مكثفاً بل حليباً ولبناً، ليستطيعوا فهم بشارته وهضمها. ولكن الغاية اأخيرة في شهادته، هي نمو المؤمنين في المسيح، وأن يفهموا مع الوقت كل معاني كلمة الله، ولا ينقصهم فيتاميناً واحداً لإنشاء الحياة الروحية فيهم. فلم يخبئ بولس شيئاً من ملء المسيح، بل أعلن للكنيسة خطة خلاص الله الشاملة. مبتدئاً بالوعود والنعموالإمكانيات الروحية. وأرشد المؤمنين إلى البركات والقوى والتعزية. وحرضهم على الرجاء والاستعداد لمجيء المسيح، والمجد المقبل على منكسري القلوب.

ولم يكتف بولس بعظاته أثناء اجتماعات الكنيسة، بل زار العائلات في بيوتهم. وتكلم مع الأفراد في مهنهم أو الشوارع، وأقنعهم ليتخلصوا من غضب الله ويثبتوا في نعمة المسيح.

والموضوع الأول في عظة بولس كان التوبة والرجوع إلى الله وتغيير الذهن، لكيلا يحب طلاب الله فيما بعد أموالهم وأنفسهم، بل يتعمقوا في القدوس ويدرسوا إرادته، ويدركوا خطاياهم ويعترفوا بعيوبهم ويخجلوا لأجل فضائحهم. فلا يكون الإيمان حقيقيا بدون توبة عميقة، ولا تحقيق غفران بدون معرفة الخطايا. فهل ارتجفت من نفسك، واشمأززت من ماضيك؟ هل تخاف الله؟ وهل تنكر نفسك، وتعترف بذنوبك أمام القدوس، وتعيش باستمرار في توبة وانكسار؟

والهدف الأول لمعرفتنا بالله هو انكسار أنانيتنا المنتفخة. وأما الهدف الثاني فهو التجاؤنا إلى المسيح، لأنه لا رجاء للعالم لا حاضراً ولا مستقبلاً إلا في المسيح يسوع. وهذا الاتحاد بالمسيح هو إيماننا، الذي يبتدئ بسماعنا عن شخصيته واهتممنا به واقترابنا منه وثقتنا فيه وتسليمنا إليه وثباتنا بشخصه وترقبنا لمجيئه. عندئذ ندرك أننا قبل أن نطلبه فكر هو فينا، وصالحنا مع الله، وانتظر رجوعنا، وجذبنا إليه في محبته، وقبلنا نحن الضالين. فطهرنا وقدسنا، وملأنا بروحه القدوس. وأدخلنا ي شركة القديسين، ودعانا إلى خدمة الله. فنجد في إيماننا بالمسيح حركة مزدوجة، ذهابنا إليه، ومجيئه إلينا. فهل التقيت بالمسيح شخصياً، وثبت في العهد الجديد؟ إنه مستعد لخلاصك، فهل أنت مؤمن به؟

وسمى بولس نفسه مقيداً بالروح القدس، لأنه استغنى عن حرية حياته الدنيوية، وعاش في المسيح ولأجله. فلم يذهب في طرق خاصة، بل أصغى دائماً إلى إرشاد الروح القدس. وهذا المرشد الإلهي الذي أرسله إلى أورشليم قال له مسبقاً أنه سينتظره هناك ضي أليم في نهاية سيرته الرسولية. كما أن ربه تألم بنهاية حياته في أورشليم. فليست المكافأة والاحترام كانتا نتيجة لتعبه وثمره، بل ضربات وسجن واحتقار.

ولم يهرب بولس من الكارثة المقبلة عليه، بل تقدم إليها واعياً. ولم يعتبر نفسه

شيئاً ولم يكتب سيرة حياته ولم يجمع اختباراته، بل اعتبر ذاته باطلاً واتكل على عمل الرب الحي كاملاً. ليت الرب يمنحنا هذا الموقف في حياتنا، لنعتبر أنفسنا أباطيل، فيصبح هو الكل فينا.

وإلى جانب هذا الإنكار الذاتي قصد بولس كذلك شيئين آخرين وهما: أولاً: أن يبقى في التجارب المقبلة عليه أميناً لربه، ولا يقع في ذنوب وبغضة، بل يحب أعداءه ويغفر تعديهم عليه، ويكمل سيرته بالقداسة والنعمة. ثانياً: لم يكتف بإكمال الأمانة ي سيرته الخاصة، بل أراد إكمال خدمته المقدسة أيضاً لأنه لم يعش لذاته، وإنما لربه وكنيسته. فلم يطلب بولس هذه الخدمة لنفسه. ولم يقدر على تنفيذها، بل المسيح اختاره ومنحه القدرة للقيام بواجباته.

فماذا كانت خلاصة حياته في الخدمة؟ ما هي إلا الشهادة بالنعمة! فالله القدوس لم يغضب علينا منذ بررنا المسيح بل أظهر نفسه أباً لنا، مانحاً الروح القدس مجاناً لكل الذين يحبون يسوع، جاعلاً من الخطاة الفاسدين أولاداً له في القداسة. أليس ذه نعمة، نعمة حقة؟

الصلاة: أيها الآب السماوي، نسجد لك بفرح وشكر وحمد. لأنك لم تهلكنا لأجل خطايانا العديدة، بل رحمتنا بيسوع المسيح. وجعلتنا أولاداً لك بالنعمة. فساعدنا لنسلك كما يحق للنعمة، ونبشر بفضائلك لكل عادمي الرجاء.

20: 25 وَٱلآنَ هَا أَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لا تَرَوْنَ وَجْهِي أَيْضاً، أَنْتُمْ جَمِيعاً ٱلَّذِينَ مَرَرْتُ بَيْنَكُمْ كَارِزاً بِمَلَكُوتِ ٱللّٰهِ. 26 لِذٰلِكَ أُشْهِدُكُمُ ٱلْيَوْمَ هٰذَا أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَم ٱلْجَمِيعِ، 27 لأَنِّي لَمْ أُؤَخِّرْ أَنْ أُخْبِرَكُمْ بِكُلِّ مَشُورَةِ ٱللّٰهِ. 28 اِحْتَرِزُوا اِذاً لأَنْفُسِكُمْ وَلِجَمِيعِ ٱلرَّعِيَّةِ ٱلَّتِي أَقَامَكُمُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ فِيهَا أَسَاقِفَةً، لِتَرْعُوا َنِيسَةَ ٱللّٰهِ ٱلَّتِي ٱقْتَنَاهَا بِدَمِهِ. 29 لأَنِّي أَعْلَمُ هٰذَا: أَنَّهُ بَعْدَ ذِهَابِي سَيَدْخُلُ بَيْنَكُمْ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ لا تُشْفِقُ عَلَى ٱلرَّعِيَّةِ. 30 وَمِنْكُمْ أَنْتُمْ سَيَقُومُ رِجَالٌ يَتَكَلَمُونَ بِأُمُورٍ مُلْتَوِيَةٍ لِيَجْتَذِبُوا ٱلتَّلامِيذَ وَرَاءَهُمْ. 31 لِذٰلِكَ ٱسْهَرُوا، مُتَذَكِّرِينَ أَنِّي ثَلاثَ سِنِينَ لَيْلاً وَنَهَاراً، لَمْ أَفْتُرْ عَنْ أَنْ أُنْذِرَ بِدُمُوعٍ كُلَّ وَاحِدٍ. 32 وَٱلآن أَسْتَوْدِعُكُمْ يَا إِخْوَتِي لِلّٰهِ وَلِكَلِمَةِ نِعْمَتِهِ، ٱلْقَادِرَةِ أَنْ تَبْنِيَكُمْ وَتُعْطِيَكُمْ مِيرَاثاً مَعَ جَمِيعِ ٱلْمُقَدَّسِينَ.

تأكد بولس من طريقه بواسطة الروح القدس، الذي قال له أنه لن يرى أولاده الروحيين فيما بعد. وقبل بولس هذا الإعلان الإلهي متواضعاً وودعع أقرباءه من عائلة الله. وقد عرفوا لحظة الفراق، والدموع تنهمل من مآقيهم، وعانقوا الرسول الصالح، وأطاوا أمر الله.

وعلم بولس في صميم ضميره أنه بريء أمام الله تجاه أهل أفسس بنسبة كرازته وإكمالها على أتم وجه، لأنه أعطاهم البشارة الكاملة، ودعاهم إلى التوبة. وحرضهم إلى الإيمان الحق. وأنزل عليهم ملء نعمة الإنجيل. وأعلن لهم حقوق وقوة ملكوت الله بدون تنقيص. فعرض على أهل أفسس الخلاص الكامل، ووضح لهم كيف يصيرون أهلاً لرعوية المسيح الملوكية. وأدخلهم في رحاب الروح القدس. فاختبروا قوة دم المسيح وحمايته العملية. ولم يكن ملكون الله كفراً نظرياً للكنيسة، بل حضور الله معهم بكل ما تعني هذه اللمة. فانتظروا ظهور مجد هذا الملكوت في مجيء المسيح الثاني القريب. هكذا أصبحوا ناضجين في الإيمان ومسؤولين عن معرفتهم واختباراتهم ومواهبهم الإلهية.

وأكثر من هذا، فقد كشف بولس لشيوخ الكنيسة كل أسرار مشورة الله. وأعلن لهم مقاصد القدوس من الخلق إلى الكمال، من اختيار المؤمنين إلى تغيرهم في المجد العتيد. أن الدراسات اللاهوتية عميقة وواسعة وعالية. فلا تتفكرن بتكبر أنك عالم مشيئة اله بشمول، لأنك ما زلت تلميذاً تحبو وتحتاج إلى تعمق في مسرة الله. لأن هدف إيماننا ليس علم أسرار إلهية وحسب، بل تنفيذها في الحياة العملية في سبيل المحبة، لأن الإيمان بلا أعمال هو ميت وباطل بطلاناً كبيراً.

وسمى بولس شيوخ الكنيسة أساقفة. ولم يكن هنالك قسس كما نقرأ في الترجمة العربية في العدد 17 من هذا الأصحاح ولا مطارنة ولا بابوات، بل خدام أمناء في الكنيسة. مسؤولون عن ترتيب الاجتماعات والتدبير المالي. وقد اجتمعوا للصلوات وزاروا المرض. وبشروا الضالين وعزوا الحزانى. فلم يوجد لهم وظيفة معاشية ولا حقوق مدنية، ولا شرف زائد. إلا سلطان المسيح الروحي، الذي أغدقه عليهم. وهو مستعد أن يحل في كل مؤمن بنفس هذا المقدار. ولا يوجد في الكنيسة نوعان من الروح القدس. ولكن نجد مواهب مخلفة ونضوجاً زائداً في الأفراد. فكل مسيحي مدعو ليصبح قدوة للآخرين وخادماً فرحاناً في وسط المحتاجين.

وكل الذين يقدمون الإنجيل كاملاً ويطبقونه بسلوكهم، ففيهم يتحقق أمر المسيح: اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أمسكت. ولم يختر بولس هؤلاء الشيوخ حسب اختياره الخاص أساقفة للكنيسة، بل الروح القدس نفسه عينهمودعاهم وملأهم، وأثمرهم بثماره العديدة. فويل للذي يشتهي بدون دعوة الروح القدس خدمة في الكنيسة أو إبراز نفسه أو صب أفكاره الدنيوية على المؤمنين. إنه يضر ذاته ويهيج الرعية كلها. ونهايته الفشل واليأس.

ولكن كل الذين ينكسرون في التوبة، ويسلكون بالتواضع يقول لهم بولس بقوة: احترزوا لأنفسكم. لست كاملاً بل مجرباً من الشيطان، الذي أخذك غرضاً لسهامه. فالمخرب يريد أن يسقط الشيوخ والمسؤولين في الآثام والشكوك والتشامخ، لكي تتبدد الرعية تلائياً. فكثيراً ما يحق أن يقال: كما الراعي هكذا الرعية. فحيث يطلب الواعظ من الله أن يسكب على أعضاء كنيسته المواهب والبركات والقوة، فيتغير بيته جذرياً، فالرب يمطر بأنهر نعمته على كنيسته، لأن المسيح يصب قوته في الكنيسة بواسطة الرعاة، مع العلم أن الراعي ليس هو غاية المسيح بل الرعية، التي هي أهم عنده من الرعاة.

إنما المسؤولون في الكنيسة هم مفوضو الله ووكلاؤه على خصوصياته، اقتناها لنفسه بدم ابنه الفريد. فالله لم يدفع ثم فداءنا فضة أو ذهباً أو بلاتيناً أو جواهر أو أورانيوما، بل ضحى بأثمن ما عنده نفسه ليخلصنا تماماً. لهذا السبب يأمر الرسول لشيوخ بانتباه بالغ وحراسة مستمرة في الكنيسة، ليسمعوا دائماً صوت الخرفان ويفكروا بهم ملياً، ويراقبوا حركات الأفراد نهاراً وليلاً، لأنه لا بد أن الذئاب آتون، والأعداء زاحمون، والسراق والكذابون ليسوا بعيدين. فحالة الكنيسة دائماً في الخطر. من الضروري إدراكنا أننا لا نعيش في سلام، بل وسط المعركة بين السماء وجهنم.

ويستخدم الشرير الحيل والمكر لإضلال المؤمنين. فتطفو تعاليم منحرفة ودعاية لمزج الأديان وتيار السطحية المحايدة. وبنفس الوقت، يا للعجب فإنه يتشبث في البعض التعصب الناموسي، حيث يطلبون التقديس الزائد عن غفران المسيح. ويريدون خلاص أنفسهم في مجهوداتهم الذاتية. وإذا اضمحل الإيمان الصحيح الكتابي هناك تزول المحبة والرجاء أيضاً. فليس الاضطهاد والضيق مخرب للكنيسة بالدرجة الأولى، بل التعليم الخاطئ. فبأي صفات تعرف المضل:

  1. لا يريد ربح الأفراد للمسيح، بل يربطهم بنفسه، وينتظر احتراماً من الجميع وشهرة، ويريد أن يكون محور الكل.

  2. لا يشفق على الرعية في حالة الخطر والضيق، بل يهرب في أول صعوبة. وحتى في الأيام الطيبة يفضل خراب الكنيسة من أن يخسر قليلاً من شهرته أو ماله.

  3. يلوي التعليم لياً ويدخل أفكاراً بشرية في الإنجيل الإلهي، كأنما يصب سماً في الشراب الزلال، ويسمم كل أعضاء رعيته. وهو يقدم سمه كعسل لذيذ بأفكار دنيوية إنسانية ومشاريع اجتماعية. ولكن التوبة ينكرها، والخلاص في الصليب لا يعرفه.

فمن الصفات الهامة لشيخ الكنيسة تمييز الأرواح، ليدرك سريعاً رائحة دخول أرواح غريبة، ويغلبها بتواضع محبته. ويطرد الذئاب بصلواته وبكلمة سلطانه، لتثبت الكنيسة سليمة ونشيطة وعاملة. هكذا خدم بولس نفسه لمدة ثلاث سنوات في أفسس، وثبت الأفرد في ملء حق المسيح ومحبته. فليست الاجتماعات الضخمة هي الطريقة لتدريب المسؤولين في المستقبل، بل الخدمة الفريدة والمكالمة الطويلة مع المختارين من الرب. فالكنيسة لا تدوم إلا حيث يجري بنيان النفوس فرداً فرداً.

وبجانب هذه النصائح كلها التي قالها بولس، عرف هذا الرسول الكريم أن كل النصائح لا تساعد حقاً إلا بالتوبة والانتباه. فالتفت من الشيوخ رأساً إلى ربه الحي وتكلم معه، واستودعه الاساقفة والكنيسة معاً، لأن يسوع وحده هو الراعي الصالح، القار أن يحفظ الجميع. فبولس وضع حمله بين يدي المسيح عربوناً لإيمانه.

وبنفس الوقت دل الرسول مستمعيه على الينبوع الوحيد للقوة الإلهية. أي كلمة النعمة. لأننا لا نجد مصدراً لقدرة الروح ولمعرفة الله ولجرأة الإيمان ولدافع المحبة إلا في كتاب العهد الجديد. فهكذا يأمرك الرسول أن تقرأ يومياً الكتاب المقدس مصياً، وإلا تفنى روحياً وتزول.

وأما التأمل اليومي في كلمة النعمة فيثبتك في المسيح، ويخلق فيك ثمر الرجاء المستبشر. فكل مسيحي سينال حصة سماوية ليس في هذه الدنيا بل في الآخرة. فلا تنتظر مالاً من الرب ولا شرفاً، ولا أبنية ولا صحة ولا سيارات، بل اطلب ما فوق حيث المسح جالس عن يمين الله. فمع كل القديسين الراقدين الأحياء، سنرث ملكوت أبينا السماوي ليس لاستحقاقنا، بل لأجل النعمة فقط. فمن يتمسك بالدنيا، يفقد السماء. فاختر: هل تحب الله أو المال؟

الصلاة: أيها الرب يسوع، احفظنا من إله الذهب وفلسفة مزج الأديان. وأسسنا في ملء كلمتك، لتصبح نعمتك خطا لمسيرنا فنسهر مصلين وسط رعيتك. ونطلب إليك أن تخلص كثيراً من الضالين وتحفظنا من المضلين.

20: 33 فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ. 34 أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حَاجَاتِي وَحَاجَاتِ ٱلَّذِينَ مَعِي خَدَمَتْهَا هَاتَانِ ٱلْيَدَانِ. 35 فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هٰكَذَا ينْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ ٱلضُّعَفَاءَ، مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ ٱلْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ ٱلأَخْذِ. 36 وَلَمَّا قَالَ هٰذَا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ مَعَ جَمِيِهِمْ وَصَلَّى. 37 وَكَانَ بُكَاءٌ عَظِيمٌ مِنَ ٱلْجَمِيعِ، وَوَقَعُوا عَلَى عُنُقِ بُولُسَ يُقَبِّلُونَهُ 38 مُتَوَجِّعِينَ، وَلا سِيَّمَا مِنَ ٱلْكَلِمَةِ ٱلَّتِي قَالَهَا: إِنَّهُمْ لَنْ يَرَوْا وَجْهَهُ أَيْضاً. ثُمّ شَيَّعُوهُ إِلَى ٱلسَّفِينَةِ.

لقد لخص بولس تعليمه خلال خدمته السنوات الثلاث في أفسس وربما كل تبشيره في الأناضول واليونان أيضاً، بهذه العظة الفريدة في نوعها. وليس ممكناً أن نفسر غنى هذه الأفكار في أسطر قليلة، لأن معاني هذه العبارات تكفي لعظات لمدة ثلاث سنوات. فن الضروري أن تعيد قراءة الأصحاح 20 من العدد 17 إلى 38 لتستخرج الكنوز المخفية في كل كلمة.

وللعجب لم يتكلم بولس في نهاية عظته عن الأمور الروحية، بل عن المال. لأن في المال يبين الروح. فلم يكن بولس مستعداً أن يقبل لمصلحته الخاصة عطايا أو تبرعات. ولم يشته غنى أفراد الكنيسة، لأنه احتقر ثروات هذه الدنيا الفانية، كما قال أنه عتبر كل شيء نفاية لكي يربح المسيح. فمات عن شهواته إلى الميول المادية والجنسية، لأنه قد صلب مع المسيح ودُفن وعاش لأجل الأمور السماوية. ولأجل حاجات حياته اشتغل بولس بيديه. وكان مجتهداً وماهراً في مهنته، لأنه طبق أقواله على نفسه: كما تعملوه فأعملوه كما للرب ليس للناس. فربح مالاً فائضاً كفاه وكفى زملاءه معه. لقد أرى يديه بافتخار للأساقفة، لأن جلدهما كان خشناً مقشراً وغليظاً من جراء التعب والإرهاق اليدوي. وقد اعتبر بولس هذه العلامات الواضحة شرفاً له. فلم يرفع أقلاماً رصاصي ولم يكتب كتباً ولا واحد، بل اشتغل بيديه، وتكلم بلسانه، وتجول على قدميه مسافات طويلة. لقد قدم جسده ذبيحة حية مرضية لله ومسيحه، وليس أفكاراً فقط.

وبولس لا يوافق على أي مسيحي يكسل، منتظراً مجيء ربه، ويجلس باسترخاء وتخيلات. فيسقط بيته إلى الضيق والجوع لأجل تحمسه الكسول. إن بولس عذب نفسه ليلاً نهاراً في مهنته، ليربح وقتاً كافياً لتمجيد اسم ربه.

وللعجب فإنه لم يصرف ماله لسد حاجته وحاجة أصدقائه فقط، بل ضحى لأجل الفقراء أيضاً. فالراتب الشهري أو الأجرة اليومية ليست لكفاية أنفسنا فقط، بل لنساعد ونخدم ونعطي ونضحي. وقد قال المسيح الفقراء معكم في كل حين. والمرضى والضعفاء والأرامل والأيتام كثر وهم ينتظرونكم. ولا تجدن المسيح إلا عندهم، لأنه قال: كنت عرياناً ومحبوساً ومريضاً ومحتاجاً، ولم تزوروني ولم تكسوني ولم تهتموا بي البتة. فإلى متى تنتظر البدء بحياة التضحية والدخول إلى سبيل الخدمة؟ فهل قلبك من الحجر؟ أو لا زال أعمى، ولا ترى المتضايقين؟

وخلاصة لأقواله أخبرنا بولس بكلمة المسيح غير مسجلة في الأناجيل، إنما هي خلاصتها وشعار لكل الرسائل البولسية وهي: مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. فهذه الآية تعلن لنا عمق قلب الله، الذي هو مغبوط ومسرور وفرحان، لأنه يبارك باستمرار، ويعطينا خيرات على الدوام. وقد أتى المسيح ليضحي بذاته لأجل الأثمة.

فمبدأ التضحية وبذل النفس للآخرين هو الأساس الروحي للمسيحية. فمحبة الله تدفعنا إلى التبرعات والخدمة والنشاط والحركة. ليس لإرضاء أنفسنا الخاصة، بل لأجل الآخرين الغير المتسحقين لهذه المحبة. وكما أن المسيح بذل نفسه فدية لكثيرين هكذا يدعونا الرب لنضحي بأموالنا وأوقاتنا لنساعد الناس في عائلتنا ومهنتنا وكنيستنا وشعبنا. ولن تصبح مسروراً إن لم تضح بذاتك لله والناس. وهكذا أصبحت ذبيحة المسيح شعار الكنيسة وشعاراً لأفكارنا وأقوالنا وأعمالنا. هل أنت مغبوط في أعماق قلبك؟ فأدرك لجملة الرسولية أنه ينبغي أنكم تتعبون، وتعضدون الضعفاء. فلا بد من كلمة (ينبغي) وإلا لا تكون مسيحياً حقاً و لا شيخاً ولا مسؤولاً في الكنيسة.

وما كان بولس فيلسوفاً نظرياً، بل مصلياً واقعياً. فلا ثمار بلا صلاة. فالكلام الكثير لا ينفع. والله وحده يبارك، ويبني. فجثا الرسول مع شيوخ الكنيسة، وصلى من كل قلبه. هل قرأت مرة الصلاة الرسولية التي نبعت من صميم قلب بولس؟ فاقرأ في رسلة أفسس الأصحاح 1: 3-14 و1: 17-23 و3: 14-21. واشترك في هذه الصلوات الرسولية بوعي وتفكير، فتدرك فقر دعواتنا الخاصة. اطلب من يسوع روح الصلاة. لأن طلبة البار تقتدر كثيراً في فعلها.

وأدرك الشيوخ أن هذه الصلاة، كانت الكلمة الأخيرة التي سمعوها من فم بولس. ففاضت دموعهم شكراً ومحبة، حزناً وتألماً. فليس عار إن بكى الرجل في سبيل العواطف الطاهرة. وهنا انهلت الدموع لأن رجل الله فتح الباب إلى السماء لأجلهم، وخدم بتعب سده بينهم. وكان مزمعاً أن يدخل الآن إلى التألم والضيق. فقبلوه فرداً فرداً، علامة لعلاقتهم الشخصية في عائلة الله السرمدية.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك ونشكرك لأن كلمتك تمنحنا ملء الخلاص والقوة للمحبة والتعزية في الرجاء. علمنا الشغل باجتهاد في المدرسة والمهنة والبيت لكيلا نكون كسالى، بل نضحي بأملاكنا وأوقاتنا للآخرين كما بذلت أنتنفسك لأجلنا نحن الضالين. آمين.

10 - الإبحار من الأناضول إلى لبنان (21: 1 - 6)

اَلأَصْحَاحُ ٱلْحَادِي وَٱلْعِشْرُونَ : 1 وَلَمَّا ٱنْفَصَلْنَا عَنْهُمْ أَقْلَعْنَا وَجِئْنَا مُتَوَجِّهِينَ بِٱلاسْتِقَامَةِ إِلَى كُوسَ، وَفِي ٱلْيَوْمِ ٱلتَّالِي إِلَى رُودُسَ، وَمِنْ هُنَاكَ إِلَى بَاتَرَ. 2 فَإِذْ وَجَدْنَا سَفِينَةً عَابِرَةً إِلَى فِينِيقِيَةَ صَعِدْنَا إِلَيْهَا وَأَقْلَعْنَا. 3 ثُمَّ ٱطَّلَعْنَا عَلَى قُبْرُسَ، وَتَرَكْنَاهَا يَسْرَةً وَسَافَرْنَا إِلَى سُورِيَّةَ، وَأَقْبَلْنَا إِلَى صُورَ، لأَنَّ هُنَاكَ كَانَتِ ٱلسَّفِينَةُ تَضَعُ وَسْقَهَا. 4 وَإِذْ وَجَدْنَا ٱلتَّلامِيذَ مَكَثْنَا هُنَاكَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَكَانُوا يَقُولُونَ لِبُولُسَ بِٱلرُّوحِ أَنْ لا يَصْعَدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 5 وَلٰكِنْ لَمَّا ٱسْتَكْملْنَا ٱلأَيَّامَ خَرَجْنَا ذَاهِبِينَ، وَهُمْ جَمِيعاً يُشَيِّعُونَنَا مَعَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلأَوْلادِ إِلَى خَارِجِ ٱلْمَدِينَةِ. فَجَثَوْنَا عَلَى رُكَبِنَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ وَصَلَّيْنَا. 6 وَلَمَّا وَدَّعْنَا بَعْضُنَا بَعضاً صَعِدْنَا إِلَى ٱلسَّفِينَةِ. وَأَمَّا هُمْ فَرَجَعُوا إِلَى خَاصَّتِهِمْ.

من يسافر اليوم في الطائرة فوق جزيرة رودس، ويعبر جزيرة كوسي نحو أثينا يمر عميقاً تحته البر البني المحروق من الشمس وسط البحر المتوسط الأزرق البلوري. وإذ يقطع المسافر اليوم في دقائق قليلة وبسرعة هائلة بضجيج جنوبي المسافات الشاسعة، فإن بولس قبل ألفي سنة قد سافر ببطء بسفينة شراعية مجتازاً مضايق وخلجاناً ورؤوساً صخرية في انسجام وتناسق مع الموج والرياح.

وكان لبولس أثناء هذه السفرة الطويلة وقتاً كافياً ليتكلم مع مرافقيه عن يسوع، ويعمقهم إلى ملء التوراة، وينيرهم بحرية الإنجيل. فهذه السفرة كان معناها التدريب الروحي لزعماء الكنيسة في المستقبل وشركة الصلاة المتواصلة. فالمجتمعون فكروا بكنائسهم في اليونان والأناضول. وطلبوا وهم في أشداق اليم أنهر الروح القدس على المبتدئين بالإيمان في أوطانهم، لكي تظهر جميع ثمار محبة المسيح في تابعيه.

ولما وجد الرسول وصحبه سفينة مسافرة إلى سوريا رأساً، انتقلوا إليها بفرح، لأنهم يوفرون على أنفسهم مشقة ووقتاً، بدلاً من أن يلفوا حول الشواطئ والموانئ، ويتوقفوا في طرسوس وانطاكية ومثيلاتها. ولم يتوقفوا في جزيرة قبرس في مينائها بافوس.ولكن بولس لا بد أنه قد أخبرهم كيف غلب المسيح الشيطان، لما ابتدأ الرسول وبرنابا رحلتهما التبشيرية ضمن هذه الجزيرة الجميلة. ولكن ليست الجزائر البديعة هي الهدف الأول للتبشير، بل الطرق الشاقة في الصحارى والقفار والاندفاع نحو العواصم المكتظة كفاحاً وتبشيراً، كما يرشد الرب عبيده.

وبعدئذ وصل موكب انتصار المسيح إلى صور المدينة الغنية، الجزيرة التي ربطها الاسكندر مع برها قبل المسيح بثلاثمائة سنة. وهناك أفرغت السفينة بضاعتها. ونزل بولس وزملاؤه إلى الأسواق طالبين الإخوة في الإيمان، الذين كانوا أقلية هناك، ولكنه نشيطون في أوساط التجار والصيادين. فألفاهم الرسول في بيوتهم، ومكث أسبوعاً كاملاً في هذه المدينة يبشر بملكوت الله، ويعظ القلوب المؤمنة.

وفي هذه السفرة الأخيرة لم يزر الرسول أفسس العاصمة الكبرى، ولم يعرج على كنيستها القوية، إذ كانت قد تأصلت ونمت بعون الله وبقوة الروح القدس. أما صور، فها هوذا قد أقام فيها، لأنه أراد أن يقوي ضعفها، ويملأها بقوة روح الله.

وإننا لا نعلم الزمن، الذي تأصل فيه اسم يسوع في قلوب الصوريين. ولكن لا شك أن روح الرب تكلم بوضوح وجلاء النبوة بقلوبهم وألسنتهم. والموضوع الذي أعلنه الروح القدس سابقاً في أفسس ظهر أيضاً في صور، إن على بولس أن يتألم في أورشليم ويتعذبكثيراً. وأن نهاية خدمته التبشيرية قريب انتهاؤها. ولم يتكلم الروح القدس مانعاً بولس من الذهاب إلى القدس، بل أهل الكنيسة عارضوا ذهاب الرسول إلى الضيق. هذا رد فعل بشري محبة بسلامته. ولكن عبد المسيح قد أراد اتباع ربه لآخر درجة في تمثله. فظهر سفر بولس أخيراً من كورنثوس إلى أورشليم ليس كموكب لانتصار المسيح فقط، بل طريقاً إلى الآلام مستعداً أيضاً كآلامه. وقد اتجه بولس عمداً إلى القدس مستعداً لإكرام ربه بتقديم ذبيحة ذاته. والمؤمن الحق لا يهرب من الضيق، لأن الموت له ربح أت إليه بإعلان مجد المسيح في أتباعه.

وقد رافقت كنيسة صور كلها بولس ورفاقه لشاطئ البحر. والرجال والنساء والأولاد والعبيد وشيوخ الكنائس من آسيا وأوروبا جثوا مع الرسول. ولم يبالوا بالناس حولهم، بل صلوا معاً وودعوا الرسول ومرافقيه، عالمين أنهم لن يروه فيما بعد.

الصلاة: أيها الرب، طرقك مقدسة ومحبتك غير محدودة. علمنا الوثوق بك وبنيان مستقبلنا على هداك. وساعدنا ألا نخاف من الضيق، ولا نهرب من العذاب لأجلك. اغفر خطايانا وقدسنا، وطهر كل عضو في كنيستك في العالم.

11 - من صور إلى قيصرية (21: 7 - 14)

21: 7 وَلَمَّا أَكْمَلْنَا ٱلسَّفَرَ فِي ٱلْبَحْرِ مِنْ صُورَ، أَقْبَلْنَا إِلَى بُتُولِمَايِسَ، فَسَلَّمْنَا عَلَى ٱلإِخْوَةِ وَمَكَثْنَا عِنْدَهُمْ يَوْماً وَاحِداً. 8 ثُمَّ خَرَجْنَا فِي ٱلْغَدِ نَحْنُ رُفَقَاءَ ُولُسَ وَجِئْنَا إِلَى قَيْصَرِيَّةَ، فَدَخَلْنَا بَيْتَ فِيلُبُّسَ ٱلْمُبَشِّرِ، إِذْ كَانَ وَاحِداً مِنَ ٱلسَّبْعَةِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ. 9 وَكَانَ لِهٰذَا أَرْبَعُ بَنَاتٍ عَذَارَى كُنَّ يَتَنَبَّأْنَ. 10 وَبَيْنَمَا نحْنُ مُقِيمُونَ أَيَّاماً كَثِيرَةً، ٱنْحَدَرَ مِنَ ٱلْيَهُودِيَّةِ نَبِيٌّ ٱسْمُهُ أَغَابُوسُ. 11 فَجَاءَ إِلَيْنَا، وَأَخَذَ مِنْطَقَةَ بُولُسَ، وَرَبَطَ يَدَيْ نَفْسِهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَ: «هٰذَا يَقُولُهُ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدسُ: ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي لَهُ هٰذِهِ ٱلْمِنْطَقَةُ هٰكَذَا سَيَرْبُطُهُ ٱلْيَهُودُ فِي أُورُشَلِيمَ وَيُسَلِّمُونَهُ إِلَى أَيْدِي ٱلأُمَمِ». 12 فَلَمَّا سَمِعْنَا هٰذَا طَلَبْنَا إِلَيْهِ نَحْنُ وَٱلَّذِينَ مِنَ ٱلْمَكَانِ َنْ لا يَصْعَدَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 13 فَأَجَابَ بُولُسُ: «مَاذَا تَفْعَلُونَ؟ تَبْكُونَ وَتَكْسِرُونَ قَلْبِي. لأَنِّي مُسْتَعِدٌّ لَيْسَ أَنْ أُرْبَطَ فَقَطْ، بَلْ أَنْ أَمُوتَ أَيْضاً فِي أُورُشَلِيمَ لأَجْلِ ٱسْمِ ٱلرَّبّ يَسُوعَ». 14 وَلَمَّا لَمْ يُقْنَعْ سَكَتْنَا قَائِلِينَ: «لِتَكُنْ مَشِيئَةُ ٱلرَّبِّ».

سافر بولس بسفينة أخرى إلى الجنوب، وتوقف يوماً في عكا. وسلم على الإخوة المؤمنين هناك، ثم أكمل طريقه إلى العاصمة الرومانية في فلسطين (قيصرية) حيث سكب الرب روحه القدوس لأول مرة على عدد كبير من الأمم. وللعجب فإننا لا نقرأ شيئاً عن هذهالكنيسة من الأمم، ربما لأنهم انتقلوا إلى مدن أخرى، لأن تلك المدينة كانت مركزاً رومانياً يخدم فيها الموظفون لمدة وجيزة. ثم تنقلهم الحكومة إلى مناطق أخرى حسب نظامها.

وكان يسكن قيصرية المبشر النشيط فيلبس، أحد الشمامسة السبعة، الذي كان عليه سابقاً بعد رجم زميله استيفانوس أن يهرب من شاول الغيور، حتى لا يموت أيضاً. وها هوذا بولس الآن داخل بيته ضيفاً معززاً. فالعدو صار بواسطة محبة الله أخاً في المسح. تصور كيف شكر هؤلاء الإخوة معاً المسيح لنعمته، وكيف أن لوقا استخبر من هذا الشاهد عن الحوادث التاريخية حول بداية الكنيسة، لأجل تأليف سفره - أعمال الرسل -. وكان فيلبس موافقاً تماماً على تبشير الأمم، لأنه قد عمد قبل كل الرسل وزير كنداكة لحبشي. وقد استخدمه المسيح لنشر ملكوته في محلات عدة. فسكن بولس في بيت فيلبس أياماً كثيرة بانسجام روحي وفرح عظيم.

وكان المبشر الشهير متزوجاً، لأن الزواج ليس عاراً بل هبة من الرب. وبناته الأربع كن مؤمنات، ممتلئات بروح النبوة الحقة. فتكلمن في الكنيسة، لأن الروح القدس أعلن بواسطتهم مشيئة الله بسلطان ووضوح. فبركة الآب خيمت على بيته الكامل.

ودخل إلى فرح هذه الكنيسة نبي من أورشليم، الذي ذكر لوقا اسمه سابقاً في الأصحاح 11: 28 ألا وهو أغابوس. فأتى من الكنيسة القوية في القدس، لأن روح الرب كان قد أعلن له مسبقاً، أن بولس آت في السفينة بحراً ومتقدم نحو أورشليم. فحذر الرسول لعده على طريق آلامه. ووضح النبي وضوحاً تاماً، أن بولس سيربطه اليهود، ويحكمون عليه بالقصاص المميت، كما فعلوا بيسوع. وسيسلمونه إلى أيدي الأمم، عاراً وتنكيلاً. وقد أنبأ المسيح أنذاك عن طريق آلامه بنفسه، لأنه خاتم الأنبياء. أما بولس فقد تنبأ له أعضاء الكنائس، لأن روح النبوة صار منتضراً من المسيح في كثير من المؤمنين.

ولما ظهر إعلان الله عن مصير بولس أمام أعين الكنيسة القيصرية، عمل الإخوة نفس ما عمله سابقاً بطرس، لما حاول منع ربه من التوجه إلى الصليب. ولكن بولس علم كالأنبياء الآخرين مشيئة ربه. وقد وافق عليها، وانفصل اختيارياً من خدمته البشيرية ي العالم، مستعداً للتمثل بربه في الآلام. وفضل ترك الكنائس من أن يخطئ غاية ربه. ولكن قلبه انكسر وبكى مع الباكين، واستمر مع ذلك عزمه ثابتاً، لأنه أراد تمجيد ربه يسوع بإطاعة الإيمان.

وبهذه المناسبة، نطق بولس بعقيدة الكنيسة الأولى قائلاً أن الإنسان يسوع هو الرب. ففي هذين الإسمين نجد ملء اللاهوت جسدياً مستتراً في الناسوت بصورة متواضعة. ورب المجد هذا قد غلب بولس. فعبده طيلة حياته، وأراد اتباعه إلى آخر لحظة، مستعدً للمضي إلى مصير حمل الله. فثبت في كل التجارب المتلاطمة حوله، حتى أدرك كل أعضاء الكنيسة، أن بولس لا يخضع للميول البشرية، بل يتمم مشيئة الرب في الصميم. وهذا اليقين هو الشعار لكل الحوادث التالية.

الصلاة: أيها الرب يسوع، نشكرك لأنك أنت الإله الحق والإنسان الحق. وقد فديتنا من الموت والخوف والجبانة. وقويتنا وتقوينا في طريقنا الأخير، لنذهب مطمئنين إلى أشداق الضيق والعذاب والشهادة لتمجيد اسمك.

خامساً: سجن بولس في أورشليم وقيصرية (21: 15 - 26: 32)

1 - الوصول إلى القدس وإخبار الرسول الإخوة عن خدماته (21: 15 - 20)

21: 15 وَبَعْدَ تِلْكَ ٱلأَيَّامِ تَأَهَّبْنَا وَصَعِدْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ. 16 وَجَاءَ أَيْضاً مَعَنَا مِنْ قَيْصَرِيَّةَ أُنَاسٌ مِنَ ٱلتَّلامِيذِ ذَاهِبِينَ بِنَا إِلَى مَنَاسُونَ، وَهُوَ رَجُلٌ قُبْرُسِيٌّ، تِلمِيذٌ قَدِيمٌ، لِنَنْزِلَ عِنْدَهُ.

17 وَلَمَّا وَصَلْنَا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَبِلَنَا ٱلإِخْوَةُ بِفَرَحٍ. 18 وَفِي ٱلْغَدِ دَخَلَ بُولُسُ مَعَنَا إِلَى يَعْقُوبَ، وَحَضَرَ جَمِيعُ ٱلْمَشَايِخِ. 19 فَبَعْدَ َا سَلَّمَ عَلَيْهِمْ طَفِقَ يُحَدِّثُهُمْ شَيْئاً فَشَيْئاً بِكُلِّ مَا فَعَلَهُ ٱللّٰهُ بَيْنَ ٱلأُمَمِ بِوَاسِطَةِ خِدْمَتِهِ. 20 فَلَمَّا سَمِعُوا كَانُوا يُمَجِّدُونَ ٱلرَّبَّ.

اندفع شركاء الآلام من سهول الشواطئ إلى مرتفعات جبال أورشليم. وباتوا في منتصف الطريق عند رجل قبرسي اسمه مناسون. ولعله كان صديقاً لبرنابا وعضواً منذ البدء في شركة القديسين، مترقباً مجيء ربه بشوق. ومنه سمع لوقا تفاصيل عديدة عن عجائب لروح القدس منذ تأسيس الكنيسة.

وأخيراً وصل موكب انتصار المسيح إلى أورشليم البهية، حيث باتوا بين إخوة وأصدقاء فرحوا من أعمال الرب الحي في كل العالم وعظموه لأجل كسب كثير من الأمم أعضاء لكنيسته. فالجناح المؤيد لتبشير الأمم لم يضمحل في الكنيسة الأورشليمية، إنما كا رجاله قلة بالنسبة للجناح الناموسي المتعصب للشريعة.

وفي الغد تقدم بولس ورفقاؤه إلى يعقوب أخي المسيح. وشيوخ الكنيسة الأورشليمية. ولسنا نعلم إن كان بطرس ويوحنا في تلك الأيام حاضرين في القدس. فظهر يعقوب المصلي الناموسي مقداماً للكنيسة. وكان لوقا آنذاك مرافقاً لبولس ومعهما الرفاق الممثون لكل الكنائس الأوروربية والأسيوية. وقدموا معاً التبرعات الضخمة، التي جمعوها من كنائسهم هبة لكنيسة أورشليم المتضايقة. ويا للعجب! فإن لوقا لا يذكر تسليم هذه العطية، ولو بكلمة واحدة. لأنه اعتبر المال أمراً ثانوياً، ولا يستحق ذكراً. فالنا كانوا أهم من المال. والمؤمنون من الأمم، الذين حل فيهم الروح القدس هم الأمر العجب المدهش. وتضحية محبتهم ظهرت عربوناً لانتصار المسيح فيهم.

وقص بولس في حضور هؤلاء الشهود من الأمم القصص، عن أعمال المسيح في فيلبي وتسالونيكي وبيريا وكورنثوس وترواس وأفسس وسواها. وعظم قدرة المقام من بين الأموات، الذي جعل الخطاة قديسين. والذين لم يكونوا شعباً جعلهم شعبه الخاص. ولم يستطع النموسيون إلا الانسجام مع الحمد والتسبيح لهذا الخلاص العالمي، لأن الإخوة الحاضرين كانوا البرهان الملموس لسلطان المسيح العامل بين الأمم.

2 - قبول بولس التطهير حسب الناموس (21: 20 - 26)

21: 20 وَقَالُوا لَهُ: «أَنْتَ تَرَى أَيُّهَا ٱلأَخُ كَمْ يُوجَدُ رَبْوَةً مِنَ ٱلْيَهُودِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا، وَهُمْ جَمِيعاً غَيُورُونَ لِلنَّامُوسِ. 21 وَقَدْ أُخْبِرُوا عَنْكَ أَنَّكَ تُعَلِّمُ جَمِيعَ ٱلْيَهُودِ ٱلَّذِيَ بَيْنَ ٱلأُمَمِ ٱلارْتِدَادَ عَنْ مُوسَى، قَائِلاً أَنْ لا يَخْتِنُوا أَوْلادَهُمْ وَلا يَسْلُكُوا حَسَبَ ٱلْعَوَائِدِ. 22 فَإِذاً مَاذَا يَكُونُ؟ لا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَنْ يَجْتَمِعَ ٱلْجُمْهُورُ، لأَنَّهُمْ سيَسْمَعُونَ أَنَّكَ قَدْ جِئْتَ. 23 فَٱفْعَلْ هٰذَا ٱلَّذِي نَقُولُ لَكَ: عِنْدَنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ عَلَيْهِمْ نَذْرٌ. 24 خُذْ هٰؤُلاءِ وَتَطهَّرْ مَعَهُمْ وَأَنْفِقْ عَلَيْهِمْ لِيَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ، فَيَعْلَمَ ٱلجَمِيعُ أَنْ لَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا أُخْبِرُوا عَنْكَ، بَلْ تَسْلُكُ أَنْتَ أَيْضاً حَافِظاً لِلنَّامُوسِ. 25 وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ ٱلَّذِينَ آمَنُوا مِنَ ٱلأُمَمِ، فَأَرْسَلْنَا نَحْنُ إِلَيْهِمْ وَحَكَمْنَا أَنْ لا يَحْفَظُوا شيْئاً مِثْلَ ذٰلِكَ، سِوَى أَنْ يُحَافِظُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ، وَمِنَ ٱلدَّمِ، وَٱلْمَخْنُوقِ، وَٱلّزِنَا». 26 حِينَئِذٍ أَخَذَ بُولُسُ ٱلرِّجَالَ فِي ٱلْغَدِ، وَتَطَهَّرَ مَعَهُمْ وَدَخَلَ ٱلْهَيكَلَ، مُخْبِراً بِكَمَالِ أَيَّامِ ٱلتَّطْهِيرِ، إِلَى أَنْ يُقَرَّبَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ ٱلْقُرْبَانُ.

لم يصف فرح القلوب الممتلئة بالسرور في الكنيسة المقدسة. لأن الهموم حول الناموس قيدتهم. حقاً أنهم سموا بولس أخاً في المسيح، واعتبروه ابناً لله الآب. ولكنهم فكروا بنفس الوقت بألوف المسيحيين الذين هم من الأصل اليهودي، ولا يزالون يهودا ومسيحيين بنفس الوقت، ولم يتقدموا إلى الحرية من الناموس، وبقوا مرتبطين بحرفية الوحي في العهد القديم غير مدركين عظمة الإلهام من الروح القدس في العهد الجديد. علماً أن أورشليم كان مسيطراً عليها في تلك الأيام العناصر الثورية الوطنية المتطرف، التي تمخضت عن ثورة لاهبة سنة 70 ب م. وكان من نتائجها تهديم المدينة المقدسة والهيكل العظيم. وبعد التقاء بولس ويعقوب بقليل من الزمن، رجم هؤلاء الثوار المتعصبون أخا المسيح حتى الموت. فقد كان يعقوب يشعر مسبقاً بالخطورة وما ستؤول إليه الأحداث. وهذا يبين لنا سبب طلبه من بولس التقيد بالناموس محاولاً تخليصه من الشبهة والاعتداء.

ولما كان بولس في آسيا الصغرى واليونان من قبل ذلك بسنوات طويلة، كانت تتسرب أخبار وروايات غير صادقة، إن بولس يحرض اليهود المهاجرين للارتداد عن العهد الإلهي وعدم ختن أبنائهم. وذلك كذب وهراء، لأن بولس قد ختن بيده تيموثاوس لإرضاء اليهود. وعلم يعقوب والشيوخ في القدس أن الحكايات عن بولس تحمل اتهامات مبالغ فيها، فلم يصدقوها. إنما علموا أيضاً أن كثيرين من المسيحيين اليهود لم يفهموا أعماق المعاني التي تطرق بولس إليها، وكتبها في رسائله الشهيرة. فاضطربت الكنيسة في أورشليم (رمية 5: 20 - و7: 6 وغلاطية 5: 4) فهؤلاء المؤمنون لم يدركوا الحرية الروحية من الناموس. واعتبروا أعمال الناموس أعظم من البر الصادر من الإيمان. ولم يستيقنوا أن بر المسيح يسبب أعمال المحبة.

ولم يطلب يعقوب في هذا الاجتماع بحثاً لهذه المبادئ. لأنها انحلت في مؤتمر الرسل المذكور في الأصحاح 15 نهائياً. فأثبت مقدام الكنيسة يعقوب أمام ممثلي كنائس الأمم، أنهم أحرار من الناموس إلا بعض أحكام المحبة، التي ينبغي أن يخضعوا لها لدام الشركة بين المؤمنين اليهود والأمميين. فبقي البر بالنعمة غير مزعزع أساساً للكنيسة، وما زال حتى اليوم لب الإنجيل وسره العميق. ولكن يعقوب وجه لبولس الطلب أن يشهد أمام المؤمنين بالمسيح من اليهود. إنه لا يزال برغم الاتهامات المتعددة يهودياً أصلياً كاملاً، ويحفظ أحكام الناموس لنفسه. ولم يرفض الناموس، وذلك لأجل محبته بشعبه والعهد مع الله. إنما غلب الرسول داخلياً الفهم التقليدي للشريعة، ولم يكن بحاجة إليها لتبريره وتقديسه، إذ الخلاص كله هبة من الله. ولكنه خضع للناموس ليربح ليهود للمسيح حسب قوله، إنه أصبح لليهود يهودياً وللأمميين أممياً ليربح بعضاً من هؤلاء وأولئك لربه العظيم. مع العلم أن بولس كتب في رسالته إلى رومية بكل وضوح أن الناموس في ذاته صالح ومقدس، ولكن الناس خطاة وغير قادرين أن يحفظوه في قوتهم الخصة (رومية 3: 31 و7: 12).

فوافق بولس على اقتراح يعقوب أن يقصوا شعره كتائب، ويتطهر سبعة أيام بلياليها للسجود لربه. وهذا الاستعداد يتضمن الرش بماء التقديس في اليوم الثالث والسابع.

الصلاة: أيها الرب يسوع لقد كنت عضواً في العهد القديم، وحفظت الناموس وأكملته. ومنحتنا العهد الجديد بحريته وقوته ومحبته. فنشكرك لأجل نعمتك، ونطلب إليك لأجل كل الناس لتحررهم من الروح الناموسي، وتثبتهم في سلطان برك المتين.

3 - هجوم اليهود على بولس وحفظ معسكر الرومان له (21: 27 - 40)

21: 27 وَلَمَّا قَارَبَتِ ٱلأَيَّامُ ٱلسَّبْعَةُ أَنْ تَتِمَّ، رَآهُ ٱلْيَهُودُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَسِيَّا فِي ٱلْهَيْكَلِ، فَأَهَاجُوا كُلَّ ٱلْجَمْعِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ ٱلأَيَادِيَ 28 صَارِخِينَ: «يَا أَيُّهَا ٰلرِّجَالُ ٱلإِسْرَائِيلِيُّونَ، أَعِينُوا! هٰذَا هُوَ ٱلرَّجُلُ ٱلَّذِي يُعَلِّمُ ٱلْجَمِيعَ فِي كُلِّ مَكَانٍ ضِدّاً لِلشَّعْبِ وَٱلنَّامُوسِ وَهٰذَا ٱلْمَوْضِعِ، حَتَّى أَدْخَلَ يُونَانِيِّينَ أَيْضاً إِلَى ٱلْهَيْكَلِ وَدَنّسَ هٰذَا ٱلْمَوْضِعَ ٱلْمُقَدَّسَ». 29 لأَنَّهُمْ كَانُوا قَدْ رَأَوْا مَعَهُ فِي ٱلْمَدِينَةِ تُرُوفِيمُسَ ٱلأَفَسُسِيَّ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ بُولُسَ أَدْخَلَهُ إِلَى ٱلْهَيْكَلِ 30 فَهَاجَتِ ٱلْمَدِينَةُ كُلُهَا، وَتَرَاكَضَ ٱلشَّعْبُ وَأَمْسَكُوا بُولُسَ وَجَرُّوهُ خَارِجَ ٱلْهَيْكَلِ. وَلِلْوَقْتِ أُغْلِقَتِ ٱلأَبْوَابُ. 31 وَبَيْنَمَا هُمْ يَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ، نَمَا خَبَرٌ إِلَى أَمِيرِ ٱلْكَتِيبَةِ أَنَّ أُورُشَلِيم كُلَّهَا قَدِ ٱضْطَرَبَتْ، 32 فَلِلْوَقْتِ أَخَذَ عَسْكَراً وَقُّوَادَ مِئَاتٍ وَرَكَضَ إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا رَأُوا ٱلأَمِيرَ وَٱلْعَسْكَرَ كَفُّوا عَنْ ضَرْبِ بُولُسَ.

33 حِينَئِذٍ ٱقْتَرَبَ ٱلأَمِيرُ وَأَمْسَكهُ، وَأَمَرَ أَنْ يُقَيَّدَ بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَطَفِقَ يَسْتَخْبِرُ: تُرَى مَنْ يَكُونُ وَمَاذَا فَعَلَ؟ 34وَكَانَ ٱلْبَعْضُ يَصْرُخُونَ بِشَيْءٍ وَٱلْبَعْضُ بِشَيْءٍ آخَرَ فِي ٱلْجَمْعِ. وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَعْلَمَ ٰلْيَقِينَ لِسَبَبِ ٱلشَّغَبِ، أَمَرَ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى ٱلْمُعَسْكَرِ. 35 وَلَمَّا صَارَ عَلَى ٱلدَّرَجِ ٱتَّفَقَ أَنَّ ٱلْعَسْكَرَ حَمَلَهُ بِسَبَبِ عُنْفِ ٱلْجَمْعِ، 36 لأَنَّ جُمْهُورَ ٱلشَّعْبِ كَانُوا يَتبَعُونَهُ صَارِخِينَ: «خُذْهُ!».

37 وَإِذْ قَارَبَ بُولُسُ أَنْ يَدْخُلَ ٱلْمُعَسْكَرَ قَالَ لِلأَمِيرِ: «أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئاً؟» فَقَالَ: «أَتَعْرِفُ ٱلْيُونَانِيَّةَ؟ 38 أَفَلَسْتَ أَنْتَ ٱلْمِصرِيَّ ٱلَّذِي صَنَعَ قَبْلَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ فِتْنَةً، وَأَخْرَجَ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ أَرْبَعَةَ ٱلآلافِ ٱلرَّجُلِ مِنَ ٱلْقَتَلَةِ؟». 39 فَقَالَ بُولُسُ: «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ طَرْسُوسِيٌّ، مِنْ أَهْلِ مَدِينَةٍ غَيْر دَنِيَّةٍ مِنْ كِيلِيكِيَّةَ. وَأَلْتَمِسُ مِنْكَ أَنْ تَأْذَنَ لِي أَنْ أُكَلِّمَ ٱلشَّعْبَ». 40 فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ، وَقَفَ بُولُسُ عَلَى ٱلدَّرَجِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى ٱلشَّعْبِ، فَصَارَ سُكُوتٌ عَظِيمٌ. فَنَادَى بِٱللُّغَةِ ٱلْعِبْرَانِيَّةِ قَائلاً...

هل فهمت تواضع بولس ومحبته؟ لقد أتى إلى أورشليم كعميد جيش ربح معارك كثيرة، وجاء بغنيمة ضخمة. فطلب إليه الإخوة، الذين لم يبرحوا الوطن أن ينسى كل كفاحاته والنهضة الكنسية التي أحدثها في العالم ويصبح خادماً لأربعة أنفار من المنغلقين التأخرين. وقد أنكر بولس نفسه متخلياً عن ذاته، متناسياً انتصاراته، خاضعاً لنير عبودية الناموس. ودفع لأجل المساكين الأربعة، الذين عليهم نذر ثمن ذبائحهم، واكمل واجب المحبة لكيلا يصبح هو عثرة للإخوة، بل يبقى خادماً للضعفاء في الروح. فهكذا أتموصية المحبة، التي طلبت من الكنائس إكمالها، لكيلا تنشق الوحدة بين الإخوة.

ولكن لما انتهت أيام التطهير، شاهد بعض اليهود العائدون إلى أورشليم من محافظة آسيا ومدينة أفسس بولس يتجول في أسواق أورشليم، متعانقاً مع تروفيمس المسيحي من الأصل الأممي. ولقد رأوه مرة أخرى، منفرداً في ساحة الهيكل. وظناً منهم أنه قد جء بذلك الأممي إلى داخل الحرم اغتاظوا وصرخوا بصوت عال النجدة النجدة! هوذا رجل يهدم ديننا، ويعلم النجسين الدخول إلى رعوية الله بلا ختان وبلا حج إلى الهيكل، وبدون حفظ الناموس. أنه مضاد لله، فاعزلوا هذا المضل من وسطكم رأساً، واهلكوه حالاً.

فابتدأ الهياج في الجماهير المتراكضة، لأن من نجس الهيكل يسبب غضب الله على المدينة. ويكون العدو الأول للوطن. فتنجيس الهيكل هز المدينة من أساساتها. فتجمع الناس من كل الأزقة والبيوت، وقبضوا على بولس وجروه وراءهم. وتمشياً مع العرف امتنعوا عن سفك دمه داخل جدار الحرم. ولما صار الصائحون خارج باب الحرم أقفل حراسه الأبواب حفاظاً على قداسته وهدوئه.

أما في الخارج فها هم أولاء الغوغاء قد انهالوا ضرباً على بولس. ولطموه وركلوه محاولين قتله نهائياً. ولعل بولس فكر آنئذ باستيفانوس، الذي رُجم قبل ربع قرن من الزمن، لما أسلم هذا الشهيد روحه تحت زخ الحجارة. وقد كان بولس يومها شاباً، مشهداً تلك المأساة وفرحاً بها. أما الآن فها هوذا يقع في نفس العذاب. وتحققت كلمة المسيح مرة أخرى عن أورشليم وظلمها، لما قال سابقاً: يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها!

ويا للأسف! فلم يظهر أحد من تلك الربوات والجموع المؤمنة من الأصل اليهودي، التي أخبر يعقوب بها بولس، ليساعدوه في وقت الحشرة. وربما فرح بعضهم لإنهاء حياة هذا المشاكس. ولكن يسوع كان له تخطيط آخر مع عبده، الذي لم تحن وفاته. وما أرسل اله ملاكاً في بهاء مجده بل استخدم قائداً تحت امرته ألف عسكري. فهذا أسرع ببعض ضباطه وجنوده إلى مكان الحادث، لأن المدينة كلها ضجت بهذا المشكل الرهيب. فأراد إطفاء الشغب في بدايته. ففزع المعصبون وتركوا برهة الاستمرار في ضرب بولس، مما أتاح الفصة للقائد ليمسكه. فأمر بربطه كمجرم ليخلصه من الجماهير. وسأل القائد بعض الناس عن سبب الهياج، فما فهم جواباً من الضوضاء والصياح. ولما أمر اقتياد الأسير إلى الثكنة العسكرية، زمجر الغاضبون، لأنه قد أفلت من أيديهم. فحمل الجنود بولس على رؤوسه، لكيلا يجهز عليه المتظاهرون. ولعله ما استطاع الصعود على الدرج بسبب جروحه. وصرخت الجماهير كما كان صراخهم ضد المسيح: خذوه، اذبحوه، اقتلوه سريعاً.

وعند باب الثكنة - برج أنطوان - المشرفة على الحرم، طلب بولس من القائد باحترام وبيونانية بليغة. أن يستمع له، موضحاً له سوء فهمه له، أنه ليس النبي الكذاب من مصر، الذي أضل أربعة آلاف، وقادهم عبر جبل الزيتون إلى الصحراء، للإلتقاء بالمسح الآتي، ليستخدم هذا الجيش لتحرير الوطن من الرومان. كلا! بل هو إنسان مهذب، غير ثائر من مدينة محترمة رومانية. وبرهن بهذا الجواب على هدوء أعصابه، رغم مشارفته على الموت وثخانة جروحه الدامية.

فوافق القائد على طلبه، ورخص له بأن يوجه كلمة إلى الجمهور، لعله يكشف من حديثه سبب الخصومة بينه وبين الشعب الهائج. فوقف بولس على أعلى درجة في السلم كأنه على منبر، وأشار بيده للجماهير المزدحمة، وابتدأ يخاطب شعبه. وما كان يجد فرصة ثمية كهذه لمخاطبة جماهير اليهود، لولا اتهامه بتنجيس الهيكل. فاستخدم يسوع آلام عبده ليوجه عظة توبة عظمة للشعب اليهودي. فحل صمت كبير على الساخطين. فكلهم أرادوا الاستماع لأقوال المضل وكل كلمة من فم بولس فهمها المستمعون المصغون.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، قد تألمت لأجلنا. ورسلك اختبروا لأجل اسمك آلاماً وعذاباً وعيوباً. علمنا السلوك في حضورك. واعطنا أن نكون أمناء لاسمك. لتكن مشيئتك في حياتنا لكي يسمع كثيرون انجيلك.

4 - احتجاج بولس أمام شعبه (22: 1 - 29)

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّانِي وَٱلْعِشْرُونَ : 1 «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ وَٱلآبَاءُ، ٱسْمَعُوا ٱحْتِجَاجِي ٱلآنَ لَدَيْكُمْ». 2 فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ يُنَادِي لَهُمْ بِٱللُّغَةِ ٱلْعِبْرَانِيّةِ َعْطُوا سُكُوتاً أَحْرَى. فَقَالَ: 3 «أَنَا رَجُلٌ يَهُودِيٌّ وُلِدْتُ فِي طَرْسُوسَ كِيلِيكِيَّةَ، وَلٰكِنْ رَبَيْتُ فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ مُؤَدَّباً عِنْدَ رِجْلَيْ غَمَالائِيلَ عَلَى تَحْقِيقِ ٱلنَّامُوسِ ٱلأَبَوِيِّ. وَكُنْتُ غَيُوراً لِلّٰهِ كَمَا أَنْتُمْ جَمِيعُكُمُ ٱلْيَوْمَ. 4 وَٱضْطَهَدْتُ هٰذَا ٱلطَّرِيقَ حَتَّى ٱلْمَوْتِ، مُقَيِّداً وَمُسَلِّماً إِلَى ٱلسُّجُونِ رِجَالاً وَنِسَاءً، 5 كَمَا يَشْهَدُ لِي أَيْضاً رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ وَجَمِيعُ ٱلْمَشْيَخَةِ، ٱلَّذِينَ إِذْ أَخَذْتُ أَيْضاً مِنْهُمْ رَسَائِلَ لِلإِخْوَةِ إِلَى دِمَشْقَ، ذَهَبْتُ لآتِيَ بِٱلَّذِينَ هُنَاكَ إِلَى أُورُشَلِيمَ مُقَيَّدِينَ لِكَيْ يُعَاقَبُوا. 6 فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ ٱلنَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ ٱلسَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ. 7 فَسَقَطْتُ عَلَى ٱلأَرْضِ، وَسَمِعْتُ صَوْتاً قَائِلاً لِي: شَاوُلُ شَاوُلُ، لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟ فَأَجَبْتُ: مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟ فَقَالَ لِي: أَنَا يَسُوعُ ٱلنَّاصِرِيُّ ٱلَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ».

سمى بولس قتلته إخوة وآباء، ولم يحاسبهم على بغضتهم وتعصبهم، بل أحبهم وسامح جهلهم. وحسب العهد الجديد ليس عامة اليهود أعضاء في عائلة الله مولودين من الروح القدس، ولكن حسب الوعود التي جاءت في العهد القديم لقبوا أنفسهم بهذه الألقاب. فخطب رسول الأمم الجماهير الصامتة بلغتهم الصميمة، وأكرمهم لأجل كرامة آبائهم. وها هي ذي ملابسه ممزقة وجلده دام، والسلسلتان المقيد بها تخشخشان عند كل حركة من جسده أثناء خطابه.

سمى بولس خطابه احتجاجاً. فماذا كانت شكاية اليهود عليه؟ لم ينزل الرسول إلى مستوى الاتهام السطحي، إنه نجس الهيكل الكريم بإدخاله أممي إليه. فهذا كان قولاً تافهاً لا يحتاج إلى رد، بل تقدم الرسول مباشرة إلى جوهر الاضطهاد الذي وقع عليه،لأنهم قالوا أنه يعلم الارتداد عن الدين اليهودي، ويعلم بقبول الأمميين غير المختونين في العهد مع الله. وفي جوابه أرى بولس مستمعيه العبوسين، أنه لم يخترع هو إنجيل النعمة. وما أراد تبشير الأمم من نفسه، بل أن الرب الحي ظهر له شخصياً وأمره مبشرة بأن يشهد له. فبولس إذاً ليس هو مبتدع المذهب الجديد، بل الرب المقام من بين الأموات. فتدخل المسيح في حياة بولس، كان إعلاناً لإنجيل النعمة وتبشير الأمم.

وأبرز في القسم الأول من خطابه حداثته اليهودية الغيورة. فقد ولد في طرسوس، المدينة النبيلة اليونانية الأصل. ولكنه تأثر بالدرجة الأولى بمحيطه في أورشليم، حيث طبع بالروح والحضارة اليهودية.

وهذا الانتقال والتطور توج بواسطة خضوعه للمعلم العليم غمالائيل، الذي كان قمة لعلماء التوراة لسنين عديدة. ولم يحفظ الشاب شاول تفاصيل الناموس غيباً فقط، بل حفظها عملياً وبعنف، وكان شديداً على نفسه وإرادته وجسده. فكان غيوراً لله، مريدً خدمة القدوس وتكريمه وتعظيمه في اجتهاده الخاص وطاقته البشرية الضئيلة.

فأبغض المسيحيين كل البغضة، لأنهم اتكلوا على النعمة. ورفضوا الناموس طريقاً لله. وألقوا رجاءهم بالتمام على محبة القدوس، التي ظهرت في المسيح المعلن نفسه الطريق الوحيد إلى الآب. فتقرب بولس في غيرته لله وناموسه إلى درجة أنه اضطهد المسييين. ففي غليان بغضته لم يكتف بإزهاق أرواح الرجال، بل أيضاً أمات نساء، الأمر الذي كان يحسب في زمنه غير جائز. وإذا لم يصدقه اليهود العائدون من آسيا والمشتكون عليه، فلهم أن يسألوا رئيس الكهنة والمشيخة كلها عن صحة كلامه.

وهذه الهيئة كانت قد وكلت الشاب الغيور أن يذهب إلى دمشق، ليبيد اليسوعية. ولكن في طريقه أعلن له يسوع الناصري ذاته وسط الصحراء القاحلة. ويسوع المجيد الحي الحاضر الذي فكر بولس أنه قد تفتت واضمحل في القبر بعد صلبه، حطم كل الأسس التي كات في حياة بولس من امتيازات وألقاب شرف وتكبر. ففي ضوء وجه المسيح ظهرت له الغيرة التقية لأجل الناموس باطلة. وأظهر شاول المعتد بتقواه عدواً لله.

ولكن العلي لم يبد في ملء رحمته العدو المتعصب الجاهل، بل سامحه مجاناً، وأعلن له محبته للكنيسة الحقة، وأنه واحد معها بالروح القدس فبهذا الإعلان دخل عالم وحق جديد إلى حياة بولس. ولم يتأخر بل خضع رأساً لربه الجديد، وسأله أوامره لينفذه حالاً. فهل جاءك الرب يسوع بكلمته، وظهر لك مجد شخصيته المجيدة في العهد الجديد؟ وهل استسلمت له بلا قيد ولا شرط، وأصبحت ثابتاً في كنيسته؟

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نسجد لك، لأنك ظهرت لمضطهدك شاول، وغيرته إلى عبد محبتك. غيرنا أيضاً وكثيراً من طلاب الله إلى صورتك، لكي نعيش لمحبتك.

22: 9 وَٱلَّذِينَ كَانُوا مَعِي نَظَرُوا ٱلنُّورَ وَٱرْتَعَبُوا، وَلٰكِنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا صَوْتَ ٱلَّذِي كَلَّمَنِي. 10 فَقُلْتُ: مَاذَا أَفْعَلُ يَا رَبُّ؟ فَقَالَ لِي ٱلرَّبُّ: قُمْ وَٱذْهَبْ إِلَى دِمَشْقَ، وَهُنَاكَ يُقَالُ لَكَ عَنْ جَمِيعِ مَا تَرَتَّبَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ. 11 وَإِذْ كُنْتُ لا أُبْصِرُ مِنْ أَجْلِ بَهَاءِ ذٰلِكَ ٱلنُّورِ، ٱقْتَادَنِي بِيَدِي ٱلَّذِينَ كَانُوا مَعِي، فَجِئْتُ إِلَى دِمَشْقَ.

12 «ثُمّ إِنَّ حَنَانِيَّا رَجُلاً تَقِيّاً حَسَبَ ٱلنَّامُوسِ، وَمَشْهُوداً لَهُ مِنْ جَمِيعِ ٱلْيَهُودِ ٱلسُّكَّانِ 13 أَتَى إِلَيَّ، وَوَقَفَ وَقَالَ لِي: أَيُّهَا ٱلأَخُ شَاوُلُ، أَبْصِرْ! فَفِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ نَظَرْتُ إِلَيْه 14 فَقَالَ: إِلٰهُ آبَائِنَا ٱنْتَخَبَكَ لِتَعْلَمَ مَشِيئَتَهُ، وَتُبْصِرَ ٱلْبَارَّ، وَتَسْمَعَ صَوْتاً مِنْ فَمِهِ. 15 لأَنَّكَ سَتَكُونُ لَهُ شَاهِداً لِجَمِيعِ ٱلنَّاسِ بِمَا رَأَيْتَ وَسَمِعْتَ. 16 وَٱلآنَلِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَٱعْتَمِدْ وَٱغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِياً بِٱسْمِ ٱلرَّبِّ».

عند وصولهم إلى مشارف دمشق رأى رفقاء شاول بهاء مجد المسيح. ولكن لم يدركوا المقام الحي، الذي أشرق نوره بألمع من الشمس. وصوته أيضاً لم يسمعوه. وربما سيكون نظير هذا في قيامة الأموات، أن المؤمنين المختارين هم الذي يرونه حقاً ويفهمون صوته، لأنهم متعودون لروح محبته، وحياته ثابتة فيهم. وأما الكفار والسطحيون فإنهم سييأسون من مجده الدائن. ولا يسمعون صوته، إلا في رعد الدينونة.

وفي تجلي المسيح ترك بولس رأساً بره الخاص المبني على أعمال الناموس، وآمن بالرب المسيح ونعمته. وهذا الرب أرسله إلى دمشق، ليمتحن إيمانه، ليسمع هناك ما هي مشيئة الله الجوهرية، وأنه قد أنعم على المجرم المتبرر شاول ليفتح أمامه خدمة مقدسة بين الأمم.

واختار المسيح أخاً بسيطاً من بين المؤمنين ليكسر كبرياء الفقيه المتعلم. فحنانيا كان مؤمناً من أصل يهودي وعضواً في أسرة الله بواسطة إيمانه بالمسيح. فأتى باسم ربه إلى بولس وتوسط لإعادة البصر إليه. ففجأة قدر الأعمى أن يرى. لقد أعماه مجد المسيح سابقاً، ولكن الروح القدس استخدم ظلامه الدامس، وأنشأ فيه التوبة والإيمان. حتى أصبح بواسطة وضع أيدي حنانيا مبصراً وممتلئاً بالروح القدس. فأول ما رآه بولس كان أخاً في المسيح. وبواسطته اكتشف كنيسة الله الساكن فيها روحه، وهي سر عصرن الحاضر.

لكن المسيح لم يفتح لنا أعيننا الروحية للتمتع الذاتي، بل لندرك مشيئة الله، ونتغير في تفكيرنا حسب طرقه. فسمع بولس من حنانيا أن إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب قد اختاره هو القاتل الناموسي، ليدرك لب إرادته من جديد ويعلنها للعالم. فما هي مشئة الله الأصلية؟ فليست إلا إدراكنا يسوع أنه البار القدوس، المولود من الروح القدس ونؤمن بتجسد إلهنا. فهل انفتحت عيناك، وهل أدركت في شخص يسوع اللطف الإلهي ومحبته الناعمة وصبره في احتمال الصليب ومجده حالياً؟ ادرس سيرة يسوع لتعرفه وتسمع صوت. لأن ربنا ليس ميتاً، بل حي ومتكلم ومعز وآمر. وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم المسيح. اصغ إلى صوت المخلص، فيثبتك إلى عهده وفي شركته وتصبح قديساً حسب صورته.

عندئذ تصبح شاهداً متواضعاً لمشيئة الله الظاهرة في شخص يسوع. وليس الناصري لك إنساناً عادياً نكرة، بل ربا مقتدراً، التقيت به في الإنجيل. وتراه بصفاته، وتعرفه بيقين الروح القدس، وتطيع هداه اليومي. فاعلم أنك مختار من ربك لتكون شاهداً ه، لتعلن لكل الناس من هو، وماذا عمل، وكيف يخلص اليوم أناساً. فإعلان يسوع الرب بواسطة الشهادة لكل الناس هذه هي مشيئة الله الجوهرية.

ولم يترك حنانيا وقتاً لبولس أن يتفلسف، بل سرعان ما بسط أمامه مشيئة الله الرئيسية ووضع شهادة النعمة في فمه. فهذا العمل الإلهي، يتطلب فعلاً لا تخيلاً. ولكن كان ما يزال هناك مانع في حياة بولس، وهو خطاياه. وقد كثرت خطاياه خصوصاً لأجل هالته المتعصبة وعدواته لله، وقتله أنفساً بريئة. ولكن كل هذا محاه يسوع على الصليب. تيقن أيها الأخ أن دم المسيح غسل كل خطيته نهائياً. وقبل ولادته أصبح بولس باراً بالنعمة. ولكن كان عليه أن يقبل هذا الحق، ويؤمن ببره الموهوب له مجاناً. ويعلنهذا القرار بواسطة المعمودية. فكان على المتعلم الفقية أن يموت لذاته في رمز التعميد. ويعترف بحاجته إلى تطهير كامل طالباً خلاصه من المسيح وحده. ويسلم ذاته إليه بدون قيد أو شرط.

فيا أيها الأخ، هل أنت متعمد؟ وهل تركت حياتك القديمة، ودخلت بعزم وثبات إلى رحاب المسيح؟ انك بار لأجل الصليب. آمن بخلاصك المكتمل في المسيح، واقبل معنى معموديتك. أنت مقبول عند الله القدوس لأجل موت المسيح وشفاعته. ادع ربك اليوم فتحيا لى الأبد.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، أشكرك لأنك محيت خطاياي نهائياً. أعترف قدامك بأغلاطي وعيوبي، وأطلب إليك ألا تطرحني من وجهك. بل أعلن صورتك قدام عيني نفسي، لكي أتجدد وأدخل إلى شركتك في رمز معموديتي.

لم يكن بولس هو موجد إنجيل النعمة، وما خلق رمز المعمودية، إنما يسوع قد أمره أن يشهد بكيانه المجيد، كباب وحيد مؤد إلى الله لكل الذين يؤمنون به. فشهد بولس أمام الجمع الضخم الصامت في ساحة الهيكل بظهور آخر من المسيح له. فرآه أثناء سفرت الأولى إلى أورشليم وسط الهيكل. وهذا يعني معجزة مدهشة تتحقق، اعتبرها كثير من اليهود تجديفاً شنيعاً. إن يسوع المصلوب المرفوض من الأمة ظهر وسط مسكن الله القدوس. فهذه العبارة طعنت قلب كل يهودي وجرحته من جهتين. الأول دلالتها أن يسوع إله حق،واحد مع القدوس الساكن في الهيكل، منسجم معه من الأزل إلى الأبد. وتدل ثانياً أن اليهود هم قاتلوه. فحكم على كل اليهود مرة واحدة بالهلاك، لقتلهم ابن الله وعدم إدراك مجده. وليس أحد من الحضور في الهيكل رأى يسوع إلا بولس.

وربه لم يلتق به كما أمام دمشق شخصياً، بل ظهر له في غيبوبة. وكان هذا الإعلان الثاني من المقام من بين الأموات حقيقياً أيضاً. فأقام بولس شهادته عن مجد شخص يسوع، كشهادة عن الحقيقة أمام مستمعيه. فلم يباحثهم عن قضايا الناموس البتة، بل شد بشخص يسوع الحي.

ولم يعلن يسوع نفسه لعبده لتمتع روحي خاص، بل ليبني كنيسة الله في كل العالم. وأمره: أسرع، اركض، امش، اذهب، تحرك لا تبق جالساً، بل اترك القدس وشركة القديسين. ولا تبشر المتعصبين، وابتعد عن الناموسيين، لأنهم لا يسمعون. ولكن يا للعجب! فولس، كان عنيداً. وما أراد الذهاب إلى البعد، بل فضل البقاء قرب مسكن الله، حيث ظهر له يسوع. وأصر على أن يشهد لليهود، أن يسوع حي. ورجا أنهم سيؤمنون بشهادته، لأنه كان شاهد الشرف عند رجم استفانوس، وكان معروفاً كقاتل المسيحيين. فجسد بولس وإراته، كانت بطيئة غير فعالة. فلم يخترع هو تبشير الأمم، ولم يرد جذب الوثنيين إلى العهد مع الله. ولكن ربه الحي أمره بكل وضوح، أن يذهب إلى الأمم، لأنه أرسله إلى البعد البعيد. فالعهد الجديد لكل الناس، وليس لليهود فقط. فالرب يسوع نفسه فجر حدود لعهد القديم. وفتح الباب المؤدي إلى الله للبشر جميعاً. فعصر الأمم قد ابتدأ والنعمة تمطر على كل طلاب الله المخلصين.

22: 22 فَسَمِعُوا لَهُ حَتَّى هٰذِهِ ٱلْكَلِمَةَ، ثُمَّ صَرَخُوا قَائِلِينَ: «خُذْ مِثْلَ هٰذَا مِنَ ٱلأَرْضِ، لأَنَّهُ كَانَ لا يَجُوزُ أَنْ يَعِيشَ». 23 وَإِذْ كَانُوا يَصِيحُونَ وَيَطْرَحُونَ ثِيَابَهُمْ وَيَرْمونَ غُبَاراً إِلَى ٱلْجَّوِ، 24 أَمَرَ ٱلأَمِيرُ أَنْ يُذْهَبَ بِهِ إِلَى ٱلْمُعَسْكَرِ، قَائِلاً أَنْ يُفْحَصَ بِضَرَبَاتٍ، لِيَعْلَمَ لأَيِّ سَبَبٍ كَانُوا يَصْرُخُونَ عَلَيْهِ هٰكَذَا.

25 فَلَمَّا مَدُّوهُ لِلسِيَاطِ، قَالَ بُولُسُ لِقَائِدِ ٱلْمِئَةِ ٱلْوَاقِفِ: «أَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَجْلِدُوا إِنْسَاناً رُومَانِيّاً غَيْرَ مَقْضِيٍّ عَلَيْهِ؟» 26 فَإِذْ سَمِعَ قَائِدُ ٱلْمِئَةِ ذَهَبَ إِلَى ٱلأَمِيرِ، وَأَخْبَرَهُ قَائِلاً: «ٱنْظُرْ مَاذَا أَنْتَ مُزْمِعٌ أَنْ تَفْعَلَ! لأَنَّ هٰذَا ٱلرَّجُلَ رُومَانِيٌّ». 27 فَجَاءَ ٱلأَمِيرُ وَقَالَ لَهُ: «قُلْ لِي. أَأَنْتَ رُومَانِيٌّ؟» فَقَالَ: «نَعَمْ». 28 فَأَجَابَ ٱلأَمِيرُ: «أَمَّا أَنَا فَبِمَبْلَغ كَبِيرٍ ٱقْتَنَيْتُ هٰذِهِ ٱلرَّعَوِيَّةَ». فَقَالَ بُولُسُ: «أَمَّا أَنَا فَقَدْ وُلِدْتُ فِيهَا». 29 وَلِلْوَقْتِ تَنَحَّى عَنْهُ ٱلَّذِينَ كَانُوا مُزْمِعِينَ أَنْ يَفْحَصُوهُ. وَٱخْتَشَى ٱلأَمِيرُ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ رُومَانِيٌّ، وَلأَنَّهُ قَدْ قَيَّدَهُ.

تمسك اليهود باختيار إبراهيم ونسله، وتشبثوا بوعود الله في عهده مع موسى. فكان لهم مستحيلاً أن يفتح الله فجأة في عهده لدخول الوثنيين النجسين إلى رعويته. واعتبروا الناموس والختان والسبت والهيكل عربوناً لحضور الله معهم. فاغتاظوا وأنكرو التصور، أن تكون كل هذه الكنوز الثمينة باطلة، وأن تنال الأمم النعم جميعها، بدون تعبها في حفظ الناموس، بواسطة الإيمان فقط. لقد فاق هذا التصور قدرة تفكير اليهود، فانفجروا ورأوا في بولس ملوياً للحق ومجدفاً كنودا، وعدواً لله مبينا. وطلبوا إادته رأساً. وازداد غضب الجمهور إلى ضجة جهنمية، حتى أنهم مزقوا ثيابهم. ورموا الغبار في الجو، بينما وقف بولس محفوظاً وسط الهيجان. ولم يدرك اليهود دعوة المسيح الأخيرة إلى التوبة. لقد أرسل يسوع بولس إلى الشعوب، وليس بولس هو مرسل نفسه. ولكن ذهن اليهود العنيد تقسى ضد جذب روح الله نهائياً.

وفي القصة التالية أخبر لوقا مستلم سفره الموظف الروماني ثاوفيلوس الشريف، كيف أن الضباط الرومان تصرفوا مع بولس باستقامة، لما عرفوا أنه روماني. وقصدوا قبل معرفته أن يستخرجوا منه اعترافاً بالحق بواسطة العذاب، لأن الأمير لم يفهم خطاب بلس الذي كان باللغة العبرانية، إنما شاهد الصياح والضجيج نتيجة لذلك الخطاب.

ومع أن بولس كان مستعداً للموت، كافح لبقائه شاهداً للمسيح، واستخدم حقه المدني للحصول على الحرية. وأخبر الضابط الذي أعده للعذاب بالخطر المقبل عليه إن هو جلد رجلاً رومانياً، لأن من يجلد رومانياً يحكم عليه بالموت رأساً. فأسرع الأمير امسؤول عن الألف جندي إلى بولس المقيد خائفاً في صميم قلبه، لأنه ربط رومانياً حراً بسلاسل. وبواسطة احتجاج الرسول نعلم، أن والديه أصبحا رومانيين على الأغلب، لما زار القيصر أنطونيوس مع كليوباترا طرسوس في زواجهما، مانحا ً لكل أهالي المدينة المستقرين فيها الرعوية الرومانية مجاناً. ولولا هذا الامتياز، لألهبت ظهر بولس السياط المحددة وكشطت ظهره كما فعلوا بيسوع.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح نشكرك، لأنك اخترتنا نحن الغير مستحقين وكل الشعوب، لنصبح شعبك المختار بالنعمة وحدها، وبدون حفظ الناموس. اغفر لنا شكرنا الناقص، وساعدنا لنسلك قديسين وبلا لوم قدامك في المحبة. ونبلغ خلاصك لكلالناس، ولا نصمت بل نتكلم.

5 - بولس أمام المجلس اليهودي الأعلى (22: 30 - 23: 10)

30 وَفِي ٱلْغَدِ إِذْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَعْلَمَ ٱلْيَقِينَ: لِمَاذَا يَشْتَكِي ٱلْيَهُودُ عَلَيْهِ؟ حَلَّهُ مِنَ ٱلرِّبَاطِ، وَأَمَرَ أَنْ يَحْضُرَ رُؤَسَاءُ ٱلْكَهَنَةِ وَكُلُّ مَجْمَعِهِمْ. فَأَحْضَرَ بُولُسَ وَأَقَامَهُ لَدَيْهِمْ.

اَلأَصْحَاحُ ٱلثَّالِثُ وَٱلْعِشْرُونَ : 1 فَتَفَرَّسَ بُولُسُ فِي ٱلْمَجْمَعِ وَقَالَ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، إِنِّي بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ قَدْ عِشْتُ لِلّٰهِ إِلَى هٰذَا ٱلْيَوْمِ». 2 فَأَمَرَ حَنَانِيَّا رَئِيسُ ٱلْكَهَنَةِ، ٱلْوَاقِفِينَ عِنْدَهُ أَنْ يَضْرِبُوهُ عَلَى فَمِهِ. 3 حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ بُولُسُ: «سَيَضْرِبُكَ ٱللّٰهُ أَيُّهَا ٱلْحَائِطُ ٱلْمُبَيَّضُ! أَفَأَنْتَ جَالِسٌ تَحْكُمُ عَلَيَّ حَسَبَ ٱلنّامُوسِ، وَأَنْتَ تَأْمُرُ بِضَرْبِي مُخَالِفاً لِلنَّامُوسِ؟» 4 فَقَالَ ٱلْوَاقِفُونَ: «أَتَشْتِمُ رَئِيسَ كَهَنَةِ ٱللّٰهِ؟» 5 فَقَالَ بُولُسُ: «لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ أَنَّهُ رَئِيسُ كَهَنَةٍ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: رَئِيسُ شَعْبِكَ لا تَقُلْ فِيهِ سُوءاً».

أرشد يسوع بولس أمام المجمع الأعلى اليهودي، ليشهد بالحق أمامهم، كما أن الرب نفسه وبطرس ويوحنا وكل الرسل واستفانوس بشروا وهزوا وجوه الشعب. وفي هذه المناسبة الأخيرة لإعلان الإيمان المسيحي أمام المجمع اليهودي، ترأس الجلسة رئيس الكهنة لمسمى حنانيا. فلم يعرف بولس هذا الزعيم الماكر الجديد، لأن قيافا وحنان والشيوخ الآخرين، الذين هم من زمن يسوع وغمالائيل، كانوا قد توفوا منذ مدة. وقليل من الأعضاء في المجمع كانوا يعرفون بولس شخصياً، لما تعاون معهم وفوضوه اضطهاد المسيحيين ف دمشق.

ولكن الجيل الجديد في المجمع اليهودي، عرفوا اسم بولس تماماً، وأبغضوه بغضة لاهبة. ورغم أنهم لم يشاؤوا الخضوع لأمر القائد الروماني، تراكضوا ليعرفوا مهلك اليهودية في كل العالم، وإن أمكن ليبيدوه حالاً. ولم يأتوا بلباس رسمي، فكأنهم جاءوا مصادفة ولم ينصاعوا لأوامر الرومان. فلم يقدر بولس أن يميز رئيس الكهنة عن غيره، لأنه لم يرتد لباسه الكهنوتي الخاص.

ولم يمثل رسول الأمم أمام هيئة شعبه العليا كتائب منكسر، بل وقف كسفير المسيح حسب مشيئة الله في سلطانه. ولم يجعل الناموس مقياس أقواله وأساس الحق، بل ضميره الخاص. لقد طهر المسيح فؤاده بدمه. والروح القدس عزاه لأجل غيرته الخاطئة، قبل اهدائه.

كان بولس يومئذ يظن، أنه يخدم الله بضمير صالح، حسب الناموس، فقتل المسيحيين بضمير مرتاح. ولكن بعد التقائه بالحي، أصبح بولس منعشاً ضمائر الملايين، الذين حصلوا من بشارته على الحياة الأبدية. وحتى اليوم، فإننا نتعزى من شهادة بولس، فسر حاته من الأول كان. أنه لم يعش لنفسه بل لله وحده. فهذا كان شرفه الحق. فلم يبرز اسمه الخاص، بل مجد الآب والابن والروح القدس على الدوام. وعاش في انسجام مع الأزلي.

فتلك الجملة القاطعة التي قالها في أول احتجاجه أمام المجمع الأعلى تعني،أن الحق معه مبدئياً، وأنهم هم الرؤوس والوجوه ونواب الشعب جد خاطئين، إن لم يخضعوا حالاً ليسوع. فبولس كلمهم في سلطان الله ثابتاً في ربه، كأن القدوس يكلم المسؤولين مباشرة، وينقش كلماته في ضمائرهم، لعلهم يتوبون أو يندمون.

عندئذ أمر حنانيا الماكر خدامه، أن يضربوا بولس رأساً على فمه، علامة على رفض قوله، وظناً ألا ضمير صالح لأي إنسان، وكل المخلوقات خاطئة. وأراد قبل كل شيء تكسير كبرياء المضل من أول لحظة، وأن يدنسه أمام وجوه الشعب وضباط الرومان.

فثار بولس وفار دمه، لأنه لم يقف هنالك لغرض شخصي له، بل لأجل اسم المسيح. وتنبأ في بصيرة الروح القدس عن لعنة الله الحالة على الرئيس المرائي، الذي أهانه بدون استجواب، وإنما في سبيل تقوى مزيفة لأجل كرامة المجمع الأعلى. وعرف بولس تفاصي الناموس، وضرب المسؤول بأسلحته الخاصة، وسماه حائطاً مشققاً مبيضاً ومجصصاً بالظاهر فقط. وتأسف بولس حسب مقتضى الناموس لتكلمه السريع، لما عرف أن الذي أمر بضربه كان حنانيا رئيس الكهنة. ولكن نبوة بولس عليه قد تمت سريعاً، لأن حنانيا قتل بعد سوات قليلة بيد اليهود الفدائيين متهماً كعميل روماني.

23: 6 وَلَمَّا عَلِمَ بُولُسُ أَنَّ قِسْماً مِنْهُمْ صَدُّوقِيُّونَ وَٱلآخَرَ فَرِّيسِيُّونَ، صَرَخَ فِي ٱلْمَجْمَعِ: «أَيُّهَا ٱلرِّجَالُ ٱلإِخْوَةُ، أَنَا فَرِّيسِيٌّ ٱبْنُ فَرِّيسِيٍّ. عَلَى رَجَاءِ قِيَامَةِ ٱلأَموَاتِ أَنَا أُحَاكَمُ». 7 وَلَمَّا قَالَ هٰذَا حَدَثَتْ مُنَازَعَةٌ بَيْنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ، وَٱنْشَقَّتِ ٱلْجَمَاعَةُ، 8 لأَنَّ ٱلصَّدُّوقِيِّينَ يَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ قِيَامَةٌ وَلا مَلاكٌ َلا رُوحٌ، وَأَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَيُقِرُّونَ بِكُلِّ ذٰلِكَ. 9 فَحَدَثَ صِيَاحٌ عَظِيمٌ، وَنَهَضَ كَتَبَةُ قِسْمِ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَطَفِقُوا يُخَاصِمُونَ قَائِلِينَ: «لَسْنَا نَجِدُ شَيْئاً رَدِيّاً فِي هٰذَا ٱلإِنْسَنِ! وَإِنْ كَانَ رُوحٌ أَوْ مَلاكٌ قَدْ كَلَّمَهُ فَلا نُحَارِبَنَّ ٱللّٰهَ».

10 وَلَمَّا حَدَثَتْ مُنَازَعَةٌ كَثِيرَةٌ ٱخْتَشَى ٱلأَمِيرُ أَنْ يَفْسَخُوا بُولُسَ، فَأَمَرَ ٱلْعَسْكَرَ أَنْ يَنْزِلُوا وَيَخْتَطِفُوهُمِنْ وَسَطِهِمْ وَيَأْتُوا بِهِ إِلَى ٱلْمُعَسْكَرِ.

أدرك الرسول أن الرؤساء المجتمعين، لم يقصدوا امتحان إنجيله، بل اجتمعوا ليخضعوه ويحكموا عليه. وقبل ذلك حقد الصدوقيون على المسيحيين، لأن هذا الإيمان الجديد كان مبنياً على قيامة المسيح وحده. ولكن المفكرين المتفلسفين اعتبروا كل الظهورا والرؤى والملاك والأحلام وقيامة الأموات مزيفة. وكانوا بالحقيقة رجالاً بلا رجاء، عائشين حسب منطقهم ومثلهم العليا سطحيين نظريين. ولم يجد بولس بينهم وبين نفسه شيئاً مشتركاً. لقد كانوا أردأ من كل الوثنيين. أما الفريسيون، فكانوا ما يزالون يؤنون بجانب حفظهم الناموس بكيان الملائكة، وترقبوا قيامة الأموات أجمعين. فحاول بولس في الجلسة الأولى أمام المجمع الأعلى، أن يجد وشيجة وعلاقة مشتركة بينه وبينهم، وأن يخاطبهم بمنطوق أفكارهم. وشهد على نفسه حتى وهو رسول، أنه فريسي صميم من أروم فريسية. وسمى أعداءه إخوة، لأنه وجد بينه وبينهم ارتباطاً بالرجاء المشترك في مجيء المسيح وقيامة الأموات عند ظهوره العتيد. فأبرز بولس هذه الحقيقة الجوهرية أساساً لإيمانه الخاص وهدفاً لكل الكون. ولم يكلم المجتمعين عن الصليب ولا عن قيامة المسيح من القبر ولا عن انسكاب الروح القدس، لأن كل هذا لم يقدر الشيوخ أن يستمزجوه ويفهموه، بل ربط قوله بهدفهم المعروف، ألا وهو مجيء المسيح المنتظر.

وهذه الشهادة علقت في الرؤوس بسرعة، حتى ولو كان المسيح الذي ينتظره بولس غير ما ينتظره الفريسيون. لقد علم الجميع أن بولس تكلم أمساً في ساحة الهيكل عن ظهور يسوع له. فالفريسيون كانوا يؤمنون بإمكانية ظهور كهذا. ولم يتجاسروا، كما لم يتجسر غمالائيل العليم من قبل على معارضة إعلانات إلهية مثل هذه. فأصبحوا مترددين في نفوسهم في تصديق ادعاء بولس وتكذيبه، ورفضوا الحكم عليه. مع العلم أنهم لم يؤمنوا بيسوع. ولكنهم لم يرفضوا إمكانية كونه بعد الموت. فهاج الجمع الحاضر في المحكمة، لم يعد أحد يفهم من الآخر.

فقد توصل بولس في احتجاجه إلى أسس الأديان وهي الوحي والإلهام والرؤى. وظهر من وراء هذا البحث الفساد والانشقاق في المجمع الأعلى اليهودي بذاته.

عندئذ تدخل القائد الروماني، وأمر بخطف بولس من الجمهور الغاضب. لم يفهم ما هو سبب الشكوى على بولس، ولماذا نشبت الضجة بين الوجوه. فعمل واجبه كضابط، وخلص بولس من أيدي النواب. ولكنهم لم يفهموا الدعوة الأخيرة من قبل المسيح للمسؤولين عن ل الأمة. ولم يتوصل بولس إلى إبراز صميم إيمانه، ولم يذكر اسم يسوع في هذه الجلسة. فالكل تورط في أسئلة تمهيدية عن الضمير والوحي. ولم يصلوا إلى صميم العقيدة نفسها. ففقد زعماء اليهود آخر فرصة للتوبة. والنهاية أقبلت عليهم.

الصلاة: أيها الرب يسوع، افتح آذاننا لصوت روحك القدوس. لنفهم اقوالك. ونغلق قلوبنا لإيحاءات غريبة. طهر ضمائرنا بدمك الثمين، وأرشدنا إلى إطاعة الإيمان. لكي نخدمك وأباك السماوي دائماً.

6 - ظهور المسيح لبولس ليلاً (23: 11)

23: 11 وَفِي ٱللَّيْلَةِ ٱلتَّالِيَةِ وَقَفَ بِهِ ٱلرَّبُّ وَقَالَ: «ثِقْ يَا بُولُسُ، لأَنَّكَ كَمَا شَهِدْتَ بِمَا لِي فِي أُورُشَلِيمَ، هٰكَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَشْهَدَ فِي رُومِيَةَ أَيْضاً».

كان ضمير بولس مستريحاً دائماً، لأنه خدم الله ليلاً نهاراً، ولم يتصرف طائشاً بدخوله إلى أورشليم. ولم يفتعل هو الأزمة التي حدثت، بل أنه أطاع إرشاد الروح القدس. وكان مستعداً للموت. ولكن ربه فكر بخلاف ذلك، وظهر له شخصياً في الليل الدامس. وقال له ثق ولا تخف، ليس الموت على الباب. وإن جال حولك كذئاب جائعة، فلن يضروك، لأني أنا معك، وأقفل أفواه الوحوش، وأكون سوراً نارياً حولك.

لقد انفض الإخوة من حول بولس، ولم يرافقه صديق ما من آسيا أو أوروبا إلى السجن. ويعقوب مع مؤمني اليهود الألوف، لم يظهروا لنجدته أو التوسط له أو التعزية كأنه بخار متبدد. إلا أن المسيح بشخصه كانه معه. فهو كان تعزيته وبره وقوته ورجاءه. يها الأخ ليس لك رجاء في الدنيا والآخرة، إلا حضور المسيح، كما كتب بولس آنذاك «المسيح فيكم رجاء المجد». فهذا اليقين في قوة الروح القدس، يثبت حتى في الموت والعذاب. ولا يستطيع غسل الأدمغة أن يمحو هذا اليقين.

وأعلن المسيح لبولس ما أعده له منذ الأزل، أن يكلل خدمته بإرساله إلى روما عاصمة الكون آنذاك. فبالوصول إلى هذا الهدف، تم موكب انتصار المسيح. وفي أكبر هزيمة وفي ليلة اليأس أعطاه المسيح أمراً بالنهضة الجديدة ليكمل الجزء الأخير من سفراته التبشيرية. وهذه الحركة هي الشعار السري في سفر اعمال الرسل: من أورشليم إلى روما. فوقف بولس كمسابق في الرياضة، في بداية الرحلة الأخيرة للإنطلاق. ولكن ربه شاء ألا ينتقل في هذه المرحلة حراً فائزاً، بل أسيراً مقيداً. ولكنه في صميمه متحرر حرة مسيحية حقة، عالماً ألا يحدث معه شيء إلا ما رتبه المسيح له. وهكذا سمى نفسه من الآن فساعداً أسير المسيح. وبهذه الكيفية في السلاسل والأغلال انطلق إلى روما ليربح العاصمة لربه.

7 - مؤامرة الفدائيين اليهود (23: 12 - 22)

23: 12 وَلَمَّا صَارَ ٱلنَّهَارُ صَنَعَ بَعْضُ ٱلْيَهُودِ ٱتِّفَاقاً، وَحَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ قَائِلِينَ إِنَّهُمْ لا يَأْكُلُونَ وَلا يَشْرَبُونَ حَتَّى يَقْتُلُوا بُولُسَ. 13 وَكَانَ ٱلَّذِينَ صَنَعُوا هٰذَا ٱلتَحَالُفَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ. 14 فَتَقَدَّمُوا إِلَى رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَٱلشُّيُوخِ وَقَالُوا: «قَدْ حَرَمْنَا أَنْفُسَنَا حِرْماً أَنْ لا نَذُوقَ شَيْئاً حَتَّى نَقْتُلَ بُولُسَ. 15 وَٱلآنَ اَعْلِمُوا ٱلأَميرَ أَنْتُمْ مَعَ ٱلْمَجْمَعِ لِكَيْ يُنْزِلَهُ إِلَيْكُمْ غَداً، كَأَنَّكُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْحَصُوا بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ عَمَّا لَهُ. وَنَحْنُ، قَبْلَ أَنْ يَقْتَرِبَ، مُسْتَعِدُّونَ لِقَتْلِهِ». 16 وَلٰكِنَّ ٱبْنَ أُخْتِ بُولُسَ سَمِعَ بِٱلْكَمِينِ، فَجَاءَ وَدَخَلَ ٱلْمُعَسْكَرَ وَأَخْبَرَ بُولُسَ. 17 فَٱسْتَدْعَى بُولُسُ وَاحِداً مِنْ قُّوَادِ ٱلْمِئَاتِ وَقَالَ: «ٱذْهَبْ بِهٰذَا ٱلشَّابِّ إِلَى ٱلأَمِيرِ، لأَنَّ عِنْدَهُ شَيْئاً يُخْبِرهُ بِهِ». 18 فَأَخَذَهُ وَأَحْضَرَهُ إِلَى ٱلأَمِيرِ وَقَالَ: «ٱسْتَدْعَانِي ٱلأَسِيرُ بُولُسُ، وَطَلَبَ أَنْ أُحْضِرَ هٰذَا ٱلشَّابَّ إِلَيْكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ شَيْءٌ لِيَقُولَهُ لَكَ». 19 فَأَخَذَ ٱلأَمِيرُ بِيَدِه وَتَنَحَّى بِهِ مُنْفَرِداً، وَٱسْتَخْبَرَهُ: «مَا هُوَ ٱلَّذِي عِنْدَكَ لِتُخْبِرَنِي بِهِ؟» 20 فَقَالَ: «إِنَّ ٱلْيَهُودَ تَعَاهَدُوا أَنْ يَطْلُبُوا مِنْكَ أَنْ تُنْزِلَ بُولُسَ غَداً إِلَى ٱلْمَجْمَعِ، كَأَنَّهُمْ مُزْمِعونَ أَنْ يَسْتَخْبِرُوا عَنْهُ بِأَكْثَرِ تَدْقِيقٍ. 21 فَلا تَنْقَدْ إِلَيْهِمْ، لأَنَّ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَامِنُونَ لَهُ، قَدْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ أَنْ لا يَأْكُلُوا وَلا يَشْرَبُوا حَتَّى يَقْتُلُوهُ. وَهُمُ ٱلآنَ مُسْتَعِدُّونَ مُنْتَظِرُونَ ٱلْوَعْدَ مِنْكَ».

22 فَأَطْلَقَ ٱلأَمِيرُ ٱلشَّابَّ مُوصِياً إِيَّاهُ أَنْ: «لا تَقُلْ لأَحَدٍ إِنَّكَ أَعْلَمْتَنِي بِهٰذَا».

أخبر لوقا الموظف ثيوفيلس في روما بدقة كيف أن فدائيين يهوداً لم يوافقوا على استجواب بولس من قبل المجمع الأعلى، وتآمروا في تطرفهم ليبيدوا هذا المفسد للأمة اليهودية في العالم. وخططوا حيلة، أجبروا المجمع الأعلى للموافقة. فصار بولس علىشفا خطر جسيم.

أما المسيح فإنه استخدم القائد الروماني، الذي بأمرته ألف جندي، ليحرس بولس الروماني المحبوس بكل عنايته. وانتشله من الخطر المحدق. فأبرز لوقا في أخباره تصرفات الضابط الروماني إيجابياً، كأنما يريد أن يصلح موقفه بعد الخطأ الذي ارتكبه.

والمدهش في هذه الأخبار قراءتنا عن وجود أخت شقيقة لبولس كانت تسكن أورشليم متزوجة ولها أولاد نشيطون. ولربما كان والدا بولس قد انتقلوا مع أبنائهم منذ مدة من طرسوس عائدين إلى وطنهم أورشليم، حتى يدفنوا في آخر العمر في الأرض المقدسة، كم كانت العادة عند الكثيرين من اليهود. وما عرفنا إن كانوا مؤمنين بيسوع كابنهم بولس، ولكننا نرى أن ابن شقيقته، كان محبذا للثوار الناموسيين المتعصبين. فسمع عن مؤامرة أربعين رجلاً ابتغوا قتل بولس. ولما سمعت اخته بالمؤامرة، رغبت في إنقاذ شقيقها، حتى جازفت بحياتها، فيما إذا علم الثوار وغضبوا عليها. وهكذا أرسلت ابنها إلى الأسير، لكي يطلعه على الخطر المتربص به. وإذ علم بولس بالمؤامرة المبيتة، أرسل ابن شقيقته هذا إلى القائد، الذي غضب من الشعب، وبادر فوراً بأخذ الاحتياط لحماية بوس وإرساله إلى قيصرية مركز الوالي الروماني، لكي يحكم بنفسه في هذه القضية.

وأورشليم كلها كانت هائجة، لأن بولس مهلك الوحدة اليهودية. كان محفوظاً في حماية الرومان في وسطهم. فازدادت بغضة المتعصبين، فتآمروا لقتل مقصود. ولعنوا أنفسهم إن لم يبيدوه، ممتنعين عن الشرب والطعام في الليل والنهار. حتى يميتوا بولس نهاياً. فجاعوا وعطشوا وقتاً طويلاً، بلا رجاء. لأن المسيح حفظ عبده، وعينه لخدمات جديدة وأرسل الأسير إلى روما، ليرى الجميع أن الحرية المدنية ليست هي الحرية الحقة، بل الفداء من الخطايا والموت وغضب الله، كما قال يسوع سابقاً طوبى للذين حررهم الابن فهم أحرار بالحقيقة. وإننا نشاهد في بولس أن حرية المسيح الروحية تتحقق أيضاً تحقيقاً فعلياً في أسير مقيد، لأن المسيح يحرر القلوب من شهواتها، وكبريائها ويقودنا جميعاً إلى حمد الله مهما كانت الظروف حولنا.

الصلاة: أيها الرب يسوع المسيح، نسجد لك لأنك حي. وتهتم بعبيدك حتى ولو كانوا في السجون. وتحفظهم كحدقة عينك. احفظنا بحضورك على الدوام. وعز كل المحبوسين لأجل اسمك، لكي يتمتعوا بحرية ضمائرهم.