العودة الى الصفحة السابقة
إنجيل متّى

إنجيل متّى

الكنز الجليل في تفسير الإنجيل

للدكتور . وليم إدي


List of Tables

1.
2.

Bibliography

الكنز الجليل في تفسير الإنجيل: إنجيل متّى. للدكتور . وليم إدي . Copyright © 2013 All rights reserved Call of Hope. طبعة منقحة 2004 القاهرة - مصر. صدر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى بيروت 1973. . English title: . German title: . Call of Hope. P.O.Box 10 08 27 D - 70007 Stuttgart Germany http: //www.call - of - hope.com .

مقدمة

تفتقر خزانة الأدب المسيحي إلى مجموعة كاملة من التفاسير لكتب العهدين القديم والجديد. ومن المؤسف حقاً أنه لا توجد في أية مكتبة مسيحية في شرقنا العربي مجموعة تفسير كاملة لأجزاء الكتاب المقدس. وبالرغم من أن دور النشر المسيحية المختلفة قد أضافت لخزانة الأدب المسيحي عدداً لا بأس به من المؤلفات الدينية التي تمتاز بعمق البحث والاستقصاء والدراسة، إلا أن أياً من هذه الدور لم تقدم مجموعة كاملة من التفاسير، الأمر الذي دفع مجمع الكنائس في الشرق الأدنى بالإسراع لإعادة طبع كتب المجموعة المعروفة باسم: «كتاب السنن القويم في تفسير أسفار العهد القديم» للقس وليم مارش، والمجموعة المعروفة باسم «الكنز الجليل في تفسير الإنجيل» وهي مجموعة تفاسير كتب العهد الجديد للعلامة الدكتور وليم إدي.

ورغم اقتناعنا بأن هاتين المجموعتين كتبتا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين إلا أن جودة المادة ودقة البحث واتساع الفكر والآراء السديدة المتضمنة فيهما كانت من أكبر الدوافع المقنعة لإعادة طبعهما.

هذا وقد تكرم سينودس سوريا ولبنان الإنجيلي مشكوراً - وهو صاحب حقوق الطبع - بالسماح لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى بإعادة طبع هاتين المجموعتين حتى يكون تفسير الكتاب في متناول يد كل باحث ودارس.

ورب الكنيسة نسأل أن يجعل من هاتين المجموعتين نوراً ونبراساً يهدي الطريق إلى معرفة ذاك الذي قال: «أنا هو الطريق والحق والحياة».

القس ألبرت استيرو

الأمين العام

لمجمع الكنائس في الشرق الأدنى

مقدمة لبشارة متّى

الكاتب

كتب هذه البشارة رجل يهودي من الجليل اسمه متّى، وهو لاوي بن حلفي (مرقس 2: 14) استوطن كفرناحوم وكان عشاراً، أي جامع الضرائب للرومان. دعاه المسيح وهو يمارس وظيفته (متّى 9: 9) وقصته بعد يوم الخمسين غير أكيدة، تعتمد على التقليد التاريخي فقط.

زمن الكتابة

زمن كتابة بشارة متّى غير معروف بالتحقيق، ويُرجح أنه بين سنة 60 و66م. وبما أنها لا تذكر خراب أورشليم سنة 66 (وهي سنة 70 على الحساب المشهور) فقد استنتج المفسرون أنها كُتبت قبل وقوع تلك الحادثة. وفي قوله «إلى هذا اليوم» (ص 27: 8 و38: 15) إشارة إلى أن التاريخ كُتب بعد حدوث الأمور المذكورة بمدة طويلة.

لغتها الأصلية

بشارة متّى التي عندنا اليوم كُتبت أصلاً باليونانية، ومنها جاءت الترجمة العربية وسائر الترجمات المعروفة. لكن لنا أدلة كثيرة على وجود نسخة عبرانية قديمة فُقدت منذ عهد طويل. ولا مانع من الظن أن هذا البشير كتب بشارته في لغتين. فثبوت النسخة العبرانية لا يناقض قانونية النسخة اليونانية التي عندنا. ولا دليل على أن تلك النسخة اليونانية تُرجمت من نسخة أخرى.

خواصها

كُتبت هذه البشارة في اليهودية لليهود. وهي تُعلن أن يسوع هو أعظم الأنبياء والمشترعين، ومتممٌ بذاته كل نبوات العهد القديم من أنه هو المسيح ملك إسرائيل. وترتيب حوادثها ليس بحسب زمان حدوثها ولكن باعتبار مواضيعها. فإن الكاتب يجمع أعمال المسيح وأقواله المتشابهة، ويروي نبأ المسيح كجزء من تاريخ الأمة اليهودية، إتماماً للبركة التي وعد الله إبراهيم بها.

وتستحق هذه البشارة أن تُسجَّل قبل غيرها في العهد الجديد، لأنها توضح العلاقة بين العهدين القديم والجديد، أي بين الشريعة والإنجيل. وقد كُتبت لليهود لتبرهن لهم أن يسوع هو المسيح، بدليل:

  1. أنها اقتبست من العهد القديم نحو خمس وسبعين آية.

  2. أنها لا تتعرض لذكر عادات اليهود، بل تحسبها معروفة للقارئ.

  3. أنها تعلن إرسالية يسوع الخاصة لليهود.

ومتّى هو الإنجيلي الوحيد الذي يذكر سلسلة نسب يوسف، ومجيء المجوس، وهروب يسوع مع عائلته إلى مصر، وقتل الأطفال في بيت لحم، ومَثل العشر العذارى، وحلم زوجة بيلاطس، وقيامة بعض القديسين، وارتشاء الحراس الرومان، وإرسال المسيح تلاميذه ليذهبوا ويُعمدوا كل من يؤمن بشهادتهم له.

كلمة تمهيدية

الإنجيل أو البشارة تتناول عادة إما عملاً أو حادثة جرت، وهي مفرحة لمن يقولها ولمن يسمعها على السواء. وأي خبر مفرح أكثر من هذه البشارة، لأن الله القدير يريد أن يفتدي شعبه من خطاياهم «لأَنَّهُ هٰكَذَا أَحَبَّ ٱللّٰهُ ٱلْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ٱبْنَهُ ٱلْوَحِيد» (يوحنا 3: 16). وهذه «بشارة متّى» أي أنه المسؤول عن تنسيق روايتها. وإن كُتبت بالروح القدس فالعامل البشري موجود أيضاً.

لا بد لمن يدخل على الإنجيل المقدس أن يشعر أنه داخل إلى حرمٍ مقدس، فيتساءَل: تُرى هل يحتاج الإنجيل إلى تفسير، وهو البشارة المفرِّحة المعلنة لكل البشر بأبسط عبارة وأوضح أسلوب؟! وهل بعد قصص المسيح وأمثاله الإلهية العجيبة زيادة لمستزيد، فيقف البيان البشري صامتاً أمام الحكمة الإلهية، ويتورع اللسان مهما بلغت فصاحته إلا أن يصت أمام «ابن الله ابن الإنسان» ليقول له: تكلم يا رب لأن عبيدك سامعون.

ولكن القصد من هذا التفسير هو جلاء بعض النقاط بالنسبة للترجمة أولاً، وبالنسبة لِما قد يطرأ على بعض العبارات من إيضاحات تتطلبها عوامل الزمان والمكان واختلاف البيئة والأشخاص عما كان في زمن المسيح. فيقتضي، والحالة هذه، أن نفسر بعض الأشياء، زيادة في روعة الرسالة المسيحية وقدسيتها.

الأصحاح الأول

1 «كِتَابُ مِيلاَدِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ دَاوُدَ ٱبْنِ إِبْرَاهِيمَ».

لوقا 3: 23 ومزمور 132: 11 وإشعياء 11: 1 وإرميا 23: 5 و22: 42 ويوحنا 7: 42 وأعمال 2: 30 و13: 23 ورومية 1: 3 وتكوين 12: 3 و22: 18 وغلاطية 3: 16

كِتَابُ مِيلاَدِ أي جدول نسب. واستعمال «كتاب ميلاد» بهذا المعنى اصطلاح عبري كما في تكوين 5: 1. وتاريخ نسب المسيح من جهة ناسوته مجموع في عدد 1 - 17 من هذا الأصحاح. وكان اليهود يهتمون للغاية في حفظ كتب مواليدهم. ولا ريب في أن هذا الكتاب نُقِل عن الأنساب العائلية العامة. وبعد نقله بست وستين سنة هُدمت مدينة أورشليم والهيكل، وفُقدت كل كتب المواليد اليهودية. فلو وُلد المسيح بعد ذلك الوقت لكان إثبات تسلسله من داود حسب الوعد في العهد القديم من الأمور المستحيلة. راجع عزرا 2: 62 من اعتبار اليهود لهذه الجداول.

وفي الإنجيل جدولان لأسلاف المسيح من جهة ناسوته، كتب متّى أحدهما وكتب الآخر لوقا. والأول يبدأ من إبراهيم، لأن متّى كتب لليهود. ويبدأ لوقا من آدم أبي البشر كلهم لأن لوقا كتب للذين هم أمم أصلاً. فيسوع المسيح متسلسل من إبراهيم وداود ومريم بحسب الناسوت، وهو ابن الله الأزلي بحسب اللاهوت. واقتصر يوحنا على ذكر نسبه الإلهي. ومع أن جدولي متّى ولوقا ينتهيان في يوسف، إلا أنهما يختلفان، لأن الواحد يذكر أن يوسف ابن يعقوب، والآخر يذكر أنه ابن هالي.

فمن جهة هذا الخلاف الظاهر نقول إن متّى كتب لليهود الذين كانوا يعتبرون أن جدول الذكور هو الجدول الشرعي، فاضطُر متّى أن يثبت تسلسله الشرعي، وذكر جدول أسلاف يوسف. وبما أن لوقا كتب للأمم فقد ذكر النسب الحقيقي، أي التسلسل من هالي أبي مريم أم يسوع فصاعداً، وهذا هو الأرجح. فجدول متّى هو الشرعي، لأنه اعتمد فيه على الأغلب على الترجمة السبعينية، وجدول لوقا هو الجدول الحقيقي.

ويهمل متّى في جدوله أشخاصاً كانوا في السلسلة، ولا ندري سبب هذا. الأرجح أنه كان مفهوماً في وقته. فنقل متّى هذا الجدول كما وجده في الجداول الشرعية، ولم يعترض عليه أحدٌ من اليهود أو المؤلفين الأوَّلين الذين أنكروا دعوى المسيح بتسلسله من داود. فكانت نسبته إلى داود أمراً مسلَّماً به عند الجميع. ولم يقدر الذين رفضوا الإيمان بالمسيح أن ينكروا نسبته إلى داود بدعوى عدم كمال الجدول. ولو أن هذا كان الحال لما تأخروا عن الطعن فيه.

لقد أكمل متّى غايته تماماً، وقدَّم البينات المقنعة على أن يسوع شرعاً وحقيقة ابن إبراهيم وابن داود. ولم يكن من قصده أن يجاوب كل المسائل المتعلقة بهذا الجدول.

يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ في اجتماع هذين الاسمين فحوى الإنجيل كله، وهو الإعلان أن يسوع هو المسيح الموعود، وإثبات ذلك هو غاية هذه البشارة.

يَسُوعَ الاسم الإنساني للمسيح (انظر ع 21). وهي تشبه كلمة يشوع في العبراني، ومعناها مخلِّص.

ٱلْمَسِيحِ أي الممسوح، وهو لقب وظيفته. وكان الذين يُمسحون في النظام الموسوي ثلاثة أنواع: الأنبياء (1ملوك 19: 16) والكهنة (لاويين 4: 3) والملوك (1صموئيل 24: 7، 11). وقد اجتمعت هذه الوظائف الثلاث في المسيح، فمُسح نبياً وكاهناً وملكاً لنا. وكانت المسحة رمزاً للتأثير الإلهي الذي جعله استعداداً لإتمام عمله، وعلامة سلطانه على ممارسة وظيفته.

ٱبْنِ دَاوُد أي داود الملك (ع 6) حسب النبوات. ومن داود تسلسل المولود ملك اليهود (متّى 2: 2). وكان هذا الاسم أكثر استعمالاً للدلالة على المسيح المنتظر (متّى 22: 42 و21: 9، 15 و22 و20: 30) بناءً على مثل النبوة في إشعياء 9: 7 و11: 1 ومزمور 133: 11، 17 وإرميا 23: 5.

ٱبْنِ إِبْرَاهِيم قد اتضحت نسبته إلى إبراهيم لأن المواعيد به كانت لإبراهيم ولنسله تكوين 12: 3 و22: 18 وغلاطية 3: 16. وقد تمت كلها جلياً في يسوع.

2 «إِبْرَاهِيمُ وَلَدَ إِسْحَاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ».

تكوين 21: 2، 3 و25: 26 و29: 35

تُرك من هذا الجدول اسما إسماعيل وعيسو، لأنه لا دخل لهما في السلسلة المقصودة، وهما خارجان عن العهد مع إبراهيم بدليل قوله «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ» (تكوين 21: 12). وذكر «إخوة يهوذا» لأن جميع الذين تسلسل منهم المسيح اشتركوا في انتظاره.

3 «وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارَصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ».

تكوين 38: 27 الخ ، راعوث 4: 18 الخ و1أخبار 2: 5، 9 الخ

زَارَحَ هذا الاسم ليس في سلسلة المسيح وإنما ذُكر وفقاً للجدول الذي في 1أخبار 2: 4.

ثَامَار يندر ذكر أسماء النساء في جداول أنساب اليهود، فمثال ذكره في تكوين 25: 1 و36: 10، 22 و1أخبار 2: 18، 49. وورود اسم ثامار في الجدول الذي في 1أخبار 2: 4، وفي مباركة العرس في راعوث 4: 12. وغاية ذكرها كذكر راحاب وبثشبع المقصودة من قوله «التي لأوريا» هدم كبرياء اليهود، وإظهار استقلال الله في «وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى... لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ» (1كورنثوس 1: 28 و29).

4 «وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ».

َنَحْشُونَ هو أخو أليشع امرأة هارون، وهو رئيس بيت يهوذا. عدد 1: 7 و2: 3 و1أخبار 2: 10

5 «وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى».

رَاحَاب ذُكرَت في يشوع 2: 1 ولم تذكر تواريخ العهد القديم خبر زواجها بسلمون. ويُحتمل أن سبب ذلك هو أنه حين كتابة هذه الجداول كان ذكر امرأة كنعانيَّة بين أسلاف الأمَّة المختارة يُعدُّ عاراً. وقد ظنَّ البعض أن سلمون هو أحد الجاسوسين اللذين خبأتهما على السطح. وفي يعقوب 2: 25 يُذكر اسمها مقروناً بالاحترام. وذُكرَت بين نسل إبراهيم لسبب إيمانها (عبرانيين 11: 31).

بُوعَزَ السلسلة هنا كما وردت في راعوث 4: 21 ويحتمل أن زواج سلمون من راحاب مهَّد السبيل إلى زواج ابني نعمة من امرأتين موآبيتين، وزواج بوعز من راعوث. ولنا مما ذُكر في أعمال 13: 20 أنه مضت 450 سنة بين راحاب وداود. ولكن رغم طول هذه المدة لم تُذكر إلا أربعة أجيال، فقال البعض إن بعض الأجيال تُركت لأسباب مجهولة عندنا. ولعلَّ هذا الظن في محلهِ.

6، 7 «6 وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ ٱلْمَلِكَ. وَدَاوُدُ ٱلْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ ٱلَّتِي لأُورِيَّا. 7 وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحُبْعَامَ. وَرَحُبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا».

1صموئيل 16: 1 و17: 12 ، 2صموئيل 12: 24 ، 1أخبار 3: 10

دَاوُدَ ٱلْمَلِكَ ذُكر لقبه لأنه أعظم ملوك اليهود ورمز للملك يسوع.

ٱلَّتِي لأُورِيَّا لم يكن من العادة أن تُذكر أسماء النساء، فذِكر هذه ومثيلاتها له معنى خاص. وذكر هنا: راحاب وراعوث وبثشبع. وما أعظم التفاوت بينهنَّ. والتي لأوريا تعني بثشبع (2صموئيل 11: 1) وهذه كانت شريكة داود في خطيته، ولا بدَّ أنها اشتركت معهُ في توبته. وقصد متّى من ذكر اسمها هنا أنه كما أنها لم تُرفض من سلسلة أسلاف المسيح، كذلك لا تكون مرفوضة من الاشتراك مع المسيح في ملكوته. وكذلك كل من أخطأ مثلها وتاب.

8 «وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا».

يورام ولد عزيا: استولى على العرش ثلاثة ملوك بين هذين الملكين، هم أخزيا ويوآش وأمصيا. وقد أُهملت أسماؤهم من الجدول، لا سهواً من متّى، ولا لزيادة شرهم، لأن يكنيا الذي ذكره لم يكن أقل شراً منهم. بل أُهملوا لأنهم تُركوا من الجدول الأصلي الذي نُقل عنه، أو لأن أسماءهم كانت معلومة لعامة الناس، وأراد أن يجعل القسم الأول أربعة عشر جيلاً مثل القسمين الأخيرين. فنرى من ذلك أن المقصود بكلمة «ولد» ليس المعنى الحرفي، بل الدلالة على التسلسل.

9 - 11 «9 وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. 10 وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. 11 وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ».

2ملوك 20: 21 و1أخبار 3: 13، 15، 16 و2ملوك 24: 14 - 16 و25: 11 و2أخبار 36: 10، 20 وإرميا 27: 20 و39: 9 و52: 11، 15، 28 - 30 ودانيال 1: 2

وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا أهمل هنا اسم يهوياقيم ابن يوشيا (1أخبار 3: 15) وهو ابن يهوياكين (2ملوك 23: 34). ويُسمَّى أيضاً ألياقيم ولعل سبب الإهمال أن بسببه فقدت المملكة استقلالها (2ملوك 24: 4، 10).

عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ أي قرب ذلك الزمان أي سنة 588 ق.م ولا يمكن تعيين الوقت بالتدقيق لأن اليهود سُبوا مرات عديدة، والمدة بين السبي الأول والآخر ليست أقل من عشرين سنة.

12 «وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ».

1أخبار 3: 17، 19 وعزرا 3: 2 و5: 2 ونحميا 12: 1 وحجّي 1: 1

يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ ويُسمَّى أيضاً كونيا. وأما قول إرميا في 22: 30 «اكْتُبُوا هذَا الرَّجُلَ عَقِيمًا» فمعناه أنه لا يُترَك من نسله من يتولى المُلك، بدليل قوله بعد ذلك «لاَ يَنْجَحُ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ» ونتحقق ذلك مما جاء في أخبار أيام الأول من أنه «ابْنَا يَكُنْيَا: أَسِّيرُ وَشَأَلْتِئِيلُ ابْنُهُ» (1أيام 3: 17 - 19).

وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ جاء في 1أخبار 3: 19 أن زربَّابل هو ابن فدايا أخي شألتئيل، وشرح الأمر أن زربابل هذا هو غير ذاك، أو أن شألتئيل أقام نسلاً شرعياً لأخيه الذي مات بلا نسل.

13 - 16 «13 وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. 14 وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. 15 وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. 16 وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ ٱلَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ».

يوسف هو أبو يسوع الشرعي، وقد قال لوقا إنه ابن هالي (متّى 3: 23). والمحتمل أنه كان صهر هالي أو ابنهُ بالتبني أو كليهما، وهو الأرجح.

وظل متّى يقول فلان ولد فلان إلى أن وصل إلى يوسف. وحينئذ لم يقل «يوسف ولد يسوع» بل «يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ الَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ» (متّى 1: 16). وبذلك أثبت أن يسوع من نسل داود ليس بحسب الشريعة فقط (أي بأن يوسف حُسِب أباه في تلك السلسلة) بل بتسلسلهِ الحقيقي من داود بواسطة مريم أمه.

إن سرَّ ولادة فادينا من عذراء لم يُفهَم دفعة واحدة، بل بالتدريج. فكانت الحاجة ماسةً إلى ما يدرأ عنه العار مدة بقاء ذلك السر مكتوماً. فكان الاحتياج شديداً إلى ستر الزواج المكرَّم. ولهذا كان وجود جدول يوسف المحسوب أباه، وهو أبوه الشرعي رجل مريم، ضرورياً جداً. وقد ظنَّ الأكثرون أن مريم كان يتيمة، وكان يوسف وصياً عليها بناءً على عدم ذكر والديها.

17 «فَجَمِيعُ ٱلأَجْيَالِ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى ٱلْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً».

قسم متّى الأجيال التي بين إبراهيم ويسوع إلى ثلاثة أقسام، في كل قسم منها 14 جيلاً، تسهيلاً لتذكُّرها في زمنٍ ندر فيه وجود الكتب والجداول. وليجعل عدد أجيال القسم الثاني 14 جيلاً كرَّر اسم داود مرتين. فذكره في آخر القسم الأول وفي بدء القسم الثاني كما ترى في هذا الجدول:

Table 1. 

1 إبراهيم1 داود1 يكنيا   
2 إسحاق2 سليمان2 شألتئيل   
3 يعقوب3 رحبعام3 زربابل   
4 يهوذا4 أبيّا4 أبيهود   
5 فارض5 آسا5 ألياقيم   
6 حضرون6 يهوشافاط6 عازور   
7 آرام7 يوررام7 صادوق   
8 عميناداب8 عزيا8 أخيم   
9 نحشون9 يوئام9 أليهود   
10 سلمون10 آحاز10 أليعازر   
11 يوعز11 حزقيا11 متّان   
12 عوبيد12 منسى12 يعقوب   
13 يسى13 أمون13 يوسف   
14 داود14 يوشيا14 يسوع   

وظنَّ البعض أن متّى قسم الجدول إلى أقسام كل منها أربعة عشر لأن الأربعة عشر ضعفي السبعة، والسبعة عدد مقدَّس. وقد أهمل بعض الأسماء ليتمكن من هذا التقسيم. وليست الغاية من الجدول ذكر كل حلقات السلسلة، بل ذكر ما يكفي منها ليبرهن أن يسوع بحسب ناسوته ابن داود شرعاً وحقيقة. وانتظار اليهود أن المسيح يولد من بينهم كان السبب الوحيد لذلك الأمر الغريب، وهو حفظ الجداول تماماً نحو ألفي سنة.

والأقسام الثلاثة التي ذكرها متّى من الأسماء تقترن بالأقسام الثلاثة العظمى في تاريخ الأُمَّة اليهودية. ففي مدة الأربعة عشر جيلاً الأولى كانت الأمة تحت حكم القضاة والأنبياء، وفي الثانية كانت تحت حكم الملوك، وفي الثالثة تحت حكم الولاة المكابيين. وقد بلغت الأمة ذروة مجدها في نهاية المدة الأولى تحت رئاسة داود، وانحطت إلى درجة دنيئة بالسبي إلى بابل في نهاية المدة الثانية، ثم عادت فبلغت مجدها السابق في نهاية المدة الثالثة بمجيء المسيح. وابتدأت المدة الأولى من إبراهيم صاحب الوعد وانتهت بداود الذي كرر الوعد له بأشد وضوح. وابتدأت الثانية ببناء الهيكل وانتهت بهدمه. وابتدأت الثالثة بنجاة الأُمَّة من السبي الزمني وانتهت بظهور من ينجيها وينجي كل البشر من السبي الروحي.

ملاحظات على نسب المسيح

  1. نرى مما تقدَّم صِدق الله في حفظ وعده، فقد وعد قبل ذلك بألفي سنة أَنَّه بنسل إبراهيم تتبارك كل قبائل الأرض. وهذا يتضمَّن قيام مخلِّص من بيت داود. وقد تبرهن مما سبق أن يسوع كان ابن داود وابن إبراهيم، فيكون قد تم وعد الله، ولم تعقه شيخوخة إبراهيم ولا عقم سارة، ولا عبودية نسله في مصر، ولا كفرهم في البريَّة، ولا خطية داود ولا خطايا الملوك الذين خلفوه، ولا سبي الشعب بعد انحطاط مملكتهم. فالله يتمم وعده ووعيده، وإن أبطأ. فقد قصد وامتحن إيمان شعبهِ اليوم كما امتحن إيمان شعبه اليهود في أمر مجيء المسيح.

  2. تنازل ربنا ورحمتُه، فعندما نقرأ أسماء أسلاف المسيح نجد بينهم من ارتكب خطايا فظيعة، ولا تنازل مثل تنازل من رضي أن يولد وهو ابن الله من امرأة، متخذاً صورة جسد خاطئ (رومية 8: 3).

  3. شفقة يسوع واستعدادهُ لقبول التائبين مهما كانت خطاياهم، لأنه إن كان لم يستحِ أن يُحسب من نسل خطاة كبعض هؤلاء، فلا يستحي أن يعترف أنه أخ ومخلِّص لمذنبين آخرين، إن رجعوا إليه تائبين.

  4. وجود مثل راحاب وراعوث اللتين ليستا من نسل إسرائيل في نسب المسيح، يبين أنه مخلِّصٌ لليهود والأمم معاً.

  5. عدم تعرُّض متّى ولوقا لبيان سبب الفرق بين جدوليهما، يبرهن أنه لم يقف أحدهما على كتابة الآخر، ولا على إنجيل آخر أقدم مما كتباه، ليكونا قد اقتبسا منه.

  6. هذا الجدول الذي نُقل عن كتب اليهود بأمر الروح القدس يثبت لنا حقائق واجبة التصديق، فهو يثبت حقيقة جوهرية تقدمت في افتتاح الإنجيل، وهي تجسد المسيح، أي اتحاد طبيعته الإلهية والبشرية وسلطانه بالوراثة عن داود. فلا يظن أحد أن لا قيمة لهذا الجزء من الإنجيل.

18 «أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ فَكَانَتْ هٰكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».

لوقا 1: 27، 35

كان يسوع آدم الثاني ومخلص العالم، فوجب ألاَّ يولد كما يولد بقيَّة الناس، فلذلك وُلد من عذراء بقوة الروح القدس (لوقا 1: 35). ووُلد من عذراء ليولد بلا خطية، ومن مخطوبة ليكون اسمها محفوظاً من التهم إذ تجد الحماية من خطيبها، وليكون الزواج مكرَّماً.

مَخْطُوبَةً كانت المدَّة بين الخطبة والزواج وقتئذٍ سنةً على الأغلب، ولكن كان يمكن تطويلها أو تقصيرها كما تقتضي الأحوال. وكانت هذه المدة تمر على البنت وهي في بيت أبيها (تثنية 20: 7). وكان عدم أمانتها في خلال تلك المدة يُعد زناً يوجب القصاص. وإذا أبى خطيبها أن يُتمم وعدهُ كان عليه أن يسلمها كتاب طلاق حسب سنَّة الطلاق بعد الزواج.

وُجِدَتْ حُبْلَى يُرجح أن يكون ذلك بعد رجوعها من زيارتها لأليصابات بنحو ثلاثة أشهر (لوقا 1: 39). ومعنى ذلك أن أمرها ظهر لها وليوسف، ويُحتمل أن آخرين عرفوا ذلك، أخبرتهم هي به.

مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ هذا هو الحق، ولكن يوسف وأصحابه لم يعرفوه وقتئذٍ.

19 «فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً، وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا، أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً».

تثنية 24: 1

رَجُلُهَا أي خطيبها حسب اصطلاح اليهود زمن الخطبة، لأن الخطيب كان يُحسب عندهم كالزوج.

بَارّاً أي عادلاً يعمل ما هو مستقيم. لأنه لو حكم بظاهر الأمر لكان ظالماً. لكنه كان باراً فلم يحكم عليها بدون أن يعطيها فرصة لتبرر نفسها، دون أن يغض الطرف عن ظواهر الأمر.

وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا أي أنه لم يرد أن يشتكي عليها للحكام ويعرضها للاحتقار والرجم كزانية (تثنية 22: 23، 24) مع احتمال براءتها.

تخليتها: كان له حق بذلك بإعطائه إياها كتاب طلاقٍ حسب ما قيل في تثنية 24: 1.

20 «وَلٰكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هٰذِهِ ٱلأُمُورِ، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: يَا يُوسُفُ ٱبْنَ دَاوُدَ، لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ ٱمْرَأَتَكَ، لأَنَّ ٱلَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ».

لوقا 1: 35

وفِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ لم يفعل شيئاً بالطيش والغضب بل فكر بتؤدة كيف يتصرَّف. والله ينير عقول جميع الذين يحبون معرفة واجباتهم.

مَلاَكُ ذُكر اسم الملاك الذي أُرسل إلى مريم وهو جبرائيل، ولم يُذكر اسم الذي ظهر ليوسف. وكان الملائكة الذين هم أرواح للخدمة يظهرون قبل المسيح للناس ليعلنوا إرادة الله.

فِي حُلْمٍ ظهر الملاك لمريم في اليقظة، لأن تسليم إرادتها وإظهار إيمانها كانا ضروريين في الأمر المُعلن لها. وظهر ليوسف في الحلم، لأنه كان محتاجاً لقبول الإعلان بالإيمان. وهذه هي الطريقة المعتادة التي عليها كان الله يُظهر إرادته للأنبياء الأقدمين ولشعبه. ولكن بعد ما أتى المسيح وحلَّ الروح القدس لم يبقَ احتياج إلى ظهور الملائكة. ولا نستطيع أن نعرف بأي طريقة كانوا يميزون بين الأحلام التي من الله والأحلام المعتادة. والقول بأن الله يُعلن إرادته الآن في الأحلام وهمٌ محض.

يُوسُفُ ٱبْنَ دَاوُدَ بتسميته «ابن داود» تذكيرٌ بمواعيد الله لداود من جهة المسيح، وتهيئة لقلبه لينتظر إتمامها بواسطة خطيبته، وتأكيد له أن ما يأمره به لا يخالف هذا الانتظار.

لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ أي لا تشكّ. وهذا يعلمنا أن الله لا يأتي بشعبه إلى الضيق والشك إلا بعد أن يجهز لهم باب الفرج. فمن تبرير مريم نتعلم أن ذوي الضمائر الصالحة يجب ألا يخافوا، بل يجب أن يتكلوا على الله، وهو يبررهم من كل تهمة باطلة.

مريم امرأتك: تسمية الملاك لها بذلك دلالة على استحقاقها له، وأنها لم تقترف ذنباً يحرمها تلك النسبة.

مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ولادته كانت بقوة الله، فقد صار ابنُ الله ابنَ الإنسان حقيقةً، إلا أنه لم يشترك في الطبيعة الفاسدة التي تعم كل من تسلسل من آدم تسلسلاً طبيعياً. وهكذا صار حَمل الله المُنزَّه عن العيب والدنس ذبيحة لائقة بأن تتقدم عن خطايا الناس.

21 «فَسَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ يَسُوعَ، لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».

لوقا 1: 31، أعمال 4: 12 و5: 31 و13: 23، 38

يَسُوع أي مخلِّص. لُقِّب المسيح في العهد القديم بألقاب كثيرة، ولكنه لم يلقَّب بيسوع إلا من الملاك جبرائيل عندما بَشَّر أمه به قبلما حبلت به (لوقا 1: 31). وهو اسم كان مألوفاً بين اليهود.

يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُم انتظر اليهود مسيحاً ينقذهم من نير استعمار الرومان. أما الملاك فأخبر يوسف بمخلص روحاني ينجيهم من عبودية الخطية وسلطتها ودنسها وقصاصها الهائل، وذلك ببذل حياته فداءً عنهم، وإعطاء روحه لتقديسهم (يوحنا 16: 7، 8). ولم يقل الملاك إنه «يخلص شعبه وهم في خطاياهم» بل «من خطاياهم». فما دام الإنسان تحت سلطة الخطية لا يمكن أن يكون من شعب المسيح.

يخلص: وحده، بسلطانه المطلق، دون معونة من أحد غيره.

شَعْبَهُ اليهود أولاً (1بطرس 2: 9) وبعد ذلك كل من يؤمنون به من كل أمةٍ (أعمال 13: 47).

22 «وَهٰذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ».

إشعياء 7: 14

هذه الآية ليست من قول الملاك، بل ملاحظة أضافها متَّى. وقد صار ميلاد المسيح بموجب قصد إلهي أُعلن في نبوَّة، تمَّ بعضها جزئياً في أيام إشعياء، وتمت كلها في أيام المسيح.

23 «هُوَذَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً، وَيَدْعُونَ ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (ٱلَّذِي تَفْسِيرُهُ: ٱللّٰهُ مَعَنَا)».

وردت هذه النبوة في إشعياء 7: 14 وأُوحي بها نحو سنة 740 ق. م والعبارة منقولة عن الترجمة السبعينية (وهي ترجمة نقلها من العبرانية إلى اليونانية بعض علماء اليهود في الإسكندرية بين سنة 200 و300 ق.م، وهي النسخة التي غلب استعمال اليهود لها في أيام المسيح، وفي القرون الأولى للكنيسة المسيحية). وظن البعض أن هذه النبوة تمت أولاً في أيام آحاز الملك في ولادة ولد من فتاة كانت حينئذ عذراء لكنها تزوجت فيما بعد، ثم تمَّت ثانياً بأسمى معنى بولادة المسيح. وظنَّ آخرون أن إشعياء لم يُشر إلا إلى يسوع ابن مريم. والرأي الأول هو الأرجح، لأننا رأينا كثيراً أن النبوة الواحدة تمت مرات عديدة.

عِمَّانُوئِيلَ معنى هذا الاسم «الله معنا» وهو يناسب طبيعة المسيح، الذي في شخصه يقف الله مع شعبه، يحميهم ويهديهم ويسوسهم. والأسماء الثلاثة التي هي: «المسيح» أي الكاهن الممسوح، و «عمانوئيل» أي الله معنا، و «يسوع» أي المخلص. وهي تشتمل على التعاليم العظمى في الإنجيل المتعلقة بربنا. فإنه كفارة عن خطايانا في الماضي، ورفيقنا في الحاضر، ومنقذنا من سلطة الخطية وعقابها في المستقبل. ونحن محتاجون إلى مخلِّص يكون إلهاً تاماً وإنساناً تاماً. ولا نجد ذلك إلا في شخص يسوع المسيح، الذي هو الله معنا.

24 «فَلَمَّا ٱسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ ٱلنَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ ٱلرَّبِّ، وَأَخَذَ ٱمْرَأَتَهُ».

ثبَّت حلمُ يوسف بشارةَ الملاك لمريم، وجعله يتيقَّن عفتها، فذهب شكُّه وتردده في أن يأخذها إلى بيته ويقوم باحتفال العرس العادي، يقدم لها العناية والحماية الواجبة حفظاً لصيتها. ونحن، لننال الاطمئنان الحق في زمن التجربة يجب أن نسلم أنفسنا إلى الله، وهو يقودنا إلى ما به كل خير.

25 «وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ٱبْنَهَا ٱلْبِكْرَ. وَدَعَا ٱسْمَهُ يَسُوعَ».

خروج 13: 2 ولوقا 2: 7، 21

وَلَمْ يَعْرِفْهَا أي لم يعش معها كزوج. والأمر الجوهري الذي يجب ملاحظته في هذه الآية هو أن مريم بقيت عذراء حتى ولدت ابنها البكر.

وَدَعَا ٱسْمَهُ يَسُوع تعيَّن له هذا الاسم بأمر إلهي (ع 21) وسُمي به يوم الختان الذي هو اليوم الثامن من ميلاده.

الأصحاح الثاني

1 «وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ ٱلْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ».

لوقا 2: 4 - 7 ، تكوين 10: 30 و25: 6 و1ملوك 4: 30

وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ حدثت الحوادث المذكورة هنا بعد زيارة الرعاة، والإتيان بالطفل إلى الهيكل، لأنه بعدما هاجت وساوس هيرودس لم يعد ممكناً ليوسف ومريم أن يأتيا به إلى الهيكل آمنين. وكانت نتيجة هذه الوساوس أن أمر هيرودس بقتل أطفال بيت لحم، فهربت العائلة المقدسة إلى مصر. ثم ذكر متّى الرجوع إلى الناصرة بدلاً من الرجوع إلى بيت لحم، وقصَّ بالاختصار حوادث أخرى تتعلق بميلاد المسيح (ذُكرت مفصلة في لوقا 2: 1 - 21) منها خبر ولادته، وسكنى مريم ويوسف قبلاً في الناصرة. فإن متّى اقتصر على توضيح يُثبت أن يسوع هو المسيح. من ذلك إتيان نوَّاب من العالم الوثني ليؤدّوا له السجود باعتباره ملك اليهود. وقد ذكر الرحالة «ماركو بولو» عن قرية فارسية يدَّعي أهلُها أن المجوس خرجوا منها وجاءوا إلى اليهودية.

بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّة ضيعة صغيرة في الجنوب الغربي من أورشليم، وتبعد عنها نحو ثمانية كيلومترات. ظنَّ بعضهم أنها سُمِّيت بذلك لخصب أرضها. وأُضيفت إلى اليهودية تمييزاً بينها وبين بيت لحم أُخرى في الجليل (يشوع 19: 15). وسُميت بيت لحم اليهودية أفراتة (تكوين 35: 9، ميخا 5: 2) وسميت مدينة داود (لوقا 2: 4) لأن داود وُلد فيها (راعوث 1: 1 - 19). وقد أشار النبي ميخا إلى الفرق بين حقارتها وعظمتها (ميخا 5: 2) وهو ما اقتبسه الكتبة في جوابهم على هيرودس (متّى 2: 6).

وقد جاء يوسف ومريم إلى بيت لحم وقت الاكتتاب طاعةً لأمر أوغسطس قيصر (لوقا 2: 2 - 7).

مَجُوس ويمكن إبدالها بالمنجِّمين. أُطلِق هذا الاسم أولاً على بعض كهنة بين مادي وفارس كانوا قد عكفوا على درس الفلك والطب وعلوم أخرى طبيعية، ثم أُطلق على كل العلماء والفلاسفة في الشرق. وكان دانيال ورفقاؤه منهم (دانيال 2: 48). وقصد الله بمجيء المجوس تنبيه أفكار اليهود وتهيئة عقولهم لقبول المسيح، وتقوية إيمان ورجاء يوسف ومريم مع أتقياء آخرين بالملك المولود جديداً، وتقديم وسائط النعمة لأولئك المجوس، ولأمم أُخرى تؤمن بالمسيح بمجرد شهادتهم له.

وخبر زيارة المجوس واسطة نعرف به وقت ولادة يسوع، لأنها حدثت قبل موت هيرودس الكبير سنة 750 لتأسيس رومية، أي قبل بدء التاريخ المسيحي بأربع سنين. والمرجَّح أن النجم ظهر للمجوس في الوقت الذي وُلد فيه المسيح. وإن كان المقصود من «المشرق» أرض الكلدانيين يكون سفرهم نحو أربعة أشهر (عزرا 7: 9). وإن كان من بلاد الفرس فأكثر من ذلك.

هِيرُودُس ويُلقَّب غالباً في التاريخ بـ «الكبير» وهو ابن أنتيباتر الأدومي. كانت عائلته يهوداً دُخلاء، وعُيّن بأمر السناتوس الروماني ملكاً على اليهودية، فملك 37 سنة. كان شجاعاً قوياً مولعاً بإقامة الأبنية الفاخرة، قاسياً غيوراً كثير الوساوس والهواجس، قتل امرأته مريمني وابنيه إسكندر وأرستوبوليس. وقبل وفاته بخمسة أيام قتل ابنه أنتيباتر، وتوفي في سن السبعين. وقبل وفاة هذا الذي عيَّنه الرومان ملكاً وُلد آخر عيَّنه الله ملك اليهود وفقاً للقول «لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ» (تكوين 49: 10). فقد زال حينئذ قضيب السلطة من يهوذا، وصار الوقت لإتيان «شيلون» إذ ملك أوغسطس قيصر إمبراطور روما وخضع له أكثر العالم. وكان الناس وقتها في غاية الأمن والراحة، وامتدَّت اللغة اليونانية حتى صارت لغة الجميع. وصار كل شيء مناسباً لدخول الإنجيل وامتداده.

مِنَ ٱلْمَشْرِقِ قد تعني بلاد العرب أو الفرس أو الكلدانيين، لأنه في كل هذه الأماكن كان مجوس وأُناس ينتظرون مجيء رئيس عظيم أو منقذ.

إِلَى أُورُشَلِيمَ أتوا أورشليم لأنها عاصمة اليهودية والمكان الذي فيه يمكن لهم أن يفحصوا بأكثر تدقيق عن مطلوبهم، أو لأنهم ظنوا أنه فيها يولد المسيح ملك اليهود.

2 «قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ ٱلْمَوْلُودُ مَلِكُ ٱلْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ».

لوقا 2: 11 ، عدد 24: 17 وإشعياء 60: 3

قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ؟ يدل قولهم على انتظارهم ملكاً، وهو انتظار مبني إما على نبوَّة دانيال الذائعة بينهم (دانيال 7: 14) وتعليمه الذي كان أثرهُ باقياً بينهم، أو على تعليم اليهود الباقين بينهم منذ سبيهم، أو على نبوَّة بلعام (عدد 24: 17) لأن هذا النبي كان من بلاد الشرق (تثنية 23: 4).

ويظهر من سؤالهم أنه كانوا واثقين بميلاد المسيح، فتجشموا مشاق السفر الطويل. ولا بد أن اعتقادهم لم يكن عن حدس أو ظن، والأغلب أنه كان إلهاماً إلهياً. لأن الذي ألهم بلعام أن ينطق بهذه النبوة الغريبة يقدر أن يلهم هؤلاء المجوس أن يأتوا ويسجدوا له عند ظهوره.

ولا دليل لنا على تعيين عددهم أو أسماءهم أو أنهم ملوك. ولكن نستنتج من هداياهم أنهم كانوا أثرياء. وسهَّلت وفرة معارفهم لهم أن يتكلموا بلغة اليهود، مع أنها تختلف عن لغتهم.

ٱلْمَوْلُودُ مَلِكُ توصَّل كثيرون من الملوك إلى عروشهم بفتوحاتهم وخداعهم ومكرهم، وأما هذا الملك فقد عيَّنه الله ملكاً منذ ولادته.

فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ أي رأوا نجمه وهم في المشرق، فهداهم. ولا نعلم ما هو ذلك النجم، هل سياران مقترنان، أم نجم من ذوات الأذناب، أم نيزك؟ والذي نعلمه أنه كان علامة معينة من الله كالنجم منظراً ليدلهم إلى حيث يولد المسيح. وقد يكون نوراً غير عادي. ولا شكَّ أنهم انتظروا أن يجدوا أهل أورشليم عارفين بولادة المسيح ومسرورين بها.

و من هذا نرى أن الله يهدي الناس إليه بما اعتادوه أو بما يحتاجون إليه، فهدى المجوس بواسطة نجم، وبطرس بصيد السمك، والمرضى بشفاء أمراضهم.

وَأَتَيْنَا لِنَسْجُد لا يدل هذا التعبير دلالة قاطعة على تقديم عبادة دينية، فقد يُقصَد به إكرام سامٍ لملك أو لذي مكانة، بالركوع أو الانطراح على الأرض. ولكن القرينة تدل على أن السجود الذي قدمه المجوس كان أسمى من السجود الذي يقدَّم لملك من البشر. ومنه نرى أن الله يهدي الذين يريدون أن يجدوا المسيح ولو كانوا بعيدين عنه، وكانت معرفته به قليلة. وأن أقرب الناس إلى المسيح قد يجهلونه، وأن البعيدين عنه يطلبونه ويكرمونه ويخدمونه. وعمل المجوس هذا مثال واضح لنا في الاجتهاد الروحي لنقتدي بهم، فما كان أطول سفرهم، وما كان أشد الأتعاب والأخطار التي قاسوها. فعلى المسيحي أن يظهر الغيرة وإنكار الذات في اتباع المسيح كما أظهر هؤلاء.

3 «فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ ٱلْمَلِكُ ٱضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ».

لَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ ٱلْمَلِكُ ٱضْطَرَب بلغ هيرودس في الحال خبر المجوس وسؤالهم، فاضطرب وهو في السبعين من عمره من ولادة طفل. لا بد أنه ظنَّ ذلك الطفل سيكون ملكاً زمنياً. ولعل ضميره بكَّته لأنه قتل امرأته وبعض أولاده، وحصل على المُلك بالظلم وسفك الدماء، فخاف جداً. ونبأ ظهور النجم واعتبار الناس ظهوره علامة لولادة ملك جديد لليهود والاعتقاد أنه حان زمن ظهور المسيح، جعله يخاف من أن ملكه على وشك الانقراض.. ويُحتمل أنه خاف من أن يثور اليهود عليه، رغبةً في ملكهم الجديد، وكرهاً له لأنه أجنبي لا حقَّ له في ميراث الملك.

وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَه ولا سيما أصحابه الملازمون له المشاركون له في الانفعالات. وخاف كل الشعب لأنهم كانوا قد تعبوا من الحروب والفتن وقتل بعضهم ومظالم هيرودس العديدة، وخافوا تولُّد حركات ومذابح جديدة ناتجة عن وساوس الملك. والقول إن «جميع أورشليم» اضطربت لا ينفي وجود مَن فرح بعلامات مجيء المسيح في أورشليم. فقد كان مجيء المسيح الأول لاضطراب الأشرار وفرح الأبرار. وهكذا سيكون مجيئه الثاني.

4 «فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ ٱلشَّعْبِ، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ ٱلْمَسِيحُ؟».

2أخبار 36: 14 ، 2أخبار 34: 13 ، ملاخي 2: 7

رُؤَسَاءِ ٱلْكَهَنَةِ هذا يشمل رئيس الكهنة حينئذ، وجميع الذين بلغوا هذه الرتبة قبله ثم عُزلوا، وكل رؤساء فرق الكهنة وعددها أربع وعشرون ( انظر 2أخبار 23: 8 ولوقا 1: 5).

وَكَتَبَةِ ٱلشَّعْبِ هم خلفاء عزرا، ووظيفتهم نسخ الكتب المقدسة وتفسيرها، وجمع تقاليد اليهود وهم علماء الشعب، ولم يكن غيرهم وغير رؤساء الكهنة أكثر أهلية لإجابة سؤال هيرودس. وكان أكثرهم من حزب الفريسيين، وليس واضحاً إن كانوا من أعضاء مجلس السبعين (السنهدريم).

أَيْنَ يُولَدُ ٱلْمَسِيحُ؟ اتخذ هيرودس سؤال المجوس سؤالاً له. وبهذا أقرَّ أن المسيح موعود به من الله، وتظاهر بالاشتراك مع الآخرين في الرجاء. والظاهر من سؤاله أنه كان يجهل كتب اليهود الدينية. فقد جمع هذا الحشد العظيم ليسألهم سؤالاً يستطيع كلٌّ منهم أن يجيبه عليه. وكانت غايته العظمى من السؤال معرفة المكان الذي عيَّنه الأنبياء مولداً للمسيح لكي يقتله ويطمئن.

5 «فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ ٱلْيَهُودِيَّةِ، لأَنَّهُ هٰكَذَا مَكْتُوبٌ بِٱلنَّبِيِّ».

ميخا 5: 2 ويوحنا 7: 42

فِي بَيْتِ لَحْم وهي قرية جنوب أورشليم وتبعد عنها نحو ثمانية كيلو مترات. ويدل قول اليهود في يوحنا 7: 42 بعد ذلك بثلاثين سنة أنهم بقوا على هذا الاعتقاد من حيث مكان مولد المسيح. ولا شكَّ أن اليهودية كانت سعيدة بأن يولد المسيح فيها. وأسعد منها القلب الذي يولد هو فيه. ومع أن شرف ولادته الجسدية انحصر في مكان واحد، إلا أن كل نفس تقدر أن تحصل على هذا الشرف روحياً.

لأَنَّهُ هٰكَذَا مَكْتُوبٌ بهذا أظهروا أن كلام النبوة فصل الخطاب الذي ينفي كل شك. وقد عرف هؤلاء الرؤساء حرفية النبوة، ولكنهم جهلوا روحها. فاجتهاد المجوس كان توبيخاً لهم على توانيهم. فقارن جوابهم الآن مع قولهم بعد ذلك «وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَمَتَى جَاءَ لاَ يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنْ أَيْنَ هُوَ» (يوحنا 7: 27).

ٱلنَّبِيِّ هو ميخا، ولم يُذكر متّى اسمه لأنه معلوم للجميع (ميخا 5: 1، 2). ونرى مما قيل هنا أنه يمكن أن يعرف العقل الكتاب المقدس معرفة دقيقة، بينما يخلو القلب من النعمة. فما أسرع رؤساء الكهنة في جواب سؤال هيرودس، وما أحسن معرفتهم بالنبوات. ولكن لم يطلبوه في بيت لحم وقتئذٍ، ولم يؤمنوا به بعدئذٍ لما علَّم في أورشليم وصنع عجائب هناك. فما أعظم دينونة الذين يعلمون ولا يعملون!

6 «وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ ٱلصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ».

رؤيا 2: 27

ما كُتب هنا هو معنى النبوَّة لا لفظها، وذكر متّى جواب المجلس، ولا يقول إنه نقل كلام النبوة تماماً، فإن فيها نقابل بساطة المكان مع عظمة ما جرى فيه. فولادة المسيح جعلت له إكراماً لم تحصل عليه المدن العظيمة بسلطتها وغناها وبهائها وكثرة سكانها. وولادة عظيم في مكان تجعله شهيراً. ولذلك تخاصمت سبع مدن في آسيا بأن ادَّعى كل منها أن هوميروس وُلد فيها.

ذكر الكتبة جزءاً من نبوءة ميخا، وتركوا جزءاً، هو قوله «ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل». لم يذكروه إما لعدم رغبتهم في أن يوجِّهوا أفكار هيرودس نحو صفة من صفات المسيح المنتظر، أو لأنهم لم يريدوا أن يتأملوا فيه. وقد أوحى الله بهذه النبوة لدينونة عظماء الكهنة بعد ذلك، ولتعزية أتقياء بني إسرائيل، ولتعليم المجوس وبقية الأمم.

7 «حِينَئِذٍ دَعَا هِيرُودُسُ ٱلْمَجُوسَ سِرّاً، وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ ٱلنَّجْمِ ٱلَّذِي ظَهَرَ».

حِينَئِذٍ أي حين حصل على الجواب من العلماء. والمرَّجح أنه من حين سمع سؤال المجوس عزم على قتل الولد.

سِرّاً لأنه خجل من أن يظهر مخاوفه علانية، أو لخوفه من أن يحدث شيءٌ يمنع إنجاز قصده الخبيث، أو لظنه أنه إذا أظهر اجتهاداً زائداً في الوقوف على المسألة تتولد الشكوك في أحد منهم فينذر المجوس أقرباء الولد بالخطر. إن الأشرار يحبون كتمان أعمالهم لأن ضمائرهم تجعلهم جبناء.

وَتَحَقَّقَ مِنْهُمْ زَمَانَ ٱلنَّجْمِ ليعرف عمر الولد على فرض أن ولادته صارت وقت ظهور النجم، فينفذ قصده الرديء. لقد عرف من علماء اليهود المكان، فأراد أن يعرف من المجوس الزمان.

8 «ثُمَّ أَرْسَلَهُمْ إِلَى بَيْتِ لَحْمٍ وَقَالَ: ٱذْهَبُوا وَٱفْحَصُوا بِٱلتَّدْقِيقِ عَنِ ٱلصَّبِيِّ، وَمَتَى وَجَدْتُمُوهُ فَأَخْبِرُونِي، لِكَيْ آتِيَ أَنَا أَيْضاً وَأَسْجُدَ لَهُ».

أَرْسَلَهُمْ عرف المكان من جواب العلماء فوجه المجوس وأرسلهم ليشاهدوا المسيح عياناً، ويرجعوا ليخبروه، فيحصل على الخبر اليقين بالمسيح الذي هو سبب خوفه. ولكنه تظاهر بالاشتراك معهم في غاية زيارتهم.

ٱفْحَصُوا بِٱلتَّدْقِيق أظهر رغبة كأنه أراد أن يكرم الطفل.

فَأَخْبِرُونِي كانت كل تحرياته ليخدع المجوس الذين كانوا يجهلون هدفه. ولكن خداعه لم يخفَ على الله. وكثيراً ما يتخذ الأشرار الدين ستراً لهم لإجراء مقاصدهم الشريرة، ولكن مهما أظهروا من الحكمة في تدبير الوسائل للحصول على غاياتهم فالله يعرف نواياهم ويحبط مساعيهم.

9 «فَلَمَّا سَمِعُوا مِنَ ٱلْمَلِكِ ذَهَبُوا. وَإِذَا ٱلنَّجْمُ ٱلَّذِي رَأَوْهُ فِي ٱلْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ ٱلصَّبِيُّ».

يظهر أن هيرودس دعاهم ليلاً ليكون الأمر مخفيَّاً، وأنهم سافروا بعد مقابلتهم له لأن المسافة لم تكن أكثر من ساعتين. من الغريب أنه لم يرافقهم أحدٌ من بلاط الملك، ولا من الهيكل، ولا من المدينة.

وَإِذَا ٱلنَّجْم إذا حسبناه نوراً عجيباً أي غير عادي بهيئة نجم، سهُل علينا فهم هذا القول. ووقوفه يحتمل أن يكون فوق القرية، أو فوق نفس البيت حيث كان الطفل مضطجعاً. ولا يهدينا اليوم إلى المسيح نجمٌ ماديٌ أبكم بل كلامه (2بطرس 1: 9). وكل من يطلب المسيح، الذي هو الطريق والحق والحياة بكل قلبه، يجدهُ. فكان نجم بيت لحم رمزاً للمسيح «كَوْكَبُ الصُّبْحِ الْمُنِيرُ» (رؤيا 22: 16).

وليس جميع الذين امتازوا بنوال الوسائط الدينيَّة يسبقون غيرهم في تقديم الإكرام للمسيح، فكنا ننتظر أن رؤساء اليهود الدينيين يسبقون الكل إلى بيت لحم عند سماعهم خبر ولادة المسيح. ولكن العكس حدث، فقد أتى الغرباء من بلاد بعيدة لاستقباله، وأولئك لم يذهبوا. فمن هذا نتعلم أنه يجب أن نطلب المسيح ونتبعه ولو كنا وحدنا ولم يتبعنا أحد.

10 «فَلَمَّا رَأَوُا ٱلنَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّاً».

فَلَمَّا رَأَوُا ٱلنَّجْم يظهر من هذا أنهم لم يروه مدَّة، ويحتمل أنه ظهر لهم في بدء سفرهم ليوجِّههم إلى أورشليم، ثم اختفى عنهم.

فَرِحُوا فَرَحاً عَظِيماً جِدّا هذا يُظهر فرط اجتهادهم في أن يجدوا الولد. وظهور النجم ثانيةً فرَّحهم لأنه كان علامة صدق انتظاراتهم وبلوغ غايتهم، وبرهاناً على الإرشاد الإلهي لهم، علاوة على الإرشاد البشري. وإذا كان فرحهم بالنجم الهادي عظيماً، فكم كان فرحهم أعظم عندما رأوا الطفل الملكي نفسه. فكل علامة إرشاد إلهي فرح للذين يحبون الله، ولا سيما العلامة التي تأتي بهم إلى المسيح. فيجب أن تمتلئ قلوبنا فرحاً عظيماً باهتدائنا إلى المسيح، إذ ليس بدونه طريق إلى الحياة.

11 «وَأَتَوْا إِلَى ٱلْبَيْتِ، وَرَأَوُا ٱلصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ، فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ، ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَباً وَلُبَاناً وَمُرّاً».

مزمور 72: 10، إشعياء 60: 6

ٱلْبَيْت الأرجح أن ذلك ليس المذود الذي وُلد فيه المسيح بل منزلٌ استأجره يوسف ومريم بعد انصراف الجموع التي أتت للاكتتاب.

فَخَرُّوا وَسَجَدُوا يُرجَّح أن ذلك السجود كان أسمى من السجود الذي يقدَّم عادة للملوك. فإنهم لم يقدموا مثل هذا السجود لهيرودس في أورشليم، مع أن جلالته الملكية كانت في غاية العظمة. ولم تجعلهم حالة يوسف ومريم الفقيرة يشكُّون في أهليته لسجودهم، ولم يرتابوا قط مع أنهم شاهدوا فتوراً زائداً في الكتبة ورؤساء الكهنة.

َسَجَدُوا لَه لأنه هو وحده موضوع سجودهم. ولو كان سجودهم للمولود خطأً لكان الله أرشدهم إلى الصواب، كما أرشدهم في أمور أخرى.

فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ أي الصناديق أو الأكياس الحاوية كنوزهم

ذَهَباً يُقدَّم غالباً للملوك وللآلهة.

َلُبَانا صمغ عطر الرائحة يستخرج من شجرة في بلاد العرب والهند، ويستعمل غالباً وقت الذبائح والعبادة الهيكلية (خروج 30: 8 ولاويين 16: 12 ورؤيا 18: 13).

وَمُرّاً صمغ آخر عطر الرائحة مر الطعم، يستخرج من بعض مناجم بلاد العرب والحبش (إشعياء 2: 12 ومزمور 45: 8)، ويستعمل بخوراً، ويُتخذ منه شراب مسكن للوجع (مرقس 15: 23)، ومُصلح لطعم الخمر، ويدخل في مواد تحنيط الموتى (يوحنا 19: 39) وفي تركيب نوع من المراهم. وهو غالي الثمن (خروج 30: 23).

فهذه الهدايا كلها ثمينة يليق أن تُهدى إلى الملوك على يد السفراء، فقد قدَّمت ملكة سبا مثل هذه الهدايا لسليمان. وتنبأ إشعياء (60: 6) بتقديم الذهب واللبان للمسيح. وكان إيمان المجوس عظيماً لأنه قدَّرهم أن يروا مجداً إلهياً في ذلك الطفل وهو على ذراعي مريم في منزلها الفقير. لقد حصلت هذه العائلة المقدسة بعناية الله على لوازم السفر إلى مصر، إذ أرسل الله أجانب وثنيين من بعيد ليقدموها. فعلينا أن نقدم للمسيح أفضل الهدايا: قلوبنا وكل ما لنا.

12 «ثُمَّ إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، ٱنْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ».

ما أحسن القدوة التي نراها في إيمان المجوس. لقد آمنوا به أولاً قبلما رأوه (والكتبة والفريسيون لم يؤمنوا). وآمنوا به ثانية وهو طفل على ذراعي أمه لا يلوح على وجهه شيءٌ من علامات السلطة الملكية، وسجدوا له كملك وإله. فباتِّباعهم النجم وجدوا المسيح شمس البر ونور العالم. والله يقود جميع الذين يتبعون أقل أشعة من النور الروحاني ليوصِّلهم إلى النور الكامل.

إذ أوحي إليهم في حلم: هذا الحلم كان لجميعهم، أو لواحد منهم أفاد به الآخرَيْن.

أَنْ لاَ يَرْجِعُوا لم تخطر مقاصد هيرودس الخبيثة على بالهم، ولم يكن لهم أدنى معرفة بها حتى أفادهم هذا الحلم. فلولاه لرجعوا وأخبروه بما رأوا، وأرسل حالاً من يقتل الولد. ولا يظهر أنهم وعدوه بالرجوع. ويُرجَّح أن الله حذرهم بهذا الحلم ليلة وصولهم إلى بيت لحم وسجودهم فيها. وفي صباح الغد رجعوا في طريقهم. والموجب لهذه السرعة نجاة الولد من يدي هيرودس الذي كان يشتعل حسداً.

فِي طَرِيقٍ أُخْرَى رجعوا إلى وطنهم بغير مرورٍ بأورشليم. وبعد انصرافهم لا نسمع من أمرهم شيئاً في الإنجيل. ولكن من يقول إن الإله الذي هداهم إلى بيت لحم ليسجدوا للمخلص الطفل في اتضاعه لم يهدِ نفوسهم إلى المدينة السماوية لكي يسجدوا له في مجده وارتفاعه؟

13 «َبَعْدَمَا ٱنْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَٱهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ ٱلصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ».

متّى 1: 2

ذكر متّى وحده حادثة الهروب إلى مصر، لأنه أراد أن يثبت تحقيق إحدى النبوات عن بالمسيح.

إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ لأن يوسف رأس العائلة. وظهوره في الحلم كما سبق وظهر. ولا شك أن المجوس أخبروه بحلمهم، فاستعدَّ ولم يتعجب عندما بلغه الخبر.

ٱهْرُب في هذا إشارة إلى الخطر ووجوب السرعة. إن الله يعرف كل مكر أعدائه وأعداء كنيسته، فقال لسنحاريب «ولكنني عالم بجلوسك وخروجك ودخولك وهيجانك عليَّ» (إشعياء 37: 28). لقد ابتدأت ضيقات المسيح وهو في سريره بعد زمن قصير من ولادته.

إِلَى مِصْرَ لأنها قريبة إليهم، فلا تزيد المسافة إليها عن سفر ثلاثة أيام (نحو 60 ميلاً). ولأنها لم تكن تحت سلطة هيرودس بل تابعة للرومان، ولأن عدداً كبيراً من اليهود كانوا يسكنونها وكان لهم هيكل في مدينة ليونتوبوليس بُني قبل ذلك بنحو 160 سنة. وفي الإسكندرية التي هي من أمهات مدن مصر تُرجم العهد القديم من العبرانية إلى اليونانية. وكانت مصر ملجأ للناس في ضيقاتهم، فلجأ إليها إبراهيم ثم يعقوب وبنوه، ثم يربعام (1ملوك 11: 40) ويوحانان ورفقاؤه (إرميا 43: 7). ولا شك أن يهوداً كثيرين هربوا إليها في زمن هيرودس خوفاً من مظالمه. ولا نعرف المكان الذي استوطنت فيه العائلة المقدسة. ويُظن من التقاليد أنه كان قرب القاهرة.

14 « فَقَامَ وَأَخَذَ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَٱنْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ».

فَقَامَ وَأَخَذَ هذا يبرهن ثقة يوسف الكاملة بإعلان الله، وسرعة طاعته، لأنه حالما استيقظ تهيأ للسفر.

ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ ذكر الصبي أولاً إجلالاً له.

لَيْلاً المرجَّح أنه ليلة الرؤيا ذاتها، وكان السفر ليلاً لكيلا يعلم هيرودس. وبما أن يوسف ومريم كانا غريبين في بيت لحم لم يحتاجا إلا إلى استعداد زهيد للسفر.

وَٱنْصَرَف هي نفس الكلمة التي أُسندت إلى المجوس. ولم تُذكر مدَّة سفرهم لأنه لم يكونوا محتاجين إلا لاجتياز الحدود بين اليهودية ومصر فيبلغوا محل الأمان.

15 «وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ ٱلرَّبِّ بِٱلنَّبِيِّ: مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ٱبْنِ».

هو 11: 1

وَكَانَ هُنَاكَ ظهرت طاعة يوسف حينئذ بمكثه في مصر كما ظهرت قبلاً في سفره إليها.

ٱلنَّبِيِّ هوشع 11: 1. كان هذا القول (1) إشارة إلى بني إسرائيل الذي كان بمنزلة ابن الله (خروج 4: 22، 23). و(2) إشارة رمزية إلى المسيح. وبقاء ذلك الشعب مدة في مصر كان رمزاً إلى مكث المسيح هناك، وبه جعل حياته مطابقة لحياة شعبه.

ينسب كتبة العهد الجديد إلى المسيح أكثر نبوات العهد القديم كأنها تمَّت به أكمل إتمام. فإن إسرائيل كان جسداً رأسه المسيح. وكما أن وجود إسرائيل كأُمةٍ ابتدأ وقت الخروج من مصر، هكذا كانت أوائل المسيح الذي كان إسرائيل رمزاً له. إلاَّ أن الأرض التي كانت لليهود أرض تنهُّد وعبودية صارت لملك اليهود المولود جديداً أرض ملجإٍ وراحة. وعين المحبة التي جعلت الله يُخرج إسرائيل من مصر جعلته أيضاً يُخرج يسوع من ذلك المكان. والكلمات التي نطق بها هوشع يصح أن تستعمل من جهة كلٍّ من الحادثتين.

مِنْ مِصْرَ إن لتلك البلاد مقاماً عظيماً في تاريخ شعب الله، فمنها خرج بنو إسرائيل وذلك المخلص الذي كانوا رمزاً إليه. ومنها نشأ التمدن والعلوم، واستعدَّ العالم بها لقبول الإنجيل.

مؤامرة الأشرار باطلة! فعلى قدر ما اجتهد هيرودس في أن يحصل على غايته كانت زيادة العقاب الشديد عليه, ولم تنفعه تلك المؤامرة. إن عناية الله في حفظ محبيه تملأ قلوب المؤمنين فرحاً وتعزية عظيمة، فانظر كيف كانت حال كلٍّ من هيرودس والطفل في بدء هذا الأصحاح، وتأمل كيف بدل الله حال كلِّ من المرتفعين والمتضعين بسرعة.

16 «حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى هِيرُودُسُ أَنَّ ٱلْمَجُوسَ سَخِرُوا بِهِ غَضِبَ جِدّاً، فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ ٱلصِّبْيَانِ ٱلَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا، مِنِ ٱبْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَبِ ٱلزَّمَانِ ٱلَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ ٱلْمَجُوسِ».

ما ذُكر هنا بدء اضطهادات المسيح التي انتهت بتعليقه على الصليب.

لَمَّا رَأَى رأى عدم رجوعهم إليه.

سَخِرُوا بِه هذا ما اعتبره هيرودس، لا المجوس. وبعدما أكمل متّى نبأ الهرب إلى مصر والبقاء هناك عاد يخبر بأحوال هيرودس بعد رجوع المجوس إلى وطنهم بدون أن يخبروه.

غَضِب لأنه لم يجد الولد، ولأنه أُهين بعدم طاعة المجوس له. وكانت بعض أسباب غضبه سياسية، وبعضها شخصية، وكلها نتيجة شدَّة غيرتِه.

وَقَتَلَ جَمِيعَ ٱلصِّبْيَان فالذي قتل امرأته وبعض أولاده لا يصعب عليه أن يقتل أولاد الآخرين عند احتدام غضبه. وروى عنه يوسيفوس المؤرخ أنه عندما مرض مرضه الأخير جمع إليه كثيرين من وجوه اليهود وأعيانهم وسجنهم في مكان واحد، وأمر بقتلهم ساعة موته لكي تكون مناحة في كل أنحاء المملكة بدل الفرح. ولا يذكر يوسيفوس مذبحة بيت لحم: إما لأن الأمر بها كان سراً لم يبلغ مسامعه، أو لأنه عدَّ ذلك قطرة من بحر أعمال هيرودس الشنيعة. فإن فرضنا عدد سكان بيت لحم ألفين فلا يزيد عدد الذكور الذين لهم من العمر سنتان فما دون عن الثلاثين طفلاً. فلا عجب إذا لم يشر يوسيفوس إلى هذه الحادثة التي جرت قبل كتابة تاريخه بثمانين أو تسعين سنة.

تُخُومِهَا ادخل التخوم تحت الأمر الذي أصدره لكي يوصد كل باب دون نجاة المسيح.

مِنِ ٱبْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ لا نستنتج من هذا أنه قد مضى سنتان من ظهور النجم للمجوس، بل أن هيرودس زاد على الزمان كما زاد على المكان (بقوله تخومها) حتى لا يمكن أن ينجو يسوع بطريقة من الطُرق. وذلك لأنه خاف أن المجوس لم يدققوا في الحساب، أو أن عساكره يخطئون في تقدير عمر الأولاد. وكان يفضِّل خطأه في تكثير عدد القتلى على تقليله.

لاحظ قوة سلطة الغضب، فلا يشفق الغضوب على الأطفال الأبرياء، ولا يهمه حزن أمهاتهم، ولا يبالي بصوت ضميره. وهكذا كل من سلَّم نفسه إلى سلطان الغضب لا يعلم أين مصيره. ويسوع كان رجل الأوجاع منذ طفولته، فهو المخلص الذي نحتاج إليه في ضيقاتنا.

17 «حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا ٱلنَّبِيِّ».

إرميا 31: 15

إِرْمِيَا 31: 15. هذه النبوة منقولة عن الترجمة السبعينية، وهي وفق الأصل معنىً لا لفظاً، أُريد بها أولاً الإشارة إلى سبي بابل، لأن اتخاذ نبوَّة واحدة للدلالة على حادثتين أو أكثر هو وفق عادة العلماء اليهود وكتبة العهد الجديد.

18 «صَوْتٌ سُمِعَ فِي ٱلرَّامَةِ، نَوْحٌ وَبُكَاءٌ وَعَوِيلٌ كَثِيرٌ. رَاحِيلُ تَبْكِي عَلَى أَوْلاَدِهَا وَلاَ تُرِيدُ أَنْ تَتَعَزَّى، لأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ».

ٱلرَّامَةِ قرية على الحدود بين سبطي بنيامين ويهوذا، شمال أورشليم، على بعد ساعتين منها (قضاة 19: 13). وهي المكان الذي أَخذ إليه نبوزردان الأسرى وقت سبي بابل، وقتل الذين تعينوا للموت، ونقل الباقين للسبي (إرميا 40: 1). وكان ذلك وقت ضيقة عظيمة وحزن شديد للأسرى. فتصوَّر النبي أن راحيل إحدى أمهات إسرائيل التي دفنت بالقرب من بيت لحم (تكوين 35: 19) اضطربت في قبرها، وقامت واشتركت في الحزن. فمتَّى يشير إلى حوادث السبي كأنها تكرَّرت ثانية، وكأن راحيل جدَّدت حزنها وبكاءها على الأولاد المقتولين، كما حزنت على الأسرى قبل ذلك بنحو 600 سنة. وقد تكون الرامة وطن يوسف الرامي الذي طلب جسد المسيح ليدفنه (متّى 27: 57).

لَيْسُوا بِمَوْجُودِينَ يعني ليسوا أحياء. مات أطفال بيت لحم بضربة كان الغرض منها قتل المسيح، فهم الشهداء الأولون. ولا شكَّ أنه ليست مسرَّة المسيح أن تهلك نفس أحد منهم، فما خسروه على الأرض ربحوه في السماء. وقد مات لأجله في زمن الاضطهاد ألوف من أولاد المسيحيين. ولا نشك في رحمة الله بالمسيح في أن جميع الذين يموتون في الطفولية يخلصون.

19 «فَلَمَّا مَاتَ هِيرُودُسُ، إِذَا مَلاَكُ ٱلرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي حُلْمٍ لِيُوسُفَ فِي مِصْرَ».

لَمَّا مَاتَ هِيرُودُس المرَّجح أنه مات في أريحا بعد المذبحة بأشهر قليلة، في ربيع سنة 750 لبناء رومية، أي 4 ق م، لأن الناس كانوا يؤرخون من يوم تأسيس رومية ولم يبدأوا الحساب المسيحي إلا بعد المسيح بخمس مئة سنة، فجعلوا السنة الأولى للميلاد سنة 754 لتأسيس رومية. فلا عجب إذا وقع خطأ أربع سنين مع طول المدَّة. وملك هيرودس 37 سنة ومات في سن السبعين.

فِي مِصْر حيث قيل له أن يبقى حتى يبلغهُ خبر. فظهور الملاك كان إتماماً للوعد (ع 13). ولا نعلم كم بقوا في مصر، والأغلب أن بقاءهم لم يزد عن السنتين، وقد يكون أقل.

20 «قَائِلاً: قُمْ وَخُذِ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَٱذْهَبْ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ، لأَنَّهُ قَدْ مَاتَ ٱلَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ ٱلصَّبِيِّ».

الأمر هنا كالمذكور في ع 13 سوى أنه قيل هناك «اهرب» وقيل هنا «اذهب» لأن السفر هنا ليس هرباً بل رجوعاً إلى الوطن.

أَرْضِ إِسْرَائِيلَ إشارة إلى الأرض المقدسة بجملتها.

ٱلَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ ٱلصَّبِيِّ قيل هذا بصيغة الجمع، بمعنى هيرودس ومشيروه الذين رغبوا في مرضاته، أو هيرودس وابنه أنتباتر الذي كان في مثل أخلاق أبيه الفاسدة ومشاركاً في طلب قتل من يدَّعي حق المُلك على إسرائيل، وهو الذي قتله أبوه قبل وفاته بخمسة أيام. أو أن متّى كتب بصيغة الجمع بقصد التعظيم كالعادة في ذكر الملوك.

مات جميع هؤلاء وبقي الصبي حيّاً. وكثيراً ما يبقى المسيحيون المضطهدون ليدوسوا قبور مضطهديهم، فإن للموت سلطاناً على الملوك كما على غيرهم.

قاتل الأطفال مات، وغلبة الأشرار وقتيَّة. أما الرب فباقٍ إلى الأبد. فقد صحَّ القول قديماً «مَاتَ الَّذِينَ كَانُوا يَطْلُبُونَ نَفْسَ الصَّبِيِّ» (متّى 2: 20) وسيبقى صحيحاً إلى النهاية. تآمر كثيرون على المسيح وديانته ولكن كان كل ذلك عبثاً (مزمور 2). قوة الأشرار للضرر لا بد أن تنتهي مع نهاية حياتهم القصيرة (أمثال 14: 22).

21 «فَقَامَ وَأَخَذَ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَجَاءَ إِلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ».

فَقَام إشارة إلى طاعته للأمر.

22 «وَلٰكِنْ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلاَوُسَ يَمْلِكُ عَلَى ٱلْيَهُودِيَّةِ عِوَضاً عَنْ هِيرُودُسَ أَبِيهِ، خَافَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى هُنَاكَ. وَإِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي حُلْمٍ، ٱنْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي ٱلْجَلِيل».

ص 3: 13 ولوقا 2: 39

لَمَّا سَمِعَ أَنَّ أَرْخِيلاَوُس سمع الخبر وهو في الطريق، أو عندما وصل اليهودية. وأرخيلاوس هذا ابن هيرودس الأكبر من امرأته السامرية ملثاسي. وهبه أبوه مملكته ولقبه، ولكن أوغسطس قيصر لم يعترف بذلك إلاَّ جزئياً، فأعطاهُ اليهودية وأدومية والسامرة فقط، وأبى أن يلقبه بملك قبل أن يُظهر ما يجعله مستحقاً لذلك. وانقسمت بقيَّة المملكة بين أخويه فيلبس وأنتيباس. وملك أرخيلاوس سنتين على رأي البعض وتسع سنين على رأي آخرين، ثم دُعي إلى رومية للمحاكمة بسبب قساوته، ونُفي إلى فيان في بلاد الغال حيث مات. فتولى شئون الحكم على اليهودية والٍ روماني.

خَافَ يعني خاف أن أرخيلاوس ينفذ مقاصد أبيه الشريرة، لأنه كان قاسياً مكاراً مثله. وأرسل عساكره في الفصح الأول بعد جلوسه لكي يشتت الجموع في أورشليم، وقتل منهم عدداً لا يقل عن ثلاثة آلاف نفس.

أوحي إليه في حلمٍ: هذه مرة رابعة علَّمه الله بالحلم. وسياق القصة يدل على أن هذا الكلام جواب سؤال.

ٱنْصَرَفَ أي حاد عن الخطأ. فإنه كان يقصد الرجوع إلى اليهودية إلى بيت لحم أو المرور بها. ولعلهُ ظنَّ أن المسيح الذي من سبط يهوذا يسكن في أرض يهوذا، للاعتقاد أنها أكثر قداسة من غيرها ولقربها من الهيكل، فيقدر أن يخالط الكهنة وعلماء الدين.

نَوَاحِي ٱلْجَلِيل هي القسم الشمالي من أرض إسرائيل التي كانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام: اليهودية جنوباً، والجليل شمالاً، والسامرة بينهما. فنظراً لبُعد الجليل عن أورشليم، ولكونها تحت رياسة أنتيباس ظهرت ليوسف أنها أكثر أمناً، لأن أخلاق أنتيباس كانت ألطف من أخلاق أرخيلاوس، ولأنه كان بينهما اختلاف فلا خوف أن يسلم أحدهما بطلب الآخر.

وكان سكان الجليل يهوداً مختلطين بالأمم، فحسبهم سائر اليهود أقل شرفاً وطهارة منهم.

23 «وَأَتَى وَسَكَنَ فِي مَدِينَةٍ يُقَالُ لَـهَا نَاصِرَةُ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلأَنْبِيَاءِ: إِنَّهُ سَيُدْعَى نَاصِرِيّاً».

مزمور 22: 6 و69: 9 وإشعياء 52: 14 و53: 1، 2 وزكريا 11: 12، 13 ويوحنا 1: 45، 46 وأعمال 24: 5

أَتَى وَسَكَنَ النَاصِرَةُ أي استقر في سكنه السابق. والناصرة بلدة في الجليل قرب سهل يزرعيل (أي مرج ابن عامر). فلا يذكر متّى ما ذكرهُ لوقا من أنها كانت مسكناً لمريم ويوسف سابقاً. ولكن عدم ذكر ذلك لا يبرهن عدمه، لأن تاريخه بدأ بولادة يسوع في بيت لحم، فلم تكن هناك حاجة إلى ذكر ما حدث قبل ذلك. فيسمي متّى الناصرة وطن يسوع (متّى 13: 54 و57).

لِكَيْ يَتِمَّ إشارة إلى قصد الله في إتمام النبوة وليس إلى قصد يوسف. وهذه هي النبوة الخامسة التي ذكر متّى أنها تمت بالمسيح.

ٱلأَنْبِيَاءِ بصيغة الجمع لأن الكلام إتمام نبوات كثيرة، وليس كلام نبي واحد.

سَيُدْعَى نَاصِرِيّا هكذا دُعي في أعمال 24: 6 وفي العنوان على الصليب. وهذه الكلمات ليست بحروفها في نبوات العهد القديم، بل في ما يتضمن معناها، وهو أن المسيح يكون مهاناً ومحتقراً مثل أهل الناصرة. ومن هذه النبوات إشعياء 53 وزكريا 12: 10 ومما يدل على أن أهل الجليل كانوا محتقرين ما ورد في يوحنا 1: 47 و4: 46 و7: 52. فالناصرة لم تكن مشهورة، وكان سكانها أشراراً جهلاء.

ظنَّ البعض النبوءة المذكورة في سفر إشعياء 11: 1 وهي قوله «ويُخرج قضيب من جذع يسَّى وينبت غصن من أصوله» قد تمت حرفياً بأن تسمَّى المسيح «غصناً» أي «ناصراً» في الأصل العبراني. فيحتمل أن متّى لاحظ الأمرين (أي اسم المكان وحقارته في عيون الجميع) مطابقة النبوءة. ورأى أن كل النبوات التي تشير إلى المسيح كناصري تمت حقيقة ومجازاً.

ع 23: سيرة المسيح في الناصرة مثالٌ لنا في التواضع، فلم يطلب المدن الكبيرة لتكون مسكناً له، بل سكن تلك القرية الحقيرة حيث شبَّ وبقي حتى بلغ الثلاثين من عمره. ولا نعرف إلا القليل من أخبار حياته في هذه المدة. والمرجح أنه اشتغل بالنجارة، وصرف خمسة أسداس حياته في الانفراد ومسكن الفقر. وهذا يعلمنا التواضع والقناعة. فلا يحسن أن يستحي شعب المسيح بالفقر ولا يصعب عليهم تعيير الناس ما دام معلمهم صرف حياته فقيراً وسُمي ناصرياً.

قائمة بأسماء عائلة هيرودس الكبير

الأصحاح الثالث

1 «وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ ٱلْيَهُودِيَّةِ».

مرقس 1: 4، 15 ولوقا 3: 2، 3 ويوحنا 1: 28 ويشوع 15: 61، 62

وَفِي تِلْكَ ٱلأَيَّامِ الأيام التي كان يسوع ساكناً في الناصرة. وهذا لا يدل على مدة معينة لكن المدة بعد الحوادث المذكورة في الأصحاح السابق نحو خمس وعشرين سنة، ولم يحدث أثناءها تغيير في الأحوال، ولم يحفظ من حوادثها إلا واحدة جرت قبل ذلك بثماني عشرة سنة (ذُكرت في لوقا 2: 42 - 52). وأراد متّى بتلك «الأيام» وقت كان طيباريوس قيصر امبراطوراً في رومية، وبيلاطس والياً خامساً على اليهودية. وسكوت الكتاب عن حوادث هذه المدة يُعلّم الأولاد مُثل الطاعة والإكرام لوالديهم، ويعلمنا جميعاً الصبر والمواظبة على الدرس في استعدادنا لأعمال الحياة.

جَاء أو ظهر. يرجح أنّه حينئذ كان قد بلغ سن الثلاثين. وهو الوقت الشرعي لممارسة الكاهن وظيفته (عد 4: 3، 47).

يُوحَنَّا في العبراني «يوحنان» أي عطية الله. ذُكر نبأ ولادته في لوقا 1.ولم يذكر متّى ترجمة يوحنا قبل كرازته، إما لأن ذلك كان معروفاً جيداً عند الذين كتب لهم بشارته، أو لأنه كان غير ضروري للقصد من كتابته. وهو يوحنا ابن زكريا وأليصابات، أكبر من المسيح بستة أشهر، صرف كل زمن حداثته بالسكوت، ولم يُذكر من أمره شيء إلا ما ورد في لوقا 1: 80 «وكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي الْبَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ لإِسْرَائِيلَ». فالظاهر أنه صرف وقته بالانفراد ودرس الكتاب المقدس والصلاة والتأمل استعداداً للقيام بأمر وظيفته. وكان من أنسباء أم يسوع (لوقا 1: 36) وذُكرت شهادته ليسوع في يوحنا 1: 6 - 8 و19 - 37.

ٱلْمَعْمَدَان ذِكر متّى هذا اللقب لأنه كتب للذين يعرفونه به، واعتادوا مشاهدة المعمودية التي كانت مقترنة بكرازته على نوع خاص. ويبين مما ورد في خروج 29: 4 ولاويين 8: 6 و14: 8 و15: 31، 32 أن التطهيرات بالماء كانت شائعة في النظام الموسوي وعند الأسينيين. وكان اليهود يعمدون المتهودين من الأمم، ولكن كان لمعمودية يوحنا معنى أعظم مما سبقها. فكانت إشارة إلى التوبة ورجاء الغفران. وهي تختلف عن المعمودية المسيحية، لأن تلاميذ يوحنا تعمدوا ثانية عندما آمنوا بالمسيح (أعمال 19: 5). وسؤال الكهنة واللاويين ليوحنا يوحنا 1: 25 يشير إلى أن المعمودية من علامات مجيء المسيح.

يَكْرِزُ ينادي كرسول. كان يوحنا أحد أنبياء العهد القديم. ومضت 400 سنة لم يظهر فيها نبي غيره. وهو نبيٌ جمع صفات موسى وإشعياء كناية عن الشريعة والموعد. وهو آخر أنبياء لعهد القديم والأقرب إلى المسيح الذي هو خاتم الشريعة والأنبياء، ولذلك قيل إنه أعظم المولودين من النساء. وهذه المقارنة ليست مبنيَّة على صفات خاصة بل على درجة وظيفته، إذ قد أتى بروح إيليا (لوقا 1: 17) فهو سابق المسيح الذي فاقت كرازته كرازة جميع الذين سبقوه. وكانت غايتها تجهيز الناس لقبول المسيح كمخلص لهم من خطاياهم.

فِي البَرِّيَّةِ هذه البرية شرقي أورشليم قرب بحر لوط، تربى فيها يوحنا (لوقا 1: 80). والمشار إليها في لوقا 3: 3 بالمنطقة المحيطة بالأردن، وكانت قليلة السكان وأكثرها مراعٍ للمواشي.

ولا نستنتج من عمل يوحنا وجوب التنسك، لأن هذا كان بأمر الله ليوحنا لا من استحسانه. وقد مارس يوحنا الكرازة في البرية ولم يلازم الصمت والبطالة.

2 «قَائِلاً: تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».

دانيال 2: 44

تُوبُوا هذا جوهر كرازته التي كانت تتنوع كتنوع الأحوال والناس الذين يخاطبهم، ولم تكن بتكرار كلمة «توبوا». والتوبة التي أشار إليها لم تكن مجرد الحزن والندامة، بل مع الحزن إصلاح السيرة، وتجديد القلب بالرجوع عن الخطية إلى الله. ومعنى الكلمة في الأصل اليوناني «تغيير الفكر أو القلب» فهي تدل على الإصلاح الكلي للقلب والسلوك. وقد نادى يوحنا بمغفرة الخطايا بواسطة المسيح الآتي قائلاً: قد اقترب الوقت، وأتى زمان التوبة، لأن الفادي مزمع أن يحضر، وبه وحده غفران الخطايا.

كانت مناداته ضرورية لأن بني إسرائيل كانوا قد توغلوا في الفساد، وفي شعائر وعوائد وتقاليد كثيرة، ونسوا وجوب الطاعة الروحية لله. ونادى قبله هذه المناداة عينها ملاخي، آخر الأنبياء (ص 4، 5، 6) وابتدأ يسوع وعظه بها (متّى 4: 17).

ولو أمر يوحنا اليهود بجمع الجيوش والاستعدادات الحربية لاتَّفق تعليمه مع آرائهم وانتظاراتهم في تعليم «سابق المسيح» لأنهم كانوا ينتظرون منقذاً سياسياً يبدد أعداءهم ويرفعهم إلى ذروة الفخار.. ومع أن هذا كان الرأي الغالب بينهم، جاء في أحد كتبهم «إن تاب إسرائيل يوماً واحداً فقط، ففي ساعة يحضر المسيح».

لم يقُل يوحنا، هذا المصلح اليهودي العظيم، شيئاً عن تقديم الذبائح التي تطلبها الشريعة، ولا عن ممارسة الشعائر اليهودية، بل نادى بوجوب عمل روحي قلبي. فالتوبة استعداد ضروري لإتيان المسيح شخصياً، كما أنها استعداد ضروري لإتيانه روحياً إلينا ومكثه في قلوبنا وسكنه فينا.

ٱقْتَرَب اقترب زمن ظهوره، وذلك بناءً على ما حدث، من ولادة يسوع، وقرب زمن إعلان ذاته، وإتمام كل نبوة من نبوات هذا الملكوت.

مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَات أي ملكوت المسيح الروحاني، الذي يُسمى أيضاً ملكوت الله. ويكرر متّى هذه اللفظة ثلاثين مرة في بشارته. ويحتمل أنه نقلها من دانيال 7: 13، 14، 27 و2: 44. ويُسمى ملكوت السماوات لأنه ليس من العالم، فمصدره وصفاته ونتائجه كلها سماوية، ولأن المسيح الملك فيه أتى من السماء. ولكن اليهود ظنوا أنه يكون ملكوتاً أرضياً، ولذلك رفضوا مخلِّصاً متواضعاً. فسمّاه متّى سماوياً ليصلح هذا الخطأ. ولم يسلم الرسل من هذا الخطأ إلا بعد يوم الخمسين.

ولم يقصد يوحنا بذلك ملكوتاً مستقبلياً محضاً، بل ملك المسيح من بدء مجيئه إلى هذه الأرض إلى مجيئه الثاني، وتكميله ملكوته في السماء. فالمقصود به هنا بدء الملكوت، وفي أماكن أخرى نهايته المجيدة. وكانت أكثر آراء يوحنا في هذا الملكوت روحية، ولكن أفكاره لم تخْلُ من آراء اليهود الشائعة في أمر المسيح.

وقد أُقيم هذا الملكوت وبُشِّر به منذ أيام يوحنا إلى الآن، وكل واحد يغتصب نفسه إليه (لوقا 16: 16). فعلينا أن نصلي «ليأتِ ملكوتك» ليتقدم ملكوت النعمة ويأتي ملكوت المجد.

3 «فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي قِيلَ عَنْهُ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ: صَوْتُ صَارِخٍ فِي ٱلْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ. ٱصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً».

إشعياء 40: 3 ومرقس 1: 3 ولوقا 3: 4 ويوحنا 1: 23 ، لوقا 1: 76

فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي قِيلَ هذه شهادة متّى لكرازة يوحنا الذي أُرسل ليتمم هذه النبوة التي تُنبِّئ بها قبل ذلك بسبع مئة سنة، وهكذا فسرها البشيرون الأربعة، ويوحنا نفسه، وهي مذكورة في إشعياء 40: 3. فإن كانت تشير جزئياً إلى رجوع بني إسرائيل فقد تمت أعظم إتمام بشخص يوحنا.

صَوْتُ ظن البعض أن يوحنا تسمى بهذا الاسم تمييزاً بينه وبين المسيح الذي هو الكلمة، وظنَّ آخرون أن هذه التسمية تدل على أن حياته كلها صُرفت في المناداة بعد صمت الأنبياء منذ زمن ملاخي.

أَعِدُّوا طَرِيقَ ٱلرَّبِّ الرب هنا هو المسيح الآتي وهو إله. وقوله «أعدوا طريق الرب» ترديد للعادة القديمة عند إتيان ملك، فكان يُرسل منادٍ أمامه، يدعو الشعب للاستعداد لقدومه بأن يزيلوا الموانع من الطرق. فمعنى هذه النبوة الروحية: تهيئة قلوب الناس لقبول الملك يسوع، بتوبتهم وتواضعهم وشعورهم بالاحتياج إلى مخلِّص، وبتركهم الخطية والعصيان. فإعداد طريق الرب الآن يكون بإزالة الكبرياء والاتكال على الذات والكفر واليأس. فإن لم تزُل هذه من قلوبنا لا يمكن حلول المسيح فيها.

4 «وَيُوحَنَّا هٰذَا كَانَ لِبَاسُهُ مِنْ وَبَرِ ٱلإِبِلِ، وَعَلَى حَقَوَيْهِ مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْدٍ. وَكَانَ طَعَامُهُ جَرَاداً وَعَسَلاً بَرِّيّاً».

2ملوك 1: 8 وزكريا 13: 4 ومرقس 1: 6 ، لاويين 11: 22، 1صموئيل 14: 25، 26

يوحنا يشبه إيليا في ملابسه وعاداته، وكان ذلك موافقاً لوظيفته.

وَبَرِ ٱلإِبِلِ نستنتج من سفر زكريا (13: 4) أن ذلك كان لبس الأنبياء الخاص في العهد القديم، وكانت الثياب المصنوعة منه خشنة ورخيصة يلبسها الفقراء وأهل الحِداد. وكان النبي إيليا يلبس منها (2ملوك 1: 8). ويحتمل أن قصد يوحنا بهذا الملبس الإشارة إلى التبكيت والحداد على خطايا إسرائيل، ليرجع ذلك الشعب إلى بساطة الأزمنة القديمة التي كان لبسه وأكله يشيران إليها.

مِنْطَقَةٌ مِنْ جِلْد أي كمنطقة (حزام) إيليا، واختلفت بأنها من جلد، ومناطق غيره التي يرجح أنها كانت ثمينة لدقة صنعها ونفاسة مادتها.

جَرَاداً وهو المعروف لنا، وأجازت الشريعة الموسوية أكله (لاويين 11: 22). ويأكله الفقراء الآن في بعض البلدان. وأما شراب يوحنا فيُعلم من بشارة لوقا (1: 15).

عَسَلاً بَرِّيّا يكثر العسل البري في شقوق الصخور في البرية حيث كان يوحنا مقيماً. فعلى هذا أتى يوحنا «لا يأكل ولا يشرب» أي نذيراً. فلا يكلف غيره بأن يعمل عمله، لأنه كان يعيش بمقتضى وظيفته، وكان كله مثالاً للتوبة.

5 «حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ ٱلْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ بِٱلأُرْدُنِّ».

مرقس 1: 5 ولوقا 3: 7

خَرَج تركوا بيوتهم ليذهبوا إليه في البرية، أي إلى شاطئ الأردن.

أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ ٱلْيَهُودِيَّة أي سكانها. وسمحت له كثرة عددهم أن يقول «كلهم».

ٱلْكُورَةِ ٱلْمُحِيطَةِ بِٱلأُرْدُنّ لعل المقصود السامرة والجليل وعبر الأردن مع اليهودية، لأن اشتهار اسمه كنبي جعل الناس يُقبلون إليه من الأماكن القريبة والبعيدة. وذلك دليل واضح على الانتباه الشديد، والتأثير العظيم الذي أحدثه ظهور يوحنا. وأتى إليه كثيرون من سكان تلك البلدان من أنباء حياته وحال معيشته وتوجيهه الكلام إلى الضمير.

وكان انتباه أفكار الشعب يومئذ عظيماً، وقلوبهم تتأثر من كل شيء غريب وجديد، فلا ريب أن روح الرب أغراهم لسماع هذا الرسول. فكان لهم بذلك دعوتان: دعوة داخلية، ودعوة بفم يوحنا. ودام تيقُّظ الناس وخروجهم إلى البرية مدة لا نعرف مداها.

6 «وَٱعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي ٱلأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ».

أعمال 19: 4، 18

وَٱعْتَمَدُوا كانت هذه المعمودية رمزية تشير إلى التطهير الأخلاقي، واستُعملت قديماً مقرونة بتقديم الذبائح، برهاناً على ارتباط عمل الفداء بعمل التقديس. وقد مارسها يوحنا بأمر إلهي (يوحنا 1: 33) وبذلك لُقب بالمعمدان. وقيل إن اليهود كانوا يمارسونها وقت قبول المتهودين. وفي ممارستهم لهم إشارة إلى عدم طهارة الأُمة اليهودية واحتياجها إلى التطهير بواسطة التوبة، وكانت المعمودية إشارة إليه.

فِي ٱلأُرْدُنّ لا يدل هذا الكلام على كيفية العماد، فلا يظهر منه أن العماد كان بالرش أو بالسكب على الواقف عند ضفتي النهر، أو بتغطيسهم فيه. ولا نجد في كل الإنجيل شيئاً يدل على مقدار الماء المستعمل، أو على كيفية استعماله. والكلمات اليونانية المترجم عنها معناها «غسل رمزي». واجتماع الناس عند الأردن بقصد الاعتماد من يوحنا ليس دليلاً على التغطيس في النهر، فمن الضروري أن يكون ألوف الناس معهم كثير من الماشية بالقرب من نهر، نظراً لقلَّة الينابيع والسواقي في تلك الأماكن. والأمر معلوم أن معموديته ليست المعمودية المسيحية، ولم تكن بدلاً من الختان.

مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ لم تكن معموديتهم مجرد رسم ذي بركة من ذاته أو من قداسة النبي الذي مارسه، بل كانت مقترنة باعتراف عام بالزيغان عن الديانة الأصلية، كأفراد وكأمة، والإقرار بأنهم يستحقون الدينونة التي أعلنها النبي. ويُفهم من قول متّى أن هذا الاعتراف كان علناً لا سراً. ولا حاجة إلى بيان أنه في وقت كهذا تزدحم الجموع فيه لم تكن فرصة للاعتراف الانفرادي. وهذا الاعتراف كان (1) اختياراً لا اضطراراً (2) لله لا ليوحنا (3) إجمالاً لا مفصَّلاً (4) جهاراً لا سراً (5) اعترافاً بالخطايا التي ارتكبوها قبل المعمودية.

وجوهر الفرق بين معمودية يوحنا والمعمودية المسيحية، هي أن الأولى علامة التوبة على الخطايا، والثانية الإقرار بالمسيح والاعتراف به مخلصاً.

7 «فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ مِنَ ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ يَأْتُونَ إِلَى مَعْمُودِيَّتِهِ، قَالَ لَهُمْ: يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي، مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي؟».

متّى 12: 34 و23: 33 ولوقا 3: 7 - 9 ، رومية 5: 9 و1تسالونيكي 1: 10

فَلَمَّا رَأَى كَثِيرِينَ رآهم المعمدان يطلبون المعمودية بدون الاستعداد اللازم. فالانتباه الديني لا ينحصر في طائفة واحدة لأنه كان يعمُّ أناساً مختلفين. ومن هذا تظهر شدة تأثير تعليم يوحنا، فإنه وفَّق بين المتخالفين الذين أتوا لمجرد التفرج، أو اقتداءً بغيرهم، أو ليكونوا زعماء هذه الحركة الجديدة إذا نجحت. وعلى كل حال فإنهم أتوا بلا ميل إلى التوبة.

ٱلْفَرِّيسِيِّينَ وَٱلصَّدُّوقِيِّينَ طائفتان كانتا غالب الأحيان في خصام، ولكنهما اتفقتا حينئذ وبعدئذ على مقاومة المسيح. قال يوسيفوس إنهما نشأتا نحو سنة 150 ق.م. وكان الفريسيون غيورين على حفظ الطقوس اليهودية أحسن حفظ، مع التمسك بتقاليد رؤساء اليهود. ومعنى اسمهم المفروزون. وهو لا يشير إلى أن غايتهم فرز أنفسهم عن بقية اليهود بل عن بقية الشعوب. وكانت ضلالتهم الدينية الاعتبار الفائق لحرف الناموس وإهمال روحه، واحترام للتقاليد وتسليم أنفسهم بذلك للأوهام وللبر الذاتي والرياء وصورة الدين لا حقيقته. وحين كان المسيح على الأرض كان هؤلاء أشد خصومه.

وسُمي الصدوقيون كذلك نسبة إلى صدُّوق رئيسهم. وكانت ديانتهم ديانة الشكوك والكفر واعتماد المبادئ العقلية، ولذلك رفضوا التقاليد. والأرجح أنهم رفضوا بعض أسفار العهد القديم الأخيرة، وأنكروا القيامة وخلود النفس ووجود الملائكة، وتبعوا بعض العوائد الوثنية.

وكان هناك غير هاتين الفرقتين فرقة أخرى غير مذكورة في الإنجيل، وهي جماعة الأسينيين. وكانوا بين اليهود بمثابة الباطنيين في بعض الأديان. مارسوا التطهيرات اليهودية، واعتنقوا الفلسفة اليونانية، وكثيراً ما تمسكوا بالتقشُّفات الجسدية، وتجنبوا مخالطة الناس، وكانوا قليلي العدد والأهمية. وهذا هو سبب عدم ذكرهم في الإنجيل.

أما الفرقتان الأوليان فأظهرتا في بادئ الأمر احتراماً ليوحنا كنبي، ولكن قلَّ اعتبارهم له بعد قليل بسبب مواعظه. ولما نادى بأن يسوع هو المسيح أنكروا نبوَّته وسلطانه فعلاً إن لم يكن قولاً (لوقا 7: 30 ومتّى 21: 25 - 27). والأرجح أن قليلين منهم استفادوا من مجيء المسيح (لوقا 7: 30 ومتّى 11: 18). وكان بينهم بعض الأتقياء (يوحنا 3: 1 وأعمال 5: 35).

أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي نوع من الحيات شديدة الاحتيال والضرر. ولم يستعمل يوحنا هذا الوصف للفريسيين والصدوقيين كراهية واحتقاراً، بل توبيخاً لهم على صفاتهم العامة وعدم إخلاص نواياهم في مجيئهم إليه، وإشارة إلى ضرر تعليمهم الذي هو كالسم الناقع. واستعمل سيدنا هذا الوصف عينه في متّى 23: 33. فالأرجح أن كلامه كان مبنياً على ما قيل في «نسل الحية» (تكوين 3: 15). فمع أنهم أبناء إبراهيم أشبهوا نسل الحية في مقاومتهم «نسل المرأة».

مَنْ أَرَاكُمْ تعجب يوحنا من أن أناساً قساة القلوب مثلهم مرائين، يخافون حتى يتظاهروا بالتوبة ويرغبوا في أن يتَّصفوا بصفاتها.

أَنْ تَهْرُبُوا أي تجتهدوا في أن تهربوا. فبسؤاله هذا يظهر الشكَّ في صدق مقاصدهم، فإن كان ما يدَّعونه صحيحاً فهو يبيِّن لهم أنهم يحتاجون إلى وسائط أكثر فاعلية لنوال غايتهم. فكأنه قال: أي رجاء لمن كان مثلكم؟

ٱلْغَضَبِ ٱلآتِي أي غضب الله وقصاصه على الخطية. تنبأ ملاخي (3: 2 و4: 5) بإظهار غضب الله عند إتيان «سابق المسيح» ولذلك انتظر الناس أياماً مضطربة. فسبب خوف الفريسيين والصدوقيين هو من هذه الحركات المنتظرة، لا القصاص على خطاياهم الخاصة. وبولس يستعمل هذه العبارة في 1تسالونيكي 1: 10. ومعنى غضب الله هذا نجده في خراب أورشليم، وفي قصاص الخطاة يوم الدين.

8 « فَٱصْنَعُوا أَثْمَاراً تَلِيقُ بِٱلتَّوْبَةِ».

فَٱصْنَعُوا أَثْمَاراً أي إن كنتم بالحقيقة هاربين، كما ادَّعيتم، فاعملوا أعمالاً تطابق ذلك. أي توبوا التوبة الحقيقية واتَّقوا الله وانفعوا الناس، ولا تظنوا المعمودية بالماء والإقرار باللسان يجديان نفعاً. فإن العلامة الحقيقية للتوبة هي حياة التقوى، والثمار الجيدة تستلزم شجرة جيدة. لقد كانوا محتاجين إلى ولادة جديدة، لأن تسلسلهم الطبيعي من إبراهيم لا يكفيهم.

9 «وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُمْ: لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَباً. لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ ٱللّٰهَ قَادِرٌ أَنْ يُقِيمَ مِنْ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةِ أَوْلاَداً لإِبْراهِيمَ».

وَلاَ تَفْتَكِرُوا أَنْ تَقُولُوا فِي أَنْفُسِكُم أي لا تقولوا ولا تظنوا في قلوبكم أن مجرد كون إبراهيم أباكم يفيدكم شيئاً عند الله.

لَنَا إِبْرَاهِيمُ أَبا أي أننا نخلص طبعاً لأننا ورثة حقيقيون لذاك الذي كان له الوعد. هذا كان افتخارهم (يوحنا 8: 33، 37، 39). فيوحنا لم ينكر نسبتهم إلى إبراهيم، بل أنكر أنها تكفيهم لنوال رضى الله بغضّ النظر عن صفاتهم. وقد تبيَّن استنادهم على هذه النسبة في أحد تقاليدهم وهو أن إبراهيم جالس أمام الباب المؤدي إلى الجحيم فلا يسمح بانحدار أحد نسله المختونين إلى هناك.

ولنا من ذلك أن فضائل الوالدين الأتقياء لا تنفع أولادهم، إلا بشرط أن يقتفي هؤلاء خطوات والديهم. فاستناد البعض الآن على عضويتهم في الكنيسة عبث، كما كان استناد الناس قديماً على عضويتهم في الكنيسة اليهودية. فيجب على كل إنسان بمفرده أن يتوب ويؤمن.

لأَنِّي أَقُولُ لَكُم كان فكر اليهود أن الله ملتزم بتخليص شعبه المختار. ولو أراد رفضهم ما أمكنه ذلك. فقال يوحنا: ولو هلكوا جميعاً لا يكون الله بلا شعب، إذ يمكنه أن يقيم له شعباً مما لا يخطر على بال إنسان أن يكون ذلك منه.

يُقِيمَ أي ينقل من عدم الحياة إلى الحياة بنفس السهولة التي بها صنع آدم من التراب.

مِنْ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَة إشارة إلى حجارة حقيقية كانت على الأرض قريبة منه. والمعنى أن الله لا يحتاج إلى اليهود، فيمكنه أن يجدد النسل إذا هلك الأفراد، أو يتخذ أمة أخرى بدلاً من أمتهم. وهنا تلميح إلى إمكانية دعوة الأمم التي صارت فيما بعد بالفعل. فتسلسلنا من الأتقياء لا يفيدنا شيئاً بل يزيد دينونتنا إذا لم تنتج منه طهارة الحياة.

أَوْلاَداً لإِبْراهِيم أعني مستحقين أن يأخذوا اسمه وميراثه والمواعيد المعطاة له ومشابهين إياه روحا (غلاطية 3: 29).

10 «وَٱلآنَ قَدْ وُضِعَتِ ٱلْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار».

متّى 7: 19 ولوقا 13: 7، 9 ويوحنا 15: 6

وَٱلآنَ أي ليس في وقت مستقبل أو بعيد، بل في نفس الساعة التي أكلمكم فيها.

وُضِعَتِ ٱلْفَأْس اتخذ اسم آلة معتادة كناية عن الدينونة الإلهية. وقوله «وُضعت» إشارة لقصد الواضع أن يقطع الشجرة فيما بعد. ويحتمل أن يكون المعنى أنه قد بوشر قطعها، أي ابتدأت الدينونة. أو أنها وُضعت بدون استعمال استعداداً لرفعها واستعمالها في أي دقيقة كانت. وفي كل ذلك دلالة على قُرب الخطر منهم لأن الشجرة بلا ثمر. ولا رجاء إلا بالتوبة السريعة.

عَلَى أَصْلِ ٱلشَّجَر يعني بالشجر الناس الذين ينتظر الله منهم ثمراً وهم كل الأمة اليهودية، ولا سيما الذين كان يخاطبهم، أي الفريسيون والصدوقيون ورؤساء الشعب والجماعات التي أتت إلى يوحنا للمعمودية. وقال «أصل الشجر» لأن الأصل المحل الأنسب لقطع الشجرة وملاشاتها بالكلية. فليس المقصود إذاً تهذيب الشجرة، أي قطع بعض أغصانها، إشارة إلى إصلاح بعض العوائد الرديئة والأعمال الخارجية ووقوع القصاص على البعض من الأفراد، بل الشجرة برمتها أي الأمة بأسرها.

ثَمَراً جَيِّدا أي ثمار تليق بالتوبة (ع 8) «وجيداً» أي صالحاً ومقبولاً لدى الله، ومفيداً لمن يصنعه وللآخرين.

تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار تُقطع من أصلها حتى لا يبقى منها شيء. وزيدَ «تُلْقَى فِي النَّارِ» (لوقا 3: 9) دلالة على هلاك الأشرار، بسبب غضب الله عليهم (ع 7) وبسبب ضرر الخطية للخاطئ (عبرانيين 12: 29).

11 «أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ، وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي، ٱلَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ. هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَنَار».

مرقس 1: 8 ولوقا 3: 16 ويوحنا 1: 15 وأعمال 1: 5 وإشعياء4: 4 و44: 3 وملاخي 3: 2 وأعمال 2: 3، 4 و1كورنثوس 12: 13

أَنَا أُعَمِّدُكُمْ لم يكن قول يوحنا تهديداً لهم من عنده، ولا بسلطانه، فهو مجرد «سابق للمسيح». إنما الذي سيعاقبهم هو السيد الآتي. وهنا يقارن يوحنا بين خدمته وخدمة المسيح، فيُظهر أنها أقل من خدمة المسيح وأن شخصه دون شخصه في الاعتبار. فمعمودية يوحنا للتوبة كانت خارجية، بينما معمودية المسيح داخلية. ومعمودية يوحنا كانت بالماء إشارة إلى تلك التوبة التي لا يمكنه أن يمنحها، بينما معمودية المسيح كانت بقوة الروح القدس الفعالة المجددة.

ٱلَّذِي يَأْتِي بَعْدِ عرف الجميع أن غيره آتٍ بعده، ولو أنهم كانوا يجهلون العلاقة بينهما، وأن ذلك الآتي هو ملاك العهد (ملاخي 3: 3).

أَقْوَى مِنِّ أي أقدر منه فعلاً، وأعظم منه شرفاً.

لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَه العلاقة بينهما ليست مجرد علاقة سابق بلاحق أو عبد بسيده، لأن أدنى عبد يمكنه أن يحمل حذاء سيده. وهو يحسب هذه الخدمة التي هي أدنى الخدمات شرفاً لا يستحقه!

فاعتراف يوحنا جهاراً ومراراً بأنه أصغر من المسيح، يرينا أنه كان يقنع سامعيه بأنه ليس المسيح الآتي، وأنه كان يعرف العلاقة الصحيحة بينه وبين المسيح وأنه يعترف بها دوماً، وأنه انتصر على تجربة الافتخار الناتجة عن مدح الناس له. فهو الشخص المناسب ليكون سابقاً للمسيح الوديع والمتواضع القلب. وتواضع يوحنا مثال لكل من يخدمون المسيح. فكلما رفعوا شأن سيدهم يرفعهم سيدهم. والذين يكرمهم الله ليكونوا وسائط لعمل خير جزيل يكونون صغاراً في عيون أنفسهم. والعظمة الحقيقية مقرونة بالتواضع دائماً.

هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ هناك فرق بين أعمالها كما كان بين شخصيهما. وليس الفرق بين المعموديتين في كيفية ممارستهما، بل في أن معمودية المسيح هي معمودية النفوس بقوة روحية وحلول الروح القدس، وليس نتيجتها التوبة وحدها بل أنها مصحوبة بالخلاص. فالتأثير الذي يترتب على مجيء المسيح أعظم من التأثير الذي صار بوعظ يوحنا، وهذا ما حدث يوم الخمسين، واستمر بعد ذلك إلى الآن بأعدادٍ أكبر جداً.

بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُس أي الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس.

وَنَار ليست نار غضب الله (ع 12) بل إشارة إلى قوة فاعلية النار في التطهير (إشعياء 4: 4 وإرميا 5: 14 وملاخي 3: 2). وقد ظهر تأثيرها في أعمال 2: 13. وقد ذكر يوحنا الماء والنار كعلامتين لفعل الروح القدس في النفس.

12 «ٱلَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ، وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ، وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى ٱلْمَخْزَنِ، وَأَمَّا ٱلتِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأ».

ملاخي 3: 3، 4: 1

ٱلَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ الرفش هو الآلة التي يُذرَّى بها الحَبُّ في الهواء لفصله عن التبن. شبَّه يوحنا أمة اليهود بالشجرة التي تُقطع وتُلقى في النار (ع 10). وهنا يشبِّههم بتبن أُتلف بنفس الطريقة. إلا أنه لم يقتصر على ذكر الهالكين المعبر عنها بالتبن، فذكر المخلَّصين الذين شبَّههم بالقمح.

وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَه تشير الكلمة اليونانية إلى تنقية البيدر تنقية تامة لا يترك معها شيء منه غير مذرَّى، كناية عن نهاية العمل كله. ويمكن أن يكون القصد من هذا التشبيه الإشارة إلى تأديب الله الناس وقصاصه لهم في هذه الحياة وفي نهاية العالم. ولكنه يشير بالأكثر إلى تعليمه الذي يمتحن به القلوب، وإرسال روحه القدوس ليوقظ الضمائر ويقودها إلى سُبُل التوبة والإصلاح، وإرسال الضيقات، وأخيراً الدينونة. فبكل هذا ينقي الله بيدره تمام التنقية.

يَجْمَع بواسطة ملائكته متّى 25: 32، 33.

قَمْحَهُ دلالة على قيمته، وإشارة إلى المخلَّصين. وإضافة القمح إلى الضمير يشير إلى أنهم خاصته، وثمر تعبه. وأما التبن فلم يقُل إنه تبنُه لأنه بلا قيمة.

إِلَى ٱلْمَخْزَن وهذا يحتمل معنيين: (1) كنيسة المسيح على الأرض (1بطرس 1: 5). و(2) السماء.

وَأَمَّا ٱلتِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأ التبن هو الأشرار، وإحراقهم أي هلاكهم كلي، ونارهم لا يمكن إطفاؤها. وهذا مجاز يشير إلى حقيقة مخيفة، لأن نيران غضب الله التي تظهر في الدينونة الزمنية هنا لا تزال تحتدم إلى الأبد في جهنم الأبدية (متّى 25: 41 و2تسالونيكي 1: 8، 9). ويظهر مما ذُكر أن إرسال المسيح هو للرحمة وللدينونة. فالرحمة للذين يقبلونه، والدينونة للذين يرفضونه.

ومن وعظ يوحنا هنا نرى رداءة الخطية، وضرورية التوبة لخلاص. وتُعرَف التوبة الحقيقية من أثمارها. وعظَّم يوحنا شخص المسيح وعمله كمخلص، ونادى بالروح القدس، وباحتياجنا إلى المعمودية به، وأنذر الأشرار بنهايتهم الرهيبة، وبشَّر المؤمنين الحقيقيين بحسن العاقبة. ويوحنا مثال حسن لنا، لأنه واعظ أمين أنبأ سامعيه بالحق، وبيَّن لهم حقيقتهم، ولم يلتفت إلى شيء من غناهم أو شرفهم أو سطوتهم، وكشف الحجاب عن خطاياهم ونتائجها الهائلة. كما أن يوحنا مثال لنا في التواضع، فلم يفتخر بأن الجماهير أقبلت إليه، بل سُرَّ بأن يعظم شأن المسيح، وبأن يضع كل ما أحرزه من الإكرام عند قدميه.

13 «حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ مِنَ ٱلْجَلِيلِ إِلَى ٱلأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا لِيَعْتَمِدَ مِنْهُ».

متّى 2: 22

حِينَئِذٍ جَاءَ يَسُوعُ معمودية يسوع كانت أهم الحوادث التي جرت في خدمة يوحنا، وكانت استعداداً لبدء خدمة المسيح، الذي اعتمد وهو بلا خطية، وبلا حاجة إلى التوبة، ليُظهر خضوعه التام للشريعة، وليكرم يوحنا كنبي وسابق له، وليبين أنه مشترك مع شعبه في كل شيء: في معموديته كما في موته. وأشار بقوله «حينئذ» إلى الوقت الذي فيه كان يوحنا يكرز ويعمد أو (وهو الأرجح) إلى المدة التي مرَّت بين ظهور يوحنا وموته، وهي ثلاث سنين، مضى نصفها ويوحنا في السجن. وقوله «جاء» يشير إلى ظهوره جهاراً على غير انتظار وإلى أنه لم يعتمد خفية (لوقا 3: 21).

مِنَ ٱلْجَلِيل من ناصرة الجليل حيث أقام منذ طفولته (مرقس 1: 9 ومتّى 2: 29).

إِلَى ٱلأُرْدُنِّ إِلَى يُوحَنَّا ذكر هنا المكان والشخص اللذين أتى إليهما. فالمكان عند نهر الأردن، لأنه كان لا بدَّ لمثل أولئك الجموع الكثيرة من مياه غزيرة تكفيهم وتكفي مواشيهم. ولا مياه غزيرة في تلك الجهات إلا في الأنهار. ومخرج النهر المذكور من سفح جبل الشيخ، وهو يجري جنوباً ويمر أولاً في مياه ميروم (أي بحيرة الحولة) ثم في بحر الجليل. وبعد تعاريج كثيرة يصب في بحر لوط، حيث يصير طوله مئتي ميل.

لِيَعْتَمِدَ مِنْه الغرض من مجيئه أن يعتمد بمعمودية التوبة، وهو البار. فوضع ذاته تحت الشريعة كجزءٍ من اتِّضاعه، باعتباره فادينا. والذي «أُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ» (إشعياء 53: 12) «وجَعَلَ خَطِيَّةً لأَجْلِنَا» (2كورنثوس 5: 21) «وكان في صورة عبد خاطئ» اقتضى أن يمارس الرسوم والتطهيرات المكلف بها الإنسان.

14 «وَلٰكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ قَائِلاً: أَنَا مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيَّ».

لٰكِنْ يُوحَنَّا مَنَعَهُ لم يذكر ذلك من البشيرين الأربعة سوى متّى. وكان منعه له قبل أن يقتنع بكلامه. فيوحنا لم يعتبر معموديته نافعة بذاتها، بل علامة لأمر روحي. وقد تحقق أن يسوع كان بلا خطية، فلا يحتاج إلى المعمودية التي هي علامة التوبة عن الخطية والتطهير منها.

أنا محتاج: عرف يوحنا نفسه أنه أقل من المسيح مقاماً، فرأى احتياجه إلى أن يعتمد منه، لأن المسيح أفضل (ع 11) ولأن يوحنا رأى أنه خاطئ يحتاج إلى غفران من حمل الله الذي يرفع خطية العالم (يوحنا 1: 29، 36)، ويحتاج إلى المعمودية الروحية ممن شهد هو له أنه يعمد بالروح القدس ونار (ع 11). فيوحنا الذي سمع الاعتراف من غيره اعترف هنا للمسيح.

وَأَنْتَ تَأْتِي إِلَيّ! قوله هذا يُظهر التعجب من مجيئه. فكأنه يقول: أيأتي الذهب إلى الطين ليكسب بهاء، أم الشمس إلى السراج لتقتبس نوراً، أم السيد إلى العبد لينال شرفاً، أم البار إلى الأثيم ليُعطَى براً؟ ويظهر أيضاً أنه عرف من نبأ يسوع السابق ما هو كافٍ لأن يقنعه أنه هو المسيح، وذلك لا يناقض قوله «وأنا لم أكن أعرفه» (يوحنا 1: 33) لأنه إلى ذلك الحين لم يرَ العلامة الموعود بها من السماء التي تعلن رسمياً أنه المسيح.

15 «فَقَالَ يَسُوعُ لَهُ: ٱسْمَحِ ٱلآنَ، لأَنَّهُ هٰكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ. حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ».

ٱسْمَحِ ٱلآن أي سلِّم بذلك. وبهذا لم يشر إلى أن يوحنا لا يحتاج أن يعتمد منه، ولا إلى أن تمنُّع يوحنا بلا سبب كافٍ. ولكن المسيح بيَّن له أنه يجب أن يسلِّم بطلبه ولو كان ذلك غريباً وفوق إدراكه. وقوله «الآن» يدل على أن السبب وقتي، بالنظر إلى مقتضى الحال، وهو اتِّضاع المسيح بدلاً من البشر.

هٰكَذَا يَلِيقُ بِنَا أي بيسوع ويوحنا، بناءً على العلاقة بينهما وعلاقتهما بالله. أي يليق بالمسيح نائباً عن الخطاة، وبيوحنا سابقاً للمسيح، ليتمِّما ما يطلبه الله.

نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ أي كل مطالب الشريعة التي رضي باختياره أن يكملها. وذلك أمر لو رفض القيام به لكان ذلك نقصاناً في ما يجب فعله. فأراد يسوع أن يكرم المعمودية بقبوله إياها. ويحتمل أن كلمة «بر» مأخوذة بمعناها المستعمل في رومية 3: 21، 23 حيث تشير إلى الترتيب الذي نظمه الله لتبرير الخاطئ بواسطة المسيح، وهو يتضمن معمودية المسيح كأحد لوازمه. وهذه المعمودية هي علامة رسمية لابتداء المسيح ممارسة وظيفته. فاستعداده الداخلي لممارسة وظيفته لم يُغن عن استعمال الطقوس الخارجية. فالمعمودية طقس موقَّر تثبت رسوليته، وأشار إلى تكريسه بها. وكما أطاع الشريعة هنا أطاعها في ختانه، والقيام بواجباته في الهيكل والمجمع، وفي إيفاء الجزية، وحفظ عيد الفصح وبقية الأعياد. فعلَّمنا بذلك كيف يجب أن نعم كخدمة أمناء لله. ولنا من ذلك أن الكمال الحقيقي يظهر في الطاعة الكاملة.

حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ ليس فقط أنه عمده، بل أطاع أمره وامتثل لسلطانه وصدَّق ما قاله المسيح بوجوب إجراء العمل برضاه. فالتواضع والشعور بعدم الاستحقاق لا يمنع من إتمام الواجبات.

16 «فَلَمَّا ٱعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ ٱلْمَاءِ، وَإِذَا ٱلسَّمَاوَاتُ قَدِ ٱنْفَتَحَتْ لَهُ، فَرَأَى رُوحَ ٱللّٰهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ».

مرقس 1: 10 إشعياء 11: 2 و42: 1 ولوقا 3: 22 ويوحنا 1: 32 و33

فَلَمَّا ٱعْتَمَد حالما اعتمد يسوع أعلن الله بعلامة منظورة وبصوت مسموع أنه هو المسيح. وذكر لوقا علاوة على ما ذكره متّى أنه كان يصلي (لوقا 3: 21).

صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ ٱلْمَاء إما من شاطئ النهر أو من النهر ذاته حيث اعتمد. فقوله «من الماء» لا يلزم منه أنه كان تحت الماء. لأن «من» هنا كمن في قوله صعد من الجليل (لوقا 2: 4). فلا يدل الكلام على كيفية المعمودية.

وَإِذَا إشارة إلى حادثة فجائية غريبة.

ٱلسَّمَاوَاتُ قَدِ ٱنْفَتَحَتْ أي لوح السماء المنظور، إشارةً إلى أن الطريق مفتوحة بين الأرض والسماء، وأن هناك سبيلاً لنزول البركات. ومثل هذا ما جاء في أعمال 7: 56 و10: 11 ورؤيا 19: 11.

لَه أي ليسوع، لأن هذه الرؤية كانت بسببه. وكانت أيضاً شهادة ليوحنا (يوحنا 1: 32، 33) وللشعب (لوقا 3: 21). ولكن مضمونها الخاص كان إكرام يسوع والشهادة له أنه هو المسيح، وأن عمله مقبول.

فَرَأَى أي يسوع. ولكن هذا لا ينافي إن الآخرين رأوا، لأن هذه ليست رؤيا ظهرت ليسوع أو ليوحنا كما في غيبة، بل رؤية حسية ظاهرة لجميع المشاهدين.

رُوحَ ٱللّٰه وهذا أيضاً ليس تأثيراً روحياً إلهياً لا تشعر به الحواس، بل أقنوماً إلهياً هو الأقنوم الثالث من الثالوث الأقدس. فقد مسح الروح يسوع حينئذ لأجل ممارسة وظائفه كنبي وكاهن وملك، كما تنبأ إشعياء (61: 1).

نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَة ظنَّ البعض أن الروح نزل كما تنزل الحمامة، إشارة إلى كيفية النزول بالهدوء مثل رفرفته على وجه المياه يوم تكوين العالم (تكوين 1: 2). وقال آخرون إن الروح أخذ هيئة حمامة كما أخذ هيئة ألسنة النار في يوم الخمسين. وكان قصد الروح بعمله هذا بيان الاتصال الحقيقي بينه وبين المسيح. وقال البعض إن الروح اختار هذه الهيئة لأن الحمامة موصوفة بالطهارة والوداعة والسلام، فيليق أن تكون الحمامة إشارة إلى تأثيرات الروح القدس والروح الذي أظهره المسيح، وإشارة إلى أن النظام الذي وضعه يختلف عن النظام السابق الذي ابتدأ في رعود وبروق.

وكانت العلامة وقتية، لكن حلول الروح القدس عليه كان حلولاً أبدياً.

آتِياً عَلَيْه فالمقصود بهذه الرؤية هو المسيح. والأمر الجوهري في ذلك أن الروح القدس ظهر بهيئة جسدية (لوقا 3: 22) وإنه نزل من السماء واستقر على يسوع ليدل على أنه هو الشخص المخصص من بين هذا كل الحاضرين، معلناً أنه دخل معه في علاقة جديدة، باعتباره فادياً، مع أنهما واحد منذ الأزل. فحلول الروح القدس على «المولود من الروح» سرٌ عظيم. وهذا الروح كان علامة خارجية للروح الذي كان فيه سابقاً. وبما أنه كان قد أتى الوقت لبدء ممارسة وظيفته أُعطيت له علامة منظورة تدل على أنه ممسوح من الروح القدس.

17 «وَصَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ قَائِلاً: هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».

يوحنا 12: 28 مزمور 2: 7 وإشعياء 42: 1 ومتّى 12: 18 و17: 5 ومرقس 1: 11 ولوقا 9: 35 وأفسس 1: 6 وكولوسي 1: 13 و2بطرس 1: 17

صَوْتٌ مِنَ ٱلسَّمَاوَاتِ لم يكن هذا الصوت تخيُّلياً كما يُسمع أحياناً في الرؤيا ، بل كان حقيقياً، شهادة من الآب. ويرَّجح أن كل الحاضرين سمعوها. ولم يُسمع هذا الصوت منذ إعطاء الشريعة على جبل سيناء حتى ذلك الوقت، أي وقت بداءة الإنجيل. وسُمع مثله وقت التجلي (متّى 17: 5) وقبل موت المخلِّص بقليل (يوحنا 12: 28، 30).

قَائِلاً: هٰذَا هُوَ ٱبْنِي ابني حبيبي ومختاري.. هو الذي نزل الروح عليه. وقيل في مرقس ولوقا «أنت ابني» فقال البعض إن في هذا تناقضاً يبيِّن خطأ البشيرين. ولكن تفاوت كيفية التعبير عن حادثة ما لا ينفي صدق الشهود، فقد يكون أن الواحد ذكر نبأ الحادثة بلفظها، وآخر ذكره بمعناه، كما يحدث كثيراً في تأدية الشهادات.

ٱبْنِي هذا هو اللقب المنسوب إلى المسيح في الوعد لداود 2صموئيل 7: 14 ومزمور 2: 7. وبناءً على ذلك يُسمى غالباً في الإنجيل «ابن الله». وأما العلاقة بين الآب والمسيح (البنوَّة) فهي أزلية وليست مبنية على ولادة يسوع غير الطبيعية. فلا يدخل تحت هذه التسمية شيءٌ مما يتعلق بالولادة في زمان من الأزمنة. وليس فيها أدنى تشبيه إلى ولادة طبيعية من والدين بشريين. ولكنها إشارة إلى المحبة بين الآب والابن، والقرابة الشديدة، والاتحاد في الجوهر، والمساواة في الرتبة والمقام.

ٱلْحَبِيبُ المحبوب منذ الأزل لأنه ابنٌ منذ الأزل. وهذا ما أشار إليه يوحنا بقوله «في حضن الآب» (يوحنا 1: 18)، وما ورد في أمثال 8: 30 «كُنْتُ عِنْدَهُ صَانِعًا، وَكُنْتُ كُلَّ يَوْمٍ لَذَّتَهُ، فَرِحَةً دَائِمًا قُدَّامَهُ». وإشعياء 42: 1 ويوحنا 10: 17. ومع أنه كان دائماً محبوباً إلى الله، زادت محبته ظهوراً حينئذ، بأنه باشر عمل الفداء.

ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْت هذا يوافق ما قيل في إشعياء 42: 1 «الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي» ويشير إلى تمام الرضى به. وهو ليس مجرد تكرار معنى قوله «الحبيب» الدال على الاتفاق الأزلي في الشعور، بل يشير أيضاً إلى مسرة الله بالمسيح عندما ابتدأ عمل الفداء باعتبار أنه ابن الإنسان والوسيط والمسيح (أفسس 1: 4 ويوحنا 17: 24).

ويُسر الآب بنا عندما نقترب إليه بواسطة ابنه يسوع المسيح وسيطنا. وهذه المناداة الإلهية يجب أن تكون عندنا ذات قيمة واعتبار، لأنها تؤكد أن عمل يسوع لأجل خلاصنا قد ثبَّته الآب، وأن ذبيحته لأجلنا قُبلت، وقد صدَّقت السماء على الغفران المنادى به في الفداء.

وقد أعلنت هذه الحادثة علناً العلاقة بين أقانيم الثالوث الثلاثة في جوهر إلهي. فأظهر الآب وجوده بصوت مسموع، وظهر الروح القدس نازلاً بهيئة منظورة على ابن الله المتجسد. ويتبرهن تعليم الثالوث أيضاً من الكلمات المعطاة لنا للاستعمال في رسم المعمودية (متّى 28: 20). ويحق لكل واحد من الأقانيم عبادة أبدية واحدة وإكرام واحد. فنرى من هذه الحادثة أن الأقانيم الثلاثة مشتركون في عمل الفداء متفقون عليه في قصدهم الأزلي ثم على إجرائه في زمان معيَّن.

الأصحاح الرابع

1 «ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ مِنَ ٱلرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ».

مرقس 1: 12 ولوقا 4: 1 و1ملوك 18: 12 وحزقيال 3: 14 و8: 3 و11: 1، 24 و40: 2 و43: 5 وأعمال 8: 39

ثُمَّ أي بعد المعمودية (مرقس 1: 12 ولوقا 4: 1). فبعدما نتمتع بعلامات رضى الله الفائقة يجب أن نقاسي أشد التجارب.

أُصْعِد طاعة لتأثيرٍ فيه متميِّز عن مشيئته، لكن غير مخالف لها. فلم يدخل في التجربة من تلقاء نفسه. فيجب علينا أن لا نعرِّض ذواتنا للتجارب. فبين اقتياد المسيح إلى البرية ليجرَّب وذهاب لوط إلى سدوم محل التجربة فرقٌ عظيم.

مِنَ ٱلرُّوح ليس من روحه بل من الروح القدس الذي نزل حينئذ واستقرَّ عليه (متّى 3: 17) فهذا أنشأ فيه ذلك التأثير. قد امتلأ من ذلك الروح الذي أشار إليه يوحنا في قوله «كنت في الروح يوم الرب» (رؤيا 1: 10) والذي خطف فيلبس (أعمال 8: 39).

إِلَى ٱلْبَرِّيَّة أي إلى القفر العاري من النبات والخالي من الناس ومسكن الوحوش (مرقس 1: 13). ولعلها البرية التي تاه فيها بنو إسرائيل أربعين سنة، أو أنها البرية الواقعة إلى الجنوب الغربي من أريحا. وقد جرت التجربة على نائب الجنس البشري الأول في جنة عدن، وجرت على نائبه الثاني في البرية.

لِيُجَرَّب أي يُمتحَن. وهذه كانت غاية اقتياد الروح القدس له وفقاً لإرادة الله الآب. قد تجرَّب المسيح بدلاً منا، فإن آدم الأول تجرَّب وسقط، وبسقوطه سقط الجنس البشري، فلزم أن آدم الثاني يُجرَّب ليُظهر استحقاق كونه فادياً للبشر، يرفعهم من هاوية ذلك السقوط. فالتجربة حدثت حقيقة، ولم تكن رؤيا أو تمثيل محاربة داخلية في أفكار المسيح. والأرجح أن ما رواه متّى ولوقا من نبأ هذه التجربة نقلاه عن رواية المسيح إياها لتلاميذه.

وقد جعل ناسوت المسيح التجربة ممكنة. وجعلت نيابتهُ عنا ذلك ضرورياً. فليست التجربةُ خطيةً، إنما الخطية هي التسليم لهما. ولا ينتظر أحد أولاد الله العفو من التجربة، لأن المسيح جُرِّب، وليس التلميذ أفضل من المعلم.

مِنْ إِبْلِيس وهو رئيس الشياطين (متّى 9: 34 و12: 24) ورئيس الملائكة الساقطة (متّى 25: 41 ورؤيا 12: 9 و20: 10) والحية القديمة (رؤيا 12: 9) الشيطان (أي 1: 6) وبعلزبول (متّى 12: 24) ورئيس سلطان الهواء (أفسس 2: 2) الذي خدع أبوينا الأوَّلين (2كورنثوس 11: 3) ويُسمى العدو. وهو عدو الله والناس.

كانت تجربة المسيح قسماً ضرورياً من اتِّضاعه في إجرائه عمل الفداء، وجزءاً من محاربته العظيمة التي تنبأ الأنبياء أنها ستكون بين نسل المرأة ونسل الحية، إذ قد برز للمحاربة النائبان عن كل منهما. وبما أن يسوع أتى إلى العالم لينقض أعمال إبليس (1يوحنا 3: 8) وجب أن يغلبه أولاً. والمسيح بتجرُّبِه جعل علاقة متينة بينه وبين شعبه المجرَّب، وفيما هو قد تألم يقدر أن يعين المجرَّبين (عبرانيين 2: 18). فإذا تحقق الشعب أنهم يجربون يؤكد لهم أنهم ينتصرون وينجون بواسطته إذ قد انتصر قبلهم.

2 «فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً، جَاعَ أَخِيراً».

فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (لوقا 4: 2). لم يكن يصوم نصف النهار ويأكل في النصف الآخر كما كان صوم اليهود أحياناً جرياً على تقاليدهم، بل صام الأيام الأربعين كلها. وهذا الصوم كان فوق الطبيعة، فلا يصح أن يكون مثالاً لشعبه. ولم يأمرنا الإنجيل أن نفعل شيئاً سنوياً مثل ذلك. فالمسيح صام مرة في حياته وذلك نيابة عنا. وهذا لا ينافي كون الصوم من الواجبات المسيحية (متّى 6: 16). ولكن لا يتحتم علينا أن نجعل أعجوبة المسيح قياساً لواجباتنا، ولا يستحق تبديل الأطعمة أن يسمى صوماً.

جَاعَ أَخِيراً أي بعد نهاية الأربعين يوماً. ونستنتج من ذلك أنه لم يجُع أثناءها، فانقطاعه عن الطعام كل تلك المدة أمر خارق للطبيعة، لا من باب إنكار الذات المؤلم. فذلك لم يكن لنقتدي به. وعندما صار من تلك الحال إلى حال الطبيعة البشرية جاع. وهذه أول مرة ذكر الإنجيل أن سيدنا شاركنا في الاحتياجات الجسدية، فقد حارب عدوَّه وانتصر عليه، مع أن التجربة كانت في عظيم قوتها وجسده أقل قوة منها. واحتمل الجوع لأجلنا في البرية والعطش على الصليب. وكثيراً ما تأتينا التجارب اليوم من الاحتياج الجسدي، ولكن يمكن أن الإنسان يعوزه الخبز ويكون عزيزاً لدى الله.

3 «فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزاً».

فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلْمُجَرِّبُ لم يقل إن هذا كان بداءة تجربة المسيح، فلا تناقض بين قوله وقول مرقس في 1: 13 وقول لوقا 4: 2 إنه تجرَّب أربعين يوماً، لأنه من المحتمل أن التجارب الثلاث التي ذكرها متّى كانت نهاية سلسلة التجارب، أو أنها هي الوحيدة التي فيها ظهر المجرب شخصياً. فالذي سُمي هنا مجرِّباً هو الذي دُعي إبليس في ع 1، فهو المجرِّب الذي جرَّب المسيح، والذي عمله الخاص إلقاء كل البشر في التجارب. لقد تجاسر على ابن الله، فهل ينتظر أحدٌ أن لا يجرَّب؟ قد دخل الشيطان العالم مجرِّباً (تكوين 3) فلا شك أنه سيجرِّبنا.

وَقَالَ لم يكن صوتاً مسموعاً من متكلم غير منظور، لكن صوت شخص أتى إليه، إما بصورة إنسان أو بصورة ملاك نور (2كورنثوس 11: 14). ولم يذكر متّى أن الشيطان اتَّخذ جسداً، ولكن القول إنه جرب المسيح كروح لا ينطبق على تفاصيل الخبر.

إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰه في هذا القول تلميحٌ إلى الصوت الذي أتى من السماء وقت المعمودية (متّى 3: 17). وقوله «ان كنت» يدل على تشكيك في الأمر يفتقر إلى برهان ينفيه، فكأنه قال: هل يمكن أن يتعرَّض ابن الله للجوع؟ إن جوعك ينزع حق تسميتك «ابن الله». إن لك سلطاناً على الطبيعة، فلماذا لا تستعمله لتخلُص من جوعك وتحفظ حياتك من الموت القادم عليك بعد هذا الصوم الطويل؟ فمن كان ابن الله يقدر على كل شيء. فإن كنت ابن الله فهينٌ عليك أن تبرهن ذلك وتنجو من الضيق.

فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هٰذِهِ ٱلْحِجَارَةُ خُبْزاً الإشارة إلى حجارة قريبة منهما «تصير خبزاً» أي تتحول إلى خبز. فلم يحثه المجرب على أن يصنع لذاته طعاماً فاخراً، بل خبزاً فقط يشبع جوعه ويصون حياته من الخطر. فالخطية التي أراد الشيطان أن يرتكبها المسيح هي عدم الاتكال على الله وعدم الثقة بعنايته. وهنا تظهر حيلة المجرِّب بأن حثَّ المسيح على أمرٍ ليس إثماً بذاته، لأن مخاطبة الحجارة ليست خطية! نرى من هذا أن الشيطان يغتنم الفرصة ليجرب الناس بما يحتاجون إليه، فيجرب الفقراء والجياع ليتذمروا على الله ويسرقوا، ويظهر أن كلامه مناسب للموقف. وهذا يعلِّمنا أن المناسب للموقف ليس دائماً صحيحاً.. فالذي حوَّل الماء خمراً بعد ذلك كان قادراً على أن يجعل الحجارة خبزاً، ولكن ما كان يصنعه لغيره لم يصنعه لذاته. لقد أشبع ألوف الناس ولم يصنع لنفسه رغيفاً واحداً. فيجب إذن أن نخاف من التجربة التي تظهر كأنها ناتجة عن حب المجرب لنا.

4 «فَأَجَابَ: مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ ٱللّٰهِ».

مَكْتُوبٌ في تثنية 8: 3 ولم يزل مكتوباً، فقد شهد المسيح لصدق كُتب موسى باستناده على كلام الله، وهو يعلمنا بذلك كيف يجب أن نقاوم مثل هذه التجارب، بأن نضع الحق مقابل الضلال، وكلمة الله مقابل وساوس المجرب. فالمسيح وهو مكمل الناموس أجاب الشيطان من الناموس، وغلبه في هجومه الثلاثي بتلك الأسلحة التي اتخذها من أدوات الحرب الروحية. وعمله هذا يعلمنا أننا يجب أن نكون عارفين أقوال الكتاب المقدس حسناً لنقدر أن نقاوم إبليس ونغلبه بواسطة تلك الآيات.

لَيْسَ بِٱلْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا ٱلإِنْسَانُ معنى هذا الكلام الأصلي أن بني إسرائيل لم يعيشوا بالخبز المعتاد الذي حصلوا عليه بمجهودهم، فطحنوه وعجنوه وخبزوه، بل عاشوا بالقوت الذي أوجدته لهم كلمة الله، وهو المن. فالمقارنة هنا ليست بين خبز مادي وخبز روحي، بل بين قوتٍ عادي كالخبز وقوت آخر يمكن لله أن يقدمه بواسطة أخرى. فلم يقل المسيح في جوابه للشيطان «أنا ابن الله» بل جعل ذاته بمنزلة إنسان. كأنه قال: ليس السؤال عن قوتي كابن الله، بل عن واجباتي كإنسان وقت الاحتياج. فلم يستخدم قوته الإلهية للحصول على ما يحتاج إليه من الضروريات البشرية، بل جعل ذاته إنساناً كباقي الناس، وغلب الشيطان كإنسان لأجل الجنس البشري. لأنه عندما اتخذ طبيعة الإنسان رضي أن يشارك الناس في احتمال احتياجاتهم، وفي الالتجاء إلى الله لسد هذه الاحتياجات مثلهم. فلو خلَّص ذاته من الضيق بمعجزة لارتكب نفس الخطية التي ارتكبها بنو إسرائيل عندما شكوا في قدرة الله وعنايته. وكما كان جواب المسيح هنا كان روح تعليمه فيما بعد (متّى 6: 25، 32 و10: 39).

5 «ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَةِ، وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ ٱلْهَيْكَلِ».

نحميا 11: 1، 18 وإشعياء 48: 2 و52: 1 ومتّى 27: 53 ورؤيا 11: 2

ثُمَّ في ترتيب لوقا التجربة الثانية هي الأخيرة، والأرجح أن متّى تبع الترتيب الذي جرى.

أَخَذَه ليس بالرغم منه، بل كرفيق. فمن اتِّضاعه الاختياري رضي أن يُقاد من مكان إلى آخر، كما رضي بعدئذٍ أن يُقاد للجلد والصلب. وتسليمه بالإهانة الكبرى أن يجرَّب من إبليس تتضمن التسليم بالإهانة الصغرى وهي أن يُقاد منه.

ٱلْمَدِينَةِ ٱلْمُقَدَّسَة هي أورشليم، لأنها المركز المقدس ومدينة الملك العظيم (متّى 5: 35). وسفره إلى أورشليم لم يكن رؤيا بل حقيقة، ولعله أتى من البرية إليها.

أَوْقَفَه ليس بقوة أو بسلطة، بل جعله أن يقبل ذلك بالالتماس، أو بطريقة أخرى لم تُذكر.

جَنَاح ذلك إما جزء ناتئ من سطح الهيكل إلى أمامه، أو من رواق سليمان الذي بُني مشرفاً على وادي يهوشافاط من علوٍ شاهق. قال يوسيفوس كان علو الجناح 400 ذراعاً، يعتري الناظر منه إلى أسفل دوار.

ٱلْهَيْكَل حضر الشيطان ليجرِّب المسيح في أقدس موضع من المدينة المقدسة. فإذاً لا نخلو من التجارب ولو في أقدس الأماكن.

6 «وَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ ٱبْنَ ٱللّٰهِ فَٱطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ، فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ».

مزمور 91: 11، 12

ٱطْرَحْ نَفْسَكَ أي من على سطح الهيكل إلى الدار الوسطى، أو من سطح الرواق إلى الوادي العميق دون خوف، طمعاً في الحماية الإلهية وحفظ الملائكة لك. فكانت هذه التجربة عكس الأولى، لأنها للطمع الذي هو الاتكال على الحماية الإلهية في الأحوال التي لم يعِد الله فيها بالحماية. وذلك عندما يدخل الإنسان في الخطر عمداً. فجرَّب إبليس المسيح ليمتحن صدق الوعد، ويبرهن أنه هو المسيح. فإن كان هو حقيقة فلا يحصل له أذية، بل يُقنع جميع الحاضرين بهذا العمل أكثر مما يقنعهم باحتماله الاضطهاد والتعب والفقر سنين عديدة.

لأَنَّهُ مَكْتُوب اقتدى الشيطان بالمسيح، فاقتبس آية من مزمور 91: 11، 12 ليغلبه بها، ومضمونها طمأنينة أتقياء الله في كل الضيقات، وهو وعد لجميع المتكلين عليه لا سيما المسيح. لكن ذلك لم يكن وعداً بالوقاية من أخطار نأتيها اختياراً. فهو لا يجعل الأمر الذي جرَّب الشيطان المسيح به جائزاً، لأنه ترك جزءاً جوهرياً منه، وهو في «كل طرقك». فطرح نفسه من جناح الهيكل ليس من طُرق المسيح المعينة له من الله. والشيطان لا يألو جهداً في صيد النفوس بواسطة آيات الكتاب المقدس، كما فعل في تجربته للمسيح.

مَلاَئِكَتَه إشارة إلى وظيفتهم باعتبارهم أرواحاً للخدمة (عبرانيين 1: 14). ولا نتعلَّم من هذه الآية أن لكل مؤمن ملاكاً حارساً.

يَحْمِلُونَك كلام مستعار مما نشاهده من اعتناء الأمهات بأطفالهن العاجزين.

لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَك كما يفعل الوالدون بأولادهم في الأماكن الصعبة خشية من عثورهم.

7 «قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ ٱلرَّبَّ إِلٰهَكَ».

قَالَ لَهُ يَسُوعُ: مَكْتُوبٌ في تثنية 6: 16. دفع سيدنا هذه التجربة كما دفع الأولى بجواب من كتاب الله.

لاَ تُجَرِّبِ أي لا تطلب برهاناً لما لا يحتاج إلى زيادة برهان. لا تطلب من الله أن يبرهن اعتناءه عندما تلقي ذاتك في خطر تُدخِل نفسك فيه. فكأنه قال: لا يجوز لي أن أجرب عناية الله وصدقه بطرح نفسي من فوق إلى أسفل، لأن هذا يكون طمعاً وليس اتكالاً.

وكل من طلب برهان محبة آخر له أظهر الشكَّ في تلك المحبة. فطلب برهان كهذا لا يكرم الله ولا يُظهر الاتكال التام عليه وعلى وعده، بل الشك فيه. ولم يطلب المسيح فيما بعد معونة الملائكة (متّى 26: 53). فلشعب الله الآن حق أن ينتظروا حمايته في كل خطر بأمره، وإلا فلا.

8 «ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَمِ وَمَجْدَهَا».

ثُمَّ ترتيب للتجربة الثالثة. والمرجح أنها حدثت بعد الثانية.

أَخَذَهُ إِلَى جَبَل معنى ذلك (كما في ع 5) أنه أخذه كرفيق. ظنَّ بعض الذين حسبوا التجربتين الأوليين أنهما حدثتا حقيقة وأن هذه حدثت في الرؤيا ، ولكن لا داعي إلى مثل هذا الظن. ويحتمل أن الجبل المذكور هو جبل نبو (تثنية 34: 1) أو جبل تابور أو حرمون (جبل الشيخ) الذي تُرى منه كل الأرض المقدسة وبعض سوريا. أو ربما جبل الزيتون العالي بالنسبة إلى ما حوله من الجبال.

أَرَاهُ ليس في رسم أو رؤيا ، بل جعله يمدُّ نظره باختياره وبطريقة غير طبيعية على كل ممالك الأرض. أو أنه أراه بعضها عياناً وبعضها تخيُّلاً، إذ شخَّصها أمامه بطريقة واضحة ليراها بعين ذهنه، ويرى عظمتها وغناها ومجدها.

جَمِيعَ مَمَالِكِ ٱلْعَالَم أي ممالك فلسطين التي كانت أمام عينيه أولاً، وبقية المملكة الرومانية وغيرها من ممالك الأرض التي تصورَّها المسيح أمام عقله بمجرد وصف المجرب لها.

وَمَجْدَهَا بعدد مدنها وقراها وقوّتها ودلائل غناها وفخرها.

9 «َقَالَ لَهُ: أُعْطِيكَ هٰذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي».

أُعْطِيكَ هٰذِهِ جَمِيعَهَا ادَّعى أن له الحق أن يفعل ذلك (لوقا 4: 6). ويظهر أن له شبه الحق في ما قال (يوحنا 12: 31 و14: 30 و16: 11 و2كورنثوس 4: 4 وأفسس 6: 12) فهذه الآيات تدل على أن له ممالك العالم. ولا نعلم حدود سلطته ولا كيفية ممارستها، إنما نعلم أن العالم لم يكن تحت سلطانه المطلق قط، ولن يكون كذلك أبداً.

إن أفضل أسلحة إبليس خلطه الحق بالباطل، فبعد ما أظهر جودة ممالك العالم وفخرها، عرضها على المسيح عطيَّة له، فكأنه قال له: أنت تنتظر أن تسترد هذه الممالك لسلطانك بواسطة الآلام والموت، ولكني أقدمها لك في هذه الساعة بدون أن تقاسي أية مشقات. فهذه تجربة حقيقية قدَّمها ليوقعه في خطية حب الرئاسة، لأنه عرض عليه هذا وهو بغير أسلحة وجيوش، وفي حالة الفقر، ليس له أين يسند رأسه، فيعرض عليه أن يجعله ملكاً بين ملوك الأرض، أعظم من قياصرة روما، وبذلك يكون قادراً أن ينجي شعبه من ظالميهم، ويعطيهم المجد الموعود لهم بالأنبياء. وجوهر التجربة أن يكون يسوع ذات المسيح الذي انتظره اليهود بدون أن يحتمل الآلام والموت. فوعد الشيطان المسيح بأكثر مما له، وبما ليس له أدنى قصد أن يعطيه إياه.

خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ قال البعض إنه سأله عبادة دينية، لأنه طلب منه أن يقبله مكان الله، ويتكل عليه في تأسيس مملكته. فلو أخذ المسيح ممالك الأرض هبةً منه لوجب عليه أن يؤدي الإكرام اللائق بالآخذ للمعطي. وقال آخرون إنه سأله سجوداً سياسياً كسجود الرعيَّة للملك. والقولان يتفقان في أن من كان على المسيح ملكاً وجب أن يكون له إلهاً. وهنا جرَّب الشيطان المسيح بما كان للشيطان أعظم التجارب، وهو حب الرئاسة الذي أسقطه من كرسيه السماوي. وتلك التجربة ليست سوى عبادة وثن، والزيغان عن الله ملكنا الحقيقي، وإقامة أعظم أعدائه مكانه. وتتضمن علاوة على ذلك محبة الرئاسة العالمية. ولا يزال الشيطان يجعل أمجاد هذا العالم فخاً يصيد به الناس على اختلاف أجناسهم. وهو يطلب جزاءً فاحشاً على ما يعِد به، فيعدنا بربح العالم لخسارة أنفسنا.

10 « حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».

تثنية 6: 13 و10: 20 ويشوع 24: 14 و1صموئيل 7: 3

ٱذْهَبْ دلالة على احتقاره للمجرِّب ومقتهِ له على جسارته بالتجديف في هذه التجربة. وقد جاوب المسيح بطرس بمثل هذا الجواب (متّى 16: 23) عندما أراد أن يجدد إبليس التجربة بواسطته، إذ أراد أن يبعده عن طريق الآلام المعيَّنة له.

َيَا شَيْطَانُ معناه المقاوم، وهو اسم يليق بالمسمَّى. وهو عدو الله والإنسان. وبهذه التجربة كشف الشيطان حقيقته، ففي التجربتين السابقتين أظهر صورة التقوى، وأما في الأخيرة فجاء بها مضادة لإرادة الله تماماً.

لأَنَّهُ مَكْتُوب في تثنية 6: 13 على ما في الترجمة السبعينية. فالمسيح مع أنه ذكر اسم المجرب لا يزال يأتي بدفاع الآيات من الكتاب المقدس لدرء سهام الشيطان الخبيثة.

لِلرَّبِّ إِلٰهِكَ تَسْجُدُ الخ في هذا القول نهي عن كل أنواع العبادة لغير الله حتى العبادة التي هي دون غيرها من العبادات التي زعم البعض أنه يجوز تقديمها للأيقونات والصور، فهي لا تنهي عن «اللاتريا» التي هي العبادة لغير الحق فقط بل أيضاً عن «الذوليا» التي هي روح العبودية. فحين أذن يسوع الناس أن يسجدوا له صرّح بذلك أنه هو الله.

11 «ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ، وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُه».

عبرانيين 1: 14

ثمَّ: أي بعد نهاية التجربة الأخيرة ودفعها.

تَرَكَه لينقطع عن التجربة إلى حين (لوقا 4: 13). فإنه جرَّبه بعد ذلك في بستان جثسيماني وعلى الصليب (يوحنا 12: 31 و14: 30 ولوقا 22: 53). فالحمد لله أن لكل تجربة حداً ونهاية «فيكون لكم ضيق عشرة أيام».

وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَت كأنهم فارقوه وقت الحرب ليكون مجد الغلبة وفخرها للمسيح وحده. والظاهر أنه حالما طُرد الشيطان حضرت الملائكة.

تَخْدِمُه قدَّموا له كل لوازمه ولا سيما القوت كما فعلوا لإيليا (1ملوك 19: 5). وإذا لم يكن ما قدموه له قوتاً فإنهم بواسطة المخاطبة الروحية كانوا يعززون ويشددون روحه كما في بستان جثسيماني (لوقا 22: 43). فبعد ضيقات البرية وجوعها وإغواء إبليس حصل المسيح على مرافقة الملائكة ومساعدتهم. فقد شبع الذي لم يُرِد أن يحوِّل الحجارة خبزاً، ونال عوناً من ملائكة لم يطلب أن يحملوه. وسجد له خَدَم الله بعد إعلانه أن السجود لله وحده. واليوم يرسل الله لشعبه أفضل علامات محبته بعدما يفتقدهم بضيقاته. ولا تزال حتى الآن مقاومة الشيطان تفتح باباً لخدمة الملائكة.

12 «وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ، ٱنْصَرَفَ إِلَى ٱلْجَلِيلِ».

مرقس 1: 14 ولوقا 3: 20 و4: 14، 31 ويوحنا 4: 43

شرع متّى في الكلام عن خدمة المسيح الجهارية منذ أُلقي يوحنا في السجن، فبدأ كلامهُ بذكر الحوادث التي حدثت في الجليل، وترك الأعمال التي عملها في اليهودية، مع أنها شغلت بضعة أشهر. وقد ذكرها يوحنا في بشارته. فترك متّى شهادة المعمدان للمسيح (يوحنا 1: 29، 32) وعرس قانا الجليل (يوحنا 2: 12) وحضوره إلى أورشليم في عيد الفصح وإخراجه الباعة من الهيكل (يوحنا 2: 13 - 17) وحديثه مع نيقوديموس (يوحنا 3: 1 - 12) ومع المرأة السامرية (يوحنا 4: 4 - 42) وشفاؤه ابن الرئيس (يوحنا 4: 46 - 54) وإتيانه إلى الناصرة وطرد الشعب إيَّاهُ.

ولعلَّ غاية عمل المسيح في اليهودية كانت إظهار علاقة خدمته بخدمة المعمدان، وإظهار أن النظام الموسوي والمسيحي نظام واحد، وهما متساويان في المصدر والسلطة والغاية، فلا يناقض أحدهما الآخر بل يكمله، ولذلك ظهر يسوع مدة مرافقاً ليوحنا المعمدان، فقبِل شهادةً منه، وأخذ بعض تلاميذه ليكونوا معه (يوحنا 1: 37). وبعدما أُلقي يوحنا في السجن، ولم تبقَ صلة ليشاركه في العمل، ذهب أولاً إلى الناصرة حيث تربى فرفضه أهل وطنه.

وَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ أَنَّ يُوحَنَّا أُسْلِمَ اقتصر متّى هنا على ذكر سجن يوحنا، وأما أسبابه فذكرها بعد ذلك (متّى 14: 3 - 5). ويظهر من هذا الكلام أن يسوع لم يكن قريباً من يوحنا عندما أُسلم مع أنه كان في اليهودية. «أُسلم» أي أسلمه هيرودس إلى السجان (لوقا 3: 20) وهو الأرجح. لكن يُحتمل أن عناية الله أسلمته إلى هيرودس كدلالة هذه الكلمة في سفر الأعمال (2: 23).

ٱنْصَرَف لا خوفاً من هيرودس، لأنه دخل حكمه هناك. ولا أن الخطر في اليهودية زاد عليه بعد سجن يوحنا، بل لمقاومة الفريسيين (يوحنا 4: 1). وكون أرض الجليل بعيدة عن اليهودية حيث يقيم الفريسيون جعلها أنسب مكان للتبشير ولعمل الخير.

ٱلْجَلِيل هو القسم الشمالي من الأرض المقدسة، ويمتدُّ من نهر الأردن شرقاً إلى سهل عكا غرباً، ومن دان (بانياس) شمالاً إلى جبال السامرة والكرمل جنوباً، وينقسم إلى قسمين شمالي وجنوبي، وحدوده تشتمل على أنصبة أربعة أسباط من بني إسرائيل، هي يساكر وزبولون وأشير ونفتالي. وأعظم مدنه الناصرة وقانا وطبرية. فهذه البلاد كانت مسكن المسيح ومحل أكثر أعماله. وقلما ذكرت البشائر الثلاث من الحوادث غير ما صُنع فيها.

13 «وَتَرَكَ ٱلنَّاصِرَةَ وَأَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُومَ ٱلَّتِي عِنْدَ ٱلْبَحْرِ فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيمَ».

تَرَكَ ٱلنَّاصِرَة هي وطنه منذ رجوعه من مصر. وبيَّن لوقا أسباب تركه إياها (لوقا 2: 21 - 23).

أَتَى فَسَكَنَ فِي كَفْرَنَاحُوم أي جعلها مسكنه منذ ذلك الوقت. فاتخذ هذه المدينة مركزاً لخدمته بدل الناصرة، ومكاناً يعود إليه بعد انقضاء سفراته.

كفرناحوم: اختلف الناس في موقع هذه المدينة القديم لأنها هُدمت منذ قرون عديدة. والأرجح أن موقعها مكان يُسمى الآن «خربة تل حوم» وهو شمالي سهل جنيسارت وبحيرة طبرية وعلى الجانب الغربي من نهر الأردن بالقرب من مصبهِ في البحيرة. وكانت محل سكن ابني زبدي، وأندراوس وبطرس (مع أنهما وُلدا في بيت صيدا). وسُميت في متّى 9: 1 «مدينة المسيح» وقد تمت نبوته عليها في متّى 11: 23.

ٱلَّتِي عِنْدَ ٱلْبَحْرِ أي بحر طبرية، ويسمى أيضاً بحر الجليل، وبحيرة جنيسارت.

فِي تُخُومِ زَبُولُونَ وَنَفْتَالِيم لا يمكننا الآن أن نقف على حدود هذين السبطين تماماً. لكن ما قيل هنا يوافق ما قيل في يشوع 19: 10 - 12 و32 - 39، أي أنهما متلاصقان.

14 «لكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ».

إشعياء 9: 1، 2 و42: 7 ولوقا 2: 32

هذا القول مقتبس من إشعياء 9: 1، 2 وهي النبوءة السادسة التي ذكر متّى أنها تمَّت في المسيح، فأهمل ذكر حوادث أخرى ليبادر إلى ذكر ما يثبت إتمام النبوات. وقوله لكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ يتضمن أن النبوَّة تمت كل التمام، وتم ما هو أعظم من ذلك، أي مقاصد الله في النبوة. وأشار إشعياء بهذه النبوة أولاً إلى الضيقة الجزئية التي حدثت لليهود من بنهدد، ثمَّ إلى ضيقة أشد منها من الأشوريين، أتى بعدها الفرج. فدلَّ متّى بكلمات هذه النبوة على البركات العظمى الناتجة من مجيء المسيح.

15 «أَرْضُ زَبُولُونَ، وَأَرْضُ نَفْتَالِيمَ، طَرِيقُ ٱلْبَحْرِ، عَبْرُ ٱلأُرْدُنِّ، جَلِيلُ ٱلأُمَمِ».

زَبُولُونَ، وَنَفْتَالِيم الابنان العاشر والخامس من أولاد يعقوب، وأرضهما غرب الأردن وشمال بحر طبرية.

طَرِيقُ ٱلْبَحْر أي مجاور للبحر، بحر الجليل لا البحر المتوسط.

عَبْرُ ٱلأُرْدُنّ تشير غالباً إلى الجانب الغربي بحسب موقف الكاتب من النهر. فالظاهر أن النبي كتب ما كُتب هنا وهو شرقي الأردن. وبقوله عبر الأردن يشير إلى الجانب الغربي.

جَلِيلُ ٱلأُمَم سُمي بهذا الاسم لأنه قريب إلى أراضي الأمم، ولوجود بعض الأمم بين سكانه. وهذه البلاد تشتمل على المدن العشرين التي وهبها سليمان لحيرام ملك صور، مكافأة له على إسعافاته في بناء الهيكل (يشوع 20: 7 و1ملوك 9: 11) فسكنها الأمم منذ وُهبت ولذلك أُضيفت إلى الأمم (إشعياء 9: 1). والأرجح أن الأمم كثروا هناك مدة السبي.

16 «ٱلشَّعْبُ ٱلْجَالِسُ فِي ظُلْمَةٍ أَبْصَرَ نُوراً عَظِيماً، وَٱلْجَالِسُونَ فِي كُورَةِ ٱلْمَوْتِ وَظِلاَلِهِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ».

ٱلشَّعْبُ أي يهود الجليل.

ٱلْجَالِس هذا إشارة إلى أنهم ماكثون في الظلمة وراضون بها. وقال إشعياء «السالك في ظلمة» فمتّى ذكر أن حالهم أردأ من ذلك.

ظُلْمَة هذه الكلمة تُستعار في الكتاب المقدس للجهل والضلال والخطية والشقاء.

نُوراً يُستعار في الكتاب المقدس للمعرفة والهدى والطهارة والسعادة. فقد أبصر هذا الشعب نوراً عظيماً لأنه أبصر يسوع نور العالم (يوحنا 1: 9 و8: 12).

عَظِيماً أي كافياً لتبديد الظلمة الكثيفة عقلياً وروحياً، ممتداً من قطر إلى قطر، دائماً إلى الأبد.

أَشْرَق كالشمس عند طلوعها لا كإضاءة السراج.

كُورَةِ ٱلْمَوْتِ وَظِلاَلِه هذا زيادة على قوله الأول، مع الإشارة إلى مصدر هذه الظلمة ونتيجتها. فتلك المنطقة حيث يستقر الموت ويكون كل شيء مظللاً بظلاله. وعلى هذا القول لا يُعدُّ الظلام أقل من موت روحي. وهذا حال جميع الأراضي التي هي بدون الإنجيل. وأول ما قيلت هذه النبوة كان إشارة إلى انحطاط الجليليين من خارج، ومخالطة الأمم من داخل. فقصد متّى أن يشير بها إلى ظلمتهم الروحية التي شاركهم فيها جميع اليهود، وإلى جهالتهم الخاصة التي عيرهم بها بقية اليهود (يوحنا 7: 41، 49) ففي وسط هذا الشعب الغبي المهان أظهر أعظم الأنبياء مجده، وحصل بينهم على نجاح. فاحتقرهم أهل اليهودية أولاً لسبب جهالتهم، وثانياً لسبب لغتهم (متّى 26: 73) ومخالطتهم للأمم. ولما تنبأ إشعياء ببزوغ هذا النور تنبأ بأنه مستقبل، ولما تكلم به متّى نظره كأنه أشرق.

17 «مِنْ ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِزُ وَيَقُولُ: تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».

متّى 3: 2 و10: 7، مرقس 1: 14، 15

مِنْ ذٰلِكَ ٱلزَّمَانِ أي من الزمان المذكور في ع 12 حين أُلقي يوحنا في السجن. وهذا لا يحدد الوقت بالضبط، بل يُظهر علاقة خدمة يوحنا المعمدان، إذ بدأت الواحدة حين انتهت الأخرى، كما قيل أيضاً في أعمال 1: 22 و10: 37 و18: 25.

ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَكْرِز بدأ يسوع باستعمال كلمات يوحنا 3: 2 وكان هذا جزءاً من تعليمه أو افتتاحه، كأن كل تعليم يوحنا كان مقدمة لتعليم المسيح، ولذلك تابع الموضوع من حيث تركه يوحنا وتقدم به. وبعد ذلك أرسل يسوع تلاميذه ينادون بنفس هذه الكلمات (متّى 10: 7) مناداة يجب على كل خدام المسيح اليوم أن ينادوا بها، غير قاصدين بث تعاليم جديدة يُدهش الناس بها، لأن التوبة هي الخطوة الأولى نحو الإيمان الذي به نوال التبرير. وكلاهما هبة الله.

قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوت وضع يسوع أساس هذه المملكة حينئذ، ولكن لم تثبت للناس حتى قام من الموت وأُقيم ملكاً حقيقياً لكل العالم، يسود عليه بالروح والحق.

18 «وَإِذْ كَانَ يَسُوعُ مَاشِياً عِنْدَ بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ أَبْصَرَ أَخَوَيْنِ: سِمْعَانَ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ وَأَنْدَرَاوُسَ أَخَاهُ يُلْقِيَانِ شَبَكَةً فِي ٱلْبَحْرِ، فَإِنَّهُمَا كَانَا صَيَّادَيْنِ».

مرقس 1: 16 - 18 ولوقا 5: 2 ويوحنا 1: 42

لم ينظم المسيح كنيسته في حياته على الأرض، لكنه علَّم أناساً استخدمهم بعد موته لتنظيم الكنيسة. أولاً تعرَّف بهم، ثم دعاهم ليتبعوه، وأخيراً عينهم رسلاً. وأنبأ يوحنا البشير بالوقت الذي فيه تعرَّف بهم (يوحنا 1: 35 - 42). وأما البشيرون الثلاثة الآخرون فغضوا النظر عن تلك المدة، وبدأوا بالمدة التي فيها جعلهم رفقاءه وتابعيه.

مَاشِياً ليس بلا قصد بل منادياً بملكوته.

بَحْرِ ٱلْجَلِيلِ هو البحر الذي يمر فيه نهر الأردن، وهو الحد الشرقي لبلاد الجليل، ويسمى أيضاً «جنيسارت» (لوقا 5: 4) وكنارة (عدد 34: 11 وتثنية 3: 17) وكنروت (1ملوك 15: 20) وبحر طبرية (يوحنا 6: 1). طوله نحو 13 ميلاً وعرضه 6 أميال ومعظم عمقه 165 قدماً، وسطحه أوطأ من سطح البحر الأبيض المتوسط بنحو 653 قدماً. وقامت على شاطئه تسع مدن. قال يوسيفوس إنه في أيامه لم يكن فيه أقل من أربعة آلاف سفينة من أنواع مختلفة. ولا يزال هذا البحر شهيراً حتى اليوم لوفرة سمكه وتعرضه للاضطرابات الشديدة الفجائية. ومن صياديه اختار المسيح بعض تلاميذه الذين ذُكر أربعة منهم هنا.

سِمْعَانَ كان يُعرف بهذا الاسم عندما كتبت هذه البشارة، ومعناه «سامع». ولقبَّه يسوع ببطرس حينما أحضره إليه أندراوس أخوه (يوحنا 1: 37). ومعنى بطرس كمعنى صفاً في السريانية مشتق من «بتروس» وهي كلمة يونانية معناها «صخرة» إشارة إلى مكانته في الكنيسة التي بُنيت على المسيح أساسها الأصلي (أفسس 2: 20) ثم على الاثني عشر رسولاً، ثم على جمهور المؤمنين. ولأن بطرس أحد هؤلاء الاثني عشر ومن الذين دُعوا أولاً، لاق أن يكون السابق بينهم، بسبب غيرته وشجاعته، ولذلك لقَّبه بهذا الاسم. ولم يكن مستحقاً أن يُسمى بالصخرة بالنظر إلى طبيعته، كما يظهر من أخبار حياته، ولم ينل من هذا اللقب سلطة على سائر الرسل كما يظهر من التاريخ التالي، ولم يكن له وظيفة متعلقة به ليمارسها ويورثها لغيره بعد موته.

لقد جعل يسوع أمام هؤلاء التلاميذ هدفاً أعظم جداً من مجرد تحصيل الرزق، مع أن من أهم واجبات الإنسان أن يحصل على رزقه بعرق جبينه (تكوين 2: 17). ولكنه قرن هذا العمل بالملكوت الذي يؤسسه على الأرض، فليصطادوا الناس، مثلما الحقول قد ابيضت للحصاد. فالجوهر يبقى واحداً.

وَأَنْدَرَاوُسَ اسم يوناني، وهو الذي عرَّف بطرس أخاه بالمسيح. ولا نعرف من كان أكبرهما سناً. واسم أبيهما يونا (يوحنا 21: 15 - 17) وُلد في بيت صيدا (يوحنا 1: 44) وكانا من تلاميذ المعمدان سابقاً. فتبارك هذا الإخاء الذي لم ينتج عن قرابة جسدية فقط، بل عن ولادة روحية أيضاً.

شَبَكَة يظهر أنها كانت كبيرة، لأن الكلمة اليونانية التي تُرجمت منها كلمة «يلقيان» تشير إلى أن الشبكة كانت ملقاة في دائرة.

صَيَّادَيْن أن صيد السمك كان عملها الخاص. وربما تعرَّف المسيح على هذين الشخصين قبلاً وعلمهما شيئاً، ثم أخبرهما أن يرجعا إلى عملهما مدة حتى يدعوهما. وأنهما كانا حينئذ ينتظران تلك الدعوة. ويزيد لوقا على ما ذكره متّى وعظ المسيح في سفينتهما وصيد السمك العجيب (لوقا 5: 1 - 11).

19 «فَقَالَ لَــهُمَا: هَلُمَّ وَرَائِي فَأَجْعَلُكُمَا صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ».

هَلُمَّ وَرَائِي أي لازماني وتعلما مني وأطيعاني وكونا تلميذين لي. كأنه قال: أنصتا لتعاليمي واهتديا بنصيحتي وتمثلا بقدوتي وتجندا معي للحق على الشيطان. ونتائج هذه الدعوة كانت أعظم من نتائج دعوة إبراهيم أو دعوة موسى.

صَيَّادَيِ ٱلنَّاسِ أشار بألفاظ مأخوذة من مهنتهما العتيقة نظراً للمشابهة بينهما في كيفية العمل، إلا أن الجديدة كانت أرفع شأناً من العتيقة، وعندما صارا مبشرين بقيا صيادين، ولكن ليس صيادي سمك بل صيادي الناس، الذين هم غنيمة أعظم من السمك، لأنهما لا يهلكانهم بصيدهم، بل يحييانهم بالخلاص. ووجه الشبه بين عملهما وعمل الصيادين هو الاحتياج إلى التعب والحذق والانتباه وأمل النجاح. وربما لم يفهما كل ما قصده المسيح بهذه التسمية.

وإذا قيل: لماذا لم يدعُ المسيح بعضاً من الكتبة والعلماء ليكونوا أولاً تابعيه وبعدئذ رسله؟ فالجواب لأنهم كانوا أقل تأثراً من تعليمه، وليظهر فيما بعد أن تقدم إنجيله لم ينتج من علمٍ بشري أو فصاحة لسان، بل من قوة الله. فلهذا اختار الله جهال العالم ليخزي حكمة الفهماء.

20 «فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا ٱلشِّبَاكَ وَتَبِعَاهُ».

فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا الخ أطاعا هذه الدعوة التي أتتهما بغتة لوجود دعوة إلهية داخل قلبيهما. ويحتمل أنهما كانا مستعدين لكي يقبلاها مما سمعاه من يسوع قبلاً. وهذه الطاعة السريعة من دلائل التقوى الحقيقية (لوقا 9: 57 - 62). فالذي يدعوه المسيح حقاً يجلبه إليه فعلاً. وقول متّى إنهما تركا شباكهما يعني أنهما تركا كل ما لهما، وتركا مهنة صيد السمك، إذ حسبا ما لهما كلا شيء بالنسبة إلى خدمة سيدهما. ومن ذلك الوقت تبعاه في الاضطهادات والسجون والإهانات حتى الموت.

21 «ثُمَّ ٱجْتَازَ مِنْ هُنَاكَ فَرَأَى أَخَوَيْنِ آخَرَيْنِ: يَعْقُوبَ بْنَ زَبْدِي وَيُوحَنَّا أَخَاهُ، فِي ٱلسَّفِينَةِ مَعَ زَبْدِي أَبِيهِمَا يُصْلِحَانِ شِبَاكَهُمَا، فَدَعَاهُمَا».

ثم اجتاز: أي على شاطئ البحر، وذلك لمسافة قصيرة، لأن ابني زبدي وابني يونا كانوا شركاء. وصيد السمك يحتاج للمشاركة حتى ينجزوا العمل بطريقة أفضل وأربح (لوقا 5: 10). وكانت إحدى السفينتين في ذلك الوقت قريبة من الأخرى (مرقس 1: 19).

زَبْدِي معناه هذا الاسم مثل زبدي المذكور في يشوع 7: 1، ومعناه «الرب أعطى».

يُوحَنَّا أَخَاهُ ظنَّ الكثيرون أنه «التلميذ الآخر» ليوحنا المعمدان الذي تبع المسيح مع أندراوس حينما أشار إليه يوحنا وأنبأ بأنه حمل الله. واسم أمهما سالومة التي تبعت المسيح بعدئذ وخدمته (متّى 27: 56).

يُصْلِحَانِ إما يصلحان ما تمزَّق من الشِّباك أو يجهزانها للعمل، أو أتيا لإسعاف شريكيهما وقت الصيد القريب ثم رجعا إلى عملهما الذي كانا يمارسانه حينما دعاهما.

فَدَعَاهُمَا إن خدمة المسيح أوجب من كل خدمة (متّى 19: 29). ومَن جعل الأمانة والاجتهاد ديناً له في خدمته مهما كانت دنيئة، يستحق أن يُرقَّى إلى خدمة أسمى منها.

22 «فَلِلْوَقْتِ تَرَكَا ٱلسَّفِينَةَ وَأَبَاهُمَا وَتَبِعَاه».

أطاع ابنا زبدي دعوة المسيح بسرعة كما أطاعها ابنا يونا، إلا أن الآخرين لم يتركا فقط سفينتهما وشباكهما كالأولين بل أباهما أيضاً. وليس في ذلك ما يدل على عدم إكرامهما الواجب لوالدهما، لأنه لم يكن عاجزاً محتاجاً إليهما ولأنه يستنتج مما قيل في مرقس 1: 20 أنه كان له عمال، وكان قادراً على ممارسة مهنة الصيد بعد ذهاب ولديه. ويظهر من يوحنا 18: 15 أنه كان لعائلة زبدي شيءٌ من المقام. وكيفما كانت الأحوال يجب أن يُسمع صوت دعوة المسيح قبل كل دعوة أرضية. ولو عرف المسيح أن زبدي يفتقر إلى مساعدة ولديه لكان أمدَّه بطريقة أخرى. فإذا أردنا أن نتبع المسيح الآن وجب أن نكون مستعدين لأن نترك كل شيء من أجله.

23 «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ ٱلْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي ٱلشَّعْبِ».

متّى 9: 35 و24: 14 ومرقس 1: 14، 21، 34، 39 ولوقا 4: 15، 44

ما قيل هنا ليس خبراً عن شيء حدث في وقتٍ معين بل قيل شرحاً عاماً لخدمة المسيح في الجليل بعدما دخل إليها (كما في ع 12 - 17). وذكر متّى أن المسيح لم يُجرِ هذه الخدمة في موضع واحد بل في كل بلاد الجليل التي كان يجول فيها. قال يوسيفوس إنه كان في تلك الأرض 204 مدينة كبيرة وصغيرة، أصغرها يسكنها 15 ألف نسمة. فإذاً كان في تلك البلاد نحو ثلاثة ألف من السكان.

يَطُوفُ ليس وحده بل مع بعض تلاميذه. كانت خدمة المسيح في الجليل متعبة جداً، لأننا نقرأ أنه في أثناء إقامته فيها 18 شهراً خرج من كفر ناحوم للتبشير تسع مرات، وأنه سافر ثلاث سفرات طويلة، وخمساً أو ستاً قصيرة ليجول ويعلم.

يُعَلِّم كان التعليم الجزء الأول من خدمة المسيح كنبي، وكان تعليماً دينياً فيما هو ضروري للخلاص وأساساً لتعليم الرسل الشفاهي والكتابي في رسائلهم.

فِي مَجَامِعِهِم أماكن العبادة. ابتدأ اليهود باستعمالها على ما هو المرجح من سبي بابل، واستمروا على ذلك بعد رجوعهم. وفي مدة وجود المسيح هنا وُجدَت مجامع في كل المدن والقرى التي لليهود. قال يوسيفوس: انه وقت خراب أورشليم كان في تلك المدينة وحدها 480 مجمعاً. وكان للمجامع شيوخ (لوقا 7: 3) ورؤساء (لوقا 8: 41، 49). وكيفية العبادة فيها كانت بسيطة تشتمل على الصلاة وقراءة التوراة وبعض الإنذارات. وربما رُخص لسيدنا بأن يكرز في المجامع، إما لأن الحرية كانت معطاة لكل إنسان، أو لأن صيته ذاع بأنه معلم ماهر وصانع عجائب (لوقا 4: 46 وأعمال 13: 15).

يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوت أي بالخبر المفرح بأن المسيح قد أسس ملكوته الروحي وأبان حقيقته وشرائعه. فالإنجيل هو العهد الملكي الذي به أعلن ملك الملوك ما يمنحه لشعبه وما ينتظره منهم، فلا وظيفة أشرف من الوظيفة التي مارسها ابن الله في كرازته، والتي خلفها للمبشرين بالإنجيل.

وَيَشْفِي كان الشفاء الجزء الثاني من خدمة المسيح، وهو يساعد الجزء الأول الذي هو التعليم. ومارسه المسيح لإثبات سلطانه كمعلم إلهي، وإشارة إلى وظيفته العظمى كطبيب النفوس، وليجذب إليه قلوب الناس بالشكر والمحبة ويفتحها لقبول كلامه. ولم يقتصر على إجراء المعجزات لتكون دلائل قدرته، بل أظهر بها رقة قلبه وشفقته ومحبته واشتراكه مع الناس، وأنه لم يأت ليُهلك بل ليخلص. ولا يزال المسيح حتى الآن مخلصاً شفوقاً مقتدراً كما كان منذ نحو 1900 سنة.

ٍكُلَّ مَرَض أي كل الأسقام التي تعتري البشر. شفى المسيح جميع الذين أتوا، وجميع الذين أتى بهم أصحابهم. ولم نسمع قط أنه طرد أحداً من بين الذين أتوا إليه بغية الشفاء.

وَكُلَّ ضَعْفٍ يحتمل أن الضعف يشير إلى الأمراض الخفيفة والحديثة. والمرض إلى ما هو مزمن ومؤلم.

24 «فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ ٱلسُّقَمَاءِ ٱلْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَٱلْمَجَانِينَ وَٱلْمَصْرُوعِينَ وَٱلْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ».

ذَاعَ خَبَرُهُ بأن المسيح معلم وشافٍ ليس في الجليل وأرض إسرائيل فقط بل في الخارج أيضاً شمالاً وشرقاً.

سُورِيَّةَ كانت ولاية كبيرة رومانية في ذلك الوقت، وكانت أرض إسرائيل جزءاً منها. ولا يمكننا معرفة حدودها تماماً، لأن الذين يستعملون هذه الكلمة لا يستخدمونها لشيء واحد. وكانت غاية متّى أن يخبر أنه بلغ صيت المسيح كل دانٍ وقاص، حتى اجتمع إليه كثيرون طالبين الشفاء لهم ولأصحابهم.

وَأَوْجَاعٍ تختلف عن الأمراض آنفاً بكونها مؤلمة جداً.

وَٱلْمَجَانِينَ وَٱلْمَصْرُوعِينَ وَٱلْمَفْلُوجِينَ من بين المرضى الذين شفاهم المسيح ذكر متّى هذه الأنواع الثلاثة، لأن مرضهم أكثر تأثيراً وأكثر شيوعاً. وذكر المجانين أولاً لأن الجنون كان آخذاً في الامتداد الغريب في ذلك الوقت. وكان يعد من شر الأمراض لأنه يشتمل على شرين: أخلاقي وجسدي، ولأنه متعلق بعالم آخر وجنس آخر من الخلائق الروحية التي تسمَّت أحياناً «أرواحاً نجسة» بمعنى روحي، لأنهم فاسدون ومفسدون. وهم يخدمون إبليس الذين سقطوا بسقوطه، وهم يجربون البشر، وبوسعهم أن يصلوا إلى الناس دائماً. وكانت معاملتهم للناس في أيام المسيح أكثر ظهوراً وأشد فعلاً ممتدة إلى العقل والجسد. فالشياطين ليسوا هم الأمراض بل علتها، وحركاتهم الزائدة في مدة خدمة المسيح مع قلة ذكرهم قبلها وبعدها ناتجة عن أن تلك المدة هي مدة الحرب الشديدة بين نسل المرأة ونسل الحية (تكوين 3: 15).

فاستعمل الشيطان كل ما في طاقته من فعل الشر ليقاوم المسيح، وأذن له الله بذلك ليجعل انتصار المسيح أشد وضوحاً. فإخراج الشياطين من الناس كان انتصاراً على الشيطان (لوقا 10: 17، 18 ويوحنا 12: 31 و16: 11) وأعجب أعمال الشفاء، وبرهان أن يسوع مسيح وإله.

25 «فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ ٱلْجَلِيلِ وَٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَٱلْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنِّ».

مرقس 3: 7، 8

ليس المقصود في هذه الآية مجرد تكرار معنى الآية السابقة، أي أن الناس أتوا لكي يشفوا، ففيها زيادة على ذلك أنه بقي معه كثيرون يجولون من موضع إلى آخر لينظروا ويسمعوا.

جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ كان هؤلاء بين ذهاب وإياب، فلم يكونوا جيوشاً منظمة. ولذلك لم يكن للمسيح فرصة للانفراد. ولم يكونوا كلهم تلاميذ حقيقيين له، بل تبعه كثيرون منهم للتفرج ومشاهدة شيء جديد غريب.

وَٱلْعَشْرِ ٱلْمُدُن هذا اسم بلاد وُجد فيها عشر مدن، حصلت على امتيازات من الرومان، وموقعها شرقي الأردن واسمها الآن «الجولان» وكان أكثر سكانها وثنيين. روى بعض المؤرخين أن عساكر الإسكندر الكبير سكنتها بعد نهاية خدمتهم العسكرية، ثم سكنها خلفاؤهم بعدهم.

وَمِنْ عَبْرِ ٱلأُرْدُنِّ أي شرقه، جنوب العشر المدن، وتسمى اليوم «السلط». وذُكرت كل هذه الأماكن دلالة على كون تلك الجموع مؤلفة من يهود وأمم.

الأصحاح الخامس

يشتمل هذا الأصحاح مع الأصحاحين التاليين على الموعظة المعروفة بالموعظة على الجبل، والكلام في الأصحاحات الثلاثة حول ملكوت المسيح الجديد. فأصحاح 5 يُظهِر من هم أصحاب هذا الملكوت وعلاقتهم بالعالم. ونسبة المسيح إلى الناموس، مبيِّناً أن شريعة هذا الملكوت أرفع شأناً من تلك التي بها علَّم الفريسيون والكتبة. وما يبينه أصحاح 5 من شريعة هذا الملكوت يبينه أصحاح 6 من جهة الواجبات الدينية، ووجوب القيام بها أمام الله لا أمام الناس، وكيفية معالجة الهموم الدنيوية المقلقة. وأصحاح 7 يتضمن توبيخاً للفريسيين لقساوة حكمهم على الآخرين، وشرحاً للصلاة، وخلاصة ما تقدم من جهة الناموس، وإنذاراً لإنكار الذات، وتحذيراً من المعلمين المضلين، ومن إهمال تعاليمه. وهذا الوعظ كان أحد المواعظ الكثيرة التي كرز بها المسيح في الجليل أشار إليها متّى (4: 17، 23).

ولا شك أن المسيح كرر جوهر هذا الوعظ مرات كثيرة، مغيِّراً الكلام بحسب الأحوال ومعرفة السامعين. وغايته منه أن يفسر ماهية ملكوت السماوات، وعلاقته بالنظام الموسوي، لا كناقضٍ له بل مكملاً إياه، بإظهار معناه الروحي. وفي أثناء كلامه على ذلك يبين الفرق بين تعليم هذا الملكوت وتعليم اليهود التقليدي الملتوي. وأما بيان علاقة هذا الكلام بما قيل في لوقا 6: 2 - 49، فنبقيه إلى شرح إنجيل لوقا.

1 «وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ صَعِدَ إِلَى ٱلْجَبَلِ، فَلَمَّا جَلَسَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ».

مرقس 3: 13، 20

ٱلْجُمُوع هم الذين ذكرهم في متّى 4: 24، 25.

ٱلْجَبَل الأرجح أنه جبل بالقرب من كفر ناحوم. وظن البعض أنه جبل «قرن حطين» غرب طبرية، ولا يعرف من أمره شيء بالتأكيد. ولم يكن قصد المسيح من صعوده على الجبل الاعتزال عن الشعب، بل أن يجمع إليه الراغبين في سماع أقواله.

جَلَس الجلوس هي عادة المعلم وقت التعليم.

تَقَدَّمَ إِلَيْه لا يفهم من ذلك أنهم كانوا غائبين، لكنهم دنوا منه ليسمعوا. ويصدق هذا على التلاميذ وغيرهم.

تَلاَمِيذُه خطابه لتلاميذه خصوصاً لم يمنع غيرهم من الجموع أن يسمعوا أقواله.

2 «فَفَتَحَ فَاهُ وَعَلَّمَهُمْ قَائِلاً».

فَفَتَحَ فَاهُ تعبير يُستعمل في استهلال خطاب ذي شأن. وحينما يفتح سيدنا فاه ليتكلم ينبغي أن نفتح آذاننا لنسمع.

وَعَلَّمَهُم يشير هذا إلى كلام متتابع متميزاً عن الحديث المعتاد الذي هو حوار المتحدثين، وعن الخطاب المتقطع.

3 «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوحِ، لأَنَّ لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».

مزمور 15: 2 و3 وأمثال 29: 23 وإشعياء 57: 15 و66: 2 ولوقا 6: 20

طُوبَى هذه الكلمة هي استهلال سفر المزامير. والتطويبات المذكورة في الأعداد العشرة الأولى من هذا الأصحاح لا تشير إلى امتياز لأشخاص مخصوصين، بل تتضمن ما يجب أن يكونه كل مؤمن، مع ذكر البركات المتعلقة طبعاً بتلك الصفات. فعلينا أن نجتهد في إحراز كل هذه الصفات التي لا تكمل الفضيلة المسيحية إلا بمجموعها، فإن نقص واحدة منها يبطل أن يكون الإنسان كاملاً.

يعلن المسيح هنا صفات الذين لهم حق أن يفرحوا بإتيان ملكوته. فليس الذين يحسبهم العالم سعداء هم السعداء، كالأغنياء الدنيويين، أو القائمين بشعائر الدين الظاهرة، الأبرار في عيون نفوسهم. وليست الصفات الممدوحة من الناس هي التي تستحق المدح الحقيقي، كالحكمة والشجاعة والقوة، بل الصفات التي يمدحها المسيح هي التواضع وانسحاق القلب والحلم والعواطف الروحية والطهارة ومحبة السلام والصبر. فالذين يباركهم المسيح هم السعداء حقاً، فلا يفيدهم تصريح العالم بهذه الغبطة التي لا يؤكد حصولهم عليها إلا تصريح المسيح. وهى تفوق السعادة، لأنه يمكن أن يكون الإنسان سعيداً بحصوله على جانب من خيرات هذه الدنيا. ولا يمنحها إلا الله مقترنة برضاه. والمسيح لا يضع شروطاً لإدراك السعادة، بل يذكر صفات الذين يستحقون أن يحسبوا سعداء.

ويظن البعض أن في جعل التطويبات سبعاً معنى روحياً لاعتبار هذا العدد في التوراة مقدساً، لأنه يدل على الكمال.

لِلْمَسَاكِينِ بِٱلرُّوح يشعرون بحاجتهم الروحية ولا يكتفون بحالتهم. بدأ بهؤلاء أولاً لينفي زعم البعض أن ملكوت السماوات مختص بالأغنياء ووجوه القوم. وليس المراد بالمساكين فقراء المال أو المواهب العقلية، بل الذين يشعرون باحتياجات نفوسهم وفقرهم إلى الصلاح الأخلاقي والقوة الروحية والغذاء الروحاني. وهم المساكين روحاً، سواء أكانوا مساكين في هذا العالم أم لا. فطوبى لهم لأن هذا الملكوت جاء ليسدَّ أعوازهم.

وروح هؤلاء «المساكين» غير روح الفريسيين المتكبرين «الأصحّاء» الذين لم يأتِ المسيح ليدعوهم، والذين روحهم كروح بولس قبل تجديده (كما وصفه في فيلبي 3: 6) روح الاكتفاء بخيرات هذا العالم وحكمته، وبأنهم أولاد إبراهيم. وهذا روح كنيسة لاودكية (رؤيا 3: 17) التي ظنت أنها غنية وليس لها شيء.

وأما العشار الذي وقف بعيداً في الهيكل، وقرع على صدره قائلاً «اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ» (لوقا 18: 13). فهو من المساكين بالروح المذكورين هنا. فيشترط على الذين يأتون إلى الله يبتغون نعمة أن يشعروا بشدة الحاجة.

لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات أي أن الملكوت معيَّن ومناسب لهم ومختصٌ بهم وجميل في عيونهم، وبه يحصلون على ما يحتاجون إليه. وأما للفريسيين، الأبرياء في عيون أنفسهم، فليس فيه شيء يُحبّ، لأنهم أحبوا ملكوتاً ذا مجد خارجي وخير زمني. وملكوت السماوات مثل ملكوت الله (متّى 3: 2) وسُمى ملكوت السماوات لأنه هو النازل من السماء، وروحه كروح السماء، ويحبه كل الذين في السماء، ولأن وقايته ووسائط نجاحه من السماء، ولأنه الملكوت الذي يقود إلى السماء.

4 «طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ».

إشعياء 61: 2، 3 ولوقا 6: 21 ويوحنا 16: 29 و2كورنثوس 1: 7 ورؤيا 21: 4

لِلْحَزَانَى أي الذين يحزنون على الخطية والشرور الناتجة عنها، وعلى فقرهم الروحي المذكور في ع 3. فلمثل هؤلاء الطوبى والسعادة، لأن هذا الملكوت ينجيهم من جرم الخطية وسلطتها. فليس كل الحزانى مغبوطين، لأنه يوجد حزن يؤدي إلى الموت (2كورنثوس 7: 10) فالمغبوطون لحقاً هم منسحقو القلب على خطيتهم إلى الله، الذين يحزنون على خطايا غيرهم، وعلى خراب صهيون الروحي (إرميا 9: 1).

يحزن الناس أحياناً لعدم حصولهم على ما يشتهونه من مطالب محبة الذات والكبرياء والطمع، ولكن الله لا يمسح إلا دموع التوبة والتواضع. فبعض أنواع الحزن شر لمجاوزتها الحدود، أو لأنها ناتجة عن عدم إمكاننا أن نتمم مقاصدنا الشريرة. وبعضها طبيعي كحزننا على فقدنا بعض الأصحاب، وهذا قد يعود علينا بالنفع أو بالضرر. أما الحزن المذكور هنا فهو الحزن على الخطية (زكريا 12: 10).

لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ يتعزون الآن لشعورهم بالمغفرة (مزمور 32) وسيتعزون في السماء (رؤيا 7: 13 - 17) لأن أسباب حزنهم تكون قد زالت، ولأن الله يعزيهم، لا أفكارهم ولا كلام الناس. فإذاً طوبى لهم.

5 «طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ ٱلأَرْضَ».

مزمور 37: 11 ورومية 4: 13

لِلْوُدَعَاءِ بركات ملكوت المسيح ليست للذين يدَّعون أن لهم حقاً فيها، ولا الذين يتقاتلون عليها كالشجعان والطماعين الذين يغتصبون فوائد الممالك الأرضية، بل هي للودعاء الهادئين (1بطرس 3: 4) لأن هذه صفات ملكهم (زكريا 9: 9).

والودعاء هم الذين لا يطلبون الرياسة والتسلط على الأرض، وروحهم كروح المسيح خالية من روح الانتقام من الذين يؤذونهم (1بطرس 2: 23) ومن روح الضجر ومحبة الخصام. وأعظم نصرة هي نصرة الإنسان على نفسه.

يَرِثُونَ ٱلأَرْض يرثون من أبيهم ما يحصله غيرهم بقوة أيديهم، فاستعار المسيح مواعيد العهد القديم ليعبر بها عن مواعيد العهد الجديد. فقد عبر بإرث اليهود أرض كنعان عما يشتمل على البركات الزمنية (إشعياء 60: 21). ولكن كان الوعد لهؤلاء بجزء من الأرض، وأما للودعاء فبالكل. ونتعلم من هذا أن القوة التي ستغلب الأرض هي قوة الوداعة والمحبة، التي تتقدم رويداً رويداً في العالم، وتغيِّر صورة الهيئة الاجتماعية. وأما روح الخصومات فيهيج الغضب، ويكلف صاحبه تضحية ماله ووقته وراحة باله بدون أن يبلغ مقصده. ويحتمل أن الوعد بالأرض يتضمن أيضاً الوعد بكنعان السماوية، التي كانت كنعان الأرضية رمزاً لها.

6 «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ».

إشعياء 55: 1 و65: 13

لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاش كناية عن الأشواق الشديدة (مزمور 43: 1، 2 و63: 1، 2). إن الاحتياج إلى الطعام والشراب أشد من غيره، ويسبِّب ألماً قوياً إذا طالت مدته.

كان الكلام في ع3 على الذين يشعرون بفقرهم الروحي، ويزيد هذا العدد على ما ذُكر هناك أنهم يشتاقون كل الاشتياق إلى الموهبة الإلهية. وعندما يرون أنفسهم خالية من البر أمام الله يشتاقون إليه. فلو قال المسيح «طوبى للأبرار» لما وُجد من يتقدم لنوال البركة الموعودة، ولذلك قال «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ» لأنه كما أن الذي يتعرض للجوع والعطش لا يفتكر بشي. غيرهما، هكذا الجياع والعطاش إلى البر لا يبالون بالأمور الدنيوية. وهذان الشعوران علامة الحياة الروحية التي لا تكون إلا في الذين وُلدوا ثانية من الروح القدس (يوحنا 3: 3، 5).

إن الجياع والعطاش إلى العلوم ومقتضيات الحياة الدنيا وحشد الأموال وإحراز الشرف الرفيع كثيرون، ولكن الجياع والعطاش إلى البر قليلون.

ٱلْبِرِّ ليس المقصود هنا بر الناموس، بل بر الله (إشعياء 51: 5 ودانيال 9: 24) وهو يتضمن الديانة القلبية والقداسة والتسليم التام لإرادة الله.

يُشْبَعُون لا قيمة في عيون الجياع والعطاش إلا لما يشبعهم ويرويهم. ولذلك وعدهم بمقتضيات الحياة الروحية، ليشبعوا مما كانوا يتوقون إليه ويحتاجونه.

7 «طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ».

مزمور 41: 1 وص 6: 14 ومرقس 11: 25 و2تيموثاوس 1: 16 وعبرانيين 6: 10 ويعقوب 2: 13

لِلرُّحَمَاء هذا وصف آخر للذين لهم شركة في ملكوت المسيح الجديد. إن الذين ينجحون غالباً في الممالك الأرضية هم أهل البأس المنتقمون، وأما شركاء المملكة السماوية فهم الرحماء المساكين الذين يحبون الغير، ويشاركون الناس في أحزانهم، وهم الذين يشعرون معهم بالاحتياجات الروحية والجسدية. ورحمتهم فعالة (أيوب 29: 11 - 16 ومتّى 5: 44 - 47 و10: 42) ومصدر هذه الرحمة قلب الله، ورحمتنا قطرة من بحرها. وما نفعله من الرحمة نحو البشر لنطيعه ونرضيه يحسبه كأننا عملناه معه.

يُرْحَمُون الرحمة التي يرحمون الغير بها يرحمهم الله بها، ليس على سبيل الأجرة، لأن للمستحقين لهم أجرة لا رحمة. فالله يحبهم ويرحمهم مجاناً، وهم يرحمون دائماً، ويرحمهم الناس غالباً. ولا رحمة لمن لا يرحم ولا يغفر للمذنبين إليه.

8 «طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰهَ».

مزمور 15: 2 و24: 4 وعبرانيين 12: 14 و1كورنثوس 13: 12 و1يوحنا 3: 2، 3

لِلأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ ادَّعى اليهود أنهم أنقياء لأنهم منفصلون عن الأمم الذين تدنسوا بعبادة الأوثان، ولكنهم ليسوا أنقياء القلب (لوقا 11: 39).

إن لشركاء المسيح طهارة أعظم من الطهارة الطقسية الجنسية، وهى طهارة القلب التي لا تنتج عن غسل الجسد حسب شريعة موسى، بل عن تطهير القلب بواسطة التوبة والإيمان وفعل الروح القدس (عبرانيين 9: 13، 14 وأفسس 5: 2، 1 و1يوحنا 3: 9). قديماً كان في مملكة مادي وفارس سبعة أشخاص مقرَّبون، يحق لهم وحدهم أن يروا الملك وجهاً لوجه (أستير 1: 14). و نقاوة القلب هذه تتضمن البساطة والصدق، وعكسها يتضمن الغش والرياء. وأفكار أهلها وغاياتهم ومبادئهم طاهرة. والله ينظر إلى القلب بينما ينظر الإنسان إلى الخارج (1صموئيل 15: 7).

لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللّٰه أي سيقفون أمامه كأصدقائه وأصفيائه، ويدركون صفاته تماماً، وينالون القرب إليه. وكما أن الذين ليسوا أطهاراً حسب الشريعة الطقسية لا يمكنهم أن يدخلوا هيكل الله على الأرض، هكذا القلب غير الطاهر من الداخل لا يدخل هيكله السماوي ليتمتع بحضرته الإلهية.

يحسب الناس المثول بحضرة الملوك الأرضيين من أعظم الإنعام، فكم تكون نعمة الذين في حضرة ملك الملوك إلى الأبد! (2ملوك 25: 18).

قال الحكيم: «أَرَأَيْتَ رَجُلاً مُجْتَهِدًا فِي عَمَلِهِ؟ أَمَامَ الْمُلُوكِ يَقِفُ. لاَ يَقِفُ أَمَامَ الرَّعَاعِ!» (أمثال 22: 29) وقال صاحب الرؤيا «وَهُمْ سَيَنْظُرُونَ وَجْهَهُ، وَاسْمُهُ عَلَى جِبَاهِهِمْ» (رؤيا 22: 4) فهم يبتدئون «يُعَايِنُونَ اللهَ» هنا (أفسس 1: 18) ويعاينون في ما بعد «وَجْهًا لِوَجْهٍ» (1كورنثوس 13: 12).

9 «طُوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلاَمِ، لأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ يُدْعَوْنَ».

لِصَانِعِي ٱلسَّلاَمِ ظنَّ اليهود أن ملكوت المسيح ملكوت الحرب والفتوحات، وأن الذين يحرزون قصب السبق في الجهاد والانتقام من الأمم بسبب تعدياتهم على إسرائيل يجازون خير جزاء. ولكن المسيح يقول إن الإكرام الأعظم هو لمجيء السلام. وليس لهم فقط، بل لصانعيه الذين يبذلون كل جهدهم في إخماد الخصومات ومصالحة المتخاصمين. وعلى ذلك فالذين يبشرون بإنجيل السلام ويجتهدون في المصالحة بين الله والإنسان هم صانعو السلام، لأن هذه المصالحة استعداد لمصالحة الناس بعضهم بعضاً.

أَبْنَاءَ ٱللّٰهِ يُدْعَوْن ذكرنا أن أتقياء القلب يعاينون الله، أي يدخلون إلى حضرته. فكذلك صانعو السلام هم أبناؤه وورثته. فليسوا في الملكوت الجديد عبيداً مجهولين محتقرين، لأنه يقول عنهم إنهم عملوا عمله، وإنهم مشابهون له ومستحقون أن يدعوا بنيه. فإذن أولاد مَن الذين يهيجون الخصومات بين العائلات وفي الكنيسة؟ وقوله «يدعون» يشير إلى أنه يصرح بهم علانية كأولاده.

10 «طُوبَى لِلْمَطْرُودِينَ مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ، لأَنَّ لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».

2 كولوسي 4: 17 و2تيموثاوس 2: 12 و1بطرس 3: 14

لِلْمَطْرُودِينَ انتظر اليهود أن كل أمتهم تتمتع ببركات ملكوت المسيح التي تتضمن النجاة التامة من الظلم. وأما المسيح فيقول إن نصيب شعبه تحمُّل المظالم. والمطرودون هنا هم المضطهدون بسبب ديانتهم. وقد يقع الاضطهاد تارة على صيتهم ومالهم، وطوراً على حياتهم. وقول المسيح يشير إلى أن شعبه يكونون محرومين من شرف الممالك الأرضية، وليس ذلك فقط بل إن قوات هذه الممالك تكون عليهم، ويكونون مبغَضين وعرضة للأذى. لأن الطرد ليس من المساوين لهم في المقام والرتبة، بل من الكبراء والأعيان. وجميع الذين ذكروا سابقاً في التطويبات هم عرضة لهذا الاضطهاد، ولا سيما صانعو السلام الذين يبشرون بإنجيل السلام فكل «الذين يعيشون بالتقوى يُضطهدون».

مِنْ أَجْلِ ٱلْبِرِّ لا يطوِّب المسيح المطرودين لأي سبب، لكن بل المطرودين من أجل تمسكهم بالحق وأمانتهم لله ولواجباتهم. فليس كل من قتل شهيداً لمجرد القتل، بل من قتل لأجل الدين الحق.

لا يكلفنا المسيح أن نعرِّض أنفسنا للاضطهاد، ونهيِّج عليها مقاومة أعدائنا، بل يقول إنه إذا وقع علينا الاضطهاد ونحن مجتهدون في أن نعيش كمسيحيين، يجب أن نحسبه بركة.

لَـهُمْ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات ومعناه (كما في ع 3) أي أنهم يكونون مميَّزين في ملكوت السماء، فمطرودو الأرض لأجل الله يلقون الترحيب في السماء. والذين احتملوا المظالم لأجل الإنجيل برهنوا أنهم مسيحيون حقيقيون. فما أعظم الفرق بين تطويبات المسيح (ولا سيما الأخيرة منها) وما انتظره اليهود، فقد توقَّعوا الغلبة والمجد، ووعدهم المسيح بالعار والاضطهاد. والمسيح لا يخدع تابعيه بمواعيد فارغة.

11 «طُوبَى لَكُمْ إِذَا عَيَّرُوكُمْ وَطَرَدُوكُمْ وَقَالُوا عَلَيْكُمْ كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ، مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِين».

لوقا 6: 22 و1بطرس 4: 13، 14

طُوبَى لَكُمْ بعدما وجَّه المسيح كلامه إلى عموم التلاميذ، قال إن ذلك يطلق على سامعيه فرداً فرداً. وهذا التصريح وإن لم يذكر إلا في التطويبة الأخيرة فهو مقصود في كل التطويبات، ويطلق على كل السامعين. وكلامه يدل على أنه لا بد من أنهم يعرفون ذلك بالاختبار. والمضطهدون الأولون كانوا اليهود غير المؤمنين. وفي هذا القول نبوة ووعد.

عَيَّرُوكُمْ أي شتموكم على مسمع منكم، ودعوكم بألقاب مهينة وشريرة. كل ذلك لكونكم مسيحيين.

كُلَّ كَلِمَةٍ شِرِّيرَةٍ أي أنهم يقيمون عليكم الدعاوى الكاذبة، وينسبون إليكم كل أنواع الشر. وقد تمت نبوة المسيح كما يُعرف من تاريخ الكنيسة، إذ لم يبق نوع من الشرور إلا واتُّهم المسيحيون به.

مِنْ أَجْلِي، كَاذِبِين أي لأنكم تلاميذي، ولأنكم تؤمنون بأني المسيح الموعود به. فيجب أن تتوقعوا هذه المعاملة، ومع ذلك تحسبون أنفسكم مطوبين في قبولكم إياها. ومعنى «من أجلي» كما في العدد السابق. ولا نحسب مطوبين إذا انتقدنا الناس باستحقاق (1بطرس 3: 13 - 18). ولكن إن كنا نتحمل الآلام من أجل البر فذلك يُحسب من أجل المسيح. وبمجرد صبر المسيحيين المضطهَدين وحِلمهم صدَّق كثيرون من المقاومين صحة الديانة المسيحية.

12 «اِفْرَحُوا وَتَهَلَّلُوا، لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيمٌ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُمْ هٰكَذَا طَرَدُوا ٱلأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ قَبْلَكُم».

لوقا 6: 23 وأعمال 5: 41 ورومية 5: 3 ويعقوب 1: 2 و1بطرس 4: 13 و2أخبار 36: 16 ونحميا 9: 26 ومتّى 23: 34، 37 وأعمال 7: 52 و1تسالونيكي 2: 15

يتضمن هذا العدد نصحا مبيناً على ما قيل في ع 11، فضيقاتهم لا تستوجب الحزن والاحتمال بالصبر فقط، بل تستوجب الفرح والتهلل، لأن المسيح يأمرهم بذلك.

تَهَلَّلُوا دلالة على أقصى درجات الفرح بدلاً من الخوف والكآبة التي تنتج طبعاً من معاملة كهذه. وهذه الكلمات شجَّعت ألوفاً في ضيقاتهم.

لأَنَّ أَجْرَكُمْ عَظِيم إن الاضطهادات بذاتها ليست سبباً للفرح، ولكن نتيجتها الموعود بها تسبب ذلك، وتُسمَّى هذه النتيجة أجراً، ليس كأنهم استحقوها، ولكن كأنها ربح يقابل ما خسروه.

فِي ٱلسَّمَاوَات إن أكثر الثواب هناك، لأن الأرض مكان التعب والضيق. وأما السماء فمحل خير الجزاء. وقوله هذا لا يقتصر على أن هذا الأجر سيُعطى في مستقبل ما، بل يبين أنه يُعطى في دار الملك العظيم، وفي حضرته علامة لرضاه. فيجب أن يفرحوا في ضيقاتهم بسبب الأجر الجزيل المعيَّن لهم والمحفوظ لأجلهم. ومن وصفه بالعظمة يظهر أنه يفوق ضيقاتهم واستحقاقهم جداً.

فَإِنَّهُمْ هٰكَذَا طَرَدُوا الطاردون هنا هم اليهود الذين لم يؤمنوا.

ٱلأَنْبِيَاءَ ٱلَّذِينَ قَبْلَكُم كان هؤلاء نواب جميع اليهود الأتقياء، وقد احتملوا نفس هذه الضيقات (عبرانيين 11: 35 - 38). وبقوله هذا جعل المسيح مؤمني العهد الجديد خلفاء أنبياء العهد القديم في آلامهم ومجازاتهم. ولا شيء يقوي المؤمنين وقت الاضطهاد إلا شعورهم بأنهم أبرياء، وأن المسيح معهم، وأنه هو الذي يعزيهم. وقد جعل هذا التشجيع ألوفاً ينتصرون على الآلام والموت. فما حصلوا عليه في الماضي يجب أن يشجعنا حينما يهددنا الناس بالاضطهادات.

إن المسيحيين يشاركون في الآلام الأنبياء والرسل بل المسيح نفسه، لأنهم يشربون من الكأس التي شربها.

13 «أَنْتُمْ مِلْحُ ٱلأَرْضِ، وَلٰكِنْ إِنْ فَسَدَ ٱلْمِلْحُ فَبِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ لاَ يَصْلُحُ بَعْدُ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنْ يُطْرَحَ خَارِجاً وَيُدَاسَ مِنَ ٱلنَّاسِ».

مرقس 9: 50 ولوقا 14: 34، 35

يبين المسيح هنا علاقة تلاميذه بالعالم.

أَنْتُمْ أي تلاميذي عموماً وليس الرسل فقط. أنتم الذين تؤمنون بي. فما أنتم عليه ليس من تلقاء ذواتكم أو من نظامكم، ولكن من قوتي العاملة فيكم.

مِلْحُ ٱلأَرْض ذلك ليس في المستقبل بل الآن، كأن الانفصال بين العالم وأتباعه قد بدأ. ولا بد أن في هذا إشارة إلى تأثير كنيسته في المستقبل.

وللملح فائدتان: (1) أنه يطيب الطعام به. و(2) أنه يحفظ من الفساد ما هو قابل الفساد. والمقصود هنا بالأكثر الثانية، ويصح قصد الاثنين من جهة تأثير الكنيسة التي تهب الجمال حيثما حلَّت، فتعطي العلم رونقاً جديداً، وترقّي كل أعمال الناس. وأفضل تأثير لها توقيف ميل الناس إلى السقوط في هاوية الفساد. وما شاهدناه من منفعة الملح واحتياجنا إليه دليل على الفائدة العظمى للكنيسة في العالم. ولا يصح هذا التشبيه إلا بشرط أن تكون الكنيسة في العالم لنفعه، فإن الملح لا يفيد الطعام شيئاً ما لم يخالطه.

وَلٰكِنْ إِنْ فَسَدَ بُني الجزء الأول من هذا العدد على أن يقوم الملح بالفائدة المقصودة منه. والجزء الثاني على فرض عدم حدوث هذا، مع ذكر نتيجة ذلك. وفي قوله «إن فسد» فرض غير الواقع، لأن الملح الخالص لا يفسد. ولكن لو صح أنه فسد تكون النتيجة كما ذكر. على أن الملح المجموع على وجه الأرض كثيراً ما يكون مخلوطاً بمواد تشبه الملح في الهيئة، فإذا ذاب الملح بالرطوبة بقيت تلك المواد كأنها الملح، ولكن لا ملوحة لها. ويُظهِر هذا التشبيه ما يترتب على عدم قيام المؤمنين بحفظ من حولهم من الفساد.

بِمَاذَا يُمَلَّحُ؟ فأي مادة أخرى تقوم مقامه؟ وماذا يحفظ ذلك الملح الذي فقد ملوحته من الفساد؟ ولوضوح الجواب لم يذكره المسيح، فمضمون سؤاله هذا أنه قد ضل معلمو الشعب ومرشدوه، فمن ذا الذي يهديهم؟ قال هذا ليُنهض ضمائر تلاميذه ليسهروا لئلا يضلوا (عبرانيين 6: 1 - 6).

يُطْرَحَ خَارِجاً عندما تتوقف الكنيسة أو بعض أعضائها عن أن تؤثر التأثير الذي أراده الله من وجودها لا تكون بلا نفع فقط، بل موضوع ازدراء الناس أيضاً.

14 «أَنْتُمْ نُورُ ٱلْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ».

أمثال 4: 18 وفيلبي 2: 15

أَنْتُمْ نُورُ هذا تشبيه ثان لبيان وظيفة الكنيسة. يؤثر الملح داخلياً، ويؤثر النور خارجياً. وهو بركة أعظم من الملح، ومثل للحق والقداسة. فالكنيسة نور لأنها تمنح العالم علماً، وتنفي الضلالة، وتمزق الجهالة الروحية، وتستمد نورها من الله فتشبه القمر الذي يستمد نوره من الشمس ويعكسه إلى الأرض (يعقوب 1: 17) وتبعث نوراً لأنها تتمسك بكلمة الحياة التي هي نور (مزمور 119: 105، 130 وفيلبي 2: 15 و16 و1بطرس 1: 19). وترسل نوراً بتعليمها وقدوتها. وأما النور الحقيقي فهو المسيح (يوحنا 1: 9 و8: 12). والمسيحيون شركاء نوره (أفسس 5: 8) فيطلق هذا الكلام على الكنيسة بأسرها، وعلى أفراد المسيحيين. ولا ينفع النور ما لم يكن ظاهراً. فعلى المسيحيين أن يُظهروا تأثيرهم وقدوتهم للعالم ليرى ذلك ويستفيد، وإلا فلا نفع من نورها أكثر من نفع الملح إن فسد.

مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَل قصد الله أن تكون كنيسته في تاريخ العالم بمنزلة مدينة على جبل، لأنها منارة العالم العظيمة.

15 «وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ ٱلْمِكْيَالِ، بَلْ عَلَى ٱلْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ فِي ٱلْبَيْتِ».

مرقس 4: 21 ولوقا 8: 16 و11: 33

القصد من السراج أن يُرى وإلا فلا فائدة منه. وإضاءته ووضعه تحت مكيال عبث، فكذلك إخفاء تلاميذ المسيح ما قبلوه منه، لأن الله قصد أن يكونوا واسطة نشر العلم الإلهي للعالم.

16 «فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هٰكَذَا قُدَّامَ ٱلنَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».

1بطرس 2: 12 ويوحنا 15: 8 و1كورنثوس 14: 25

يجب أن يتخذ المسيحيون نور الحق في هذا العالم المظلم كما يتخذ الناس السُّرج في بيوتهم فيضيئوا للناس باعترافهم وفضائلهم.

قُدَّامَ ٱلنَّاس أي أمام عيونهم لا خفية عنهم.

لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ ٱلْحَسَنَةَ أي ليكون عملكم الحسن ظاهراً لا خفياً. فالمسيحيون مجبورون أن يحفظوا صيتهم من العار بين الناس.

وَيُمَجِّدُوا يجب أن يكون هدفهم بذلك ليس كهدف الفريسيين أن يمدحهم الناس، بل أن يتمجد الله بهم، أي أن ينشروا معرفته وحمده بين خلائقه. ففي البيت المنير ليس المجد للأضواء بل لصاحب البيت، وفي المدينة العامرة ليس المجد للبنّاء بل للباني.

أَبَاكُم يعلمنا المسيح ابن الله الوحيد الذي بواسطته وحده صرنا أبناء الله أن ندعو الله أبانا. وهذه هي المرة الأولى التي فيها علَّم هذا التعليم، فهو يقوي ثقتنا بالصلاة وينشطنا في طاعته.

17 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ ٱلنَّامُوسَ أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ».

رومية 3: 31 و10: 4 وغلاطية 3: 24

أظهر المسيح في هذا العدد وما يليه علاقته بالناموس والأنبياء، أي بالعهد القديم. وكأنه يجاوب سؤال سائل: ما هي الأعمال الصالحة التي يتمجد بها الله؟ هل ما أمر به العهد القديم هو ما يأمر به العهد الجديد؟

لاَ تَظُنُّوا زعم البعض أن المسيح يرتب قواعد جديدة للاعتقاد والأعمال ويلغي العتيقة. فتوقع الكثيرون التحرر من وجوب طاعة الناموس، فقال: لا تتوقعوا ذلك ولا تخافوا. قد أتى الدين المسيحي إلى العالم ليحفظ كل ما فيه من الصلاح ويوسع دائرته.

أَنِّي جِئْتُ أعني كمعلم من الله يوحنا 3: 2

لأَنْقُض أي لأُلغي أو أُبطل.

ٱلنَّامُوس أي ناموس موسى، وهو كل تعاليمه لا رموزه فقط.

أَوِ ٱلأَنْبِيَاءَ المرَّجح أنه قصد كل كتبة العهد القديم الملهمين، لا الذين أنبأوا بالحوادث المستقلة وحدهم. وهاتان الكلمتان «الناموس والأنبياء» تتضمنان كل كلام الله المعلن بالوحي للناس مما أعلن لموسى أولاً إلى ما أعلن لآخر الأنبياء أخيراً.

لقد أبطل الفريسيون الناموس بتقاليدهم، وأبطل الصدوقيون أقوال الأنبياء بإنكارهم ما أوحى إليهم، فلم يعترفوا إلا بالطاعة للناموس.

مَا جِئْتُ أي سواء كان مجيئي للتجسد (يوحنا 16: 28) أم للتعليم (يوحنا 3: 2).

لأَنْقُض فلم ينقض المسيح شيئاً إلا الخطية.

بَلْ لأُكَمِّل بكلامه وأفعاله، لأن غايته كانت أن يطيع الناموس ويتمم المقصود منه. فلم يقصد أن الناموس ناقص، بل إنه جاء ليتمم بفعله ما لم يكمل، وذلك بتعليمه ومثاله وطاعته وموته عنا، فقال إن اعتبار الناموس لا يقل في ملكوته، بل يبقى له أعظم الإكرام وأفضل الطاعة. وهذا يناقض ما قاله بعضهم إن العهد القديم قد زال، وإنه لذلك ليس دستور إيمان المسيحيين، وإنهم ليسوا مكلَّفين أن يطيعوه. فالكتاب المقدس كتاب واحد، فإن سقط بعضه سقط كله، وإذا ثبت البعض ثبت الكل. وقد كمل المسيح الناموس بخمسة أمور:

الأول طاعته له (غلاطية 4: 4) والثاني تتميمه كل رموزه ونبواته، والثالث فداؤه إيانا من قصاص الناموس الذي خالفناه ومن لعنته، فإنه بذلك أكمل الناموس أفضل تكميل، لأن الناموس يقول إن «اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ» (حزقيال 18: 20). فمات المسيح بدل الأثمة. والرابع تفسيره إياه وتوضيحه وإظهار معناه الروحي. والخامس إنه يكتبه على قلوب الناس ويهبهم النعمة ليطيعوه. ولم يأت مقتصراً على تكميل الناموس، بل أزال منه كل ما زيد عليه من التعاليم التي أبطلها.

18 «فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ وَٱلأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ ٱلنَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلُّ».

لوقا 16: 17

الناموس لا يتغير لأنه إعلان إرادة الله المنزَّه عن التغير. فلم يكن قصد المسيح أن ينقض الناموس لأن نقضه محال.

ٱلْحَقَّ ومعنى هذه الكلمة في الأصل اليوناني «آمين» وهى المستعملة في خاتمة الصلاة والبركات واللعنات والنذور وسائر الإعلانات الدينية تثبيتاً لها.

أَقُولُ لَكُم أنا ابن الله وابن الإنسان، أقول لكم يا تلاميذي.

إِلَى أَنْ تَزُولَ ٱلسَّمَاءُ الخ إذن لا يلغي الناموس إلى الأبد لأنه جزء من تكوين الكون، فيدوم ما دام الكون. وهذا الكلام مثل بين اليهود يدل على عدم إمكان التغيير، وليس معناه أن السماء والأرض تزولان في ما بعد، وبزوالهما يزول الناموس أيضاً. وليس هنا أدنى تلميح إلى نهاية كل شيء، بل إذ لم يكن شيءٌ من المخلوقات أثبت من نظام الكون، اتَّخذه المسيح مثالاً لعدم التغيير.

حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ عبارة مستعارة من مصطلحات الكتابة، تعني أنه لا يبطل من الناموس شيء قبل أن تكمل غايته. والكلمة المترجمة هنا حرفاً هي «يوتا» في اليوناني و «يود» في العبراني و «ياء» في العربية، وهى أصغر حروف اللغة اليونانية والعبرانية.

من الناموس: أي يبقى جزء منه. فلا يمكن أن يزول حرف الناموس بدون أن يكون قد تم بالروح والحق. فإذا نظرنا إلى الناموس الطقسي باعتباره رمزاً وظل الخيرات العتيدة، رأينا أنه زال بالمسيح. وأما جوهره فلأنه جزء من كلام الله يدوم إلى الأبد في السماء (1بطرس 1: 25). فزوال ما يبدو أنه زال من الناموس يشبه زوال البراعم والأزهار عند يكمل الثمر ويحل محل الزهور.

حَتَّى يَكُونَ ٱلْكُلّ حتى يتم فعلاً كل ما وعد به وكل ما أشارت الرموز إليه. وليس لحروف الكتابة ونقطها معان ليتم كل منها بمفرده، ولكن الناموس كله سيبقى كنظام حتى تكمل كل مقاصده.

وإن سُئل: كيف تتَّفق هذه الأقوال القوية مع قصد المسيح أنه بمجيئه يبطل رسوم الناموس الطقسي؟ فالجواب إن الناموس الإلهي الوحيد يتضمن بعض الحوادث الوقتية قصد الله أن يزيلها بعد ما تمت غايتها. فإزالة الجزء الطقسي من الناموس ضروري لإتمام كل الناموس، كما أن إبطال الصك ضروري عند إيفاء الدين المعيّن فيه. والرسول أوضح كيفية تكميل يسوع الناموس الطقسي في عبرانيين أصحاحات 7 و8 و10. وقصد المسيح بهذا الكلام أن يقينا من الضلالة في أن نستنتج من ذلك أن المسيحيين مكلفون بطاعة الشريعة اليهودية أو جزء منها. وقد فسَّر المسيح في بقية هذا الأصحاح وأصحاحي 6، 7 ما هو روح هذه الشريعة، وكم هي أوسع مما ظن الناس. وبذلك علَّم أن حياة كل مسيحي يجب أن تُظهر معنى كل حرف ونقطة منها.

19 «فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هٰذِهِ ٱلْوَصَايَا ٱلصُّغْرَى وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ. وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ وَعَلَّمَ، فَهٰذَا يُدْعَى عَظِيماً فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».

يعقوب 2: 10

فَمَنْ نَقَض أي ألغى أو أبطل. ومعظم الإشارة هنا إلى روح الناموس (انظر يعقوب 2: 10) فلا يشير إلى قصور في حفظ ناموس الله الأخلاقي، الذي خالفه الجميع، بل إلى مخالفتهم إياه عمداً بحُجَّة أنهم أُعفوا منه.

ٱلصُّغْرَى أعني الأقل قيمة في ذاتها، أو في اعتبار الناس لها. ولأنها جزء من الناموس وجب على الناس طاعتها. ومن خالفها عمداً يكون قد أخطأ في الكل (يعقوب 2: 10).

قسمَّ اليهود الوصايا إلى كبرى وصغرى، وحسبوا أصغر الكل الوصية المتعلقة بأعشاش الطيور (تثنية 22: 6، 7) ولا شك أن المسيح لم يشر هنا إلى وصية كهذه، بل إلى الناموس الأخلاقي وإلى كبح الأفكار والشهوات التي يحسبها الناس لا طائل تحتها بالمقابلة مع الأعمال التي وحدها لها الاعتبار عندهم. وهذه الخطايا ليست صغرى في عيني الله، فلا يمكن أن يرتكبها المسيحيون وينالون رضاه.

وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَ بأقواله أو بقدرته ليستخفوا بالناموس كلياً أو جزئياً.

أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي في ملكوت المسيح الجديد، لأن الإنسان بتركه أصغر وصية من الناموس ينحط إلى أدنى درجة في ذلك الملكوت، ويصير موضوع الحزن والشفقة. ولا يطرد الجاني إلى الأبد من الملكوت إذا كان تعديه ليس عمداً، أو إذا تاب عن جنايته. فمُكرِّم الناموس مكرَّمٌ من الإنجيل ومهينهُ مهان.

مَنْ عَمِلَ وَعَلَّم الأفضل هو من يقرن المعرفة بالعمل، ولا يكتفي بالتعليم الصحيح. فهذا يعتبر عظيماً عند المسيح. فالعلم والعمل هما الواسطتان العظيمتان اللتان عيَّنهما الله لإصلاح العالم.

20 «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ».

رومية 9: 31، 32 و10: 3

شرح هذه الآية هو كل موعظة المسيح على الجبل، فالبر المطلوب من أصحاب النظام الجديد يفوق كثيراً بر الكتبة والفريسيين، الذين ألزموا الناس بحفظ حرف الناموس ونسوا روحه. وقد صرح بذلك في تسع قضايا أخطأوا فيها بشرحهم ناموس موسى، وهي: القتل، والزنا، والطلاق، والقسَم، والانتقام، والمحبة الخالصة، والصَّدقة، والصلاة، والصوم.

فَإِنِّي أَقُولُ أي باعتبار إني ابن الله الذي يعلن إرادة الآب. قال هذا ليجعل قوله ثابتاً موقراً.

يَزِدْ إن برَّ أتقى الناس ليس كافياً في عيني الله، فلا يجب أن ننظر إلى أصحاب بر كهذا كنموذج لنا، بل يجب أن تزيد تقوانا على تقواهم. توقع الكثيرون من اليهود أن يسمعوا من المسيح خلاف ذلك، أي أنه يكلفهم في النظام الجديد بأقل مما كلفهم رؤساؤهم سابقاً. وبيان البر المطلوب هو: «الْيَهُودِيُّ فِي الْخَفَاءِ هُوَ الْيَهُودِيُّ، وَخِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ لاَ بِالْكِتَابِ هُوَ الْخِتَانُ، الَّذِي مَدْحُهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنَ اللهِ» (رومية 2: 29).

بِرُّكُمْ البر هو قانون الاعتقاد والعمل، وهو كل ما يكلف الله الإنسان به ليرضيه.

ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ هم معلمو الناموس، وحافظوه كل الحفظ، ومرشدو الشعب الروحيون الذين كان يعتبرهم الناس أقدس البشر، حتى شاع القول بين اليهود أنه «إذا لم يدخل السماء سوى شخصين فلا بد من أن يكون أحدهما فريسياً». وكان الكتبة في أول أمرهم يكتبون الناموس، وبعد ذلك صاروا مفسريه. وهم من شيعة الفريسيين.

لَنْ تَدْخُلُوا يزيد في هذا على قوله «فَمَنْ نَقَضَ إِحْدَى هٰذِهِ ٱلْوَصَايَا ٱلصُّغْرَى وَعَلَّمَ ٱلنَّاسَ هٰكَذَا، يُدْعَى أَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ» (ع 19) ولن يدخله أبداً.

21 «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ».

خروج 20: 13 وتثنية 5: 17

قَدْ سَمِعْتُمْ أي تعودتم سمعه من معلميكم الكتبة والفريسيين.

لِلْقُدَمَاءِ هم آباء الأمة الذين قبلوا الناموس على يد موسى. و «قيل للقدماء» أي ما اصطلح عليه الكتبة والفريسيون عند اقتباسهم شيئاً من الشريعة.

لاَ تَقْتُلْ هذه الوصية السادسة (خروج 20: 13). وقول موسى لم يتغيَّر، وأما مفسروه فقد غيروا معناه. فلا اختلاف بين موسى والمسيح.

وَمَنْ قَتَلَ هذا شرح الكتبة والفريسيون ما أضافوه إلى الأصل كأنه جزء منه، وفسروا الوصية بأن الذي يقتل فعلاً هو المستوجب الحكم، فضيَّقوا دائرة حكم الوصية.

مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْم هذا عقاب من يخالف هذه الوصية، بغضّ النظر عن كونه في هذا العالم أم في الآتي.

22 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ ٱلْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ».

خروج 20: 13 وتثنية 5: 17 ويوحنا 3: 15

بعد أن ذكر المسيح تعليم الفريسيين في هذه الوصية شرحها شرحاً أوسع من شرحهم، فإنهم قيّدوا القتل في شرحهم بأنه القتل الفعلي وعمداً. ولم يعتبر المسيح العمل الخارجي فقط قتلاً، بل هو أيضاً النوايا الشريرة التي سببت ذلك. ولأن البغض الذي يتربى في القلب يقود إلى القتل، ويدخل تحت هذا الحكم. فعند الله الانفعال الداخلي يشبه العمل الخارجي.

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لا يقصد مقارنة قوله بقول موسى «لا تقتل» بل مقارنته بشرح الكتبة الذي قيَّد معنى الوصية بالقتل عمداً وفعلاً.

عَلَى أَخِيهِ أي أحد البشر، لأن الجميع من آدم وجميعهم خليقة الله. فيجب أن نعتبر جميع الناس إخوتنا ونعاملهم كذلك.

بَاطِلاً كما يُدان الناس على القتل عمداً وفعلاً، يُدانون على نواياهم الشريرة التي تقودهم إلى القتل. كما قال يوحنا الرسول «كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ» (1يوحنا 3: 15). والكتاب المقدس لا يدين من يغضب عندما يشاهد عملاً شريراً (أفسس 4: 26) بشرط أن يكون الغضب على العمل أكثر مما على العامل. والكلمة المترجمة هنا «بالحكم» تشير إلى أصغر محاكم اليهود وهى مؤلفة من سبعة أعضاء (تثنية 16: 18).

رَقَا ذكر المسيح أولاً الحكم على انفعال البغض، وذكر هنا الحكم على كلام البغض. فمعنى «رقا» باطل أو فارغ، وهي كلمة كانت عندهم للشتيمة والتعيير، فهي علامة الغضب والاحتقار. بها عيَّرت ميكال داود حين رقص أمام التابوت (2صموئيل 6: 20). (انظر الأصل العبراني واليوناني).

فنرى أن المسيحية تأمر باللطف والرقة والإنسانية نحو الجميع، وتعلم أن المحبة هي خلاصة جميع الوصايا.

ٱلْمَجْمَعِ يُستعمل غالباً للإشارة إلى المجمع السبعيني الذي هو أعظم مجمع عند اليهود. فهذا الذنب الذي يستخف به الفريسيون يحسبه المسيح مستوجباً حكم هذا المجلس الكبير. فنتعلم من ذلك أن الله يعاقب الشاتمين (متّى 12: 36).

يَا أَحْمَقُ هذه الكلمة تستعمل للاحتقار والغضب والاتهام بالشر، وباستعمالها مُنع موسى وهارون من دخول أرض الميعاد (عدد 20: 10). (انظر الأصل العبراني واليوناني).

نَارِ جَهَنَّمَ المراد بجهنم هنا إما دار العقاب في الآخرة، أو وادي هنوم قرب أورشليم وعلى الجنوب الغربي منها حيث جرت العادة أن تحرق جثث المذنبين وأوساخ الهيكل (يشوع 18: 16 وإرميا 7: 31). فهناك كانت النيران مضطرمة دائماً، فكانت رمزاً للعذاب الأبدي. وفي هذا الوادي قدمت الذبائح إلى الإله «مولوك» (2ملوك 16: 3). وبعد ذلك صار مكان إلقاء كل أقذار المدينة.

هذه الوصية لا تنحصر في القتل فعلاً، بل تفيد أيضاً أن فكر البغض هو قتل يستوجب القصاص. والتلفُّظ بكلمة مثل «رقا» التي تدل على الحقد في الباطن ذنباً يقتضي أن يعاقب مرتكبه في أعظم المجالس. وربما قال أحد لغيره «يا أحمق» بانفعال الغضب الشديد فوجب عليه عذاب جهنم. والنتيجة أن إثم الإنسان يتنوع بحسب حالة قلبه. وعلى هذا القياس يستوجب القصاص هنا وفي المستقبل. وهذه الثلاثة «الغضب على الأخ» واستعمال كلمتي «رقا وأحمق» ليست كناية عن ثلاثة أنواع من الخطية تستوجب ثلاثة أنوع من القصاص «الحكم» «والمجمع» «ونار جهنم»، بل هي إشارة إلى انفعالات النفس المختلفة في قوتها، التي جميعها في عيني الله تستوجب الموت. فلا تمييز هنا بين خطايا عرضية وخطايا مميتة كما يزعم البعض، لأن كل الخطايا مميتة في عيني الله.

وأما كون المسيح قصد بقوله هذا أحوال القلب لا مجرد النطق بالفم، فيظهر من توجيهه مثل هذا الكلام إلى الكتبة والفريسيين (متّى 23: 17، 19) ومن توجيه بولس مثل ذلك إلى الملحد (1كورنثوس 15: 36).

23 «فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ إِلَى ٱلْمَذْبَحِ، وَهُنَاكَ تَذَكَّرْتَ أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْكَ».

متّى 8: 4 و23: 19

أتى المسيح في هذا العدد بنتيجة ما تقدم من الواجبات المتضمنة في الوصية السادسة. والتفت من ضمير الغائب إلى ضمير المخاطب، ليجعل كلامه أشد تأثيراً في السامعين. فقد تبين أن هذه الوصية تراعي عواطف الإنسان الداخلية وكلماته الطفيفة، فيجب أن يتصالح المتخاصمون حالاً في كل الاختلافات ذات الشأن. ويجب أن تسبق المصالحة كل الواجبات الدينية الخارجية، لأن تلك شرط لازم لقبول هذه. وهذا الكلام يبين خطر الغضب على الآخرين، ووجوب الاجتهاد في إزالته من قلوبنا ومن قلوب غيرنا من الناس.

فَإِنْ قَدَّمْتَ قُرْبَانَكَ أي إذا وصلت إلى المذبح وابتدأت تقدم قربانك.

ٱلْمَذْبَح لا تدل كلمة المذبح هنا على وجوب استعمالها في التعبير عن العبادة المسيحية، لأن الكلام هنا متعلق باليهود. ولا تشير إلا إلى طقوس يهودية، لأن الذين خاطبهم في ذلك الوقت كانوا يهوداً، فشخَّص أمامهم حادثة تجرى في هيكلهم.

وَهُنَاكَ تَذَكَّرْت كأن ذلك لم يخطر على باله قبلاً. هكذا كل من يهيء قلبه لتقديم عبادة مقبولة يتذكر ما غفل عنه من الواجبات.

أَنَّ لأَخِيكَ شَيْئاً عَلَيْك لا يُقال فيه إن كان لك شيء على أخيك، وجاء الكلام في هذا الشأن في بشارة مرقس 11: 25 وكلمة «أخيك» هنا بمعنى صاحبك أو أخيك حقاً. فإذا شهد علينا ضميرنا أننا أسأنا إلى أخينا بشيء، يجب ألا نتأخر حتى يأتي هو ويعاتبنا، بل يجب أن نفعل كل ما يأمرنا به الضمير. فإن كانت دعوى أخينا علينا باطلة ومبنيَّة على الظن، يجب أن نجتهد في إزالة سوء الظن هذا، ونصطلح معه، ولا نبقي بغضة قلبية له.

24 «فَٱتْرُكْ هُنَاكَ قُرْبَانَكَ قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ، وَٱذْهَبْ أَوَّلاً ٱصْطَلِحْ مَعَ أَخِيكَ، وَحِينَئِذٍ تَعَالَ وَقَدِّمْ قُرْبَانَكَ».

أيوب 42: 8 و1تيموثاوس 2: 8 و5: 13 و1بطرس 3: 7

إذا تأخرت عن تقديم قربانك ففي وسعك أن تقدمه في وقت آخر، وأما إذا أخَّرت المصالحة فربما لا يكون لك فرصة لإجرائها بعد ذلك.

قُرْبَانَك سمي بهذا الاسم كل ما كان يُقدم على المذبح، سواء كان ذبيحة للكفارة أم تقدمة للشكر.

قُدَّامَ ٱلْمَذْبَحِ ويعني أيضاً قدام الله. ولا يقتصر المسيح هنا على ما يجب علينا إذا حدثت مثل هذه تماماً، بل يريدنا أن نجري المصالحة مع إخوتنا ولو في أصعب الأحوال.

ولابد أن يعلمنا هذا وجوب أن يصطلح المسيحي مع أخيه قبلما يأتي إلى مائدة الرب (العشاء الرباني) أو إلى كل العبادات الدينية، لأن العبادة المتقدمة بالغضب مرفوضة (1تيموثاوس 2: 8). وليس المقصود أنه يجوز ترك العبادة إذا لم يوجد روح لائق بها، لأن ذلك يضيف خطية على خطية. يمتنع البعض عن حضور الكنيسة إن حدث خلاف بينهم وبين بعض الإخوة. فيجب عليهم بدل ذلك أن يصالحوهم حالاً ويثابروا على العبادة.

ٱذْهَب ليس بقصد ترك العبادة، بل لإجراء المصالحة. وقوله «اذهب» يتضمن ألا تتوقع مجيء أخيك إليك بل أن تبدأ ذلك أنت.

ٱصْطَلِح إما بطلب المسامحة أو بمنحها، وابذل كل ما في طاقتك لإزالة سبب الاختلاف. فإن كنت قد اختلست حقه فرُدَّه له، وإن كنت مديناً له بشيء أوفِه، وإن كنت قد شتمته اعترِف بذنبك واطلب الغفران. وإن كان متوهماً فاجتهد في إزالة الوهم، لأن الصلاة لا تُقبل ما لم يزُل كدر القلب بالمصالحة. فيجب إجراء هذه أولاً ثم الصلاة.

من الأمور المقصودة في العبادة تصليح حال العابد، فلا يُقبل عند الله قربان المسيء إلى أخيه، ولا يرضى بالعبادة الخارجية ما لم تقدم بروح الوداعة والمحبة. فالحسد والبغض يفسدان أفضل قرابيننا، فمن العبث أن نعبد الله ونحن غافلون عن واجباتنا لإخوتنا. كان الفريسيون ينظرون إلى القربان فقط، وأما الله فينظر إلى روح من يقدمه.

أَخِيك أيُ شخصٍ كان.

وَحِينَئِذٍ تَعَال هذه المصالحة لا تجعل تقديم العبادة غير ضروري، لأن القيام بواجباتنا للناس لا يعفينا من القيام بواجباتنا لله. ويُستنتج من هذا أنه بعد المصالحة يقبل الله قربان العابد لأن الله راضٍ عنه. وخلاصة تعليم الآية كلها أن عبادتنا لله ليست مقبولة أصلاً إن تركنا واجباتنا للناس وعشنا معهم بالخصام.

25 «كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ سَرِيعاً مَا دُمْتَ مَعَهُ فِي ٱلطَّرِيقِ، لِئَلاَّ يُسَلِّمَكَ ٱلْخَصْمُ إِلَى ٱلْقَاضِي، وَيُسَلِّمَكَ ٱلْقَاضِي إِلَى ٱلشُّرَطِيِّ، فَتُلْقَى فِي ٱلسِّجْنِ».

أمثال 25: 8 ولوقا 12: 58، 59 ومزمور 32: 6 وإشعياء 55: 6

ذكر الاختلاف مع الأخ وتوصل بذلك إلى ذكر الشكاية إلى الحكومة، فأورد الحوادث المزعجة المتعلقة بتلك الشكاية، وبيَّن أنها من الأسباب التي توجب على الإنسان أن يفضل إيجاد طريقة للاتفاق مع خصمه على انتظار نتيجة المحاكمة المجهولة. وغاية هذه النصيحة كغاية التي قبلها، منع الخصومة والعداوة المخالفة لوصية الله. فكأنه قال: إن كان بينك وبين أخيك دعوى فاتفق معه ولو بترك بعض حقوقك، فهذا خيرٌ لك من بقائك تحت خطر خسارة الدعوى وخسارة المال بذهابك إلى الحكومة ووقوع القضاء عليك أخيراً بالسجن. وكل هذا مع ما لا بد منه من هياج الغضب في قلبك وقلب خصمك.

وليس المقصود أن الله هو الخصم كما توهم البعض، بل بيان دعوى في محكمة سياسية. ويحتمل أن يكون معناه أنه من الحكمة في الأمور الدينية أن يتفق الإنسان مع خصمه قبل خروج الحكم الذي ربما أوقعه في عذاب السجن الطويل. فكذلك من الحكمة أن نصالح أخانا الذي له دعوى علينا لئلا يشتكي ظلمنا إلى الديان العظيم فيلقينا في السجن الأبدي!

كُنْ مُرَاضِياً لِخَصْمِكَ هذا شرح لمطالب الوصية السادسة. فالذي يحب الدعاوى السياسية، والذي يلجأ دائماً للمحاكم والقضاء يخالف روح هذه الوصية. والمعنى: أَظهِر استعدادك للاتفاق مع خصمك قبل فوات الوقت، لأن الدعاوى الطفيفة تتجسم كلما طالت مدتها. والخصم هنا هو الشخص المشتكي لا الضمير ولا الشيطان.

فِي ٱلطَّرِيق أي الطريق إلى محل المحاكمة. والمعنى: اغتنم الفرصة الأخيرة للاتفاق والمصالحة قبل المحاكمة. فيذكر المسيح نتائج عدم الاتفاق بألفاظ مأخوذة من اصطلاحات المحاكم. فإن أبى الإنسان المصالحة فالنتيجة خطرٌ عليه، سواء أكانت في محكمة أرضية أم سماوية.

يُسَلِّمَكَ ٱلْخَصْمُ إما بالشكوى أو بطلب إصدار الحكم.

وَيُسَلِّمَكَ ٱلْقَاضِي بإصدار الحكم، وأمر الشرطي بإجرائه.

فَتُلْقَى فِي ٱلسِّجْن عند أمر القاضي بذلك. وهو كلام عن معاملتنا بني جنسنا ومعاملتهم إيانا. والسجن لا للتطهير هنا بل للقصاص.

26 «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لاَ تَخْرُجُ مِنْ هُنَاكَ حَتَّى تُوفِيَ ٱلْفَلْسَ ٱلأَخِير».

تُظهر هذه الآية النتائج الجسيمة من الإبطاء في فض الدعاوى. إن طريق الحكمة في الأمور الدينية المشار إليها هنا هي طريق الحكمة في الأمور الروحية. فإذا كان الاتفاق في هذه الحياة مع الأخ الذي أسأنا إليه ضرورياً، فبالأولى أن يكون ضرورياً قبل أن نقف أمام القاضي العظيم في السماء والحكم علينا بالعقاب الأبدي.

حَتَّى تُوفِيَ ٱلْفَلْسَ ٱلأَخِير أي حتى توفي الدَين كلَّه. فهذا ممكن في الديون المالية لا في الديون الروحية، فإنه يتعذر على الإنسان أن يوفي عن خطاياه، فلا يقدر أن يوفي مثل هذا الدَين إلا فادي الخطاة حمل الله رافع خطايا العالم.

وليس في هذه الآية ما يثبت أبدية العذاب الجهنمي أو يناقضه، لأن المقصود هو أن الوقت الحاضر هو الوقت المناسب للاتفاق والمصالحة. وأما بعد ذلك فيجري العدل حقّهُ بكل شدة.

27 «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ».

خروج 20: 14 وتثنية 5: 18

يُفسر المسيح هنا الوصية السابعة على منوال تفسيره للوصية السادسة، ويحسب شهوتي الجسد والعين كسراً للوصية، ويعتبر مجرد النظر طاعةً للأفكار والأهواء النجسة. وهذا ذنب داود الذي قاده إلى الزنا والقتل (2صموئيل 11). فالرب يقارن تعليمه بتعليم الفريسيين، لا بالوصية عينها، لأنهم علَّموا أنه لا يحسب متعدياً على الوصية إلا من زنى فعلاً. وأما هو فيقول إن معنى الوصية هو أن الطهارة الداخلية واجبة كالخارجية، ويجب أن تحفظ بكل اعتناء، وبإنكار الذات، وبضبط أفكارنا وميولنا.

28 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى ٱمْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ».

تكوين 34: 2 و2صموئيل 11: 2 وأيوب 31: 1 وأمثال 6: 25

مَنْ يَنْظُرُ نظر متعمداً بقصدٍ شرير طاعةً للعواطف الشهوانية، لا النظر بالصدفة (2بطرس 2: 14).

فَقَدْ زَنَى تنهى هذه الوصية عن الفكر الرديء كما تنهي عن الفعل عينه. فإن زنى الإنسان في قلبه فقط فهو أثيم بمقتضى الشريعة، ومستوجب عقاب الله. فجوهر الخطية في قصد الإنسان، لأن الأفكار الفاسقة تدنسه.

فِي قَلْبِه لأن القلب مركز الحياة ومحور الميول والعواطف. وزناه يدنس هيكل الروح القدس. فمن صرف نظره وأفكاره عن الخطية حفظ نفسه من التجربة والسقوط في حمأة الإثم والموت الأبدي. فإن كانت لمحة من عيوننا وأقل تسليم إلى أهوائنا يوقعنا تحت حكم الزنا في عيني الله، فما أشد احتياجنا إلى دم المسيح وبره للتطهير وغفران الخطايا والتبرير. فما أقدس شريعة الله وأوسع نطاقها. إنها لا تقتصر على عملنا، بل على خفايا قلوبنا.

29 «فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ».

متّى 18: 8، 9 ومرقس 9: 43 - 47 ورومية 8: 13 و1كورنثوس 9: 27 وكولوسي 3: 5

عَيْنُكَ ٱلْيُمْنَى الخطاب لكل فردٍ من الحاضرين. وذكر العين دون غيرها من الأعضاء لأنها آلة التجربة، ولتعلقها مع النظر العشقي المذكور في ع 28. وخصَّ العين اليمنى لأنها الفضلى عند سامعيه.

تُعْثِرُك تجذبك للخطية.

فَٱقْلَعْهَا ليس حرفياً، لكن بإنكار الذات، لأنه يمكن أن يقلع الإنسان عينه حرفياً وتبقى الشهوة داخله. فيجب أن نقاوم أول الشهوة الرديئة، ولو كلفنا ذلك خسران الأكثر نفعاً ولذة لنا، وأن نحرم ذواتنا مما هو عزيز عندنا وضروري لنا، حينما يحوجنا إلى ذلك خير نفوسنا. «وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ الَّذِي إِلَيْهِ دُعِيتُمْ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ، وَكُونُوا شَاكِرِينَ» (كولوسي 3: 15).

فخيرٌ للإنسان أن يخسر أفضل أعضائه من أن يخسر عفته الأخلاقية. فهذه الآية تقطع أسباب ارتكاب الخطية. وذلك يستلزم إبطال عادات غريزية، إن كانت عثرةً لنا. وهي تحرم علينا تناول المسكرات، والتردد على المراقص ودور اللهو، وقراءة القصص والقصائد العشقية، والنظر إلى الصور التي تهيج الشهوات الردية، والاستماع إلى المحادثات الدنسة والأغاني الغرامية. والخلاصة، أن لا أمان للإنسان إلا بمقاومة التجربة أول ظهورها.

وَأَلْقِهَا عَنْك كأنها مكروهة لأنها تتجه للخطية. وكما أن الجرّاح لا يمتنع عن بتر أحد أعضاء الجسد ليحفظ الحياة، هكذا نحن يجب أن لا نعبأ بخسارة عالمية مهما كانت عظيمة، لكي نخلص حياتنا الأبدية، لأن كل الخسائر العالمية لا تعادل خسارة رضى الله وخسارة النفس.

لأَنَّهُ خَيْرٌ لَك إنكار النفس هو عين المحبة الحقيقية لها، لأنه ينتج خيراً روحياً وجسدياً، زمنياً وأبدياً. فخسارة عضو من أعضائنا برضانا إلى وقت ما، خيرٌ من خسارة الجسد كله بالرغم منا إلى الأبد.

30 «وَإِنْ كَانَتْ يَدُكَ ٱلْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَٱقْطَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّم».

ما قاله المسيح عن العين اليمنى قاله عن اليد اليمنى، فنقطعها إن كنا لا نقدر أن نبقيها بدون أن نخطئ بواسطتها أمام الله. وفي هذا أيضاً ليس المقصود قطعاً حرفياً، بل معناه أن لا نتأخر عن ترك كل شيء يجذبنا إلى الخطية، مهما كان عزيزاً وضرورياً لنا. فاليد التي يجب قطعها هي يد الظلم والانتقام التي تفعل الشر. ويُكنى بها عن عادات ولذات شريرة بذاتها، ولكن تتهيج بها الشهوات التي تؤدي إلى السقوط والتهور في الخطية. فأفضل طريقة لطاعة روح الأمر تشغيل العين واليد بفعل الخير لتكونا آلتين للبر فقط.

31 «وَقِيلَ: مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ فَلْيُعْطِهَا كِتَابَ طَلاَقٍ».

تثنية 24: 1 وإرميا 3: 1 ومتّى 19: 3 الخ ومرقس 10: 2 الخ

خالف الكتبة والفريسيون روح الوصية السابعة أيضاً بشرائعهم من جهة الطلاق، إذ فسروا ما ورد في تثنية 24: 1 كإذن لتطليق الإنسان امرأته لأقل سبب، بشرط أن يعطيها كتاب طلاق. فالمسيح لا يقارن هنا تعليمه بتعليم موسى، بل بشرح الفريسيين لذلك التعليم. وتظهر عظمة الشرور الناتجة من شرحهم الفاسد مما قيل في ملاخي 2: 14 - 16.

خلق الله أولاً رجلاً وامرأة، ورسم أن يدوم اقترانهما حتى موت أحدهما (تكوين 2: 24). ولكن موسى وجد بني إسرائيل صاروا قساة القلوب، وتعوَّدوا الطلاق كثيراً، فاستحسن كحاكم سياسي أن لا يمنع الطلاق مطلقاً بل أن يضع له حدوداً. وأما المسيح فأرجع الشريعة إلى أصلها. وهي لا تزال إلى يومنا هذا شريعة الله الوحيدة التي تصون راحة العائلة والأخلاق العامة والاعتبار الواجب للمرأة والتربية الحسنة للأولاد.

كِتَابَ طَلاَق أمر موسى بذلك كحاكم سياسي ليمنع الطلاق على الفور، وأذن به دفعاً للشر الأعظم (مرقس 10: 5). ولم يكن إعطاء كتاب الطلاق للمرأة اتهاماً لها بعدم الاستقامة، بل ليكون لها شهادة بعفتها، لأن الشريعة أمرت أن الزانية تعاقب بالموت (عد 5: 31).

32 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ ٱمْرَأَتَهُ إِلاَّ لِعِلَّةِ ٱلزِّنَى يَجْعَلُهَا تَزْنِي، وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِي».

لوقا 16: 18

ينهى المسيح عن الطلاق مطلقاً إلا عندما ينحل رباط الزواج بزنى أحد الزوجين. وفسر بعضهم قول الرسول في 1كورنثوس 7: 15 إنه يجيز الطلاق أيضاً لعلة الهجر الدائم.

يَجْعَلُهَا تَزْنِي أي بواسطة هذا الطلاق غير الجائز يجعلها تحت تجربة الزواج ثانية بآخر. وهي لا تزال مرتبطة بالأول بحسب شريعة الله.

وَمَنْ يَتَزَوَّجُ مُطَلَّقَةً فَإِنَّهُ يَزْنِ لأنه يأخذ امرأة غيره.

33 «أَيْضاً سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَحْنَثْ، بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ أَقْسَامَكَ».

متّى 23: 16 خروج 20: 7 ولاويين 19: 12وعدد 30: 2 وتثنية 23: 23

موضوع كلام المسيح هنا الحلف أو استعمال الأقسام المحرمة. ضلَّ اليهود في هذا الأمر ضلالتين: في الاعتقاد والعمل. (1) أن كل حلف جائز إلا الحلف بالكذب الذي ذكر فيه اسم الله. و(2) أن كل الأقسام لا تربط الإنسان إذا لم يُلفظ فيها اسم الجلالة. فظنهم هذا كان مناقضاً لتعليم الله في الوصيتين الثالثة والتاسعة.

فالمسيح يعلم هنا أن المخالفة لا تقوم بالألفاظ المستعملة في الحلف، ولا يكون غايته إثبات الكذب، بل باستعماله على أي صورة كانت بدون لزوم. وأن كل الأقسام والنذور تقيد الإنسان، سواءٌ لفظ فيها اسم الله أم لا.

لاَ تَحْنَثْ هذه الكلمة لا توجد لفظاً بين الوصايا العشر ولا في غيرها من ألفاظ التوراة، ولكن مضمونها في لاويين 19: 12 وهو قوله «لاَ تَحْلِفُوا بِاسْمِي لِلْكَذِبِ، فَتُدَنِّسَ اسْمَ إِلهِكَ» (لاويين 19: 12). هذا يتضمن النهي عن الحنث، وهو الخلف في اليمين.

بَلْ أَوْفِ لِلرَّبِّ هذا مأخوذ معنىً من العدد 20: 2 والتثنية 23: 23. فاليهود فسروا هذه الأوامر بطريقة أضاعت معناها وقوتها، لزعمهم أن نكث القسم أو النذر الذي لم يُذكر فيه اسم الله ليس حراماً.

34 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّةَ، لاَ بِٱلسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللّٰهِ».

متّى 23: 16، 18، 22 ويعقوب 5: 12 إشعياء 66: 1

ذكر المسيح بعض أمثال ينهى بها عن كل الأقسام غير اللازمة.

لاَ تَحْلِفُوا ٱلْبَتَّة ذلك من جهة أمورنا الشخصية والعامة، فلا تمس واجباتنا للحكومة، فالمحاكم تضطر لكثرة الحنث بين الناس أن تطلب القسَم الشرعي واسطةً لإظهار الحق. فلا ينهي المسيح عن مثل هذه الأقسام، بل عن المستعملة في المحادثات العادية لغير مقتضى.

ويظهر أنه لم يرد بقوله الأقسام الشرعية مما أتاه هو وأتاه الرسل بعده وأتاه الله نفسه (متّى 36: 63، 64 ورومية 1: 9 وغلاطية 1: 20 و1كورنثوس 15: 31 وعبرانيين 6: 13 - 17 و7: 21). فإن تلك الأقسام أُمر بها في خروج 22: 11 ولاويين 5: 1وعدد 5: 19 وتثنية 29: 12، 14. والمسيح لم يأت لينقض الشريعة الموسوية.

فمن واجبات المسيحي عندما يؤمر بالقسم شرعاً أن يقسم بكل وقار، لا ليجبر نفسه على الكلام بالصدق بل ليقنع الآخرين أنه يصدق.

لاَ بِٱلسَّمَاءِ لأَنَّهَا كُرْسِيُّ ٱللّٰه الحلف بالسماء هو كالحلف بالله ذاته، لأن السماء مقامه ومحل عرشه، فلذلك يرتبط الإنسان بهذا القسَم كما يرتبط بقسمه باسم الجلالة.

35 «وَلاَ بِٱلأَرْضِ لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ، وَلاَ بِأُورُشَلِيمَ لأَنَّهَا مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيمِ».

مزمور 48: 2 و87: 3

لأَنَّهَا مَوْطِئُ قَدَمَيْهِ جاء في إشعياء «هكذا قال الرب: السماوات كرسيي والأرض موطئ قدميَّ» (إشعياء 66: 1). فمن يحلف بالأرض فكأنه حلف بالله، لأن علاقتها به تجعل الحلف ذا قيمة. وسُميت موطئ قدميه لأنها له، ولأنها حقيرة بالنسبة إلى عظمته.

وَلاَ بِأُورُشَلِيم كانت عادة اليهود أن يصلّوا متجهين نحو تلك المدينة (1ملوك 8: 38، 42، 44 ودانيال 6: 10). وهي عادة قديمة (لم يأمرهم الله بها). فكان لتلك المدينة الوقار الزائد في القَسَم.

مَدِينَةُ ٱلْمَلِكِ ٱلْعَظِيم كانت مركز الهيكل وعاصمة يهوه ملك الشعب المقدس. فنسبتها إليه جعلت للحلف بها معنىً ووقاراً (مزمور 46: 4 و48: 1، 2، 87: 3).

36 «وَلاَ تَحْلِفْ بِرَأْسِكَ، لأَنَّكَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَجْعَلَ شَعْرَةً وَاحِدَةً بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ».

بِرَأْسِك لا يجوز القسم بالرأس وإن لم يذكر الله شيئاً من أمره.

لأَنَّكَ لاَ تَقْدِر الذي يحلف برأسه يدَّعي السلطان عليه، وهو لله وحده. فلا حق لنا أن نحلف بما هو له. والحلف بالحياة كالحلف بالرأس لأن الله مصدر الحياة. فإذا حلفنا بها كأننا حلفنا به. ولا يقدر إنسان أن يخلق شعرة واحدة أو أن يغير لونها بمجرد قوة الإرادة، لأن هذا عمل الله وحده. وما قيل عن الرأس يقال عن اللحية والذقن والأولاد وغير ذلك، مما اعتادت العامة أن تحلف به.

37 «بَلْ لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ: نَعَمْ نَعَمْ، لاَ لاَ. وَمَا زَادَ عَلَى ذٰلِكَ فَهُوَ مِنَ ٱلشِّرِّيرِ».

كولوسي 4: 6 ويعقوب 5: 12

لم ينهَ المسيح عن الأقسام الباطلة، بل نهى عن رفع كل دعوى إلى الله بغير لزوم. فيجب أن نستعمل كلماتنا البسيطة: نعم ولا، كأننا ننطق بهما أمام الله، ونعتبرهما كأعظم الأقسام. فالمقصود أن يكون كلامنا بلا أقسام. فإن أراد الإنسان أن يزيد على قوله «نعم» لم يجُز له سوى تكرارها. والأقسام في أمور صغيرة خطايا كبيرة. فيجب أن نكون دائماً صادقين حتى يثق بنا الناس بدون قَسَم. وكل إنسان ملزم بأن يصدق بقوله سواء أحلف أم لم يحلف.

وما زاد على ذلك فهو من الشرير: إما لأن ذلك مضاد للشريعة الأخلاقية، أو لأن المحرك إليه الشيطان مصدر الشر (رومية 12: 9 و1تسالونيكي 5: 22 ويوحنا 8: 44 و1يوحنا 2: 13، 14 و3: 7، 12 و5: 18). ولولا شيوع الكذب في العالم لم تكن حاجة إلى الأقسام الشرعية. فلا يجوز استعمالها إلا دفعاً للشر الأعظم، كما يجوز القتل محاماةً عن الحياة. والمسيحيون بالحق لا يحتاجون إلى الأقسام أبداً. فمتّى زال الخداع والكذب من العالم تزول الأقسام أيضاً. ونستنتج من قول المسيح هذا أن من يتلفظ بالأقسام باطلاً يدل على شر قلبه. فيجب أن لا نثق بصدق من يخاطبنا بناءً على أنه يثبت كلامه بكثرة الأقسام، لأن الذي يخالف الوصية الثالثة لا يصعب عليه أن يخالف التاسعة. ولا ريب في أن الإنسان كثير الأقسام يغضب الله ويجلب على نفسه العقاب.

38 «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ».

خروج 21: 24 ولاويين 24: 20 وتثنية 19: 21

هنا أمر خامس يقارن فيه المسيح تعليمه بتعليم الكتبة والفريسيين، وهو الانتقام. فالمسيح ينهى عن ذلك لأن اليهود احتجوا على جوازه (بما قيل في خروج 21: 24 ولاويين 24: 20 وتثنية 19: 21). قالوا إن الشريعة سمحت لهم أن ينتقموا ممن آذاهم، بشرط ألا يزيدوا على القصاص المعين في الشريعة.

وشريعة الانتقام هذه هي قانون للحاكم لإجراء العدل بين الناس عموماً، وغايتها ردع الشخص عن أن ينتقم لنفسه. كما أنها لا ترخص لجماعة من الناس ذلك، ولكنها تعلن للحاكم الذي تجبره وظيفته أن يعاقب المجرمين.

39 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلآخَرَ أَيْضاً».

أمثال 20: 22 و24: 29 ولوقا 6: 29 ورومية 12: 17، 19 و1كورنثوس 6: 7 وإشعياء 50: 6 ومراثي إرميا 3: 3

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ قوله هنا لا يناقض أن الشريعة قانون للحاكم، بل يناقض سوء استعمالها كحجة للانتقام الشخصي.

لاَ تُقَاوِمُوا ٱلشَّرَّ إننا مسؤولون أن نترفع عن مقاومة الشر بالشر. والشر هنا ليس شراً أخلاقياً بل شخصياً. فمعنى هذا العدد والعددين التاليين أنه يجب علينا أن نحتمل الأذى والإهانة.

لَطَمَك هذا مثل على الأذى الشخصي، فخيرٌ لك أن تحول الخد الثاني لمَن لطمك مِن أن تنتقم لنفسك، أو أن تربي في قلبك جراثيم الغضب والانتقام. فاترك النقمة لله وللحكام.

ولكن يجب أن لا يُفهم من ذلك تحريم المحاماة عن أنفسنا لأن ذلك يرخص للأردياء أن يفعلوا حسب شهواتهم، ويجعل المظلوم فريسة الظالم. فالمسيح ذاته لم يحتمل الشر بل قاومه بلسانه (يوحنا 18: 22، 23) وهكذا فعل بولس (أعمال 23: 2، 3) وهكذا فعل الرسل (كولوسي 4: 9 - 13). وخلاصة ما أراده المسيح تنبأ به إشعياء من أمر المسيح نفسه، وهو قوله «بَذَلْتُ ظَهْرِي لِلضَّارِبِينَ، وَخَدَّيَّ لِلنَّاتِفِينَ. وَجْهِي لَمْ أَسْتُرْ عَنِ الْعَارِ وَالْبَصْقِ» (إشعياء 50: 6). فاستعمل المسيح كلامه هنا كما استعمله في ع 29، 30 ليجعله مؤثراً في السامعين، لا ليؤخذ بالمعنى الحرفي. لأنه كما أننا لا نقلع العين ولا نقطع اليد حرفياً، لا يترتب من ذلك أنه يجب على الإنسان أن يسلم للآخرين أن يسلبوه ويضربوه ولا يعارضهم. وأبلغ من ذلك أنه يدعو الظالم إلى أن يزيد على ظلمه ظلماً. كيف لا، والشريعة الطبيعية وسائر الشرائع الإلهية والبشرية تسمح للإنسان أن يحامي عن شخصه وعن عائلته عندما تكون حياته أو حياتهم في خطر.

فالمسيح يعلمنا هنا مبدأً جوهرياً، وهو أن أفضل طريق لمقاومة شر العالم ليس المدافعة القوية، بل احتماله بالحكمة المسيحية. فإن من يحتمل الظلم إكراماً للمسيح ولأجل غايات روحية يُظهر القوة الحقيقية لا الجبن والضعف. وأما الذي يبادر إلى الانتقام ممن تعدى عليه، والسريع الغضب ومحب الخصام والغيور في طلب كل حقوقه، فروحه مغاير لروح المسيح، ويمدحه العالم لا المسيح، بخلاف ذاك الذي يحتمل الإهانة بالصبر لأجل اسم المسيح، فإنه سيجازى بإكرام أبدي.

40 «وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضاً».

هذا هو دستور تصرفك عندما يريد أحد أن يؤذيك بالمحاكمة لدى أرباب الحكومة، ويجتهد في أن يسلب منك كل ما لك حتى الثوب الذي عليك. فخير لنا أننا نترك لخصمنا الثوب الذي تحرم الشريعة أخذه لأنه غطاء الفقير في الليل (خروج 22: 26، 27) من أن نربي في قلوبنا الغضب عليه والانتقام منه. والمسيح ينهى عن مخاصمة الآخرين لدى الحكومة عندما تكون الغاية من ذلك الانتقام لا إظهار الحق (1كورنثوس 6: 7). فالمسألة هنا عن الخسارة المالية لا عن الديانة أو الحياة. فيجوز رفع الدعاوى إلى الحكومة عندما يكون الأمر مهماً والوسائط الأخرى لا تجدينا نفعاً في الحصول على حقوقنا، بشرط أن نرفعها بغية الإنصاف، وأن نرتضي بالمصالحة على شروط معتدلة. وخيرٌ لنا أن نخسر ما لنا من أن نخسر نفوسنا لعدم محبتنا.

41 «وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ».

مرقس 15: 21

أورد المسيح هنا مثلاً ثالثاً للأحوال التي يُفضَّل فيها أن يحتمل الإنسان الظلم على المحاماة عن حقه بروح الغضب والانتقام. فعوضاً عن أن نرفض الذهاب مع إنسان ميلاً واحداً بروح الغضب والانتقام، نذهب معه ميلين، محتملين ضعف المشقة. وإذا كان طلب الذهاب من الحكومة وجب التسليم به بالرضى.

مِيلاً الميل الروماني يساوي 2100 ذراعاً، أو مسافة نحو ثلث ساعة مشياً.

42 «مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ».

لوقا 6: 30، 35

يجب أن يكون هذا دستور تصرفنا حين يلح أحد علينا، لأن ذلك وإن كان من أقل مهيجات الغضب إن طال وتكرر أزعج وكدَّر.

مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ يُشار هنا إلى العطايا المجانية. فمهما أعطى الإنسان فهو أفضل من الرفض بروح الغضب.

أَنْ يَقْتَرِض يحتمل أن تكون الإشارة هنا إلى القرض المطلوب بلجاجة زائدة ونحن لا نريد أن نقرض. فالمسيح يقول إنه خير لنا أن نقرض من أن نرفض ذلك بروح الغضب.

ومن المعلوم أنه لا يراد السير على هذه السنن حرفياً وأبداً. فإن المسيح وعد في يوحنا 14: 14 قائلاً «ان سألتم شيئاً باسمي فإني أفعله». ولكن بما أننا لا نعرف ما هو الأفضل لنا، لا يعطينا كل ما نطلبه. فإن أعطينا مجنوناً سيفاً، أو مخادعاً صدقةً ينفقها على المسكرات، آذيناه وآذينا أنفسنا. فصدقاتنا وقروضنا يجب أن تكون متناسبة مع قدراتنا، ومع خير من يسألنا. وأحياناً يكون امتناعنا عن العطاء أفضل معروف للمقترض أو المستعطي. وكثيراً ما نخطئ في الصدقة، فنعطي من هو قادر على العمل، فنشجعه على الكسل (2تسالونيكي 3: 10). ولكن من الأفضل أن نعطي غير المستحقين بعض الأحيان من أن نطرد محتاجاً حقيقياً. وما أحسن أن يعتاد الإنسان العطاء، لكن يجب أن ننظر مع ذلك إلى ما علينا لعائلاتنا (1تيموثاوس 5: 8)، وما علينا للكنيسة.

وأول من يستحق الصدقة الأرامل واليتامى والعمي والعرج والمرضى (عبرانيين 13: 2 ومتّى 25: 35، 45). وإن احتاج أخ أو صديق لنا وجب أن نقرضه إذا أمكننا ذلك، مع إتمام سائر الواجبات المالية. ومن قواعد الحكمة أن لا يقرض الإنسان أكثر مما يطيق أن يخسره.

43 «سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ».

لاويين 19: 18 وتثنية 23: 6 ومزمور 41: 10

هذه القضية السادسة التي فيها يأمر المسيح فيها بأكثر من بر الكتبة والفريسيين. وهي مختصر القول «لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ» (لاويين 19: 18). فكانت الغاية من وضع هذه الوصية أن يحب اليهود بعضهم بعضاً، لقوله «أبناء شعبك». فالفريسيون نظراً لسكوت الوصية عن واجباتهم للأمم استنتجوا وجوب أن يعتبروهم أعداء الله وأعداءهم.

قَرِيبَكَ حسب تعليم الفريسيين هو «أحد اليهود» وحسب تعليم المسيح أي شخص قريب منك. فمحبة القريب وصية الله، وبغض العدو نتيجة استنتجها الفريسيون.

وَتُبْغِضُ عَدُوَّك هذه قاعدة أضافها الفريسيون إلى الشريعة، فهي ليست من الأوامر الإلهية. على أن الفريسيين لم يأمروا ببغض الأمم صريحاً، بل حصروا الوصية في محبة اليهود. فكأنهم أباحوا أن يبغضوا الأمم. ويحتمل أن اليهود استنتجوا ذلك من أمر الله لهم بقتل الكنعانيين، ولكن هذا البغض مخالف لروح العهد القديم (انظر خروج 23: 4، 5 وأمثال 34: 17، 18 و25: 21).

44 «وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ ٱلَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ».

لوقا 6: 27، 35 ورومية 12: 14، 20 ولوقا 23: 34 وأعمال 7: 60 و1كورنثوس 4: 12، 13 و1بطرس 2: 23 و3: 9

وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ يقول هذا دفعاً للنتيجة الفاسدة التي أضافها الفريسيون إلى شريعة المحبة. فتعليم المسيح هو أن شريعة المحبة التي حصروها في أمتهم تعم جميع الناس حتى الأعداء.

أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُم يجب علينا حسب هذا الأمر أن لا نحب الغرباء فقط، بل الذين يشتموننا ويضطهدوننا أيضاً، لأن به يزيد البر المسيحي على بر الكتبة والفريسيين. والمحبة المطلوبة هنا ليست المحبة لصفات الله والصالحين، ولا محبة عداوة أعدائنا وشتائمهم واضطهادهم، لكنها محبة أشخاصهم التي تحملنا على أن نطلب نفعهم ونشفق عليهم لجهالتهم، ونكلمهم باللطف، ونكافئ شرهم بالخير، ونعينهم وقت الضيق، ونسعى في خيرهم الزمني والأبدي. وهذا أفضل برهان على صحة الدين المسيحي مع أنه أصعب جميع واجباته. لأننا عندما نحب أعداءنا نماثل الله الذي أحبنا ونحن أعداؤه.

بَارِكُوا أي لا تقتصروا على الشعور بالحنو عليهم، بل أظهروه قولاً وفعلاً. والصلاة وكلمات اللطف وأعمال المحبة أفضل سلاح للمسيحي في دفع الظلم. فيجب أن نكلمهم باللطف في حضورهم، ونذكرهم بالحسنى في غيبتهم، فنمدحهم على ما يستحقون المدح به، ونسكت عما يوجب الذم لهم. فلا نسأل كيف عاملنا العدو لنعامله بالمثل، بل كيف يريد الله أن نعامله.

يُسِيئُون أي الذين يضرونكم أو يؤذونكم قولاً أو فعلاً. والله يقدِّرنا على المغفرة للذين يسيئون إلينا. وأحسن واسطة إلى ذلك الصوم.

45 «لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى ٱلأَشْرَارِ وَٱلصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى ٱلأَبْرَارِ وَٱلظَّالِمِينَ».

أيوب 25: 3

لِكَيْ تَكُونُوا هذا برهان النبوة لا سببها.

أَبْنَاءَ أَبِيكُم نظهر أننا أبناؤه إن شابهناه في الرأفة وعمل الخير لجميع الناس، لأن الابن يقتدي طبعاً بأبيه. فنثبت بنوَّتنا أن تمثلنا به في نفع الجميع، بغضّ النظر عن أهليتنا، لأننا لا نقدر أن نشابهه في القوة ولا في الحكمة، فذلك أمر عندما حاول الإنسان الحصول عليه سقط من طهارته (تكوين 3: 5) ولكن عندما نجتهد في أن نكون مثله في المحبة نقرب منه (أفسس 5: 1).

لو لم يحبنا الله ونحن أعداؤه ما صرنا أبناءه، ولكن إن ادَّعينا أنا أولاده ونحن غير مشتبِّهين به نفقد كل حقوقنا. فامتياز أولاد الله على من سواهم يظهر في محبتهم وطول أناتهم والشفقة على غيرهم.

فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ لم يقتصر الله على أن يمنح ضوء الشمس وفائدة الأمطار للصالحين، بل كذلك للأشرار. ولذلك لا يجوز أن نقصر محبتنا على الذين يستحقونها، بل يجب أن نحب الجميع.

اختار المسيح ضوء الشمس والمطر في بيان جود أبيه ومحبته، لأنهما على كل أسباب الحياة والنعمة في هذه الدنيا، ولأن نفعهما ظاهر للجميع. فمعاملة الله لأعدائه في مسامحتهم وطلب خيرهم يجب أن يكون نموذجاً لشعورنا وعملنا ومعاملتنا لأعدائنا، لأنه ليس لله إلا عدو واحد يبغضه وهو الخطية. ولا يجوز أن يكون لنا عدو غيرها. ولو سار الناس بموجب قاعدة المسيح هذه لارتفع عنهم جانب عظيم من المشقات من العدوات والحروب والخصومات.

46 «لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ، فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذٰلِكَ؟».

لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ ذكر المسيح فيما سبق أن الموجب الأول لمحبتنا للناس هو مَثَل الآب السماوي، ويذكر هنا الموجب الثاني لمعاملة الناس بعضهم لبعض. فالعشارون الذين حُسبوا عند السامعين أردأ الجميع يشعرون بالمحبة لأصدقائهم وأنسبائهم ويعاملونهم بمقتضاها. فكم بالحري يجب أن تكون محبة المسيحي أعظم اتساعاً حتى تعم أعداءه كما أوصانا المسيح!

فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أعني أي حق لكم في المدح والثواب على ذلك من الله؟ وهذا الاستفهام استنكاري، أي لا حق لكم! لأن الذي ليس له إلا فضائل الوثني والعشار لا حقَّ له أن ينتظر إلا ثوابهما.

ٱلْعَشَّارُون هم جباة الضرائب، ويُضرب بهم المثل في دناءة الاسم والمقام بين الناس. كانوا يجمعون الجباية للرومان من اليهود، فأبغضهم اليهود لأنهم حسبوهم آلات لإجراء العبودية الأجنبية الوثنية، ولأنهم كانوا يأخذون من الناس أكثر مما عليهم. فبذلك كانوا مختلسين. ولم يكن يقبل هذه الوظيفة إلا أدنى الناس حتى حُسبت شريرة بذاتها. وعُدَّ العشارون والخطاة أشقى الناس.

فإن كان المسيحيون لا يعملون أكثر من هؤلاء العشارين، يكونون قد قصروا في واجباتهم، لأن دائرة أخلاق الذين تمثلوا بهم كانت ضيقة جداً. أما الفريسيون فلم يطلبوا بتعليمهم زيادة على ذلك.

فمضمون السؤالين في هذه الآية هو أن الذين يحبون محبيهم فقط ليس لهم أجر عند المسيح، لأنه يعتبرهم كما يعتبر العشارين. وتكلم عليهم كذلك جرياً على عادة الناس في أمرهم.

إن مكافآت المحبة عدلٌ بشري. والمحبة للذين يبغضوننا هي محبة إلهية. وأما بُغض الذين يحبوننا فهو عملٌ شيطاني.

47 «وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ، فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هٰكَذَا؟».

إن سلمتم: معنى هذه الآية كالآية السابقة، فلا تخالفها إلا بتغيير ألفاظها. فذكر فيها لفظ «سلمتم» بدلاً من «أحببتم». والسلام إحدى طرق إظهار الاعتبار والمحبة. وقد كرر المسيح ذلك المعنى بهذا اللفظ لأن اليهود كانوا لا يسلمون على الأمم، لأنهم لو سلَّموا عليهم لاعتبروهم من إخوتهم.

إِنْ سَلَّمْتُمْ أي اليهود، بني جنسكم.

أَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أي ماذا تصنعون أكثر مما يفعله أشقى الناس؟ فهل يجوز أن يكتفي تلاميذ المسيح بأن يتمثلوا بهؤلاء؟ لا! لأن المسيح ينتظر منهم أكثر مما ينتظر من غيرهم، فقد فعل لأجلهم أكثر مما فعل لغيرهم، ولأن لهم من النور والمعرفة أعظم مما للغير.

أَلَيْسَ ٱلْعَشَّارُونَ أَيْضاً؟ يجب أن تكون محبة تلاميذ المسيح لغيرهم أشدَّ من محبة جماعة حُسبت شر الناس عند العامة والخاصة. لا بل ينتظر منا أن نحب أعداءنا كما يحب العشارون أحباءهم.

48 «فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ».

تكوين 17: 1 ولاويين 11: 44 و19: 2 ولوقا 6: 36 وكولوسي 1: 28 و4: 12 ويعقوب 1: 4 و1بطرس 1: 15، 16 وأفسس 5: 1

رجع المسيح في ختام كلامه عن وجوب المحبة للغير إلى المثل الذي أورده في ع 45. فلم يَدْعُنا إلى الاقتداء بأفضل الناس، بل أمرنا بأن نقتدي بأبينا السماوي، الإله الكامل الذي محبته الكاملة تشمل أعداءهُ حتى جعلته يطلب فداءهم (رومية 5: 8، 9). فإن كنا غير كاملين الآن يجب أن نجعل الكمال غايتنا، عالمين أننا كلما تمثلنا به في المحبة دنونا من الكمال. وعدم استطاعتنا أن نبلغ الكمال لا يسوغ لنا أن نكف عن الاجتهاد في سبيل الحصول عليه. قال بولس «لَيْسَ أَنِّي قَدْ نِلْتُ أَوْ صِرْتُ كَامِلاً، وَلكِنِّي أَسْعَى لَعَلِّي أُدْرِكُ الَّذِي لأَجْلِهِ أَدْرَكَنِي أَيْضًا الْمَسِيحُ يَسُوعُ» (فيلبي 3: 12).

ولا يُفهم من هذا أنه يمكن لأحدٍ أن يبلغ الكمال في هذه الحياة، إنما يبين لنا الشيء الذي يجب أن نجتهد فيه، وماذا يجب أن تكون غايتنا الأخلاقية.

كَامِلِين (1بطرس 1: 16) يجب أن تكون مبادئ حياتنا وكل غايتنا كمبادئ الله وغاياته، أي نكون نظيره في الطهارة الداخلية والمحبة والقداسة. ويسوع المسيح وحده المعلم العظيم يقدر أن يعلمنا أن نكون كاملين لأنه تجسد لكي يشخِّص كمال الله أمام الناس في حياته وموته.

الأصحاح السادس

1 «اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ ٱلنَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».

تثنية 24: 13 ومزمور 112: 9 ودانيال 4: 27 و2كورنثوس 9: 9، 10

قارن المسيح في الأصحاح السابق البر الحقيقي ببر الكتبة والفريسيين من جهة بعض المبادئ الأخلاقية العظيمة، وأخذ هنا في مقارنة كيفية عبادتهم بكيفية العبادة التي يطلبها الله من جهة الصدقة والصلاة والصوم.

اِحْتَرِزُوا إشارة إلى وجود خطر الضلال من سوء تعليم الكتبة والفريسيين وعملهم، وإلى ضرورة إجراء أعمال العبادة حسب العادة. فالخطية التي يحذر تلاميذه منها هي الرياء الذي يدنس أخلاق الإنسان، ويهلك نفسه. ومحبة المدح من الناس تدخل القلب خفية، وتوقع الإنسان في خطر شديد، فتصير أول غايات حياته، وهو لا يشعر بذلك.

قُدَّامَ ٱلنَّاسِ بغية أن يروا صدقتكم ويمدحوكم عليها. لأنه يجب أن لا نعمل شيئاً من أعمالنا الدينية لننال مجداً من الناس. نعم قد يحدث أنهم يرونها صدفةً، أو أنها تُصنع أمامهم عمداً (متّى 5: 16). ولكن لا يجوز أن يكون قصدنا أن نريهم ما نعمله.

وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ هذا نتيجة قوله «احترزوا» لأنه لا ينتظر بركة إلهية ولا مجازاة من الله ولا خير للنفس من العبادة التي غايتها المدح من الناس والتباهي.

عِنْدَ أَبِيكُم أعني في قصده. فلا شيء مكنوز عنده لكم. لأن غاية هذه العبادة ليست إكرامه. فلا يُعتبر من يقدمها مستحقاً شيئاً من ذلك.

ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَات تمييزاً عن الوالدين البشريين.

2 «فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِٱلْبُوقِ، كَمَا يَفْعَلُ ٱلْمُرَاؤُونَ فِي ٱلْمَجَامِعِ وَفِي ٱلأَزِقَّةِ، لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ ٱلنَّاسِ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».

فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً صُنع الصدقات واجب على كل إنسان يقول إنه يعبد الله.

فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِٱلْبُوقِ ليس المقصود أن الفريسيين كانوا يصوتون ببوق حقيقة عندما كانوا يوزعون إحساناتهم، بل أراد توبيخهم على خطية إعطاء الصدقة بقصد الافتخار والتظاهر بالكرم. فكأنه قال: لا تعطِ صدقة وأنت كقائد جيش ذاهب للحرب، أو كملك أمام شعبه يتقدمه بوق ينبِّه الناس إليه.

ٱلْمُرَاؤُونَ المدَّعون بفضيلة ليست فيهم، والمتظاهرون بخلاف ما في قلوبهم، كأن صنيعهم ناتج عن محبة الفقير، ولا أثر للمحبة فيهم. ولا شك أن المسيح أراد بكلامه هذا الكتبة والفريسيين وإن لم يذكر اسمهم. ولا بد أن السامعين عرفوا أن هذا اللقب يصدق عليهم.

فِي ٱلْمَجَامِعِ أماكن العبادة (انظر الشرح متّى 4: 23) حيث تكثر الشهود الذين ينظرون تقواهم الظاهرة.

وَفِي ٱلأَزِقَّةِ حيث يكثر الناس فتكون الفرصة مناسبة لإظهار كرمهم. ففي الموضعين (المجمع أو الزقاق) يجتمع الناس للعبادة أو للأعمال، علينا أن ننتبه فلا نكن مرائين.

لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ ٱلنَّاسِ ليتعجب الناس منهم ويمدحوا سخاءهم. فهذه الغاية الفاسدة المقصودة بصدقتهم جعلتها بلا فائدة عند الله ومكروهة في عينيه.

قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ نالوا كل ما يمكن أن ينالوه، وليس لهم حق أن ينتظروا شيئاً بعد، لأن أجرهم مجد الناس الزائل. طلبوه فلا يأخذون غيره. وبما أنهم لم يطلبوا المجد الذي من الله وحده لم يمنحهم إياه.

وفي هذا العدد والعدد 5، 23، 29، 36، 39 يستعمل المسيح صيغة المفرد بدلاً من صيغة الجمع ليوجه كلامه إلى كل فرد.

3 «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ».

فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُك مَثَلٌ يُضرب في إخفاء أمر. ولا يمكن أن نتصور كتمان سر أشد من هذا، وهو أن عضواً من أعضاء الإنسان لا يشعر بحركة غيره من الأعضاء. ويستعمل المسيح هذا المثل ليشير إلى وجوب اجتناب الشهرة في ممارسة واجباتنا الدينية، وليس لينهى المسيحي عن أن يشترك علانية في فعل الخير عندما يكون قصده أن يجعل نوره يضيء قدام الناس، ليتمجد الله. ولا لينهى عن طبع عطايا الجمعيات الخيرية في الجرائد. إنما ينهى عن التباهي بتلك الواجبات بقصد نوال المجد من الناس، وعن لذة الفخر بما فعلناه من الصدقة بقصد نوال المدح الذاتي. فيجب أن نجتهد في أن ننسى ذلك كما نسيه الصالحون الذين ذكرهم بقوله «فَيُجِيبُهُ الأَبْرَارُ حِينَئِذٍ قَائِلِينَ: يَارَبُّ، مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا فَأَطْعَمْنَاكَ، أَوْ عَطْشَانًا فَسَقَيْنَاكَ؟» (متّى 25: 37).

4 «لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً».

لوقا 14: 14

لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي ٱلْخَفَاءِ فتتميز عن صدقة الكتبة والفريسيين. فاصنعها لله طوعاً لأمره لترضيه وتنال بركته.

فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يرى ما صُنع في الخفاء كما يرى ما صُنع جهاراً. فيجب أن نتذكر في كل خدمة دينية أن الله يفحص القلب ويعلم كل شيء ويعرف غاياتنا في كل أعمالنا. وهو لا ينظر إلى مكانة المعطي بل إلى روحه. فليست الفضيلة بالعمل الخارجي، بل بالدافع وراء هذا العمل. فالله ينظر إلى أعمالنا الصالحة بقدر ما نخفيها عن الناس.

يُجَازِيك (تكوين 15: 1 وعبرانيين 11: 6). يجازي الله على فعل الخير وإنكار الذات في إخفاء العمل عن نظر الناس وعن مدحهم. على أن أفضل أعمالنا لا تستحق المجازاة. لكن الله في رحمته وتنازله يرضى أن يجازينا عليها، فتكون المجازاة من النعمة لا من الاستحقاق.

عَلاَنِيَةً أي يوم الدين أمام الملائكة والناس، إن لم يكن قبل ذلك، لأنه أحياناً يجازي في هذه الحياة بمنحه النجاح في الأمور الدنيوية فإنه «مَنْ يَرْحَمُ الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ» (أمثال 19: 17) وهو يجازي العبد الصالح دائماً بأن يجعل ضميره يمدحه.

ملحوظة: في بعض النسخ لا توجد كلمة «علانية». وربما زيدت ليكسب الكلام قوة أكثر.

5 «وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَٱلْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ فِي ٱلْمَجَامِعِ وَفِي زَوَايَا ٱلشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».

وَمَتَى صَلَّيْتَ لم يأمر المسيح بالصلاة هنا، بل حسب ذلك أمراً مسلماً به عند تلاميذه، ليس طاعةً لأمره الصريح، ولا لأن الصلاة واسطة لازمة للنمو الروحي، بل كأمر ينتج من حياة النفس الجديدة، كالتنفس من الحياة العادية. وجعل قانون الصدقة المذكور آنفاً قانوناً للصلاة أيضاً. أي أننا نقصد بها أن يسمعنا الله لا الناس. ومن صلى بخلاف هذا القانون يُظهر إنه مراءٍ يتظاهر بأنه يعبد الله بغية رضاه، وغايته بالحقيقة هي مدح الناس.

فَلاَ تَكُنْ كَٱلْمُرَائِينَ ينهى المسيح تلاميذه عن أن يشابهوا المرائين أو الكتبة والفريسيين، وينتظر منهم أن لا يشابهوهم.

فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا قَائِمِينَ أي أنهم يسرون بالمجاهرة في الصلاة أمام الناس. وقول المسيح هذا يتضمن أنهم لا يمارسون الصلاة الانفرادية البتة، ولا يحبون الصلاة إلا لأنها واسطة تظاهرهم بالتقوى أمام الناس.

فِي ٱلْمَجَامِع لا يذكرها المسيح كأنها ليست أماكن موافقة للعبادة، فإنها بُنيَت لهذه الغاية، بل لأنهم قصدوها لتراهم الجموع هناك، لا ليعبدوا الله فيها.

فِي زَوَايَا ٱلشَّوَارِعِ لأنها أكثر مناسبة للاشتهار. فالذين يختارون مثل هذه الأماكن للصلاة يظهرون أن غايتهم مدح الناس لا رضى الله. وقوله «قائمين» لا يدل على زيادة الرياء، لأن الوقوف كان من عادة اليهود وهم يصلون. وأمر واضح أن المسيح لا ينتقد هيئة الساجدين، ولا مكان الصلاة، بل روح الساجدين في هذه الأماكن وغايتهم.

لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاس يعبدون الله ليُخبروا الآخرين بعبادتهم، فيمدحهم الناس. وهذا كل همهم بدلاً من أن يسعوا لرضا الله عنهم.

6 «وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً».

ملاخي 4: 33

فَمَتَى صَلَّيْت يبين المسيح لنا الطريق التي بها يقدم المسيحي الحقيقي الصلاة المقبولة.

فَٱدْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ بدلاً من الصلاة قدام الناس لينظروك ادخُل إلى موضع الانفراد. «مخدعك» أي المكان المختص بك أو تحت مطلق تصرفك. فالصلاة على انفراد تعين الإنسان على ضبط أفكاره، وتمكنه من التعبير عنها.

وَأَغْلِقْ بَابَكَ ليس المقصود أن هذه الأعمال الخارجية ضرورية للصلاة المقبولة، بل المقصود هو الانفراد التام. فالغاية من غلق الباب منع دخول العالم إلى أفكارنا. وخلاصة الأمر وغايته هو أن نجتمع مع الله وحدنا فيمكن أن يكون ذلك في الحقل كما صلى إسحاق (تكوين 24: 63) أو تحت تينة كصلاة نثنائيل (يوحنا 1: 50) أو على السطح كصلاة بطرس (أعمال 14: 9) أو على الجبل كما فعل المسيح (مرقس 2: 46 ويوحنا 6: 5) أو في جثسيماني (لوقا 22: 41). وأما ما جاء في لوقا 18: 10 فيظهر فيه أن الهيكل للفريسي كزوايا الشوارع، وللعشار كمخدعه.

وجود مكان معين للانفراد في الصلاة يساعدنا كثيراً على تقديم صلواتنا بالصواب.

وَصَلِّ إِلَى أَبِيك ليسمع صلاتك لا ليراك الناس.

فِي ٱلْخَفَاءِ أي في السر فلا يراك أحد من الناس.

فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يظهر من هذه الكلمات أن المسيح يتكلم عن الصلاة الانفرادية لا العائلية والجمهورية اللتين لا بد منهما، وقد أمر بهما. يرى الله ما لا يقدر أن يراه الإنسان. يرى غايات الإنسان الحقيقية في الصلاة وأشواق قلبه.

يُجَازِيك الجزاء (كما في ع 4) نعمة لا استحقاق. وهو قبول الصلاة ونوال الطلب إن كان يؤول إلى مجد الله وخيرنا.

عَلاَنِيَة أي أمام الناس في العالم، وأمام الملائكة والناس في العالم الآتي.

لا يذكر المسيح عدد المرات التي يجب أن يصليها تلاميذه كل يوم، لئلا تصير عبادتهم طقسية، بل ترك ذلك بدون تعيين لتكون صلواتهم اختيارية ناتجة عن محبتهم له وشعورهم باحتياجهم إليه. ولم يأمرنا بإطالة الصلاة. فيجب أن يكون طولها وقصرها حسب مقتضى الحال، والاحتياج، والشعور، والواجبات.

7 «وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا ٱلْكَلاَمَ بَاطِلاً كَٱلأُمَمِ، فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَـهُمْ».

جامعة 5: 3 و1ملوك 18: 66 و39 وأمثال 10: 19 وجامعة 10: 14

بعدما حذر المسيح تلاميذه من ضلال الكتبة والفريسيين في الصلاة، معلناً لهم وجوب أن تقدم لله لا لمدح الناس، يحذرهم من العادات الوثنية في الصلاة الباطلة. ولعله نقله الكلام من المفرد إلى الجمع لأنه قصد أن يتكلم عن الصلاة الجمهورية، لأنه كان يشير به إلى الصلاة الانفرادية.

لاَ تُكَرِّرُوا ٱلْكَلاَم في الكتاب المقدس مثلان من عادة الأمم في تكرير الصلاة: (1) 1ملوك 18: 26 حيث صرخ كهنة البعل من الصبح إلى الظهر قائلين «يا بعل اسمع! يا بعل اسمع!». و(2) أعمال 19: 34 حيث صرخ الأفسسيون عبدة أرطاميس مدة ساعتين «عظيمة هي أرطاميس الأفسسيين». فقد تمثل معلمو اليهود بالوثنيين حتى قيل إنهم اعتادوا أن يقف الواحد منهم ثلاث ساعات متوالية كل يوم يصلي مكرراً طلباته أكثر الوقت.

بَاطِلاً لا يلوم المسيح التكرار، بل التكرار الباطل، أي الكلمات التي تقال تكراراً وبلا فكر. فيجوز لنا أن نكرر طلباتنا إن فعلنا ذلك من غيرتنا في الصلاة ولجاجتنا بالاحترام. ومثال ذلك في صلاة المسيح في جثسيماني وصلاة الأرملة (لوقا 19: 1 - 8) والكنيسة لأجل بطرس (أعمال 12: 5).

لم ينه المسيح عن كثرة الصلاة بل عن كثرة الكلام، فإنه هو عينه قضى الليل كله في الصلاة. فلا ننتظر إجابة صلواتنا بداعي طولها وكثرة كلامها، لأنه مهما كانت جيدة بذاتها ان قُدمت بلا فكر وبلا شوق فليست إلا تكريراً باطلاً.

َإِنَّهُمْ يَظُنُّون بُنيت هذه العادة الفاسدة على زعم الناس أن الصلاة طلسم سحري، لا خدمة القلب العقلية، وأنها بحد ذاتها تنفع من يقدمها، ولا سيما إذا كُررت. فدخلت هذه الضلالة في الكنيسة المسيحية في القرون الأولى، كأن غاية الصلاة تغيير أفكار الله، أو إخباره بشيء يجهله.

8 «فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ».

فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ لأن تكرار الكلمات في الصلاة عادة وثنية مبنية على أوهام.

لأَنَّ أَبَاكُمْ يذكرهم المسيح بعلاقتهم البنوية بالله، فهو يحبهم ويشفق عليهم ويطلب خيرهم كوالد، لأنه «كما يترأف الآب على البنين يترأف الرب على خائفيه» (مزمور 103: 13).

يَعْلَمُ نتجت تلك العادة الباطلة من زعمهم أن الله لا يعلم احتياجاتنا إلا بواسطة تكرار طلباتنا دائماً. فليس للمسيحي حجة الوثني الذي جهل أن الله بكل شيء عليم، لأنه أعلن للمسيحي أنه يعرف كل شيء وأنه «قَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ» (أفسس 3: 20).

قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ إن كانت غاية صلاتنا أن نخبره بما يجهله فلا حاجة إليها، ولا حاجة إلى تكرارها مرات عديدة لهذه الغاية. ولم يقصد المسيح هنا أن يعلمنا كل شيء يتعلق بالصلاة، لأن ذلك موضَّح في أماكن أخرى من الكتاب المقدس، وإنما قصد أن يحذرنا من الضلالة في الصلاة.

وما أعظم التعزية من أن الله يعلم احتياجاتنا أحسن ما نعبر عنها بطلباتنا الضعيفة. ولكن معرفة الله بها لا تغني عن الصلاة. لأن الشرط لنوال أكثر بركاتنا هو أن نطلبها. قال المسيح «إن أباكم يعلم احتياجاتكم قبل أن تصلوا» ولم يقل «انه يمنحكم ما تحتاجون إليه بدون أن تصلوا». فنصلي عبادةً لله، لا لنخبره بأشياء لأنه هو يعلم كل شيء.

بُنيت مواعيد الله على شرط أن نسألها . فطلباتنا تظهر شعورنا باحتياجاتنا وثقتنا به، ولذلك يسرُّ الله بها (حزقيال 36: 37) وهي تؤهلنا لقبول البركة، فبناءً عليه هي لائقة بالله ولازمة لنا. ولنا أدلة على أنها شرط لنوال البركة (انظر متّى 18: 19 و21: 22 ولوقا 11: 13 ويوحنا 14: 13 وعبرانيين 4: 16).

9 «فَصَلُّوا أَنْتُمْ هٰكَذَا: أَبَانَا ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، لِيَتَقَدَّسِ ٱسْمُكَ».

لوقا 11: 2 الخ

لم يكتف المسيح بتحذيرنا من الضلالات في الصلاة، فقدَّم لنا مثالاً للصلاة مختصراً بسيطاً شاملاً موافقاً بدء ملكوته الجديد، ليقينا سائر الضلالات في ذلك. ولهذا لم يذكر فيه نفسه أو عمله الخاص. ويجب أن نعتبر هذا المثال وهو «الصلاة الربانية» نموذجاً في تقديم صلواتنا، لا قانوناً مرتباً للصلاة لنستعمله في كل الأحوال والأوقات. ولم يُذكر أن المسيح نفسه استعملها، ولم نقف في أعمال الرسل والرسائل على أدنى إشارة إليها كأنها قانون استعماله ضروري في العبادة. فالمسيح علمنا كيف نصلي، ولم يعلمنا ماذا نصلي. نعم إن استعمالها أمر لائق بنا ونافع لنا كثيراً في عبادتنا انفرادية والجمهورية، ولكن لسنا مقيدين بذلك.

أعطانا الرب صورة الصلاة هذه علامة لاستجابته لها، لأن الملك الذي يعطي رعاياه صورة ما يقبله يُظهر بذلك استعداده لإجابة ما يلتمسون بها.

وتشتمل هذه الصلاة على مقدمة وست طلبات وخاتمة. فالطلبات الثلاث الأولى تختص بالله، باسمه وملكوته ومشيئته. والثلاث الأخيرة بما نحتاج إليه نحن من الخبز اليومي، ومغفرة الخطايا، والحماية من التجربة والشر.

أَبَانَا تعلمنا هذه الكلمة لمن وحده يجب أن تكون الصلاة، وبأي علاقة نقترب إليه. وقد تسمى الله بهذا الاسم في العهد القديم (إشعياء 1: 2 و63: 16 وملاخي 1: 6) ولكنه لم يُعلم تمام العلم كأب إلا بعد مجيء المسيح. فالله أبٌ لجميع الناس، بمعنى أنه خالقهم وحافظهم ينعم عليهم ويريد خيرهم، لكنه أب روحي بمعنى خاص للمؤمنين الذين دخلوا في البنوة له بواسطة إيمانهم (كولوسي 1: 20 - 22) فمحبته لهم محبة خاصة (رومية 8: 14 وغلاطية 3: 16 و1يوحنا 3: 1).

فتعليم أبوة الله من أمجاد الإنجيل والديانة المسيحية، ولا أثر له إلا في الكتاب المقدس والكتب المبنية عليه، وقد أوضحه المسيح توضيحاً لم يعهده بشر قبل تعليمه.

ولنا في ذلك جراءة على أن نقترب إليه بالصلاة، وتأكيد أنه قادر ومستعد أن يعيننا. ومن قوله «أبانا» لا «أبي» نستنتج أنه يجب علينا أن نذكر غيرنا في صلواتنا، سواء صلينا معهم أم كنا منفردين. ويعلمنا أيضاً علاقتنا بإخوتنا المؤمنين، فنحن وإياهم أعضاء متحدون في المسيح، نكوِّن جسداً واحداً وعائلة واحدة. ويجب على كل مؤمن أن يشارك الكل في الأحزان والأفراح. وليس لأحدٍ حق دون غيره أن يدعو الله أباه، ولكن سُمح له أن يستعمل هذا الاسم كما يستعمله غيره من إخوته، نعمةً من الله.

ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ مسكن الملائكة والقديسين حيث يُظهر الله حضوره ومجده بأكثر وضوح. وكنيته «أبانا» تقربنا إليه وتحقق لنا عنايته ومحبته. وقوله «في السماوات» يرقي شأنه في أفكارنا ويجعله موقراً عندنا. وبهذا الفرق العظيم بين الأبوة الإلهية والأبوة البشرية، فإنه ليس كوالد أرضي ضعيف ومحتاج. وهذا القول يصرف أفكارنا عن الدنيا والأمور الأرضية في الصلاة إلى السماء، ويذكرنا أن هناك أبانا ووطننا وميراثنا.

يعلمنا الكتاب أن الله في كل مكان، وأنه يملأ الكون (مزمور 139: 7 - 10) ومع ذلك يعبر عنه كملك عظيم كرسي مجده في السماء، وذلك ليبيِّنه إلهاً حقيقي الوجود. ووصف الله بالآب يختلف مع أفكار الوثنيين الذين آلهتهم مصنوعة من الخشب والحجر وموضوعة أمامهم، ويختلف مع أفكار الباطنيين القائلين إن الله مجرد روح الكون.

لِيَتَقَدَّسِ هذه هي الطلبة الأولى، ومعناها ليُعتبر قدوساً، ويعرفه الجميع موقراً ومرتفعاً فوق كل خلائقه.

وبدء هذه الصلاة (التي هي قاعدة كل صلواتنا) بالطلبة التي مآلها أن يتمجد الله يعلمنا أن ذلك هو الغاية العظيمة التي يجب أن نطلبها أولاً في صلواتنا، لأن كل ما يختص بنا ثانوي. ولكننا في وقت الضعف والاحتياج نسرع إلى الطلبات الشخصية أولاً.

ٱسْمُكَ رأى البعض هذا إشارة إلى مجرد اسمه «يهوه» الدال على كونه أزلياً واجب الوجود، وأنه قد دخل في عهدٍ مع الإنسان. وفهم آخرون بالاسم كل ما يعلن به الله ذاته. وقال آخرون إن معناه الله ذاته، أو صفاته كما هي معلومة عندنا بواسطة خليقته وكلامه. ومهما كان معناه فهو لا يتمجد على الأرض إلا بواسطة المسيح.

وفي هذه الطلبة نسأل أن يعرف الناس في كل مكان الإله الحقيقي، وكل صفاته المجيدة، ويعبدوه حق العبادة ويمجدوه حق المجد. وهذا كان موضوع صلوات المسيح بدليل قوله «أَيُّهَا الآبُ مَجِّدِ اسْمَكَ!. فَجَاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ: مَجَّدْتُ، وَأُمَجِّدُ أَيْضًا!» (يوحنا 12: 28). ويمكننا أن نقدس اسم الله بقلوبنا وشفاهنا وتصرفنا.

10 «لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي ٱلسَّمَاءِ كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْضِ».

لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ هذه الطلبة الثانية. والمقصود بالملكوت ملكوت المسيح، ملكوت النعمة الذي نادى المخلص بأنه قد اقترب ولكنه لم يصل بعد. قد أتى بعض الإتيان إذ أخذ محل النظام الموسوي نظام الرموز والإشارات، ولم يأت تماماً بانتصاره على ملكوت الظلمة وملاشاته إياه. وقد أُجيبت هذه الطلبة في كل عصر نجح فيه الإنجيل وغلب أهل الضلال. وستُجاب تماماً عندما يأتي الملك يسوع ثانيةً. فتتضمن خيرات خاصة وخيرات عامة، لأن خير العالم متعلق بمجيء ملكوت المسيح. ومن أول واجباتنا أن نرغب في تقدم هذا الملكوت في العالم، ونصلي ونتعب لأجل ذلك.

لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ أي مشيئة الله كما هي معلنة في أوامره وأعمال عنايته، وهذه الطلبة تعلمنا أن يكون خضوعنا لمشيئة الله اختيارياً وبسرور. وهذا يتضمن فقط الخضوع فعلاً لمشيئة الله، وميل نفوسنا إلى إتمام مشيئته لا مشيئتنا. فمشيئته المعلنة في أوامره يجب أن تكون دستور أعمال كل خلائقه.

وفي هذه الطلبة نسأل الله أن يقدرنا نحن وجميع الناس أن نعمل كل ما يريده ويأمر به، وأن الجميع يعرفون تلك المشيئة ويقبلونها ويطيعونها بلا ريب أو تذمر. وإنما يطلب المسيحيون هذه الطلبة لأنهم تيقنوا أن مشيئته عادلة ومحبة. فلتكن مشيئة الله، لا مشيئة الشيطان (يوحنا 8: 44) ولا مشيئة الناس (1بطرس 4: 2).

كَمَا فِي ٱلسَّمَاء كما هي عند سكان السماء الملائكة الأطهار. فإذا تممت مشيئة الله كما في السماء صارت الأرض كالسماء. فتعلمنا هذه العبارة أن يجب أن لا نكتفي بأن نتمم واجباتنا كما يتممها بقية الناس، بل أن نتممها كل التتميم كالملائكة في السماء، بالطاعة السريعة والسرور.

كَذٰلِكَ عَلَى ٱلأَرْض أي عند سكان الأرض، بتركهم الخطية، وطاعتهم لأوامر الله بنفي الظلم والسرقة والكذب والقتل والسكر والنجاسة ومحبة الذات والبغض، وإدخال البر والسلام والحق والرحمة والمحبة إليها.

11 «خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا ٱلْيَوْمَ».

أيوب 23: 12 ومزمور 104: 17، 28 وأمثال 30: 8

خُبْزَنَا كَفَافَنَا هذا هي الطلبة الرابعة، وهي بدء القسم الثاني الذي فيه نطلب البركات لذواتنا. والمقصود بها سد احتياجاتنا الجسدية، لأن الخبز قوام الحياة. والمقصود «بخبزنا كفافنا» ما يكفينا لأجل قوت أجسادنا.

ولأن الخبز من ألزم المواد التي يتألف منها طعامنا، عبَّر به عن كل لوازم أجسادنا، فهي تعبر عن احتياجاتنا، وتعلمنا أنه يجب أن نطلب كفافنا من الخيرات الجسدية، أي الضروري لنا. ولا نهتم بلذات الجسد وفخر هذه الحياة (1تيموثاوس 6: 8) فإن كان لنا قوت وكسوة فلنكتفِ بهما.

فهذه طلبة الحاجات الجسدية الضرورية كلها، فالخبز عبارة عن الكل. ولو كان القصد من الطلبة الخبز الروحاني لأُضيف إليها كل ما يدل على ذلك (كما في يوحنا 6: 27 - 58) فإنه يُسمى هناك «خبز السماء» و «الخبز الحقيقي» و «خبز الحياة». ولكن ذكر احتياجات أجسادنا يقودنا طبعاً إلى أن نفتكر باحتياجات نفوسنا أيضاً ونصلي لأجلها.

وفي تقديم هذه الطلبة إقرار باتكالنا على الله في كل شيء، فهو يجعل تعبنا مثمراً وعملنا ناجحاً ويمنحنا أصدقاء لإعانتنا، ويعطينا القوة والحكمة والصحة التي بها نقدر أن نحصل على خيرات هذه الحياة ونتمتع بها.

ٱلْيَوْم أي قدر ما نحتاج إليه يوماً بعد يوم، مكتفين بالقوت اليومي، تاركين المستقبل في يد الله. فعلينا أن نصلي كل يوم شاعرين على الدوام باحتياجنا إلى الله وبالشكر له، قابلين كل بركاته كأنها من يده ليدنا، وكالمن الذي سقط من السماء كل يوم. وتنهى هذه الطلبة عن الاهتمام الزائد بالمستقبل واشتهاء الترف لأنه لا يمنحه الله لنا.

12 «وَٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا».

متّى 18: 21 الخ

َٱغْفِرْ هذه هي الطلبة الخامسة، وهي طلبة أعظم وألزم البركات الروحية. وتدل المغفرة على إزالة الخطية من قلب المسيء وقلب المُساء إليه. والرمز لذلك في العهد القديم إطلاق تيس عزازيل في البرية (لاويين 16: 21، 22). فكأننا نطلب إلى الله بها أن لا يعاقبنا على خطايانا، ولا يسمح بأن تلحقنا نتائجها وكل ثقتنا بإجابتها مبنية على عمل المسيح وآلامه.

ذُنُوبَنَا خطايانا الكثيرة العظيمة ديون علينا نعجز عن أن نوفيها. والعدل صارخ إلى الله يطلب عقابنا. وقد أمرنا المسيح بتقديم هذه الطلبة مع أنه يعرف أن مغفرة الخطية لا تكون إلا بطاعته وموته.

ويجب علينا جميعاً أن نقدم هذه الطلبة لأن فيها اعترافاً بالخطايا، وإقراراً باحتياجنا إلى الغفران. ونحن جميعنا خطاة محتاجون دائماً إلى ذلك. فينبغي أن نطلب كل يوم كما نطلب احتياجاتنا الجسدية كذلك.

وخطايا المؤمن وإن كانت بسيطة، لا يجوز التغاضي عنها، وإلا أصبحت خطراً جسيماً. ونحتاج إلى الغفران بسبب تعدياتنا على شريعة الله، وبسبب قصورنا عن إتمام واجباتنا له ولعبيده.

كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ الخ لا على قدر ما نغفر، ولكن على مثاله. وليس لأن مغفرتنا للآخرين تجعلنا مستحقي المغفرة من الله، بل لأن إرادته أن الذين يلتمسونها يجب أن يكونوا مستعدين أن يمنحوها.

ومن الواضح أنه ليس من باب اللياقة أن نطلب لذواتنا ما نرفض أن نمنحه غيرنا، ولا سيما حين تكون خطايانا إلى الله أعظم جداً من كل الخطايا التي يمكن الناس أن يخطئوا بها إلينا. فيجب علينا أن نرحم إخوتنا الذين أغاظونا كما نريد أن يرحمنا الله ونحن خاطئون إليه.

ومغفرتنا لمن أساءوا إلينا لا ترفع خطيتهم عنهم، ولكنها تزيل من قلوبنا الغضب والحقد وروح الانتقام منهم، وتبعدنا عن أن نعاقبهم.

13 « وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ، لٰكِنْ نَجِّنَا مِنَ ٱلشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ ٱلْمُلْكَ، وَٱلْقُوَّةَ، وَٱلْمَجْدَ، إِلَى ٱلأَبَدِ. آمِينَ».

متّى 26: 41 ولوقا 22: 40، 46 و1كورنثوس 10: 13 ويعقوب 1: 13 و2بطرس 2: 9 ورؤيا 3: 10 ويوحنا 17: 15 و1أخبار 29: 11

هذه الطلبة السادسة، وهي طلبة الحماية من الخطية في المستقبل ومن نتائجها.

لاَ تُدْخِلْنَا أي لا تسمح أن نقع في التجربة، أو لا تسمح أن يقودنا إليها الناس أو الشيطان، أو لا تدعنا في أحوال فيها فرص للخطية أو مهيجات إليها. وإذا وقعنا في أحوال كهذه فأعطنا نعمة لنقاوم التجربة ونغلبها. وتتضمن أيضاً أن يحفظنا الله من ميول قلوبنا الشريرة التي تجعلنا معرضين للسقوط في التجربة ومن الفخاخ التي ينصبها إبليس ليصطاد بها نفوسنا.

تَجْرِبَةٍ هي امتحان أخلاقي للإنسان عندما يُعرض عليه أن يختار بين الخطية والطاعة. فليست مجرد مصائب وضيقات، بل مصائب تقترن بها فرصة وخطر الوقوع في الخطية. وقد تعني في لغة العامة «الإغراء بالخطية». ولكن ذلك مستحيل في جانب الله «لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ: إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللهِ، لأَنَّ اللهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ، وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَدًا (بالشرور)» (يعقوب 1: 13). لكن امتحان الله لطاعتنا أمرٌ محتمل، فإنه امتحن إبراهيم (تكوين 22: 1).

لٰكِنْ نَجِّنَا أي انتشلنا من الشر، ولا تتركنا نقاومه وحدنا، واجعلنا نجتنب كل ما يقود إلى الخطية من الناس وغيرهم.

فمن يقدم هذه الطلبة من القلب يبتعد عن التجربة، لأنه يكون ساهراً مصلياً.

ٱلشِّرِّيرِ أي الشيطان الذي هو أصل الخطية ومجرب الإنسان. وتتضمن هذه الطلبة أن الله قادرٌ أن يحفظنا من تجارب الشيطان، ومستعد لذلك إن سألناه.

لأَنَّ هذه بداءة الخاتمة وفيها سبب الصلاة كلها أو سبب تقديمه لله.

لَكَ ٱلْمُلْكَ أي لك الحق بهذا المُلك، ولك السلطة المطلقة على العالم الطبيعي والروحي.

وَٱلْقُوَّةَ أي القوة لتستجيب هذه الطلبات. إننا ضعفاء وأما أنت فغير محدود القوة. وفي هذا شعور بقدرة الله، يقوي إيماننا في الصلاة.

ٱلْمَجْدَ نطلب هذه الأشياء ليس لأجل مجدنا، بل من أجل مجدك الذي طلبناه في الطلبة الأولى، والذي يحق لك وحدك. وكل المجد الناتج عن إجابة صلواتنا هو لك لا لسواك.

ٱلأَبَدِ زمان بلا نهاية.

آمِين ليكن هكذا. أي كذا نحب ونرجو ونصلي أن يكون. واستعمال الجمهور إياها عندما يصلي أحد جهاراً نيابة عنهم يشير إلى اشتراكهم في الطلبات التي قد تقدمت. فيجب أن تكون الصلاة في لغة يفهمها العامة «وَإِلاَّ فَإِنْ بَارَكْتَ بِالرُّوحِ، فَالَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ الْعَامِّيِّ، كَيْفَ يَقُولُ «آمِينَ» عِنْدَ شُكْرِكَ؟ لأَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ!» (1كورنثوس 14: 16).

14، 15 «14 فَإِنَّهُ إِنْ غَفَرْتُمْ لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، يَغْفِرْ لَكُمْ أَيْضاً أَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ. 15 وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنَّاسِ زَلاَّتِهِمْ، لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُمْ أَيْضاً زَلاَّتِكُمْ».

مرقس 11: 25، 26 وأفسس 4: 32 وكولوسي 3: 13 ومتّى 18: 35 ويعقوب 2: 13

إن غفرتم: هذان العددان شرح لما قيل في الطلبة الخامسة (ع 12) ويعلماننا أحد الاستعدادات الضرورية للصلاة المقبولة، ومنها التوبة والإيمان. فروح المغفرة للآخرين اقتداءً بالمسيح هو عربون المغفرة منه. نعم إن هذا لا يخلِّص، لكنه علامة تجديد القلب.

وَإِنْ لَمْ تَغْفِرُوا أي إن وُجدت في الإنسان كل الفضائل ولم يكن فيه روح المغفرة، فجميع تلك الفضائل لا تكفي أن تجعل صلاته مقبولة، لأن الصلاة المقدمة من قلب غاضب لا تُقبل أبداً. وإن لم نغفر لا يُغفر لنا، وإن متنا بدون مغفرة هلكنا. فمن لا يغفر لغيره يكون قد هدم الجسر الذي يقتضي أن يعبر عليه، لأن كل إنسان محتاج إلى المغفرة.

لاَ يَغْفِرْ لَكُمْ أَبُوكُم بقوله «أبوكم» يعلمنا أنه مهما كانت نسبته الأبوية من التقرُّب منا والحنو علينا، لا تجعله يغض الطرف عن عدم وجود روح المغفرة في أحد بنيه.

16 «فَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَٱلْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ ٱسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ».

إشعياء 58: 5

بعدما علم المسيح ما يتعلق بالصدقة والصلاة، أخذ يذكر وجوب شيء ثالث هو الصوم، فذكر سوء ممارسة الفريسيين له وضرورة ممارسته لله لا للمدح من الناس. وقد مارس اليهود، ولا سيما الفريسيون، الصوم كثيراً (لوقا 18: 12). ومع أن موسى لم يأمر إلا بيوم واحد للصوم سنوياً، إلا أنهم زادوا على ذلك أصواماً كثيرة منها نهار الاثنين ونهار الخميس من كل أسبوع. ولما صاموا كانوا يمتنعون عن غسل وجوههم ويغيرون منظرها بوضع الرماد عليها (أستير 4: 3 وأيوب 2: 8 ومراثي إرميا 3: 16 ودانيال 9: 3 ويونان 3: 6). وبما أن الرماد ولبس المسوح كانا علامة خارجية للحزن استعملها الفريسيون خداعاً.

فَمَتَى صُمْتُمْ كأن الصوم في بعض الأوقات أمر مسلم به عنده وعند تلاميذه. فيذكر الرب سوء تصرف الفريسيين لكي يجتنبه تلاميذه.

والصوم يساعد الإنسان على ممارسة التوبة والاتضاع والتضرع لأجل رفع الضربات عنه. وليس في العهد الجديد أمرٌ صريح به، بل تُرك لكل إنسان أن يصوم حسب ضميره. وذُكرت أمثلة الذين صاموا لنتمثل بهم حين تكون أحوالنا مثل أحوالهم.

لاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ أي لا تظهروا كأنكم مكتئبون حزانى بخلاف عوائدكم المعتادة وانفعالاتكم الحقيقية، لكي يعرف الناس أنكم صائمون. فلا يرفض المسيح صومهم، لكن إعلانهم ذلك الصوم للناس بمنظرهم، ولا سيما تظاهرهم بحزن لا يشعرون به.

فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُم بكآبتهم، أو عدم غسلهم إياها، أو بوضع الرماد عليها.

لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ هذه كانت الغاية الوحيدة من شعائرهم الجسدية لينالوا مجداً من الناس، ولكن بنوالهم ذلك قد استوفوا أجرهم في الزمان الحاضر، ولم يبق شيء ينالونه في الآتي.

17، 18 «17 وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَٱدْهُنْ رَأْسَكَ وَٱغْسِلْ وَجْهَكَ، 18 لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ ٱلَّذِي فِي ٱلْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ ٱلَّذِي يَرَى فِي ٱلْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَة».

راعوث 3: 3 ودانيال 10: 3

بعد الكلام على سوء تصرف الفريسيين بدأ المسيح يذكر ما ينتظر من المسيحي عندما يصوم.

ٱدْهُنْ رَأْسَكَ لم يشر بهذا القول إلى العادات في الاحتفالات غير المعتادة، بل إلى الناس في عادات النظافة واللياقة. فالمعنى ليكون منظرك عندما تصوم كالعادة حتى لا تظهر أنك صائم.

ومن المعلوم أن أمر المسيح بذلك لا يناسب الأماكن التي ليست فيها هذه العادات. فيجب أن نطيع روح هذا الأمر على الدوام مجتنبين الرياء والتباهي في ممارسة واجباتنا الدينية.

وأشار المسيح هنا إلى الصوم الشخصي لا الجمهوري الذي نُدعى إليه أحياناً. وسبب وجوب إخفاء الصوم ليكون الجزاء علانية من الله، كما ذُكر في أمر الصدقة والصلاة (ع 4، 6).

19 «لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً عَلَى ٱلأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ ٱلسُّوسُ وَٱلصَّدَأُ، وَحَيْثُ يَنْقُبُ ٱلسَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ».

بعدما لام المسيح الناس على التباهي والرياء في العبادة، أخذ يوبخ على الطمع والبخل، ويعلن الطريق الفضلى.

لاَ تَكْنِزُوا لم يقصد المسيح أن يمنع تلاميذه عن جمع الأموال، لأن كثيراً من الأعمال يقتضي رأس مال وافراً. ويحق للإنسان لا بل يجب عليه أن يجمع شيئاً لوقت المرض والشيخوخة وللإحسان.

كُنُوزاً تطلق هذه الكلمة على كل مشتهيات الإنسان وما هو أكبر أهميةً عنده. فيكون المعنى: لا تكتفوا بالكنز الأرضي، ولا تجمعوا لمجرد الخير الدنيوي.

عَلَى ٱلأَرْض لتتمتعوا بالراحة الجسدية وسعة العيش، لتكونوا مثار إعجاب للناس، أو لتنالوا بواسطة ما تجمعونه سطوة واحتراماً. والخطية هنا كامنة في هدف الإنسان. فلا يخطئ من يجمع مالاً لخير الآخرين ومجد الله. وليس اقتناء المال خطية، بل محبته التي يتعرَّض لها الفقير والغني، ويمكن أن يسقط فيها المفلس والغني.

ولا يجوز أن نطلب المال بنفس الاجتهاد الذي به نطلب خلاص نفوسنا، ولا نطلبه طلباً يؤول إلى إهمال النفوس وضررها، آملين نوال السعادة بواسطته.

فالخطية التي يحذرنا المسيح منها هي الخطية التي نحن في خطر عظيم للسقوط فيها. فكثيرون خسروا نفوسهم بسبب محبة المال، لأن التجربة إليها قوية. ولا خطأ على الإنسان في الاعتناء بالعمل والاقتصاد في المصروف والحكمة في النظر إلى المستقبل. ولكن يجب عليه أن يسهر ويصلي لكيلا يقع في هذه التجربة، فإن القلب عندما يرى أكثر الناس الذين حوله منهمكين بجمع الكنوز الأرضية يميل إليها.

حَيْثُ يُفْسِدُ ٱلسُّوسُ وَٱلصَّدَأُ أحد أسباب عدم جمع الكنوز الأرضية هو أنها فانية، ويُحتمل أن تؤخذ منا، لأن الكنوز التي كان يكنزها الناس قديماً كانت ثياباً نفيسة ومعادن ثمينة قابلة الفقدان السريع، إما لأسباب داخلية كالسوس والصدأ، أو خارجية كاللصوص.

يَنْقُبُ ٱلسَّارِقُون هذا إذا كانت البيوت مبنية من الطوب النيء (أيوب 4: 19) أو من الحجارة الصغيرة بدون كلس ورمل، فيسهل على اللص أن ينقب الحائط أو السقف ويتناول الكنز. ويذكر المسيح هنا أسباب الخسارة، ويحذرنا من تعلق نفوسنا بهذه الكنوز لأنها تحت خطر الفقدان. فلماذا نخاطر بأنفسنا لنقبض على أمور زائلة؟

20 «بَلِ ٱكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً فِي ٱلسَّمَاءِ، حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ، وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ».

متّى 19: 21 ولوقا 12: 33، 34 و18: 22 و1تيموثاوس 6: 19 و1بطرس 1: 4.

جعل الله فينا ميلاً إلى جمع المال لغاية مفيدة وهي أن نكنز لنا كنزاً في السماء. ومن أهم واجباتنا أن نهيئ ما نحتاج إليه للمستقبل الأبدي، لكيلا تذهب نفوسنا من هذا العالم ولا يكون لنا حظ في كنوز السماء. ولا بد أن المسيح قصد المؤمنين الحقيقيين بهذا الكلام، لأنه لا يدخل السماء غيرهم ومن لا يدخلها كيف يكنز له كنزاً هناك.

ٱكْنِزُوا لَكُمْ لا يستطيع أحد أن يكنز كنزاً في السماء لأجل غيره، بل كل إنسان يكنز لنفسه. وخير لنا أن نكنز لنفوسنا في السماء من أن نكنز لذريتنا هنا. وكنزنا في السماء يتم بعمل الخير إكراماً للمسيح (متّى 25: 40) وبالتعب في خلاص نفوس غيرنا (يعقوب 5: 19، 20 و1تيموثاوس 6: 18) وبالنمو في النعمة (2بطرس 1: 5 - 11) وبالاتكال على الله وتسليم ذواتنا له وإنكارها لمجده وخير العالم (يعقوب 2: 15).

كُنُوزاً فِي ٱلسَّمَاء أي مجازاة روحية، مُنعَم علينا بها، آمنة من الفناء والسرقة، لأن واهبها وحافظها الله. وذلك نصيب ورثة الله والوارثين مع يسوع (1بطرس 1: 4) ويُقال إنها في السماء لتمتاز عما يحرزه الإنسان في هذا العالم من الثروة والشرف والسطوة واللذات. ومعرفة المؤمن أنه يمكن أن يجمع كنزاً في السماء يجعله يبذل جهده في إعداد ما يؤول إلى سعادته في دهور الأبدية غير المحدودة، ساعياً في نوال ذلك الغرض السامي.

21 «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً».

ذكر المسيح هنا سبباً ثانياً لعدم جمع الكنوز الأرضية، وهو الضرر الناتج منها للقلب الذي منه مخارج الحياة (أمثال 4: 23). ونتيجة جمع كنزنا هنا على الأرض أن تكون أهواؤنا وميولنا أرضية، لأنه إن كان كنزنا في السماء فأشواقنا وميول قلوبنا تتجه إلى هناك. وما يحبه الإنسان أكثر من كل شيء هو إلهه. ومن المستحيل أن يجمع الإنسان كنوزاً في السماء والأرض معاً، لأن القلب لا ينقسم بين المكانين. فنصيب النفس الخالدة الوحيد الحقيقي هو الله، لأنها خُلقت لأجله، ولا تكون سعيدة إلا إذا حصلت عليه. فهو كنزنا، وأعظم سعادتنا تكون بمعرفتنا إياه ومحبته لنا. ونستطيع أن نعرف أين كنزنا في السماء أم على الأرض من معرفتنا بأي الكنزين نهتم أكثر ونرغب في تحصيله ونخشى فقده.

22 «سِرَاجُ ٱلْجَسَدِ هُوَ ٱلْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً».

لوقا 11: 34، 36

سِرَاجُ ٱلْجَسَدِ هُوَ ٱلْعَيْنُ يدخل النور الجسد بواسطة العين فتنتفع به كل الأعضاء. وبالعين يكتسب الإنسان أكثر معرفته بالأمور الخارجية، وبدونها يبقى الجسد كله في ظلمة. فإذاً خير الجسد موقوف على صحة العين التي هي بمثابة الضمير للنفس. فكما يحتاج الجسد إلى جلاء البصر لإرشاده ومنفعته، تحتاج النفس إلى نقاوة القلب لترى ترى الله كما هو، والأشياء كما هي، وترى الحق والأمور السماوية والعلاقة الحقيقية بين الأمور الزائلة والأبدية.

بَسِيطَة أي صافية قادرة أن ترى ما حولها كما هو حقيقة. والنفس البسيطة هي التي أنارتها كلمة الله والروح القدس. فمن كانت عينه بسيطة بهذا المعنى الروحي يجب أن ينظر إلى الله ويتكل عليه وحده ويحبه فوق كل شيء، ويتأمل في الأمور الإلهية «فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ قُمْتُمْ مَعَ الْمَسِيحِ فَاطْلُبُوا مَا فَوْقُ، حَيْثُ الْمَسِيحُ جَالِسٌ عَنْ يَمِينِ اللهِ» (كولوسي 3: 1). «أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ» (في 3: 13). «نَاظِرِينَ إِلَى رَئِيسِ الإِيمَانِ وَمُكَمِّلِهِ يَسُوعَ، الَّذِي مِنْ أَجْلِ السُّرُورِ الْمَوْضُوعِ أَمَامَهُ، احْتَمَلَ الصَّلِيبَ مُسْتَهِينًا بِالْخِزْيِ، فَجَلَسَ فِي يَمِينِ عَرْشِ اللهِ» (عبرانيين 12: 2).

نَيِّرا أي لديه كل المنفعة الناتجة من النور والبصر، فتمتد الفائدة إلى الجسد كله، أي إلى الرأس واليد والرِّجل إلخ. فمتّى كانت عين النفس صحيحة يدرك العقل المعرفة الحقيقية، وتشعر العواطف بالانفعالات الروحية، ويكون الإيمان قوياً وطيداً، وتهتدي الأفكار والأعمال إلى طريق الصواب.

23 «وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً، فَإِنْ كَانَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَٱلظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ».

شِرِّيرَةً هي العين التي ترى الأمور مزدوجةً أو ملتوية، أو التي لا يدخلها نور كافٍ لتميز ما تراه بوضوح. وحالة العين الشريرة مصابة بمرضٍ أصاب النفس، فجعلها تركز النظر في الكنوز الأرضية. وكما يشك الإنسان الضعيف البصر في الطريق التي يسير فيها، ويتعرض للأخطار بسبب ذلك، يشك صاحب العين والقلب غير البسيط، ويتعرض للمخاطر الروحية.

فَإِنْ كَانَ ٱلنُّورُ ٱلَّذِي فِيكَ ظَلاَماً أي إن كان ما قُصد به أن يكون نيراً قد صار ظلاماً، فما أشد الظلام الذي تمكث النفس فيه، لأن الضمير الميت لا يأتيه نور السماء، فتبقى النفس في ظلام حالك مقطوعة الرجاء. فهذا كلام مرعب بشأن النفس الباقية في الخطية، فإنها عمياء. ولا عمى مخيف كعمى القلب، لأنه إذا عميت عين الجسد يحترس صاحبها من خطر السقوط. وأما عميان القلوب فيجهلون حالهم ويندفعون إلى الهلاك. وبقدر ما تفوق النفس الجسد قيمةً، يكون عمى القلب أردأ من عمى الجسد. وسبب عمى القلب انصرافه عن الله إلى العالم والكنوز الدنيوية، فبذلك تفقد نفسه قوة البصر فيعيش الإنسان في الظلام إلى الأبد.

فَٱلظَّلاَمُ كَمْ يَكُون إذا سُدَّت أمام الإنسان الطريق الوحيدة لدخول النور إليه، فكم يكون ظلامه دامساً! وإذا فسدت آراؤه من جهة الله والحق وغاية حياته وكانت ديانته كاذبة، فما أشد ظلامه وأعظم الخطر عليه من الضلالة والهلاك!

وصاحب القلب الأعمى لا يكترث بالحق، ويعيش في الجهالة والأوهام والكفر. فميول الإنسان وشهواته تحتاج إلى نور الضمير لهدايتها. فإن فقدت هذه الهداية فما أرهب الخراب الناتج عن فقدانها!

وهذا ما حدث في تاريخ اليهود والوثنيين. والنتيجة من كل ذلك هي أن يكون قلب الإنسان وكنزه في السماء. فإن انقسم القلب بين المكانين نتج عن ذلك عماه، ووقع في خطر، وأصابه ما يصيب الجسد عندما تنظر العين كل شيء مزدوجاً، أو يغشيها غشاءٌ آخر.

24 «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ ٱلْوَاحِدَ وَيُحِبَّ ٱلآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ ٱلْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ ٱلآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا ٱللّٰهَ وَٱلْمَال».

لوقا 17: 13 ، غلاطية 1: 10 و1تيموثاوس 7: 17 ويعقوب 4: 4 و1يوحنا 2: 15

لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ مستحيل أن يكون للإنسان كنزان في عالمين، ولا أن يخدم سيدين هما الله والمال. فالإنسان يرغب في خدمة العالم للحصول على اللذة في الحاضر، وفي خدمة الله للأمن في المستقبل. ولكن من المستحيل أن يخدم الاثنين، لأنهما ضدان، بينهما حرب لا تتوقَّف أبداً، وما يأمر به الواحد ينهى عنه الآخر، وكلٌ منهما يطلب خدمة تامة دائمة لا يشاركه غيره فيها. وليس للإنسان إلا قلب واحد، وخدمة سيدين تستلزم وجود قلبين. وقد أعلن الله أنه لا يقبل خدمة جزئية مشتركة، إذ محبة العالم عداوة له. قال المسيح «إن لم تترك كل شيء وتتبعني لا تقدر أن تكون تلميذي». والمسيح يطلب عبداً يخدم خدمة دائمة تشغل كل قوى النفس والجسد. «أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي تُقَدِّمُونَ ذَوَاتِكُمْ لَهُ عَبِيدًا لِلطَّاعَةِ، أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ: إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ؟» (رومية 6: 16). فإن خدمنا الله جعلناه غايتنا الأولى، وكان كنزنا في السماء. وإن خدمنا العالم كانت غايتنا أن نكنز كنزاً على الأرض.

وجمع المال لا يمنعنا من خدمة الله، بل المانع هو وضع قلوبنا عليه، وجعلنا اكتسابه غايتنا العظمى.

لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ إلخ بسبب اختلاف صفات هذين السيدين، من الضروري أن الذي يحب الواحد يكره الآخر، وإذا رأى أنه منجذب نحو الواحد يرى أنه مدفوع بعيداً عن الآخر. وكل إنسان يجب أن يختار من يخدم من هذين السيدين ويتبعه، لأن التنحي عن كليهما مستحيل. فعدم اختيار الله إنما هو اختيار العالم.

ٱلْمَال شخَّص الخير العالمي كأنه إلهٌ يدَّعي السيادة على قلوب الناس كالله.

25 «لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ، وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ ٱلْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلطَّعَامِ، وَٱلْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ ٱللِّبَاسِ؟».

مزمور 55: 22 ولوقا 12: 22، 23 وفيلبي 4: 6 و1بطرس 5: 7

تتحدث بقية هذا الأصحاح عن نتائج طاعة الأمر المذكور في ع 24، أي خدمة الله دون العالم.

أَقُولُ لَكُمْ متكلماً بسلطة المعلم والإله، ناصحاً لكم بما هو لخيركم.

لاَ تَهْتَمُّوا أي لا تقلقوا أكثر من الواجب باحتياجاتكم الجسدية، لأنه ربما تظنون أنكم بخدمتكم لله وترككم العالم تخاطرون بأسباب معيشتكم وتعرضون ذواتكم للعوز والضيقة. ولكني أقول: ألقوا عنكم هذه الهموم واتكلوا على الله غير خائفين من هموم المستقبل والتدبير والاجتهاد. وهو يمنع الهمَّ الزائد وعدم الثقة بالله (فيلبي 4: 6 ولوقا 8: 14 و21: 34). فالسبب الأول لعدم الهمّ هو أن ما نهتم به زهيد.

لِحَيَاتِكُمْ أي للوازم حياتكم واحتياجاتكم هنا في هذا العالم.

أَلَيْسَتِ ٱلْحَيَاةُ من المؤكد أن الله الذي منحنا هذه الحياة يعتني بها. والذي أعطانا أجسادنا لا يتركها تحتاج إلى لوازمها. فإعطاؤهُ الخير الأكبر يتضمن الأصغر، وإعطاؤه الحياة لنا يتضمن أنه قادرٌ ومستعدٌ أن يعطي لوازمها من القوت والحماية. فخلق الله الإنسان وعدٌ له أنه لا يتركه يهلك جوعاً إن كان عبداً أميناً له. واستعمل المسيح صيغة الاستفهام لأنها أقوى من مجرد التصريح بالخبر، فكأنه يستشهد عقولنا بصحة ما قال.

26 «اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ، وَأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِٱلْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَ؟».

أيوب 38: 41 ومزمور 147: 9 ولوقا 12: 24 الخ

اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ ٱلسَّمَاءِ السبب الثاني لعدم اهتمامنا بالدنيويات هو ما نتعلمه من اعتناء الله بالطيور، فهو يعلمنا الثقة بأنه يعتني بنا. إنها مع كثرتها واحتياجها إلى القوت اليومي يقوتها الله بسخاء، فليست لها وسائط تدبير المعاش التي للإنسان، وإنما لها غرائزها واعتناء الله بها. ومع ذلك فهي لا تحتاج (مزمور 104: 10 - 12، 21، 27، 28) وسُميت طيور السماء لأنها تطير في الجو.

إِنَّهَا لاَ تَزْرَع الزرع، والحصاد، والجمع إلى مخازن، هي الدرجات الثلاث في أتعاب الإنسان لتدبير معيشته، فقال المسيح إن الطيور لا تمارس هذه الأعمال لكي تدبر معاشها. والمسيح لا يمنعنا من أن نزرع أو نحصد بل يمنعنا من القلق.

َأَبُوكُمُ ٱلسَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا لا يقول في الطيور إن الله أبوها، بل إنه أبوكم. فكأنه قال: إن كان خلق الله للطيور يجعله يعتني بها، فكم بالحري يهتم بالبشر، بنيه، ولا سيما بالطائعين المحبين له منهم!

27 «وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا ٱهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟».

السبب الثالث لعدم القلق بخصوص الدنيويات هو عدم نفع ذلك. وصيغة الاستفهام تزيد الكلام قوة، فإن أعظم همومنا لا تأتي بأدنى نتيجة.

قَامَتِهِ للكلمة اليونانية المترجمة «قامة» معنيان: أحدهما طول الجسد، والآخر طول الحياة. والمعنيان هنا صحيحان، فإن قلقنا لا يزيد شيئاً على طول أجسادنا أو على طول حياتنا. فلماذا نهتم بما ليس تحت تصرفنا، ولا تؤثر فيه كل همومنا شيئاً؟.

28 «وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِٱللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ ٱلْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ».

لِمَاذَا تَهْتَمُّون الأمر في ع 25 صار هنا سؤالاً. وأورد المسيح سبباً رابعاً لعدم الاهتمام بالأمور الدنيوية، متخذاً مثلاً من المملكة النباتية، كما اتخذ في ع 26 من الحيوانية. وذلك السبب هو اعتناء الله بالزهور.

تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ ٱلْحَقْلِ أي لاحظوها ليس للتلذذ بمنظرها الحسن، ولا لتستفيدوا من تركيبها علماً، بل لتتعلموا منها أمثلة أخلاقية أشار إليها سليمان منذ عهد طويل (أمثال 6: 6 - 8 و30: 24 - 31). وسُميت زنابق الحقل لأنها تنبت في البرية بدون اعتناء الإنسان بها. وهي تمتاز عن غيرها من الزهور بحسن شكلها وبهاء ألوانها.

لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ ذكر المسيح في ع 26 بعض أنواع العمل في تدبير المعيشة، وهنا ذكر بعضها في تدبير الملابس.

29 «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا».

وَلٰكِنْ أي مع أن الزنابق عاجزة عن تدبير ملابسها.

وَلاَ سُلَيْمَانُ كان سليمان متميزاً في المجد والبهاء، حتى صار مثلاً بين الناس (1ملوك 10).

فِي كُلِّ مَجْدِه إشارة إلى عظمته الخارجية، وثروته وملابسه الملكية، بدون نظر إلى صفاته الأخلاقية.

كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا لا يقول إن حقلاً من هذه الأزهار أجمل وأبهج من ملابس سليمان، بل أن زنبقة واحدة تفوقه مجداً. قد اكتسى سليمان بمجد مصنوع، وأما مجد الزهرة فذاتي. وإذا وضعنا الزهرة وأفخر المنسوجات تحت النظارة المكبرة فالزهور تبقى كاملة الجمال مهما كبرت، وأما المنسوجات فتظهر خشنة ناقصة. وهذا يبين لنا جهل الذين يفتخرون بلباسهم.

30 «فَإِنْ كَانَ عُشْبُ ٱلْحَقْلِ ٱلَّذِي يُوجَدُ ٱلْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَداً فِي ٱلتَّنُّورِ، يُلْبِسُهُ ٱللّٰهُ هٰكَذَا، أَفَلَيْسَ بِٱلْحَرِيِّ جِدّاً يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان!».

بعد البراهين قدَّم المسيح النتيجة.

عُشْبُ ٱلْحَقْلِ الأعشاب هي النباتات الصغيرة، تمييزاً لها عن الأشجار والنجوم لأن الأعشاب قصيرة الحياة.

يُوجَد أي يوجد حياً نامياً زاهراً.

ٱلْيَوْمَ وَغَداً اصطلاح يشير إلى مدَّتين قريبتين.

يُطْرَحُ فِي ٱلتَّنُّورِ غاية هذا المثل إظهار الفرق الكلي بين مدة حياة العشب وحياة الإنسان، ليؤكد لنا أن الله الذي يكسو قصير الحياة بالجمال، لا يتغافل عمن حياته أطول وأفضل. فلا داعي للقلق، لأن الإله الذي يعتني بالطيور والأزهار هذا الاعتناء الكامل، لا بد من أن يعتني بأولاده.

يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان جميعنا نقع تحت هذه الدينونة. ولكن الله يعتني بالذين لا يثقون به (2تيموثاوس 2: 13). ومع أن الأمثلة التي تعلم الثقة بالله كثيرة تحيط بنا من كل جهة يومياً لا نزال نشك فيها.

31 «فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ، أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ، أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟».

فَلاَ تَهْتَمُّوا ألقوا عنكم كل شك وخوف ومشقة وبأس من جهة احتياجاتكم الجسدية.

مَاذَا نَأْكُلُ، أَوْ مَاذَا نَشْرَب؟ هذه هي المسائل الأولى والعظمى التي يهتم بها أكثر البشر.

32 «فَإِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا ٱلأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هٰذِهِ كُلِّهَا».

تَطْلُبُهَا ٱلأُمَمُ يذكر المسيح في هذا العدد السبب الخامس لعدم الاهتمام بالدنيويات، لأن المؤمنين عندما يهتمون بالمستقبل يكونون كأنهم لا يعرفون شيئاً عن عناية الله ومحبته الأبوية وبذلك لا يختلفون عن الأمم بشيء. فكأنه قال إن الأمم لا يعرفون أن الله عالم بكل شيء ومعتنٍ بكل شيء، فلهم عُذرٌ في القلق. وأي فائدة استفدتم من معرفتكم أن الله أبوكم ومحبكم؟

ظن بعض الأمم أن كل شيء في العالم يجري بالصدفة. وظنَّ آخرون أن كل شيء يجري بحسب المقدَّر. وقال غيرهم إن الآلهة لا تعتني بالناس، أو أنها تعتني بهم كيفما اتفق. فإذاً الشك والاهتمام في الأمور الدنيوية هما صفتان وثنيتان غير مسيحيتين.

أَبَاكُمُ ٱلسَّمَاوِيَّ لأن الله أب فهو يحب المؤمنين كحب الوالد الأرضي لأولاده. ولكن لأنه سماوي له قوة ليست للأب الأرضي لكي يهبهم احتياجاتهم. فالسبب السادس لعدم الاهتمام الدنيوي للمستقبل هو أن الله قادر ومستعد لأن يعتني بنا.

أَنَّكُمْ تَحْتَاجُون لنا احتياجات دائمة وديانتنا لا تطلب منا إنكار وجودها والألم بسبب عدم الحصول عليها، ولكنها تطلب منا ألا نهتم الاهتمام الزائد، لأن ذلك عبثٌ، فإن الله الذي خلقنا وأحبنا يعلمها جميعها، وهو قادر وراضٍ أن يشبعنا من خيراته.

33 «لٰكِنِ ٱطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ ٱللّٰهِ وَبِرَّهُ، وَهٰذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ».

1ملوك 3: 13 ومزمور 37: 25 ومرقس 10: 30 ولوقا 12: 31 و1تيموثاوس 4: 8

جاء المسيح هنا بالعلاج الشافي للدنيويات، وهو الاجتهاد في موضوع أفضل، هو لوازم نفوسنا ذات الشأن. هو لا يمنعنا عن تحصيل لوازم الحياة الجسدية بل ييسرها لنا.

اطلبوا أولاً: أي اطلبوا أولاً الروحيات في أفكاركم وصلواتكم وأتعابكم، لأنها أعظم قيمة وأكثر أهمية. فليس المعنى أنه بعدما تكونون قد صلّيتم لأجل البركات الروحية، لكم الحرية أن تطلبوا الدنيويات. لكن يجب أن تجعلوا الروحيات غايتكم العظمى.

ٱطْلُبُوا أَوَّلاً ذلك الملكوت الذي أتى المسيح ليشيده في هذا العالم، والذي على تلاميذه أن يطلبوا تقدُّمه وامتداده. فتخصيص ذواتنا على توسيع هذا الملكوت من أول واجباتنا.

وَبِرَّهُ أي البر الذي يطلبه الله منا ويعتبره براً حقيقياً، لأنه مطابق لإرادته الإلهية ومثل بره. فكأنه قال: اطلبوا أن تكونوا مثل الله في القداسة والمحبة. وهذا هو المطلب الأعظم في وعظ المسيح على الجبل إذ يقارن هذا البر ببر الكتبة والفريسيين.

وَهٰذِهِ كُلُّهَا أي لوازم هذه الحياة التي يعلم أبوكم السماوي أنكم تحتاجون إليها، ولا سيما القوت والكسوة، فهو يعد بهما كثواب للتقوى، وليس بالغنى الجزيل (مزمور 37: 25 وفيلبي 4: 11، 19).

تُزَادُ لَكُم أعطى المسيح هذا الوعد الثمين ليقينا من القلق. ويجب أن يكون كافياً لذلك (رومية 8: 28 ومزمور 84: 11) وهو وعد ببركات زمنية تضاف على البركات الروحية التي طلبناها.

ولا يمنع قول المسيح من وجوب الصلاة للحصول على البركات الزمنية، بل يمنع من أن نطلبها أولاً ونجعلها أسمى مطالبنا. وإذا ظهر لنا أحياناً أن الله لا يتمم وعده لعبيده فلا بد من أن يكون ذلك لأسباب كافية ويؤول لخيرهم كما يتضح لهم يوماً ما.

34 «فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ ٱلْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ».

أو بترجمة حديثة: «لأن للغد هموماً. يكفي كل يوم شروره الخاصة». هذا القول إما خلاصة ما سبق، أو إنذار حتى لا نهتم بالاحتياجات الزمنية الحاضرة، ولا المستقبلة الممكنة الحدوث.

لاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَد أي المستقبل، لأن ذلك في يد الله ولا يعلم أحد غيره بكل ما يحدث فيه. فإنه يعرف ما ستحتاجون إليه، والمخاطر التي تأتي عليكم، ويهتم بكم. فبالإيمان به يطمئن القلب وينتفي هم المستقبل.

لأَنَّ ٱلْغَدَ يَهْتَمُّ مع إتيان الغد تأتي الهموم والأتعاب المختصة به. فإضافة حمل الغد على حمل اليوم من باب الجهالة، إن كان لا بد من حمله في يومه.

أفضل استعداد لإتمام واجبات الغد هو تكميل واجبات اليوم، فمن الواجب أن نتبصر في المستقبل لنعرف واجباتنا ونتجنب الخطر، ولكن تبصرنا حتى نصور في بالنا شروراً مستقبلة يتعبنا ويعطلنا عن إتمام واجباتنا الحاضرة، وهذا ناتج عن عدم ثقتنا بالله.

يَكْفِي ٱلْيَوْمَ شَرُّهُ يأتي كل يوم بتعبه ومشقاته وهمومه. فيكفي الإنسان أن يحمل همَّ كل يوم بيومه، لأن الله يعطي قوة ونعمة لكل يوم بيومه، فلا يعطي نعمة اليوم لاحتمال حمل الغد. ويرسل الله للمشقات المستقبلة نعمة ونجاحاً في حينها. فالذي أعاننا اليوم لا يتركنا غداً. ومن منا يعرف إن كان سراج حياته سيبقى مشتعلاً إلى الغد؟ وإن بقينا أحياء إلى الغد فربما لا تأتي الشرور التي كنا نتوقع حدوثها! وإن حدثت فالله يعطي نعمة من فوق ومعونة لنحتملها.

الأصحاح السابع

1 «لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا».

لوقا 6: 37، 38 ورومية 2: 1 و14: 3، 4، 10، 13 و1كورنثوس 4: 3، 5 ويعقوب 4: 11، 12

لاَ تَدِينُوا هذا لا يعني نهي القضاة والحكام عن الحكم الشرعي (1كورنثوس 6: 5)، ولا نهينا عن تقييمنا وحكمنا على الأشخاص والأعمال بالعدل والحق (متّى 7: 20 ويوحنا 7: 24 و1كورنثوس 2: و6: 5، و1تسالونيكي 5: 21 و1يوحنا 4: 1 ورومية 16: 17 ولكنه ينهى عن الحكم الصارم القاسي، وانتقاد عيوب الناس وتعظيمها، والحكم بسرعة بلا تروٍ وبمحاباة، والحكم الذي ليس من واجباتنا، والحكم الذي لا يقترن بالمحبة.

كان اليهود يشددون الحكم على غيرهم من الأمم، وكان الفريسيون يحكمون على غيرهم من أمتهم أو غيرها بلا شفقة ولا محبة ولا عدل، وكانوا عمياناً عن عيوب أنفسهم، فحذَّر المسيح تلاميذه من أن يكونوا مثلهم في ذلك. وهو خطأ نقع فيه كلنا، مع أنه لا حقَّ لنا أن نحكم على غيرنا بما لا يهمنا. وإذا وجب علينا أن نحكم فلا يجب أن نفعل ذلك إلا بعد الفحص والنظر الكافي، وأن لا نعلن حكمنا بدون لزوم. وإذا حكمنا على المذنبين نحكم برحمة بأن ننظر إلى شدة التجربة التي ساقتهم إلى الذنب، ونفترض أن هنالك أحوالاً لو عُرفت لبرَّأتهم. وعلينا أن لا ننسب المقاصد الشريرة إلى من يؤدون أعمالاً صالحة، وأن لا ندين الواحد على ما نغض النظر عنه في الآخر، وأن لا نجسم هفوات الغير وعيوبهم (1كورنثوس 13: 7)، وأن لا نسر بزلات الأفاضل بل نحزن عليها، وأن لا نرفع أصواتنا بذم تلك الزلات بل نسترها لأن «الْمَحَبَّةَ تَسْتُرُ كَثْرَةً مِنَ الْخَطَايَا» (1بطرس 4: 8)، وأن لا نحكم على غيرنا إلا ونحن نذكر نقائصنا، وأن الدينونة لله لا للإنسان.

لِكَيْ لاَ تُدَانُوا هذا لا يعني أن الغرض من عدم دينونة غيرنا النجاة من دينونة الله لنا.

2 «لأَنَّكُمْ بِٱلدَّيْنُونَةِ ٱلَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ ٱلَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ».

مرقس 4: 24

لأَنَّكُمْ بِٱلدَّيْنُونَةِ الخ هذا لا يعني أنه إذا حكمنا على الغير بلا عدل يحكم الله علينا ظلماً، بل معناه أنه إن شددنا الحكم على الغير شُدد علينا، فالإنسان ينال من الغير ما يعطيه لهم: محبة بمحبة، ولطفاً بلطف، وصرامة بصرامة، وتقتيراً بتقتير. وتلك الدينونة إما من الناس (تكوين 16: 12 وقضاة 1: 7 ولوقا 6: 37، 38 ومرقس 4: 24 ويعقوب 2: 13) وإما من الله (2صموئيل 22: 27 وإشعياء 33: 1).

وَبِالْكَيْلِ هذا مجاز مشهور في كلام الناس على الجزاء وأحكام الشريعة.

3 «وَلِمَاذَا تَنْظُرُ ٱلْقَذَى ٱلَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا ٱلْخَشَبَةُ ٱلَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَـهَا؟».

لوقا 6: 41، 42

انتقل المسيح من الكلام للجمع إلى الأفراد، لينسب كل سامعٍ الخطاب إلى نفسه. وربما التفت المسيح إلى فريسي أظهر ملامح وجهه أو بكلامه الاستخفاف بتلاميذ المسيح.

لِمَاذَا تَنْظُرُ؟ الاستفهام هنا للتوبيخ، فكأنه يقول لا سبب ولا عذر لك أن تفعل هذا. وأشار المسيح هنا إلى عادة الناس العامة، وهي أن الإنسان ينتبه لعيوب غيره ويغفل عن عيوب نفسه، فيقول: لماذا تنظر إلى عيوب غيرك وتذمه عليها وعيوبك أعظم منها؟

ٱلْقَذَى ما يحمله الهواء من الغبار الدقيق والتبن ونحوهما، فيقع في العين. والمقصود به هنا الذنب الصغير.

أَخِيكَ أي إنسان مثلك.

ٱلْخَشَبَة مجازٌ ومبالغة، فيراد بالخشبة الذنب الكبير. والفرق عظيم بين القذى والخشبة، فما أقبح ذنب من يرتكب الذنوب الفظيعة وهو يدين مقترف الذنوب الصغيرة. فيجب أن يظهر لنا ذنبنا كالخشبة، وذنب الآخرين كالقذى. ويجب أن نفترض أعذاراً للغير ولا نعذر أنفسنا.

4 «أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا ٱلْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟».

أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ كيف تجيز لنفسك أن تفعل ما لا يحسن بك، ولا يقبله العقل السليم؟ فالأشرار لا يستطيعون أن يحكموا بالعدل على غيرهم. إن انتصارنا على شرور قلوبنا شرط ضروريٌ لصحة حكمنا على غيرنا. فلا نقدر أن نصلح الغير ونشعر معه ونساعده على النهوض من سقوطه إلا إن تواضعنا وشعرنا بآثامنا وتبنا عنها.

دَعْنِي ظاهر هذا الكلام الصداقة، وباطنه الانتقاد.

5 «يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلاً ٱلْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ».

يَا مُرَائِي هذا الخطاب يقوّي الظن أن المسيح قصد أحد الفريسيين بين المستمعين، وهو يصدق على كل من يشبه الفريسيين في أحكامهم على الغير. والمرائي هو الذي يتظاهر بتقوى ليست له، ويدَّعي أنه بارٌ وقاضٍ عادل يوبخ على كل خطية يراها في غيره، وهو يرتكب أفظع منها.

أَخْرِجْ أَوَّلاً ٱلْخَشَبَةَ فالمسيح هنا لا يوبخ المرائي على إثمه، بل يبيِّن له الطريق التي يمكنه فيها أن يكون أهلاً ليصلح غيره، ويكون قاضياً بالحق، لأنه يُصلح نفسه أولاً بأن يرجع عن سيئاته. وإخراج الخشبة يعني تطهير القلب وإماتة الشهوات وإصلاح السيرة وتقويمها. فيجب أن نهتم بأمر خطايانا أكثر مما نهتم بخطايا غيرنا، وأن نجثو أمام صليب المسيح بالتوبة قبل أن نجلس على منبر القضاء.

وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّداً الخطية في القلب تعمي البصيرة، وامتحان النفس يجهزنا للنظر في أعمال الغير بأمانة. ولا يسوغ للإنسان أن يسرع للحكم على غيره بصرامة ولو بذل كل جهده في امتحان نفسه.

أَنْ تُخْرِجَ ٱلْقَذَى الذي يُرضي الله يسعف أخاه فينجو الأخ من ذنوبه. وهو لا ينظر إلى خطايا أخيه ليجسِّمها ويوبخه عليها. وهذا أمر صعب، لكنه علامة الأخوَّة، وهو عمل مبارك.

6 «لاَ تُعْطُوا ٱلْمُقَدَّسَ لِلْكِلاَبِ، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ ٱلْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ».

أمثال 9: 7، 8 و23: 9

وجَّه المسيح خطابه هنا إلى تلاميذه، ونصحهم أن لا يُعرِّضوا أنفسهم ودينهم لهزء الجهلاء وغير المؤمنين وإهانتهم لغير سبب. ولا مناقضة بين هذا العدد والعدد الأول، لأنه أشار في الأول إلى الحكم الصارم بغير حق، وأشار في هذا إلى الحكم على الغير بالحق. فليس كل الناس سواء، وليس كلهم يقبلون التعليم. فينبغي أن ننظر النظر الصحيح لنعلم يقيناً من هم المستحقون الصداقة وبذل الجهد في سبيل منفعتهم، ومن ليسوا كذلك. فيجب أن نعتزل صرامة الحكم من جهة، ومن الجهة الأخرى نحترس من رخاوته، فلا يخطئ من اعتبر الكلب كلباً والأثيم أثيماً.

ٱلْمُقَدَّس هو ما وُقف لخدمة الله أو خُصِّص له، كبعض أجزاء الذبائح المقدمة في الهيكل (لاويين 10: 14 و22: 6، 7). والمقصود هنا: كل ما يتعلق بالدين من الإنذار والتعليم وبيان المواعيد وطريق النجاة وسائر الأمور الروحية.

دُرَرَكُمْ أي لآلئكم. واللؤلؤ يُستخرج من الصدف، وهو من النفائس المشهورة (متّى 13: 45 ورؤيا 17: 4). والمقصود بالدرر حقائق الديانة، فإنها في عيني الرب كجواهر ثمينة مُنحت للمؤمن.

الْكِلاَبِ... ٱلْخَنَازِيرِ حيوانان حسبهما اليهود نجسين مكروهين، لا يجوز أن يُؤكلا ولا أن يُقدما ذبيحة. والمقصود بهما هنا الأشرار النجسون، أعداء الحق المفترسون، الذين يجهلون الحق ويرفضونه ويقاومونه. وهم أصحاب السيرة الدنسة والشهوات القبيحة والألسنة المجدِّفة (أمثال 11: 22 وفيلبي 3: 2 و2بطرس 2: 22).

نهى المسيح هنا تلاميذه عن أن يعرضوا حقائق دينه المقدسة للمستهزئين المقاومين، إذا تحققوا أنهم يرفضونها ويمقتونها، لئلا تصير عندهم كخروف التقدمة الذي تخطفه الكلاب، أو كالدرر النفيسة التي تدوسها الخنازير في الأقذار.

فما أرهب شقاء الذين سقطوا في مثل تلك الهاوية! هاوية الإثم والرذيلة! حتى أوجب على المسيحيين أن يتركوهم قانطين ويعتزلوا عن وعظهم وإنذارهم (1صموئيل 25: 17 وأمثال 9: 8 و23: 9).

وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُم إهانة الحق هي السبب الأول والأعظم لنهي المسيح، وما ذكره هنا سبب ثانوي، وهو أن لا يعرِّض التلاميذ أنفسهم للخطر بغير اضطرار (أعمال 18: 6). ولكن ليس في هذا عذرٌ لمن يخفي الحق لأنه كسول أو جبان، بل يجب عليه أن يكون في وقت الضرورة كدانيال في بابل ورفقائه الثلاثة.

فيجب أن نميِّز صفات مَن نقصد تعليمهم، وأن نجعل تعليمنا موافقاً لأحوالهم. فإن كانوا ممن لا يعقلون البراهين، وممن ضمائرهم بلا شعور، وأخلاقهم شرسة كالوحوش، وجب أن لا نضيع الوقت والتعب عليهم. على أنه ينبغي أن نحزن عليهم ونصلي لأجلهم، ونحذر الغير منهم، ونتوقع الوقت الذي تلين فيه قلوبهم، بالمصائب أو بفعل الروح القدس. وحينئذ يمكننا أن نعلمهم لأنهم يستطيعون أن يستفيدوا من التعليم. قال سليمان «للسكوت وقت وللتكلم وقت» (جامعة 3: 8).

7 «اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ».

متّى 21: 22 ومرقس 11: 24 ولوقا 11: 9، 10 و18: 1 ويوحنا 14: 13 و15: 7 و16: 23، 24 ويعقوب 1: 5، 6 و1يوحنا 3: 22 و5: 14، 15.

ظن البعض العلاقة بين هذا الكلام وما قبله أن المسيح التزم أن يوجه كلامه إلى بعض الفريسيين الحاضرين الذين أهانوا لتلاميذه، فوبخهم من آية 1 - 6 من هذا الأصحاح (ثم عاد في آية 7) إلى سياق الكلام السابق، فأنبأ التلاميذ بالوسائل التي يتوصلون بها إلى النجاة من زيادة القلق، وهي الاتكال على الله والثقة به والصلاة إليه.

اِسْأَلُوا أي اسألوا ما تحتاجون إليه من الوحيد القادر أن يعتني بكم. وهو لا يعين هنا مرات السؤال، ولا المقادير المسؤولة. فلنا أن نسأل ما نشاء وكلما شئنا.

تُعْطَوْا هذا الوعد مشروط بأن ما نسأله يكون موافقاً لإرادة الله. ولنا الثقة العظمى بقبول طلبنا إن سألنا أولاً وخاصة البركات الروحية. فلا يستجيب الله لنا في الزمان الذي نستحسنه نحن، والطريق التي نختارها، فذلك موكول إلى إرادته. فإنه يعلم ما نحتاج إليه أكثر مما نعلم نحن.

اُطْلُبُو يؤكد المسيح المعنى بتكراره بكلمة أخرى، فلا تطلبوا الخيرات الزمنية أولاً كما يفعل الأمم (متّى 6: 33).

اِقْرَعُوا كرر المعنى بلفظ آخر، لكن على سبيل الاستعارة، فكأن البركات المطلوبة في بيتٍ بابه موصد، علينا أن نقرعه لنحصل على ما وراءه. والأوامر الثلاثة «اسألوا» و «اطلبوا» و «واقرعوا» تدل على أشواق شديدة ومطالب حقيقية، هي استعدادات لقبول الجواب. وهي شروط بسيطة للحصول على أعظم البركات. فعلى الإنسان أولاً أن يطلب، وعلى الله الإجابة في النهاية. فمواعيد الله ليست للكسلان الذي يتوقع بلا عمل، لكن للنشيط المجتهد في القيام بشروطها، فلا صلاة حقيقية بلا فائدة.

8 «لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ».

أمثال 8: 17 وإرميا 29: 12، 13

أكَّد في العدد السابق فاعلية الصلاة بالوعد، وهنا أكدها بناءً على اختبار الذين سألوا فوجدوا، فكأنه قال إن فاعلية الصلاة تكون في المستقبل كما كانت في الماضي.

كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ الوعد هنا لكل فرد، ولا يُستثنى أحدٌ ممن يطلبون لعدم استحقاقه.

يَأْخُذُ...ُ يَجِدُ الطلب بالإيمان والتسليم إلى إرادة الله. وإن سأل الأشياء التي يليق أن يعطيه إياها ويرى أنها مفيدة له.

9، 10 «9 أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ٱبْنُهُ خُبْزاً، يُعْطِيهِ حَجَراً؟ 10 وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟».

لوقا 11: 11 - 13

للتأكيد ونفي الشك في ما قاله ذكر أن محبة الله الأبوية للمؤمن أفضل من معاملة الآباء الأشرار لأبنائهم في مثل هذه الأحوال.

أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ الاستفهام استنكاري، المراد به أنه ليس في العالم مثل هذا الإنسان.

11 «فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!».

تكوين 6: 5 و8: 21

ما قيل هنا نتيجة العددين السابقين

وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ هذا يصدق على كل الناس بالنسبة إلى الله، فأقدسهم كغيرهم من البشر أشرارٌ ساقطون.

تَعْرِفُونَ أي تميلون إلى ذلك وتمارسونه من الغريزة الأبوية.

عَطَايَا جَيِّدَةً أي فوائد زمنية وصفها بالجيدة مقارنة بالعطايا الرديئة التي ذُكرت في عددي 9، 10.

أَبُوكُمُ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ تمييزاً له عن الآباء الأرضيين، فأقوى المحبة البشرية لا شيء بالنسبة إلى محبة الله لأولاده المؤمنين. إن كانت محبة الناس لأولادهم غريزية ودائمة وفعالة، فكم بالحري محبة الله ينبوع المحبة وأصلها.

خَيْرَات أي ما يراه موافقاً لهم، وهو الغِنى الحقيقي ولا سيما البركات الروحية، فإن الله لا يخيب رجاء أولاده بإمساكه عنهم الخيرات، ولا يخدعهم بإعطائه إياهم ما يضر أو ما لا يفيد. ولم يعين مقدار تلك الخيرات ليشجعنا لنطلب القدر الذي نريده.

لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَه هذا الشرط اللازم لنوال الوعد ليوجه أفكارهم إلى أن الصلاة طريق لإزالة الهم الزائد من قلوبهم. وقد استنتج بعض الفلاسفة أن الصلاة عبثٌ بناءً على أن الكون مربوط بشرائع لا تتغير. واستنتج المسيح أنها مفيدة وفعالة بناءً على فائدة سؤال الابن ما يحتاج إليه من أبيه الأرضي.

12 « فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ ٱلنَّاسُ بِكُمُ ٱفْعَلُوا هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ، لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلنَّامُوسُ وَٱلأَنْبِيَاءُ».

لوقا 6: 31 ولاويين 19: 18 ومتّى 22: 40 ورؤيا 13: 8 - 10 وغلاطية 5: 14 و1تيموثاوس 1: 5

قال المسيح في متّى 5: 17 إنه لم يأتِ لنقض الناموس أو الأنبياء بل ليكمل، فبيَّن بما سبق أنه لم يكمل ذلك بالحرف بل بالروح. فمعظم ما مرَّ من كلامه كان في الجز الأول من الناموس، وهو واجباتنا لله. ثم أخذ يفسر الجزء الثاني من الناموس وهو واجبات الناس بعضهم لبعض (متّى 12: 39 ورؤيا 13: 9) ويتم كل ذلك بمحبتنا للقريب كالنفس. وهذه الآية سُميت «القاعدة الذهبية» لأنها حقيقة سماوية، ولأن نتائجها صالحة.

يُحكى أن أحد الأجانب جاء إلى الربوني شمعي يسأله أن يعلِّمه الناموس كله أثناء وقوفه على رجل واحدة، فطرده هذا من حضرته. ولكنه حين ذهب إلى الربوني هليل يسأله السؤال نفسه، أجابه أن الناموس هو أن لا تفعل بالآخرين ما لا تريدهم أن يفعلوه معك. وهذا التصريح بصورة سلبية، أما تعليم المسيح فإيجابي بكامل معناه.

كُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ الخ يحق لكم أن تبتغوه من غيركم، لو كان في مثل أحوالكم وأنتم في مثل أحواله. وهذه القاعدة تنافي حب الذات المحض والبغض والانتقام والنميمة والغش والاختلاس، وتثبت وحدة البشر ومساواة جميع أفراده، وتوجب أن يطلب كل واحد نفع غيره. ونتعلم من هذا أنه إن جازى إنسان غيره شراً بخير يكون شيطانياً، وإن جازى شر غيره بشر يكون وثنياً. وإن جازى الشر بالخير يكون مسيحياً، لأن فعله للغير أفضل من فعل الغير له فعلٌ إلهي. نعم إنها قاعدة وجيزة ولكن السلوك بموجبها ينفي الخصومات والحروب، ويجعل الأرض فردوس النعيم. وهي تغني عن أكثر شرائع العالم. إنها لا تنفي حب الذات الطبيعي، بل تجعله قياساً لحبنا للغير وفعلنا له. وعلى ذلك يكون حبنا الغريزي منفعة أنفسنا خادماً للعدل والإحسان.

لأَنَّ هٰذَا هُوَ ٱلنَّامُوس الخ أي أن تلك القاعدة هي خلاصة كل تعاليم الناموس والأنبياء، لأن غايتهما أن يجعلا كل واحد يحب غيره كنفسه، فالذي يفعل ذلك يطيع الناموس (لاويين 19: 18) ويطيع الأنبياء (إشعياء 1: 17، رومية 13: 10).

13، 14 «اُدْخُلُوا مِنَ ٱلْبَابِ ٱلضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ ٱلْبَابُ وَرَحْبٌ ٱلطَّرِيقُ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! مَا أَضْيَقَ ٱلْبَابَ وَأَكْرَبَ ٱلطَّرِيقَ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ ٱلَّذِينَ يَجِدُونَهُ».

لوقا 13: 24

أظهر المسيح بكلامه السابق الصفات الواجبة أن تكون لتابعيه، فكلفهم بإنكار الذات الشديد. وهنا زاد عليه أن ذلك الإنكار ليس فضيلة عارضة بل هو شرط ضروري لكل أهل ملكوته.

اُدْخُلُوا أي ملكوتي السماوي الذي يبدأ على الأرض ونهايته في السماء. وكثيراً ما يمثل الكتاب المقدس حياة البر وحياة الإثم بطريقين يُدخَل إليهما من بابين.

ٱلْبَابِ ٱلضَّيِّقِ... ٱلطَّرِيقَ ٱلَّذِي يُؤَدِّي إِلَى ٱلْحَيَاة أشار بذلك إلى بدء الحياة المقدسة ومداومة السير فيها. وتلك الطريق تؤدي من الأرض إلى أورشليم السماوية. ولنا من هاتين الآيتين أربعة دروس: (1) أن كل إنسان مسافر من مهده إلى لحده، ومن هذا الزمان إلى الأبدية. (2) أن الناس عند الله مسافرون في طريقين لا ثالث لهما، أحدهما ضيق يوصل إلى السماء، والآخر واسع يُفضي إلى جهنم. (3) أن ذلك الطريق وذلك الباب ليسا ضيِّقين لأن الله قضي بهذا لأنه لا يؤيد أن يخلص كثيرين، وليسا ضيقين بسبب عدم كفاية دم المسيح للتكفير عن الجميع، إنما هما ضيقان بسبب صعوبات حياة القداسة، لأنها ضد الطبيعة الفاسدة، وتحتم وجود طبيعة جديدة (يوحنا 3: 3) وتمنع الشهوات الجسدية من دخول ذلك الباب والسير في تلك الطريق، بل تمنع كل خطية من ذلك وكل بر ذاتي والعالم (أفسس 5: 11).

وتحيط وصايا الله العشر بهذه الطريق من أولها إلى آخرها، فهي طريق الإيمان والطاعة وكثيراً ما ضيّقها ويضيّقها اضطهاد الأعداء. ولكنها رغم كل ضيقها طريق أمنٍ وراحة ضمير للمسافرين، ونهايتها مباركة. فإذاً هي ضيّقة في الدنيا، واسعة في الآخرة. وأما الطريق الواسع فسُمي واسعاً لكثرة الداخلين إليه والسائرين فيه، ولأنه يسعهم مع لذاتهم وشهواتهم وخطاياهم ومحبتهم للعالم ورفقاءهم الأشرار، ولسهولة السير فيه، وعدم الموانع منه. ويسلك فيه الكثيرون لأنه يوافق ميولهم الطبيعية. ونهاية هذا الطريق جهنم. فإذاً هو واسع في الدنيا ضيق جداً في الآخرة.

(4) كثيرون لا يدخلون في الباب الضيّق ولا يجدونه، ليس لأن باب الخلاص خفي وعسر، لأن كتاب الله يوضحه جلياً. ولا لأنه مغلق دون أولئك الناس، لأن المسيح بموته فتحه لكل من ابتغى دخوله من البشر. بل لأن الأغلبية لا يريدون أن يجدوه بالمسيح، ولا يحبون السير فيه، ولا الاجتهاد اللازم لدوام السير فيه إلى النهاية (لوقا 13: 24).

15 «اِحْتَرِزُوا مِنَ ٱلأَنْبِيَاءِ ٱلْكَذَبَةِ ٱلَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَابِ ٱلْحُمْلاَنِ، وَلٰكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِلٍ ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ».

تثنية 13: 3 وإرميا 23: 16 ومتّى 24: 4، 5، 11، 24 ومرقس 13: 22 ورؤيا 16: 17، 18 وأفسس 5: 6 وكولوسي 2: 8 و2بطرس 2: 1 - 3 و1يوحنا 4: 1 وميخا 3: 5 و2تيموثاوس 3: 5 وأعمال 20: 29، 30

شبَّه المسيح حياة الإنسان بالطريق، وقال إن هناك هُداة كذبة يدَّعون أنهم يهدون الناس إلى طريق الحياة الأبدية وهم بالحقيقة يقودونهم إلى طريق الهلاك.

احترزوا: أي انتبهوا واحترسوا من الأنبياء الكذبة فلا تنقادوا لهم كالعميان، ولا تخالطوهم ولا تصغوا إليهم. ولا نزال في حاجة إلى هذا الاحتراس، لأن الملايين اليوم يتبعون رؤساءهم الدينيين وهم غافلون، ولأن الله لا يقبل خطأ المرشدين المضلِّلين عذراً للمضلَّلين.

ٱلأَنْبِيَاءِ ٱلْكَذَبَةِ أي رؤساء الدين الأثمة الأشرار الخادعين، كما كان بعض الكتبة والفريسيون وقتئذٍ، أو من تطرفوا في ادعاءات لا تمُت إلى حقيقة الدين في شيء. فهؤلاء يهدمون ولا يبنون. وكما هو حال كل المعلمين المضلين في هذه الأيام فإنهم يمنعون الناس من اتباع المسيح في الطريق الضيق، ويغرونهم بمداومة السير في الطريق الواسع.

وكان المقصود بالأنبياء قديماً «الذين ينبئون بأمور آتية» ثم أُطلقت على الذين يعلنون إرادة الله، ثم على كل معلّمي الأديان.

ٱلَّذِينَ يَأْتُونَكُم أي الذين يأتونكم مرشدين ومعلمين. أتى المسيح معلماً الناس فأتى أيضاً كثيرون من الأنبياء الكذبة. ومن ذلك الوقت كان كلما اجتهد المعلمون الأمناء يبينون الطريق الحقيقية كثر المعلمون الكذبة وزادوا اجتهاداً.

بِثِيَابِ ٱلْحُمْلاَنِ في ذلك تشبيه المعلمين الكذبة بالذئاب اللابسة جلود الخراف، يتظاهرون بالعفو والتواضع والاستقامة كأنهم من قطيع المسيح الروحي. أما باطنهم فمحبة الذات والخداع «لهم صورة التقوى ولكنهم منكرون قوتها» (2تيموثاوس 3: 5 و2كورنثوس 11: 13 - 15 ورؤيا 16: 18). وثوب الحملان الذي لبسه الفريسيون هو صومهم وعبوسة وجوههم (متّى 6: 16) وصلواتهم الطويلة العلنية (متّى 6: 5). وقيل إن الشيطان يتنكر للخداع (2كورنثوس 11: 14).

مِنْ دَاخِلٍ أي في قلوبهم وصفاتهم.

ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ الذئاب أعداءٌ طبيعيون للخراف، فاستعارها المسيح للأنبياء الكذبة أعداء قطيعه الروحي. ووصفهم بالخطف لقساوتهم وافتراسهم وخداعهم (2بطرس 2: 1 وأعمال 20: 29 ورؤيا 16: 18.

16 «مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ ٱلشَّوْكِ عِنَباً، أَوْ مِنَ ٱلْحَسَكِ تِيناً؟».

متّى 7: 20 و12: 33 ولوقا 6: 43، 44

مِنْ ثِمَارِهِمْ شبَّه الأنبياء الكذبة بأشجار لا نفع منها. فكأن أحداً سأل: بماذا نعرف الأنبياء الكذبة من الأنبياء الصادقين؟ فقال: من ثمارهم. فالمعلمون يُعرفون من نتائج تعليمهم كما تظهر في حياتهم وحياة تابعيهم. فالدين الذي يعلم الناس أن يعيشوا بالتقوى ويموتوا على الرجاء هو الدين الحق. فالمقياس الذي وصفه المسيح يجب أن يقاس عليه كل تعليم ديني (1تسالونيكي 5: 1 و1يوحنا 4: 1). فالناس لا يستدلون على حسن الشجرة بورقها أو قشرها أو زهرها، بل بثمرها. وكذلك يُعرف كل من يدَّعي التقوى بأعماله. والكتاب المقدس هو المقياس الذي نميز به جيد الثمار من رديئها.

هَلْ يَجْتَنُونَ الخ كما أن لكل شجرة ثمراً خاصاً كذلك للخطية نتائج خاصة وللقداسة نتائج خاصة بها. فمن الحماقة أن نتوقع من الأشرار أعمالاً صالحة، ومن الجهل أن نتوقع الأثمار الجيدة من الأشجار الرديئة. فشرائع النعمة توافق الشرائع الطبيعية، لأن الذي وضع الواحدة وضع الأخرى.

17 «هٰكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً، وَأَمَّا ٱلشَّجَرَةُ ٱلرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَاراً رَدِيَّةً».

إرميا 11: 19 ومتّى 12: 33

هٰكَذَا أي بموجب المبدأ الطبيعي أن النتيجة كالسبب.

كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَاراً جَيِّدَةً الشجرة الجيدة تنتج الثمر الجيد دوماً بالطبع. فإن كان أولئك المعلمون هم كما يدَّعون، لزم أن ينتج منهم ومن أتباعهم إثمار الروح (غلاطية 5: 22) لأن تلك الأثمار لا تنتج من قلب فاسد.

وَأَمَّا ٱلشَّجَرَةُ ٱلرَّدِيَّةُ أي المعلمون الكاذبون الذين يدَّعون التقوى، فيجب أن يحسبوا أتقياء إذا كانت أعمالهم تغاير تعليمهم، لأن شهادة أعمالهم أصدق من شهادة ألسنتهم.

استعار الكتاب المقدس ثلاثة أنواع من الأثمار لثلاثة أنواع من الأعمال. (1) الثمر الجيد من شجرة جيدة إشارة للعمل الصالح من القلب الصالح. و(2) الثمر الصناعي إذا عُلق على شجرة ميتة إشارة للعمل الديني الطقسي الذي لم ينتج من قلب صالح. و(3) الثمر الرديء من الشجرة الرديئة إشارة للعمل الشرير من قلب شرير.

18 «لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً رَدِيَّةً وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَاراً جَيِّدَةً».

تكرر المعنى لتأكيد الحقيقة عينها، إلا أنه ذُكر أولاً في طريق الإيجاب وذُكر هنا في طريق النفي.

لاَ تَقْدِرُ أي يستحيل أن تأتي ذلك، وهذا أمر محقق عقلاً لأن النتيجة لا يمكن أن تختلف عن السبب.

19 «كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَراً جَيِّداً تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّارِ».

متّى 3: 10 ولوقا 3: 9 ويوحنا 15: 2، 6

تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي ٱلنَّار هذه عادة الناس في أنهم يقطعون الأشجار العقيمة ويوقدونها، فاستعار المسيح ذلك يبيِّن القصاص الهائل الذي يجازي الله به المعلمين المرائين الذين يقودون الناس إلى الهلاك. وقد استعمل يوحنا المعمدان مثل هذا الكلام (متّى 3: 10). وأولئك المعلمون يهلكون أنفسهم وأنفس الذين يتبعونهم.

20 «فَإِذاً مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ».

فَإِذاً أي أن خلاصة الكلام أن كل شيء يُعرف بإثماره. يُعرف المعلمون الصادقون بصلاح تعليمهم وسيرتهم الطاهرة لا بملابسهم ولا بقِدَم رتبتهم ولا بكثرة تابعيهم ولا بغناهم ولا بعلمهم ولا بسلطانهم ولا بعظمة ادعائهم شرف نسبتهم ولا شدة اعتنائهم بالطقوس ورونق احتفالهم بها (1يوحنا 4: 1 - 5) فدين المسيح لا يُخشى أن يُمتحن ذلك الامتحان الذي خلاصته «الشجرة تعرف بثمرها» وهذا ينافي زعم البعض أن الشرير يمكن أن يكون معلماً مفيداً في الدين.

21 «لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ. بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ».

هوشع 8: 2 ومتّى 25: 11، 12 ولوقا 6: 46 و13: 25 وأعمال 19: 13 ورؤيا 2: 13 ويعقوب 1: 22

ذكر المسيح المعلمين الكذبة وسوء عاقبتهم. ولما كان تلاميذه معرَّضون لمثل ذلك حذرهم من الرياء وخداع أنفسهم الناتج عن الشعور الوقتي لئلا تكون عاقبتهم كعاقبة أولئك (يوحنا 6: 64، 70).

لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي لا يخلُص كل من يعترف أن المسيح رب وأنه تلميذ له لأن الاعتراف بمجرد اللسان ليس الاعتراف الذي يطلبه الله، فهو يطلب الاعتراف الحقيقي الصادر من القلب (1كورنثوس 12: 3 و13: 1).

يَا رَبُّ يَا رَبُّ يكرر اللفظ لزيادة التظاهر في الغيرة الدينية. ولعل بعض الحاضرين ممن عرف المسيح أنهم مراؤون كانوا يكررون هذا اللفظ بعينه. فالمسيح لا يلومهم على هذا الاعتراف لأنه حسنٌ في ذاته، ولكن على أنه ليس مقترناً بالعمل الموافق له.

يَدْخُلُ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَات أي يشترك في مجده وثوابه.

بَلِ ٱلَّذِي يَفْعَلُ قارن هنا من «يفعل» بمن «يقول» وأراد بذلك أن طاعة التلميذ تبرهن صحة تلمذته. ومعلوم بين الناس أن الإقرار بالصداقة لا يُعد شيئاً ما لم يقترن بالعمل، والوعد بالوفاء، وإلا فلا يكون وفاءً.

«إن أخاك الصِّدق من يجري معك ومن يضرُّ نفسه لينفعك»

وكذلك في الدين فإن أفضل الإقرار وأحسن المواعيد حتى خير المقاصد ليست شيئاً بدون الطاعة الفعلية.

إِرَادَةَ أَبِي لا ينتج من هذه الآية كلها أن أعمالنا الصالحة تخلصنا، لأنها ليست إلا برهاناً على صحة إيماننا. وإرادة الآب تتضمن الإيمان والتوبة، كما أنها تتضمن الطاعة، لأن الله يريد أن الخاطئ يطلب خلاصه بالمسيح. وأشار بقوله «أبي» إلى وحدة طبيعتهما واتفاق إرادتهما.

ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ قال ذلك دفعاً للأبوة التناسلية الجسدية.

22 «كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِٱسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِٱسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً».

عدد 24: 4 ويوحنا 11: 51 و1كورنثوس 13: 2

ذكر المسيح في العدد السابق القانون الذي يُجرى عليه في يوم الدين، وزاد هنا أنه ينشأ بالطرد من ملكوته في ذلك اليوم يأسٌ عظيم لكثيرين ممن يُعرَفون الآن أنهم تلاميذه.

فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ أي اليوم الذي يأتي فيه المسيح ملكاً ودياناً (متّى 16: 27، 28 و25: 31). فيوم الدين يكون يوم خزي وخيبة لكثيرين لأن المسيح سينكر في ذلك اليوم كثيرين مما سموا مسيحيين على الأرض. فهو يوم به تتمزق ستائر المرائين وتظهر ضمائرهم ويتبرر المخلصون.

يَا رَبُّ يَا رَبُّ هذا ما ينطقون به يومئذ إن سُمح لهم بالخطاب، وهذا أفضل طريق لبيان ما لا بد أن يقع من التعجب والخيبة واليأس والعقاب في ذلك اليوم لكثيرين من المعروفين اليوم بأنهم مسيحيون. وتكرار قولهم «يا رب» يدل على اجتهادهم ولجاجتهم وتجديد اعترافهم القديم.

أَلَيْسَ بِٱسْمِكَ أي ألم يُطلق اسمك علينا؟ ألم نستعمل اسمك حقيقة حين فعلنا المعجزات؟ (متّى 10: 41 و18: 5، 20 و21: 9 ومرقس 9: 38).

تَنَبَّأْنَا أي التعليم الديني، فلا ضرورة لتفسيره بالإنباء بأمور مستقبلة، وإن كان يدل على ذلك أحياناً (أعمال 11: 28 و21: 10).

شَيَاطِينَ هم أرواح شريرة كانوا ملائكة أطهاراً أُذن لهم بعد السقوط أن يسكنوا بعض الناس ويتسلطوا عليهم نفساً وجسداً، وكان إخراجهم من أقوى البراهين على قوة المسيح وصحة دعواه بأنه نسل المرأة الذي يسحق رأس الحية (تكوين 3: 15) ووهب المسيح هذه القوة لتلاميذه (متّى 10: 8).

قُوَّاتٍ أي معجزات. لا داعي لأن نشك في صحة قولهم هذا، وأن تلك القوة لا توهب للأشرار، فالكتاب يعلمنا أن بلعام كان يتنبأ (عدد 23: 20 - 26 و24: 13) ولعل يهوذا الإسخريوطي كان يفعل معجزات كسائر الرسل. ومما يدل على ذلك قول بولس الرسول (1كورنثوس 13: 1 - 3). فإذن أسمى الفصاحة في شرح حقائق الدين المسيحي وأحسن نجاح في إرشاد الناس إلى المسيح ليسا برهاناً في ذاتهما على أن صاحبهما مسيحي.

23 «فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! ٱذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ».

متّى 25: 12 ولوقا 13: 25، 27 و2تيموثاوس 2: 19 ومزمور 5: 5 و6: 8 وص 25: 41

يُحتمل أن الكلام الآتي هو الكلام الذي يقوله المسيح للمرائين في يوم الدين جواباً على دعواهم الباطلة.

أُصَرِّحُ أي أقول علناً وبالتأكيد.

لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! أي لم أعرفكم المعرفة المقترنة بالمحبة (يوحنا 10: 14 و2تيموثاوس 2: 19). لقد عرفتكم كأشخاص، وسمحت لكم بأن تتظاهروا أنكم تلاميذي، لكني لم أعرفكم كخاصتي، وأنتم لم تعرفوني حقيقة. فالذين يهلكون من المسيحيين بالاسم لم تتجدد قلوبهم حقيقة. ولكنهم خدعوا أنفسهم وغيرهم من الناس. لكنهم لم يخدعوا الله. فالمسيحي بالحق من كان مسيحياً من أول أمره إلى الأبد. قال المسيح عن خرافه «أبي الذي أعطاني إياها هو أعظم من الكل، ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي» (يوحنا 1: 29) وقال رسوله «مِنَّا خَرَجُوا، لكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَّا، لأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا مِنَّا لَبَقُوا مَعَنَا. لكِنْ لِيُظْهَرُوا أَنَّهُمْ لَيْسُوا جَمِيعُهُمْ مِنَّا» (1يوحنا 2: 19).

ٱذْهَبُوا عَنِّي القرب من المسيح هو خلاصة أفراح السماء، والبعد عنه هو أشد عقاب جهنم. فقوله «اذهبوا عني» يتضمن علاوة على ذلك أمره بانفصالهم عن تلاميذه بالحق وانضمامهم إلى أعدائه، لأنهم منهم.

يَا فَاعِلِي ٱلإِثْمِ فأعمالهم الأثيمة هي علة طردهم ودينونتهم، لأن عصيانهم إثمٌ فعلي. فمهما كان اعترافهم فإن أعمالهم كانت مخالفة لإرادة الله. وهذا الكلام يحذر الإنسان من أن يخدع نفسه، ويبين أن الحصول على أحسن الوسائط لا يكفل خلاص الإنسان. فالمعمودية والاعتراف العلني بالمسيح والمعرفة العقلية وممارسة التعليم حتى فعل المعجزات ليست شيئاً بدون التوبة الحقيقية والإيمان القلبي والطاعة الكاملة.

24 «فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هٰذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ عَاقِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلصَّخْرِ».

ختم المسيح وعظه على الجبل بمثلٍ وجَّهه إلى الذين اكتفوا بما سمعوه من تعليمه دون العمل بما يقتضيه، فبيَّن بذلك أن معرفة الناس واجباتهم بدون القيام بتلك الواجبات تزيد عقابهم شدة. ولا بد أن الحادثة التي ضرب بها المسيح المثل كانوا قد اختبروا مثلها وألفوه.

أَقْوَالِي هٰذِهِ أي كل ما ذكرته في هذا الوعظ وفي تعليمي إجمالاً. فنستنتج من ذلك أن ما سبق كان موعظة واحدة متصلة لا مواعظ كثيرة جمعها متّى وأظهرها واحدةً.

بِرَجُلٍ عَاقِل أي حكيم ينظر في عاقبة الأمور ويلتفت إلى المستقبل.

عَلَى ٱلصَّخْر أي على أساس متين وما يجب أن يُبنى عليه. وهو يقتضي تعباً كثيراً ونفقة وافرة على الحفر للوصول إليه.

ويقصد المسيح ببناء البيت على الصخر سماع أقواله والعمل بها. ومن أمثال ذلك قوله مشيراً إلى نفسه «الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ » (متّى 21: 42) وبناءً عليه قال بولس «إِنَّهُ لاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَضَعَ أَسَاسًا آخَرَ غَيْرَ الَّذِي وُضِعَ، الَّذِي هُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ» (1كورنثوس 3: 11). فطاعة أقوال المسيح تتضمن أول شيء بناء رجائنا عليه بالإيمان للخلاص.

25 «فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذٰلِكَ ٱلْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّساً عَلَى ٱلصَّخْرِ».

فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ الخ أشار بذلك إلى ما يحدث غالباً في فصل الشتاء، وأراد به امتحان النفس في اليوم الأخير. فإنه كثيراً ما يعبر الكتاب المقدس عن حوادث اليوم الأخير بالأنواء والزوابع.

فَلَمْ يَسْقُط بسبب قوة الأساس المتين وفائدته، لأنه يقي البيت من الخطر في أثناء اضطراب عناصر الطبيعة.

26، 27 «وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هٰذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ جَاهِلٍ، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى ٱلرَّمْلِ. فَنَزَلَ ٱلْمَطَرُ، وَجَاءَتِ ٱلأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ ٱلرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذٰلِكَ ٱلْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً!».

لوقا 6: 47 - 49

ذكر في هذين العددين جهل من يسمع أقواله ولا يعمل بها.

بِرَجُلٍ جَاهِل من لا ينظر في عاقبة الأمر ولا يلتفت إلى المستقبل كمن يبني بيته في الصيف ويحسب أحواله على ضوء سائر الفصول، ولا يحسب للشتاء حساباً من سقوط الأمطار وجري السيول التي لا بد منها.

عَلَى ٱلرَّمْل أي على وجه الأرض اقتصاداً ودفعاً لزيادة التعب، ورغبة في الراحة المؤقتة. والبناء على الرمل هو مجرد قبول الدين عقلاً وممارسة طقوسه الخارجية. فكل من يبني على غير المسيح يبني على الرمل. فمهما كانت مقاصد الإنسان قوية من جهة قداسة حياته فإنها إن كانت غير مقترنة بالإيمان بالمسيح والاتكال عليه فهي كالرمل في تقلباته.

فَسَقَط أي خرب تماماً.

وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً لأنه سقط عند شديد الحاجة إليه وحين لا يمكن تجديده، لأن المياه تجرف مواده. وحكم المسيح بأن هذا السقوط عظيم لأنه قصد به هلاك النفس. فالمراد بالبيت دين الإنسان الذي هو ملجأ نفسه الأبدي. والمراد بالبانيَيْن في هذا المثل: الذي يسمع ويعمل، والذي يسمع ولا يعمل، وهما يتفقان في ثلاثة أمور ويختلفان في ثلاثة:

وجوه الاتفاق: (1) أن كلاً منهما بنى بيتاً. والمعنى أن كليهما متدينان يشعران بحاجة النفس إلى ملجأ، وبذلا عنايتهما لأجل سد هذه الحاجة. و(2) أن كليهما تمم عمله كما اختار. و(3) أن كليهما جازا بالامتحانات التي لا بد من وقوعها.

وجوه الاختلاف: (1) أن أحدهما بنى بيته على أساس متين، والآخر على أساس واهن، أو على غير أساس. (2) أنه عند الامتحان ثبت بيت الواحد وسقط بيت الآخر. (3) أن الواحد فرح فرحاً عظيماً بعمله، والآخر حزن حزناً أبدياً.

28، 29 «28 فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلأَقْوَالَ بُهِتَتِ ٱلْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، 29 لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ».

متّى 13: 54 ومرقس 1: 22 و6: 2 ولوقا 4: 32 ويوحنا 7: 46

ذكر البشير في هذين العددين تأثير موعظة المسيح بعد أن أُكملت. ويظهر من قوله أنها موعظة واحدة لا مجموعة مواعظ.

بُهِتَتِ أي تعجبت الجموع من هذا التعليم الجديد وأسلوب بيانه. ولا زال الناس إلى الآن يعجبون من حسن هذا التعليم السماوي. والحق أن تلك الموعظة أبلغ وأفيد من كل مواعظ العالم. فعلى من ينكر لاهوت المسيح أن يبين من أين تعلم نجار الناصرة هذا التعليم.

ٱلْجُمُوعُ هي التي ذُكرت في متّى 4: 25، 5: 1.

كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ ليس مثل مفسر الشريعة بل مثل واضعها، أي المشترع الأصلي. وأظهر سلطانه في قوة كلامه على إقناع العقول وإيقاظ الضمائر ليثبت صدق أقواله. فأسند تعليمه على شريعة الله المكتوبة على قلوبهم، وقد رافق الروح القدس ذلك التعليم فجعله ذا سلطان.

وَلَيْسَ كَٱلْكَتَبَةِ أي معلميهم الدينيين، وهم خلفاء عزرا الكاتب (عزرا 8: 6) وحفظة الكتب المقدسة ومفسروها (انظر متّى 23: 2 - 4 ومرقس 12: 35 ولوقا 11: 52). وكانوا في ذلك الوقت يلتفتون إلى الوصايا الصغرى ويغفلون عن الكبرى (متّى 23: 18 - 22) وأسندوا أقوالهم إلى تقاليد الشيوخ (متّى 15: 9). أما المسيح فأسند تعاليمه إلى السلطان الذي قبله من الله بقوله «الحق الحق أقول لكم». وكان تعليمه يخالف تعاليمهم في أنه كان في مبادئ الدين الجوهرية. وقد تكلم كنبي وكملك ورئيس الملكوت الجديد.

الأصحاح الثامن

ذكر متّى في هذا الأصحاح والذي يليه عدة معجزات فعلها المسيح إثباتاً لتعليمه، وأن له سلطاناً من الله. وتنقسم هذه المعجزات إلى ثلاثة أنواع، فمنها ما يتناول الأمراض المستعصية كالبرص والفالج (الشلل) والصرع. ومن المعجزات ما يتناول الأرواح النجسة وقهر قوات إبليس وجميع جنوده. ومنها ما يتناول القوى الطبيعية كإسكات البحر. وهذا يُظهر أن يسوع هو المسيح مخلص العالم وسيد الكائنات كلها. ولا يحسن أن نظنها ذُكرت حسب أوقات وقوعها تماماً، بل إن البشير جمعها كنماذج لسائر المعجزات، كما أنه كتب لنا موعظة من مواعظه نموذجاً لسائر المواعظ.

1 «وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ ٱلْجَبَلِ تَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ».

وَلَمَّا نَزَلَ مِنَ ٱلْجَبَلِ تَبِعَتْهُ الخ القصد هو الإنباء بأن ذلك الجمع العظيم الذي تبعه عند صعوده إلى الجبل وأصغى إلى وعظه لم يتركهُ لما فرغ من الوعظ، بل تبعه في نزوله إلى السهل ومروره بجانب بحر طبرية إلى كفرناحوم. فالأرجح أن العجائب التي ذكرها البشير عملها المسيح بمرأى من هذا الجمع.

2 «وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أَنْ تُطَهِّرَنِي».

مرقس 1: 40 الخ ولوقا 5: 12 الخ

وَإِذَا أَبْرَصُ قَدْ جَاءَ لعل البشير ذكر هذه المعجزة أولاً لأن البرص كان مرضاً يختلف عن بقية الأمراض في عدة أمور: منها أنه كان مؤلماً ومكروهاً في ذاته، وكأن موتاً يبدأ في الإنسان وهو حي ويؤثر أولاً في الجلد ثم في الأعضاء واحداً بعد واحد، ويفصل بعضها عن بعض (انظر سفر العدد ص 12: 12) ولم يتحقق أن هذا المرض باقٍ إلى هذا اليوم على هيئته الأصلية. والأرجح أنه لا يزال في الأرض ولكنه نادر، وليس كثيراً كما كان بين اليهود. وكانت شريعة موسى شديدة مدققة في معاملة البرص (لاويين 13 و14). فكان على الأبرص أن ينفصل عن سائر الشعب باعتباره نجساً، وأن يُعلن برصه بثيابه وإشاراته وكلماته «تُشق ثيابهُ» (لاويين 13: 45) «ويكشف رأسه» (عدد 6: 9 وحزقيال 24: 17) «ويغطي شاربيه» (حزقيال 24: 17) و «يُطرد من المحلة أو من المدينة» (لاويين 13: 46 وعدد 5: 2 - 4 و2ملوك 7: 3) ويُلزم أن يصرخ إذا رأى أحداً مقترباً إليه قائلاً على نفسه «نجس نجس». وجرت تلك الشريعة على أعلى الناس وأدناهم بلا استثناء، كما حدث مع مريم أخت موسى (عدد 12) والملك عزيا، فقضى باقي حياته في بيت منفرد واعتزل المُلك (2أخبار 26: 16 - 21).

وشدد الله الشريعة على الأبرص ليجعل البرص رمزاً للخطية أمام عينيه. والخطية تشبه البرص في سبعة أشياء: (1) كلاهما داءٌ أصاب الإنسان بعد خلقه، فإن الله خلقه صحيح الجسم طاهر النفس. (2) كلاهما وراثي (بعدما حدث أولاً) فالبُرص يلدون بُرصاً والخطاة يلدون خطاة. (3) امتداد كليهما خفيٌ وتدريجيٌ قلما يظهران في الطفولة ولكنهما يظهران في عمر متقدم. (4) كلاهما مكروهٌ نجس يفصل صاحبه عن جماعة الله. وهذا الانفصال رمز إلى الانفصال العظيم (رؤيا 21: 27). (5) كلاهما لا يُشفى بوسائط بشرية (2ملوك 5: 7). (6) كلاهما مميتٌ، أحدهما للجسد والآخر للنفس. (7) تقدر القوة الإلهية وحدها على شفاء كليهما في الماضي، وتقدر عليه في المستقبل.

وَسَجَدَ لَهُ لا بد أن هذا الأبرص سمع بقوة يسوع وشفقته، ولعله سمع وعظه على الجبل وهو بعيد عن الناس، فانجذب إلى المسيح بما سمع وبما فعله فيه الروح القدس. وظهر إيمانه وتواضعه ورغبته في الشفاء بمجيئه وسجوده.

يَا سَيِّدُ، إِنْ أَرَدْتَ تَقْدِرْ أظهر الأبرص ثقة تامة بقدرة المسيح على شفائه، وسلَّم له أن يستعمل تلك القدرة لإبرائه بحكمته ومحبته. فيجب على كل خاطئ أن يأتي إلى المسيح للتطهير، فيجد القبول مثله.

أَنْ تُطَهِّرَنِي كان ذلك المرض يُحسب نجساً فحُسب الشفاء منه تطهيراً.

3 «فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وَلَمَسَهُ قَائِلاً: أُرِيدُ فَٱطْهُرْ. وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ بَرَصُهُ».

فَمَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ ليبين للحاضرين العلاقة بين استعمال قوته ونتيجتها، لا لأن اتصال يده بالأبرص كان ضرورياً للشفاء.

لَمَسَه لم يفعل ذلك ليخالف الشريعة عمداً (لاويين 5: 3 و14: 46) لأن الشريعة منعت من لمس الأبرص، ولكنه لمسه ليطهره، فطهر لأنه شُفي حالما مدَّ يده إليه. وأظهر المسيح سلطانه على الشريعة الطقسية إذ خالف حرفها ووافق جوهرها. وبمثل هذا لمس المسيح طبيعتنا الخاطئة وشفاها بدون أن يتنجس.

أُرِيد أظهر بذلك إتماماً لوعده «اطلبوا تجدوا» (متّى 7: 7) وهو جواب لقول الأبرص له «إن أردت».

وَلِلْوَقْتِ طَهُرَ أتى الشفاء في الحال، وبذلك تبين أنه كان معجزياً. فما أعظم سرعة ذلك التغيير! إنه في لحظة شُفي شفاءً تاماً من داء عضال. وقوة المسيح على المرض رمزٌ إلى سلطانه على الشر ولعنة الخطية.

4 «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱنْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ. بَلِ ٱذْهَبْ أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ، وَقَدِّمِ ٱلْقُرْبَانَ ٱلَّذِي أَمَرَ بِهِ مُوسَى شَهَادَةً لَـهُم».

متّى 9: 30 ومرقس 5: 43 ولاويين 14: 3، 4، 10 ولوقا 5: 14

ٱنْظُرْ أَنْ لاَ تَقُولَ لأَحَدٍ فلا يفتخر بشفائه على أنه علامة رضى الله الخاص عليه. وكانت غاية كتم شفائه أن يحصل على الشهادة الشرعية بطهارته من الكاهن ليرجع إلى معاشرة الناس، خوفاً من أن الكهنة لا يعطونه الشهادة بعد أن يبلغهم أن المسيح شفاه حسداً وبغضاً للمسيح نفسه. وكان المسيح يمنع أحياناً من إظهار معجزاته لئلا يُعاق عمله الروحي بكثرة الآتين إليه للنفع الجسدي، ولأنه فضَّل خير النفس على خير الجسد، ولئلا يهيج عليه غضب الرؤساء ومقاومتهم. أما الأبرص الذي شُفي فلم يُطع أمر المسيح (مرقس 1: 45).

بَلِ ٱذْهَبْ ألحَّ عليه بذلك لئلا يسبقه خبر المعجزة إلى الكهنة فلا يعطونه شهادة الشفاء. وكانت طاعة هذا الأمر تلزمه أن يسافر نحو خمسين ميلاً أو يومين إلى أورشليم.

أَرِ نَفْسَكَ لِلْكَاهِنِ أي للكاهن في هيكل أورشليم وفقاً لشريعة موسى (لاويين 14: 3) فيفحصه بالتدقيق، ويمارس ما يقتضيه تطهيره طقسياً، ويصرح بطهارته شرعاً. وبهذه الواسطة حصل المسيح على تصديق الكاهن لمعجزته، وبيَّن احترامه للشريعة أنها من الله وأنها لا تزال شريعة. فقول المسيح «أرِ نفسك للكاهن» كان لإتمام جزء من الشريعة الطقسية المتعلقة باليهود البُرص، ولا علاقة لذلك بالواجبات المسيحية. فما أمر به الأبرص لم يكن سوى أمرٍ للبُرص، وكان طقسياً يهودياً. والشريعة الطقسية زالت والكهنوت اليهودي بطل.

وَقَدِّمِ ٱلْقُرْبَانَ والقربان عصفوران حيان طاهران، وخشب أرز وقرمز وزوفا (لاويين 14: 4).

شَهَادَةً لَهُ كانت هذه الشهادة لهم ليعطوا الشهادة للأبرص، فتكون شهادة عليهم إذا أبوا أن يعترفوا بأن الذي فعل المعجزة التي شهدوا بصحتها هو المسيح. وكانت شهادة للشعب أن يسوع هو المسيح، وأنه لم يخالف شريعة موسى.

5 «وَلَمَّا دَخَلَ يَسُوعُ كَفْرَنَاحُومَ، جَاءَ إِلَيْهِ قَائِدُ مِئَةٍ يَطْلُبُ إِلَيْهِ».

لوقا 7: 1 - 10

كَفْرَنَاحُوم انظر شرحنا لأصحاح 4: 13.

قَائِدُ مِئَة كانت تلك البلاد تحت الحكم الروماني، فكان بالمدن الكبيرة فِرَق من الجنود. وكان قائد المئة المذكور من رؤساء تلك الفِرق، وهو وثنيٌ ولادةً وتربيةً. ويظهر من القرينة أنه ممن أحسنوا الإيمان. وقال البعض إنه متهوِّد، ولكن ذلك يناقضه تعجب المسيح المذكور في عدد 10 من هذا الأصحاح.

جَاءَ... يَطْلُبُ إِلَيْه قيل في لوقا 1: 7 إنه لم يأتِ هو بنفسه بل أرسل يطلب إليه. ولا تناقض بذلك بين البشيرين، لأن خبر متّى مختصر، وإسناد المجيء فيه إلى القائد مجازي. والجوهر هو تقديم الطلب بقطع النظر عن الواسطة. ومن المجاز المسلَّم به عند جميع الناس أن يُنسب الفعل إلى مسببه بغضّ النظر عن الفاعل كقولهم «بنى الأمير المدينة».

قارِن يوحنا 3: 22 بيوحنا 4: 2 تجد في الأول قول البشير إن المسيح كان يعمد، وفي الثاني قوله إنه لم يعمد هو نفسه بل تلاميذه. وقارن متّى 20: 35 ويوحنا 19: 1 تجدهُ يقول إن بيلاطس جلد يسوع مع أن ذلك فعل العسكر بأمره.

6 «وَيَقُولُ: يَا سَيِّدُ، غُلاَمِي مَطْرُوحٌ فِي ٱلْبَيْتِ مَفْلُوجاً مُتَعَذِّباً جِدّاً».

غُلاَمِي الأرجح أن ذلك الغلام عبدٌ له أعزَّه لأمانته له. وهذا يُظهر زيادة لطف هذا القائد، فلم يكن الأسياد يهتمون بصحة عبيدهم وراحتهم.

فِي ٱلْبَيْتِ أي في بيت القائد.

مَفْلُوجاً الفالج (الشلل) مرض عصبي يمتنع به تسلط الأعصاب على العضلات، وهو يصيب بعض الجسد أو كله.

مُتَعَذِّباً جِدّاً نستنتج من ذلك أن كل جسده كان مفلوجاً حتى لم يستطع الحركة. والظاهر أن مرضه كان مما تنقبض به العضلات، وهو من أشد الأنواع إيلاماً. ولكثرة أنباء هذا المرض في الإنجيل نستنتج كثرته في تلك الأيام في فلسطين، وأن علاج الأطباء قلما نفع فيه. فما أسعد ذلك العبد بسيد يعتني به ويتضرع إلى المسيح من أجله. وعلى أصحاب الأعمال أن يصلّوا من أجل من يعملون عندهم.

7 «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا آتِي وَأَشْفِيهِ».

أجاب الرب طلبة ذلك القائد حالاً، مع أنه كان من أُمَّة وثنية. وقوله «أشفيه» يدل على أن له كل سلطان مثل الله.

8 «فَأَجَابَ قَائِدُ ٱلْمِئَةِ: يَا سَيِّدُ، لَسْتُ مُسْتَحِقّاً أَنْ تَدْخُلَ تَحْتَ سَقْفِي، لٰكِنْ قُلْ كَلِمَةً فَقَطْ فَيَبْرَأَ غُلاَمِي».

لوقا 15: 19، 21 ويوحنا 5: 8، 9 و11: 43، 44

لَسْتُ مُسْتَحِقّاً يدل هذا الكلام على شعوره بخطيته، واعتباره المسيح ذا وقارٍ وقداسة، مع أنه كان قائداً رومانياً، والرومان كانوا يحتقرون اليهود كالعبيد. وكانت وظيفته العسكرية من أسباب الافتخار والكبرياء.

وقائد المئة هذا لم يكن لطيفاً فقط، بل كان حكيماً يراعي خاطر اليهود من جهة تنجسهم من بيت روماني، ولو كان هؤلاء الحكام وهم المحكومين. وفي الوقت ذاته لا يريد أن يحرج موقف المسيح فيكتفي أن يأمر الروح الشرير كما يأمر القائد جنوده، فينتهي كل شيء بسلام.

ونعلم مما جاء في لوقا 7: 8 أن الرب كان منطلقاً إلى بيت القائد وقد قرب منه حين لقيه رُسل القائد حاملين الرسالة المذكورة. واعتقد القائد عدم استحقاقه أن يدخل المسيح تحت سقفه، ولكن المسيح رضي أن يسكن قلبه، ويقبله أخيراً ساكناً أبدياً في بيت أبيه. ففي ذلك القائد إيمان عظيم، علاوة على زيادة تواضعه. ودليل إيمانه أنه نظر في ذلك الشخص الوضيع الحقير المنظر عظمة فائقة إلهية، واعتقد قدرته على شفاء المفلوج بكلمة واحدة من على بُعد.

كَلِمَةً أي أمراً بشفاء المرض.

9 «لأَنِّي أَنَا أَيْضاً إِنْسَانٌ تَحْتَ سُلْطَانٍ. لِي جُنْدٌ تَحْتَ يَدِي. أَقُولُ لِهٰذَا: ٱذْهَبْ فَيَذْهَبُ، وَلِآخَرَ: اِيتِ فَيَأْتِي، وَلِعَبْدِيَ: ٱفْعَلْ هٰذَا فَيَفْعَل».

تَحْتَ سُلْطَانٍ أي أني لست ملكاً ولا رئيس جيش، بل في رتبة صغيرة بالنسبة إلى سائر الرؤساء العسكريين، ومع هذا فلستُ محتاجاً أن أجيء بنفسي لتنفيذ أوامري، فآمر الجنود أو عبيد البيت فيتممون مطالبي، فتتم فعلاً. فكم بالحري أنت يا صاحب السلطان المطلق! إنك لا تحتاج إلا أن تقول كلمة فتطيعك الأمراض! ويعلمنا التاريخ أن الحكم الروماني العسكري كان صارماً جداً، فكان أقصر الأوامر يُطاع فوراً وبدون مناقشة.

10 «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ تَعَجَّبَ، وَقَالَ لِلَّذِينَ يَتْبَعُونَ: ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، لَمْ أَجِدْ وَلاَ فِي إِسْرَائِيلَ إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هٰذَا».

تَعَجَّبَ تعجُّب المسيح جزءٌ من سر التجسد الذي أشار إليه بولس الرسول بقوله «وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ» (1تيموثاوس 3: 16). فبالنظر إلى لاهوته لا يظهر له شيءٌ أنه جديد أو غريب. أما بالنظر إلى ناسوته فقد كان إنساناً تاماً يشعر ويتكلم ويفعل كغيره من الناس سوى أنه لا يخطئ. وكانت تلك الحادثة من الغرائب وهي أن يرى أميٌ من الوثنيين ما لم يرَهُ الكتبة والفريسيون من أُمة المسيح.

لِلَّذِينَ يَتْبَعُونه أي ليس لتلاميذه فقط، بل لرسل القائد وللجمع المحيط به.

إِيمَاناً بِمِقْدَارِ هٰذَا كان هذا الإيمان بقدرة المسيح على شفاء المرضى، ويحتمل أنه آمن بأن المسيح يقدر أن يخلِّص النفس أيضاً. فالغريب أن إيمانه كان متفرِّداً، فلم يُظهر أحد من تلاميذه إيماناً كإيمانه بقدرته على الشفاء بكلمة ولو من على بُعد. ولا آمن أحدٌ من الأمة اليهودية التي تعرف النبوات التي تعلن صفات المسيح وأعماله ومعجزاته. فإذا قارنت إيمان مريم ومرثا بإيمان ذلك القائد تبين لك صحة ما ذُكِر (يوحنا 11: 21، 32 وانظر متّى 9: 21).

ومقارنة المسيح إيمان ذلك القائد بإيمان إسرائيل دليل على أنه لم يكن متهوداً أو دخيلاً تبع الدين اليهودي. وشهادة الشيوخ الواردة في لوقا 6: 5 لا تدل إلا على أنه كان راضياً عن اليهود مستحسناً دينهم.

فِي إِسْرَائِيل هو اسم يعقوب (تكوين 32: 28، 29) وهو اسم الاثني عشر سبطاً إلى أيام يربعام، ثم صار اسماً لعشرة أسباط منهم إلى وقت سبي بابل، ثم أُطلق على الأمة كلها.

11 « وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِبِ وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ».

تكوين 12: 3 وإشعياء 2: 2، 3 و11: 10 ولوقا 13: 29 وأعمال 10: 45 و11: 18 و14: 27 ورومية 15: 9 - 12 وأفسس 3: 6

تنبأ المسيح هنا بحوادث كثيرة في المستقبل مثل حادثة القائد، وأنه كما فاق الأمميُّ اليهودَ معرفةً وإيماناً بالمسيح، هكذا سيفعل جموع كثيرة من الأمم. وهذا أول كلام أشار به المسيح إلى دخول الأمم في ملكوته الجديد. لقد كانت بلاغة الكلام في خطاب يسوع بأنه كان يغتنم الفرص ليلفت النظر إلى الأمور الفضلى في الحياة، فينبِّه الناس للجوهر دون العرض. وإن ملكوته يضم الصالحين في قلوبهم من الفئة المؤمنة، لا الذين يرثون الصلاح ولو كانوا من الجنس المختار.

مِنَ ٱلْمَشَارِقِ وَٱلْمَغَارِب أي من كل الجهات حتى أقاصي الأرض. وفي ذلك وعدٌ ووعيد. الوعد للبعيدين عن المسيح، والوعيد للذين عندهم ما يمكن أن يجعلهم أقرب إليه.

وَيَتَّكِئُونَ مجاز يدل على الراحة، وهو مأخوذ من عادة الولائم في تلك الأيام. فالمسيح يشبِّه خيرات ملكوته بوليمة (لوقا 14: 16). ويشير أيضاً إلى الدخول في العائلة. والاشتراك مع الشرفاء في الوليمة يتضمن الشرف والسعادة.

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ هم رؤساء الآباء الثلاثة، وقد صوَّرهم المسيح يرأسون كلَّ العائلة العظيمة المتسلسلة منهم. وظلت تلك العائلة قروناً كثيرة الشعب المختار والكنيسة المنظورة. وكان الدخول إليها يتضمن الحقوق السياسية والشعبية، والحقوق الدينية الروحية. وابتدأ امتداد تلك السعادة للأمم على الأرض منذ مجيء المسيح وسينتهي في السماء.

12 «وَأَمَّا بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».

متّى 21: 43 و13: 42 و22: 13 و24: 51 و25: 30 ولوقا 13: 28 ورومية 2: 25 - 29 و2بطرس 2: 17 ويهوذا 13

بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ هم نسل إبراهيم الذين اختارهم الله أولاداً بالتبني، فحسبوا نفوسهم مُقربي الله وورثة ملكوته، واحتقروا الأمم كأنهم خارجون عن ذلك الملكوت.

فَيُطْرَحُونَ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ أشار هنا إلى بيت منير ليلاً فيه وليمة، طُرِد منه البعض إلى الخارج حيث الظلام والبكاء على الخيبة. فملكوت الله ملكوت النور والفرح، والطرد منه يعني البعد عن الله وعن معاشرة الأتقياء، وهو أشد العقاب. والذين يُطردون من السماء يُطردون من النور والسعادة والشركة بسبب عدم إيمانهم، ويُطرحون إلى ظلمة جهنم وعارها وحزنها وعذابها.

ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان كناية عن الحزن والغضب واليأس.

13 « ثُمَّ قَالَ يَسُوعُ لِقَائِدِ ٱلْمِئَةِ: ٱذْهَبْ، وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ. فَبَرَأَ غُلاَمُهُ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».

وَكَمَا آمَنْتَ لِيَكُنْ لَكَ لم يقصد أن إيمانه استحق ذلك الثواب، بل أن النعمة وُهبت له بالنسبة إلى إيمانه. فإيمان قائد المئة كان سبباً في شفاء عبده وحياته. وفي ذلك تشجيع عظيم لكل من يصلي لأجل غيره، ولا سيما الآباء من أجل أولادهم. والإيمان المقبول ليس مجرد التصديق بل ما يحدث به الثقة بالمسيح والالتجاء إليه بالتواضع.

فَبَرَأَ في الحال. لم يصل المسيح إلى البيت، ولم يرَ المريض. لكنه شفاه بكلمة من على بُعد، فأظهر بذلك شفقته وقوته. واليوم مع أن المسيح غائب بالجسد، لكنه لا يزال يشفي أمراض الجسد والنفس إجابة لصلواتنا.

14، 15 «14 وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ بُطْرُسَ، رَأَى حَمَاتَهُ مَطْرُوحَةً وَمَحْمُومَةً، 15 فَلَمَسَ يَدَهَا فَتَرَكَتْهَا ٱلْحُمَّى، فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ».

مرقس 1: 29 - 31 ولوقا 4: 38، 39 و1كورنثوس 9: 5

هذه هي المعجزة الثالثة التي ذكرها البشير متّى. وهي تدل على أن قوة المسيح على الأمراض المعتادة كالحمى كقوته على الأمراض العظيمة كالبرص والفالج. ولم يفعل هذه المعجزة أمام الجمع كالمعجزتين السابقتين. وزاد مرقس ولوقا على قول متّى أن المسيح فعل تلك المعجزة في يوم السبت، وأنه دخل قبلاً المجمع وعلَّم، وأخرج الروح النجس من مجنون.

بَيْتِ بُطْرُسَ في كفرناحوم، وهي وطن المسيح في الجليل (مرقس 1: 29). ولكن بطرس وُلد في بيت صيدا (يوحنا 1: 45).

حَمَاتَهُ كان بطرس متزوجاً. ومن 1كورنثوس 9: 5 نرى أن زوجته كانت تحيا معه. ولم يمنع زواجه في اختياره رسولاً (عبرانيين 13: 4).

مَحْمُومَةً قال لوقا «أخذتها حمى شديدة».

لَمَسَ يَدَهَا فعل ذلك بخلاف ما فعله في شفاه عبد القائد، فأظهر أن قوته ليست محدودة بالأحوال أو الأساليب. على أن المسيح كان يستخدم الحواس في عمل المعجزات ليدل على أن الشفاء متوقف على قوته ومشيئته.

فَقَامَتْ وَخَدَمَتْهُمْ لم يشفها فقط ويتركها ضعيفة من تأثير المرض، بل ردَّ إليها القوة التي كانت قبله. وأول الطرق وأفضلها لاستعمال الصحة بعد المرض هو أن نوقفها لخدمة المسيح. وعلى كل من يشفيهم المسيح أن يخدموه.

16 «وَلَمَّا صَارَ ٱلْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ ٱلأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ ٱلْمَرْضَى شَفَاهُمْ».

مرقس 1: 32 الخ ولوقا 4: 40، 41 وأعمال 10: 38

انتشر خبر مجيء المسيح إلى كفرناحوم، وما أجراه من معجزات، فجاء كثيرون إليه مساءً. ولعلهم أتوا بالمرضى حينئذٍ لانخفاض الحر، أو لأنهم رأوا أن المجيء بعد الغروب أوفق لأن ذلك كان يوم السبت (مرقس 1: 21، 29). ويظهر مما قيل في هذه الآية أن المسيح عمل معجزات كثيرة لم تُذكر بالتفصيل.

مَجَانِين هم الذين تسلطت عليهم الشياطين، فضربوهم بأمراض جسدية أو عقلية أو بكليهما، فأطاعت الأرواح النجسة أمر المسيح وخرجت، فشُفي المجانين عقلاً وجسداً.

وَجَمِيعَ ٱلْمَرْضَى شَفَاهُم يظهر من مرقس 1: 33 أن المدينة كلها تحركت يومئذٍ، وأنه لم يبقَ في المدينة سقيم. وذلك رمزٌ عما استعد المسيح أن يعمله لنفوس الناس من فيض نعمته.

17 «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا».

إشعياء 53: 4 و1بطرس 2: 24

لِكَيْ يَتِمَّ قصد البشير متّى أن يبرهن لليهود أن يسوع هو المسيح، فقال إن أعمال المسيح في شفاء المرضى كانت تحقيقاً للنبوات القديمة المتعلقة بأفعال المسيح. وهنا ذكر المعجزة السادسة. وقد اقتبس هذا الكلام من نبوة إشعياء 53: 4.

أَسْقَامَنَا ظن بعضهم أن النبي أشار بهذه الكلمة إلى المصائب الأخلاقية. فإن صح ظنهم فلا فرق، لأن الكتاب المقدس يذكر على الدوام المصائب الروحية والمصائب الجسدية مقترنين معاً، باعتبارهما فرعين لأصل واحدٍ. فالكلمة في الأصل العبراني تصدق على الأمرين، مثل كلمة «شر» في اللغة العربية. فالنبوات تذكر المسيح كأنه متألم يشارك الغير في آلامهم. وزاد البشير على ذلك أن المسيح طبيب يشفي أمراض النفس والجسد.

أَخَذَ... وَحَمَلَ هذا اصطلاح في الذبائح الموسوية لأن الذبيحة كانت تؤخذ بدل الخاطئ، ويقال إنها حملت خطيته. وليس معنى «إن المسيح أخذ أسقامنا وحمل أمراضنا» أنها نُقلت إليه حقيقة، فإننا نعلم أنه جاع وعطش وتعب، ولكن لم نعلم من ذلك قط أنه مرِض. فالمقصود بقوله «حمل أمراضنا» الإشارة إلى كل عمل المسيح لأجلنا الذي أكمله على الصليب وفقاً لقول الرسول الإلهي «الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ» (1بطرس 2: 24). والمرض أحد نتائج الخطية، وأعمال المسيح في الشفاء رموز وعرابين لأفعاله الروحية. ولم يرفع شيئاً من تلك النتائج إلا بأن حمل الخطية، فإنه أخذ على نفسه كل حِمل البشر الساقطين من الخطايا والأحزان وأنواع الشرور، فرفع كل ذلك عنهم ووضعه على نفسه، بأن وفى دينهم على الصليب، وحمل أمراضهم أيضاً بأن اشترك في الحزن مع المعذبين. وهو يزيل الأمراض أوقاتاً وينفي علل كل الأحزان والخطايا بفدائه، ويحسب أحزان تابعيه كلها أحزاناً له وفي كل ضيقهم يتضايق (إشعياء 63: 9). وعمله هذا لا يزال جارياً في العالم إلى هذه الساعة بواسطة الكنيسة، فهي تنشئ المستشفيات وترسل المرسلين الأطباء إلى أقاصي الأرض ليعالجوا الأجساد، وهم يعالجون النفوس. وهذه الفوائد الجسدية التي تقوم بها الكنيسة ليست سوى الأثمار الصغرى من شجرة الحياة التي غرسها المسيح.

18 «وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعاً كَثِيرَةً حَوْلَهُ، أَمَرَ بِٱلذَّهَابِ إِلَى ٱلْعَبْرِ».

لم يتقيد متّى بذكر الحوادث حسب زمن حدوثها، فإن المخاطبة هنا لم تكن إلا في مساء اليوم الذي فيه ضرب المسيح الأمثال التي ذكرها هذا البشير في أصحاح 13 من إنجيله. ولعل متّى أراد أن يذكر هنا تسكين المسيح اضطراب البحر لأنه من أعظم ما فعله من المعجزات، فذكر المخاطبة التي سبقت هذه المعجزة. ويؤيد ذلك ما جاء في لوقا 8: 12.

وَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ جُمُوعاً كَثِيرَةً حدث أحياناً إن اجتمع كثيرون إلى المسيح. وفي أحد هذه الاجتماعات حدث ما ذكره هنا.

أَمَرَ بِٱلذَّهَاب أي أمر تلاميذه الملازمين له، وقد ذكر متّى أربعة منهم في ص 4: 18 - 22.

إِلَى ٱلْعَبْر أي من جانب بحيرة طبرية الغربي إلى جانبها الشرقي، وهي مسافة نحو ستة أميال أو ساعتين. وأمر المسيح بالذهاب إلى هناك لئلا يقيمه الناس ملكاً بغير رضاه، لأنهم كانوا ينتظرون ملكاً سياسياً، ولئلا يظن الحكام أنه يسعى في ثورة في البلاد، وليجعل فرصة للناس في أماكن أخرى أن يسمعوا كلامه، وليستريح قليلاً من تعبه.

19 «فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: يَا مُعَلِّمُ، أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي».

لوقا 9: 57، 58

جرى الحوار المذكور هنا وهم ذاهبون إلى الشاطئ، حيث كانت السفينة. وسبب ما جاء فيه وفي أمثاله هو انتظار النفع الدنيوي من المسيح الذي هو رجل الأحزان والأتعاب (إشعياء 53: 4) وعجز الناس عن أن يفهموا تلك النبوءة. ولا شك أن هذا الكاتب اندفع ليسير مع عاطفته أكثر من اللازم، فأراد يسوع أن يعيده إلى التروي والتبصر في ما عزم عليه، وأراده أن يعرف النفقة قبل أي إقدام.

فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ أي واحد من الكتبة، وهم علماء اليهود ومفسرو الشريعة (متّى 2: 4 و5: 20) وكان أكثر الكتبة أعداء للمسيح (1كورنثوس 1: 20). ونستنتج من جواب المسيح لهذا الكاتب أنه توقع أن يحصل على منافع زمنية بتقربه إلى المسيح، لأنه تأثر من مشاهدة المعجزات وكثرة المجتمعين إلى المسيح.

يَا مُعَلِّم تلقيب الكاتب المسيح بهذا يدل على أنه اعتبره معلماً أعظم منه.

أَتْبَعُك أي أكون لك تلميذاً، وأقبل تعليمك. فلم يرد أن يتبعه لمجرد الرفقة في السفر إلى العبر.

أَيْنَمَا تَمْضِي أي إلى كل مكان تذهب إليه في كل حال وضيق وخطر، لكن على شرط لم يذكره وهو أن يشترك في الغلبة والمجد عندما يجلس المسيح على كرسي الملك.

20 «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ».

يتبين قصد ذلك الكاتب من جواب المسيح هنا، فلو كان طلبه نتيجة محبته للمسيح ما أعطاه المسيح هذا الجواب. وجواب المسيح لا يدل على الفقر الشديد كما فهم البعض لأنه كان للمسيح أصحاب كثيرون قادرون على مساعدته ومستعدون لها (انظر لوقا 8: 3 و10: 38) ولعله قصد أن لا مكان معين له، وأن الحياة تفرض عليه السفر من مكان إلى آخر، وهذا خلاف ما توقع الكاتب على ملازمته للمسيح.

فغاية المسيح في ذلك أن يقطع رجاء الكاتب الحصول على الخيرات الدنيوية من اتِّباعه. وربما ظهر للبعض أن ملازمة هذا الكاتب للمسيح ستفيد المسيحية في أول أمرها، فعجبوا من عدم اكتراث المسيح به وعدم ترغيبه إياه في أن يتبعه. لكن المسيح لم يُرد أن يكون له تلاميذ غايتهم دنيوية، ولا من يخدعون أنفسهم بتوقعهم الفوائد العالمية، ولا من لم يتوقعوا الضيق والاضطهاد من اتِّباعه.

الثَّعَالِبِ... وَالِطُيُورِ خص الثعالب والطيور بالذكر لأنه حسبها نائبة عن الحيوانات الدنيئة، فبيَّن أنه لا يملك قصوراً وحقولاً يوزعها على أتباعه، بينما تلك الحيوانات الدنيئة لها أكثر مما له، لأن لها مساكن معلومة خاصة.

أَوْجِرَةٌ جمع وجار، وهو مسكن الحيوان الوحشي من مغارة وما شابهها.

أَوْكَارٌ جمع وكر وهو بيت الطائر، وهو مكانه للراحة والأمن.

ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ لا يدل هذا الاسم على أن المسيح مجرد إنسان كسائر البشر، لأن ما قيل فيه هنا لا يصدق على كل واحد من الناس، فهو اسم مختص به بناءً على ما قيل عنه في دانيال 7: 13. فإنه في الأصل «ابن الله» بالحق وهو «ابن الإنسان» لأنه أخذ لنفسه الطبيعة البشرية. وهذان الاسمان يدلان على طبيعتيه البشرية والإلهية. فإذاً ابن الإنسان هو ابن الله المتجسد، وهو آدم الثاني في أحوال اتضاعه وآلامه. ولم يرد هذا الاسم في الإنجيل لغير المسيح، ولا أحد يسميه به في البشائر سواه. وقد أطلق هذا الاسم على نفسه 61 مرة. ولعل المراد من تسميته بذلك في أعمال 7: 56 ورؤيا 1: 13 و14: 14 أنه الذي اعتاد أن يسمي نفسه «ابن الإنسان». ولعل عدم استعمال تلاميذه هذا الاسم له وهو على الأرض كان دفعاً لما يلزم منه من الإهانة والاستخفاف، لأنه لقب احتقار لا لقب شرف. ولكنه استعمله إشارة إلى ناسوته التام الذي اتخذه من البشر، وإلى اشتراكه معهم في كل شيء ما عدا الخطية.

لَيْسَ لَهُ الخ أي ليس له مسكن معين يملكه أو يتصرف به كما يشاء. ولا يعني هذا أن المسيح بات ليلاً في العراء لعدم وجود مأوى له سوى تلك الليالي التي انقضت عليه وهو يصلي باختياره منفرداً، فإنه لما أبى السامريون أن يقبلوه في قريتهم ذهب إلى قرية أخرى (لوقا 9: 56). فإذا كان قصد الكاتب أنه مستعد أن يتبع المسيح في المصائب الوقتية بغية المناصب الشريفة حين يثبت ملكوته، كان قصد المسيح بجوابه أن ملكوته ليس من هذا العالم، وأنه ليس سوى سائح على الأرض لا مسكن معين له. فالمسيح لم يطرد الكاتب ويمنعه من اتِّباعه بل أراده جلياً نصيب تابعيه الحقيقيين إصلاحاً لأخطائه في طلب الخير الدنيوي من ملازمته له. والمرجح أنه رجع عن قصد لما سمع هذا الجواب.

وهذا يعلِّمنا أن نحتمل الضيقات بإنكار الذات، كما احتملها رئيسنا لأجلنا، فإنه وُلد في مذود ليس له، وكان غريباً في العالم الذي هو خلقه، ودُفن بعد موته في قبر مستعار ليرينا عدم قيمة الغنى الأرضي ويشتري لنا الغنى الحقيقي (2كورنثوس 8: 9). فيخطئ من يتوقع من المسيح غير خلاص نفسه.

21 «وَقَالَ لَهُ آخَرُ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: يَا سَيِّدُ، ٱئْذَنْ لِي أَنْ أَمْضِيَ أَوَّلاً وَأَدْفِنَ أَبِي».

مِنْ تَلاَمِيذِهِ أي من الذين تبعوه ليتعلموا منه، واعترفوا بأنه معلم ذو سلطان لا من رسله.

أَدْفِنَ أَبِي يتبين من ذلك أن أباه قد مات ولم يُدفن بعد، وأراد بدفنه القيام بكل ما يتعلق بالجنازة حسب عوائد تلك الأيام. ووعد المسيح أنه يتبعه على شرط أنه يسمح المسيح له بأن يوم بواجباته لوالده المتوفى. فيظهر لنا أن طلبه في محله لأنه من واجبات الدين أن يكرَم الوالدان أحياءً وأمواتاً. لكن المرجح أن المسيح رأى خطراً على نفس ذلك التلميذ من الرجوع إلى بيته، وأراد أن يعلمه أن القيام بالواجبات للمسيح أفضل وأهم من القيام بالواجبات للوالدين.

ظن بعضهم أن أباه لم يكن قد مات وأنه شيخ طاعن في السن، فطلب ذلك التلميذ أن يبقى عنده إلى يوم موته ودفنه. ولكن لا دليل على صحة هذا الظن أو ترجيحه.

22 «فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: ٱتْبَعْنِي، وَدَعِ ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ».

لوقا 9: 59، 60

ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُم أي اترك موتى النفس يدفنون موتى الأجساد. وأراد بموتى النفوس أصحاب الميت وأصدقاءه غير المؤمنين. فإن للموت في الكتاب المقدس معنيان: حقيقي ومجازي (يوحنا 11: 25، 26) فكأنه قال له إن هنالك من يهتم بدفن أبيك، فقد دعوتك لتتبعني فلا تلتفت إلى دعوة أخرى. فأراد المسيح بذلك أنه حين يدعو إنساناً، يجب على هذا الإنسان أن لا يتعطل عن الطاعة، لأنها أعظم من كل واجباته نحو الناس كقيام الولد بدفن والده.

رأى بعضهم أن المسيح أراد بذلك أن يمتحن ذلك التلميذ ليرى إن كان مستعداً أن يترك كل شيء من أجله، كما طلب في متّى 10: 27 «اَلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي النُّورِ، وَالَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي الأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى السُّطُوحِ» ولوقا 14: 26 «نْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلاَ يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَامْرَأَتَهُ وَأَوْلاَدَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضًا، فَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذًا». وظن البعض أن أقرباءه يمنعونه إن ذهب إليهم عن الرجوع إلى المسيح، أو إن انفعالاته تمنعه عن ذلك الرجوع. ولا ريب في أن هنالك سبباً كافياً لمنع المسيح له من أنه كان في قلبه شيءٌ من عدم عقد النية على البقاء مع المسيح.

ومن فهم من قوله «دَعِ ٱلْمَوْتٰى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ» أن الفريقين موتى بالحقيقة أتى في ذلك معنى مفيداً أيضاً، فإن دفن الموتى ذواتهم مستحيل، فيلزم منه أن ترك الموتى بلا دفن أفضل من أن يترك الإنسان طاعته للمسيح ويهلك نفسه. ولكن ذلك بعيدٌ عن ظاهر الكلام.

23 «وَلَمَّا دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ».

هنا معجزة أخرى من معجزات المسيح أظهرت سلطانه على العناصر والقوى الطبيعية.

ٱلسَّفِينَةَ هي قارب للصيد لعله لبطرس وأندراوس، أو لابني زبدي، أو قارب مستأجر للسفر.

تَلاَمِيذُه هم الذين اعتادوا رفقته كبطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا.

24 «وَإِذَا ٱضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي ٱلْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ ٱلأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَةَ، وَكَانَ هُوَ نَائِماً».

مرقس 4: 37 الخ ولوقا 8: 23 الخ

وَإِذَا حرف فجاءة، يدل على حدوث ما لم يكن متوقعاً.

ٱضْطِرَابٌ عَظِيمٌ سطح بحيرة طبرية منخفض عن سطح البحر المتوسط بنحو 600 قدم، وتحيط بها أكمة عالية، فكانت عرضة للعواصف الفجائية والاضطرابات الشديدة التي يُخشى منها على السفن الصغيرة كقوارب الصيادين. فلا بد من أن ذلك الاضطراب كان غير عادي لأنه أخاف التلاميذ، مع أنهم اعتادوا البحر منذ الصغر لأنهم صيادون.

غَطَّتِ ٱلأَمْوَاجُ ٱلسَّفِينَة كانت كل موجة من تلك الأمواج عالية حتى ارتفعت فوق السفينة ومالت عليها حتى كادت تمتلئ من الماء وتغرق.

وَكَانَ هُوَ نَائِماً المرجح أن المسيح كان قد تعب كثيراً من التعليم وشفاء المرضى حتى لم يستيقظ من صوت الرياح وضجيج الأمواج وحركات السفينة، فدلَّ نومه على أنه إنسان كما دلت معجزاته عند استيقاظه على أنه إله. وكان بذلك خلاف يونان النبي الذي نام وضميره ميت. أما المسيح فنام وضميره مستريح. وكان حضور يونان سبب اضطراب البحر والخطر لمن معه. أما حضور المسيح فحقق الأمن لرفاقه.

25 «فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: يَا سَيِّدُ، نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!».

أَيْقَظُوهُ الأرجح أنهم انتظروا يقظته ما أمكنهم قبل أن يوقظوه، ثم نادوه بصراخ الخوف والسرعة.

نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِك أي أنقذنا من هذا الخطر، لأننا أخذنا نغرق، ولذلك أيقظناك؟

26 «فَقَالَ لَـهُمْ: مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَانِ؟ ثُمَّ قَامَ وَٱنْتَهَرَ ٱلرِّيَاحَ وَٱلْبَحْرَ، فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ».

مزمور 65: 7 و89: 9 و107: 29

مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ؟ أراد بهذا السؤال توبيخهم وعدم رضاه عنهم، ليس لانتفاء الخطر أو عدم ما يحملهم على الخوف، بل لأن حضوره كان يوجب عليهم أن لا يخافوا بل أن يثقوا بقوته وإرادته أن ينقذهم. ولعلَّ نوم المسيح في مثل ذلك الوقت كان سبب ضعف ثقتهم. لكنهم أخطأوا بأنهم ربطوا بين سلطانه ويقظته، لأنه كان يجب عليهم أن يتيقنوا أن حضوره يؤكد خلاصهم نائماً كان أم مستيقظاً.

وكثيرون اليوم من تلاميذ المسيح لهم من الإيمان والمحبة ما هو كافٍ لأن يحملهم على ترك كل شيء من أجله ومع ذلك يخافون في الضيقات خوفاً شديداً.

يَا قَلِيلِي ٱلإِيمَان كان للتلاميذ إيمان قليل. ولو لم يكن لهم شيءٌ من الإيمان ما لجأوا إليه في وقت الخطر، لكن كان عليهم أن يكون إيمانهم كثيراً بعد أن شاهدوا معجزاته. والقليل من الإيمان أفضل من عدمه، لأن المسيح بعد ما وبخهم على قلة إيمانهم أثابهم على ذلك الإيمان القليل بإجابة صلاتهم وتهدئة البحر.

إن هذه الحادثة تذكر المسيحي كيف حفظ الله الفلك على مياه الطوفان التي أغرقت العالم القديم، وتعلمه وجوب الثقة بالمسيح الحاضر معنا، الغير منظور في زمن الخطر الشخصي، وعندما تهب عواصف الاضطهاد على الكنيسة.

ٱنْتَهَرَ ٱلرِّيَاح خاطب الريح كأنها فعلت فعلاً تدركه. وهذا ما جعل البعض يظنون أنه كان للأبالسة يد في ذلك الاضطراب، لأن الإنجيل استعمل نفس هذا اللفظ «انتهر» لتوبيخ المسيح للروح النجس (مرقس 9: 25). ومما قوَّى ظنهم هو أن الخطية هي سبب كل مصيبة في العالم، وسبب الخطية الشيطان. وأما نحن فنقول إن المسيح أنزل العناصر منزلة العصاة فانتهرها كما انتهر الحمى (لوقا 4: 39) فنفذ أمره بسهولة غريبة. فموسى تسلط على المياه بعصا الله، ويشوع بتابوت العهد، وأليشع برضى إيليا. وأما يسوع فبكلمة منه.

فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ خضعت العناصر في أعظم اضطرابها لأمر المسيح ذي السلطان عليها. وإن كان قد سمح للأبالسة أن يتسلطوا وقتاً على تلك العناصر، فقد عجزوا عند كلمة المسيح. فإنه بكلمة واحدة من شفتيه سكنت الريح وسكتت الأمواج. وهذه المعجزة رمزٌ إلى فعل المسيح الروحي الذي يفعله في كل زمان، وهو منحه الراحة للنفس في اضطرابات هذه الحياة وإخضاعه كل قوة مانعة من تقدم ملكوته.

كثيراً ما تكون طريق الواجبات طريق خطر، فيجب على الذين يتبعون المسيح أن لا يتوقعوا منه أنه سيعفيهم من المصائب. ولكن إذا كان الرب معهم وهم متكلون عليه فليس الخطر مخيفاً ولا الموت هائلاً.

27 «فَتَعَجَّبَ ٱلنَّاسُ قَائِلِينَ: أَيُّ إِنْسَانٍ هٰذَا! فَإِنَّ ٱلرِّيَاحَ وَٱلْبَحْرَ جَمِيعاً تُطِيعهُ».

تَعَجَّبَ ٱلنَّاسُ ظنَّ بعضهم أن الذين تعجبوا الملاحون لا الرسل، ولكن الأرجح أن العجب شمل الفريقين، لأنه المسيح بينهم كان ذا صفات أعظم مما تصوروا، فاقترابهم من شخص له مثل هذا السلطان جعلهم يتعجبون ويخافون أيضاً (مرقس 5: 41).

أَيُّ إِنْسَانٍ هٰذَا!؟ استفهام يراد به عظيم التعجب مما شاهدوه من سلطان المسيح على الرياح والبحر، علاوة على ما عهدوه من قوته على الأمراض والأرواح النجسة لأنها أطاعته طاعة العبيد لأربابهم (مزمور 89: 8، 9). وقد أذن الله في وقوع ذلك الاضطراب لزيادة مجد المسيح في تسكينه، ويعظم شأنه في عيون تلاميذه وليقوي ثقتهم بنجاتهم من كل خطرٍ بواسطة القرب منه، ولكي يرى تلاميذه ضعف إيمانهم.

28 «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْعَبْرِ إِلَى كُورَةِ ٱلْجِرْجَسِيِّينَ ٱسْتَقْبَلَهُ مَجْنُونَانِ خَارِجَانِ مِنَ ٱلْقُبُورِ هَائِجَانِ جِدّاً، حَتَّى لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَجْتَازَ مِنْ تِلْكَ ٱلطَّرِيق».

مرقس 5: 1 - 20 ولوقا 8: 26 - 39

ٱلْعَبْرِ أي الجانب الشرقي من بحيرة طبرية.

كُورَةِ ٱلْجِرْجَسِيِّين لعلها سُميت كذلك من مدينة اسمها جرسة أو كرسة على شاطئ بحيرة طبرية، وهذه المنطقة قسم من بلاد الجدريين نسبة إلى عاصمتها «جدرة» إحدى المدن العشر المشهورة، فسمى مرقس ولوقا هذه المنطقة باسم البلاد التي هي قسم منها (مرقس 5: 1 ولوقا 8: 6). ولعله ذكرها باسمها القديم قبل أن يهدمها بنو إسرائيل (تكوين 15: 21 ويشوع 3: 10 و24: 11 وتثنية 7: 1).

ٱسْتَقْبَلَهُ كان ذلك حين نزلوا من السفينة إلى البر، ولعل المجنونين كانا يراقبانهم وهم مقبلون على السفينة.

مَجْنُونَان لم يذكر مرقس ولوقا سوى واحد منهما، ولعل أحدهما كان أشد جنوناً من الآخر، أو لأن أمره كان أهم من أمر الآخر لعلة لا نعلمها. ونرى من تتبع البشائر أن متّى يهتم بذكر العدد أكثر من سائر البشيرين (متّى 9: 27 و21: 2) وأن مرقس اعتنى بذكر إمارات وجه المسيح وإشاراته أكثر من سواه، ولوقا بذل الجهد في ذكر صلوات المسيح، ويوحنا اهتمَّ أكثر بأحاديث المسيح وخطاباته. ولا تناقض بين متّى ومرقس في أن ذكر أحدهما المجنونين واقتصر الثاني على ذكر واحد منهما، بل أن ذلك يدل على استقلال كلٍ منهما في ما كتبه. وقد ذكرنا ما يتعلق بالجنون في شرحنا لمتّى 4: 24.

خَارِجَانِ مِنَ ٱلْقُبُورِ تأوي الوحوش أو اللصوص إلى القبور القديمة (كما ذكر يوسيفوس المؤرخ) كما يأوي إليها المجانين المطرودون من بيوت الناس أو التاركون لها اختياراً. واعتبر اليهود تلك القبور نجسة، وتجنبها الأمم اعتقاداً أنها مساكن أرواح الموتى. أما المجانين فسكنوها لأنهم وجدوها موافقة لأحوال عقولهم التعسة.

هَائِجَانِ جِدّا زاد مرقس ولوقا على ذلك بيان الوسائل التي اتخذها الناس لمنع المجنونين من إيذاء نفسيهما والإضرار بالغير، من ربطهما بقيود وسلاسل، ولكنها ذهبت عبثاً (مرقس 5: 3 - 5 ولوقا 8: 29). واقتصر متّى على ذكر خوف أهل البلاد منهم. فما أعظم الشقاء والأذى الذي يسببه تسلط الشياطين على الناس.

29 «وَإِذَا هُمَا قَدْ صَرَخَا قَائِلَيْنِ: مَا لَنَا وَلَكَ يَا يَسُوعُ ٱبْنَ ٱللّٰهِ؟ أَجِئْتَ إِلَى هُنَا قَبْلَ ٱلْوَقْتِ لِتُعَذِّبَنَا؟».

قد صرخا: العجب من أن المجنونين اكتفيا بالصراخ فلو كان الحاضرون غير المسيح وتلاميذه لهجما عليهم لا محالة، فإنهما قد منعا الناس أن يمروا من هناك. والذي منعهما من الهجوم معرفة الشياطين المسيح وخوفهم منه.

مَا لَنَا وَلَكَ؟ تكلمت الأبالسة بفمي المجنونين، واستعملت ضمير الجمع بقولها «ما لنا». إما لأنها جنس، وإما لأنها كثيرة في ذلك المجنونين. واستفهام أولئك الأرواح استنكاري، أرادوا به أنه لا حقَّ للمسيح في معارضته لهم، فهم لا يتوقعون النفع من المسيح ولا الرحمة، إنما يخافون من العقاب. وكلامهم يدل على إرادة المقاومة للمسيح، مع شعورهم بالعجز عنها.

قبل الوقت لتعذبنا: الأرجح أن «الوقت» هو يوم الدين (يهوذا 5 و2بطرس 2: 4 و1كورنثوس 6: 3 ورؤيا 20: 10). فخافوا من أن يمنعهم المسيح من الجولان في الأرض ويرسلهم إلى جهنم. ويظهر من ذلك أن الشياطين يرون منعهم عن تعذيب غيرهم عذاباً لهم علاوة على عذابهم في جهنم.

ٱبْنَ ٱللّٰهِ هذا ليل واضح على أن جنون الرجلين لم يكن مرضاً عادياً بل كان مساً من الشياطين وإلا ما عرفا أن يسوع ابن الله، أما الشياطين فيعلمون ذلك. ويظهر من هنا أن الملائكة الأطهار لا يمتازون عن الأبالسة بالمعرفة بل بالمحبة.

30 «وَكَانَ بَعِيداً مِنْهُمْ قَطِيعُ خَنَازِيرَ كَثِيرَةٍ تَرْعَى».

حرمت شريعة موسى أكل لحم الخنزير (لاويين 11: 7 وتثنية 14: 8). إنما الذين كانوا يأكلون ذلك اللحم يومئذٍ هم العسكر الروماني وغيرهم من الأمم. وكان أكثر سكان تلك المنطقة أمماً، فربوا الخنازير طعاماً لهم وربحاً من بيعه للرومان. ولم تكن تلك الخنازير بعيدة عن المشاهدين بعداً يجاوز حد النظر وكان عدد تلك الخنازير نحو ألفين (مرقس 5: 13).

31 «فَٱلشَّيَاطِينُ طَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ: إِنْ كُنْتَ تُخْرِجُنَا، فَأْذَنْ لَنَا أَنْ نَذْهَبَ إِلَى قَطِيعِ ٱلْخَنَازِيرِ».

طلب الأبالسة إلى المسيح أمرين: (1) أن يتركهم، و(2) أن يأذن لهم بالذهاب إلى الخنازير إن أجبرهم على الخروج من الرجلين. ولا نعلم كيف يمكن لتلك الأرواح أن تسكن تلك البهائم، ولا نعلم القصد من طلبهم ذلك. ولعل السبب أن يبقوا في تلك المنطقة، أو أن تبقى لهم فرصة للأذى بعد ذلك، أو أن يهيجوا السكان على يسوع. ولنا في ذلك تعزية حسنة، وهي أن قوة الشيطان محدودة، فلا يمكنه أن يفعل شيئاً إلا بإذن الله.

32 «فَقَالَ لَـهُمُ: ٱمْضُوا. فَخَرَجُوا وَمَضَوْا إِلَى قَطِيعِ ٱلْخَنَازِيرِ، وَإِذَا قَطِيعُ ٱلْخَنَازِيرِ كُلُّهُ قَدِ ٱنْدَفَعَ مِنْ عَلَى ٱلْجُرْفِ إِلَى ٱلْبَحْرِ، وَمَاتَ فِي ٱلْمِيَاهِ».

ٱمْضُوا أذن المسيح للشياطين ليحول شرهم خيراً كما يفعل بأعمال الناس الأشرار «لأَنَّ غَضَبَ الإِنْسَانِ يَحْمَدُكَ. بَقِيَّةُ الْغَضَبِ تَتَمَنْطَقُ بِهَا» (مزمور 76: 10). ولعله أذن لهم في ذلك ليوضح رداءة أولئك الأرواح، وليظهر عظمة نجاة المجنونين منهم.

في هذه القصة أورد البشير متّى كثيراً من الدعابة، فقد كان يكتب لقوم يعرفون عادات الأمم ويقارنونها بعادات اليهود وتقاليدهم من جهة نجاسة الخنازير، فصوَّر هذه النتيجة المحزنة لتجار الخنازير وخسارتهم الفادحة، يقابلها الربح الحقيقي بإرجاع ذي الروح النجس للصحة الكاملة.

وَإِذَا قَطِيعُ ٱلْخَنَازِيرِ الخ نتيجة دخول الأبالسة في الخنازير اختارت الخنازير الهلاك (وهو مما تجتنبه بالغريزة) عند دخول تلك الأرواح فيها، فركضت واندفعت من الجبل حيث كانت ترعى إلى البحر فغرقت كلها. وهذا يبرهن أن جنون الرجلين كان من تلك الأرواح لا من مرض عادي. ويبرهن الفرق العظيم بين أعمال المسيح وأعمال الشيطان، فإن أعمال المسيح للخلاص وأعمال الشيطان للهلاك.

لام البعض المسيح لأنه جلب على أصحاب الخنازير خسارة مادية. وردَّ بعضهم على ذلك بأن أصحاب تلك الخنازير كانوا يهوداً لا يجوز لهم أن يتجروا بالخنازير، فعاقبهم المسيح بعدل وأهلك خنازيرهم. لكن لا دليل على ذلك. وردَّ البعض بأن هلاك الخنازير كان نتيجة عمل الشياطين لا عمل المسيح. ولو كان المسيح سبباً لذلك لأقام أصحابها الدعوى عليه. وحتى إن سلمنا أن المسيح كان العلة في ذلك فإن للمسيح الإله كل الحق أن يميت الخنازير بأي طريق أراد، كالوباء أو الصواعق أو الغرق. وتجسد المسيح لا ينقص حقه في أن يتصرف كيف شاء بخليقته. والنظر في شفاء المجنونين من سلطة الشيطان أفضل من البحث عن موت الخنازير. ففي كل يوم تُذبح ألوف من البهائم لمنفعة أجساد البشر، فلا اعتبار لتلك الخسارة القليلة بالنسبة إلى نفع النفوس الخالدة. ومن حسب الله مسؤولاً عن كل شر في العالم وقع في خطية التجديف!

33 «أَمَّا ٱلرُّعَاةُ فَهَرَبُوا وَمَضَوْا إِلَى ٱلْمَدِينَةِ، وَأَخْبَرُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَعَنْ أَمْرِ ٱلْمَجْنُونَيْنِ».

هرب الرعاة خوفاً مما حدث، وليخبروا أهل المدينة وأصحاب الخنازير، وليبرروا أنفسهم من تلك الخسارة. فرووا الخبر كله مبتدئين بموت الخنازير، ومنتهين بشفاء المجنونين. ولا نعلم كيف عرفوا علاقة الأول بالثاني. الأغلب أنهم مرّوا بالمسيح وتلاميذه فعرفوا سبب الأمر كله.

34 «فَإِذَا كُلُّ ٱلْمَدِينَةِ قَدْ خَرَجَتْ لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ. وَلَمَّا أَبْصَرُوهُ طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ».

أيوب 21: 14 و22: 17 وأعمال 16: 39

كُلُّ ٱلْمَدِينَةِ أي أكثر سكانها حسب اصطلاح اللغة.

لِمُلاَقَاةِ يَسُوعَ ليمنعوه من التقدم إلى مدينتهم خوفاً من خسارة أخرى بقوته الغريبة. ولا عجب أن خافوا من مجيء المسيح لأنهم كانوا من الأمم، ولم يعرفوا من أمر المسيح سوى تلك المعجزة، النافعة للمجنونين لكنها أضرَّت بهم. فطلبوا إليه أن يتحول عن تخومهم. وفي هذه الطلبة خسارة لهم، لأن قدومه ينفع أجسادهم وأرواحهم. أما هو فاستجاب لهم في الحال، فكان ذلك من أعظم مصائبهم، لأنه لا مصاب للإنسان أشر من أن الله يستجيبه إذا طلب أن يتركه وشأنه. قال الله «وَيْلٌ لَهُمْ أَيْضًا مَتَى انْصَرَفْتُ عَنْهُمْ!» (هوشع 9: 12). وجهل أولئك الجدريين لا يزال جهل ألوف من الناس، فإن المسيح يقرع أبواب قلوبهم بروحه القدوس، وهو مستعدٌ أن يمنحهم أفضل البركات. أما هم فلعدم فتحهم له يكونون كمن يلتمس منه الانصراف. ومحبة العالم تمنع من قبول المسيح، لأن المجنونين المسكونين بالشياطين كانا مستعدين لقبول المسيح أكثر من الجدريين الدنيويين.

طَلَبُوا أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْ تُخُومِهِمْ يسوع غير مرغوب فيه لأنه يعطي ربحاً روحياً وأحياناً خسارة مادية. وما أكثر الماديين الذين يعيشون للخبز فقط ولو عفروا الجباه في سبيل تحصيله، فبئس ما فعلوا، وبئس ربحهم من خسارة حقيقية!

الأصحاح التاسع

1 «فَدَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَٱجْتَازَ وَجَاءَ إِلَى مَدِينَتِهِ».

متّى 4: 13

هذا العدد خاتمةٌ لأصحاح 8 لأن فيه ذكر طلب الجدريين أن ينصرف المسيح عن تخومهم. فلم يكن له إلا أن يدخل السفينة ويرجع. والأرجح أن تلك السفينة هي التي عبر فيها بحر الجليل.

إِلَى مَدِينَتِهِ هي كفرناحوم، لا بيت لحم حيث وُلد، ولا الناصرة حيث تربى. وقد اختار كفرناحوم مركزاً لتبشيره (متّى 4: 13).

2 «وَإِذَا مَفْلُوجٌ يُقَدِّمُونَهُ إِلَيْهِ مَطْرُوحاً عَلَى فِرَاشٍ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: ثِقْ يَا بُنَيَّ. مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».

مرقس 2: 3 ولوقا 5: 18 ومتّى 8: 10

ذكر متّى هنا معجزة أخرى لإثبات أن يسوع هو المسيح. ولم يكن من قصد متّى أن يذكر الحوادث بترتيب تاريخ حدوثها، بل قصد أن يجمع البراهين على قوة المسيح العجيبة الإلهية.

مَفْلُوجٌ أي مُصاب بداء الفالج (الشلل). انظر شرحنا على متّى 8: 6.

يُقَدِّمُونَهُ زاد مرقس على ذلك أن الذين قدموه أربعة، وأنهم لما لم يتمكنوا من الوصول إلى المسيح بسبب ازدحام الناس عليه، صعدوا به على السطح ودلوه إلى أمام المسيح (مرقس 2: 3، 4).

مَطْرُوح دليلاً على شدة ضعفه وعجزه.

رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُم أي إيمان المفلوج وإيمان أصدقائه الذين حملوه، وهو ثقتهم أن المسيح يقدر أن يشفيه وهو راضٍ بذلك. ولم يرَ إيمانهم بعلمه الإلهي فقط، لأنه رأى علامات خارجية على إيمانهم، في ما فعلوه، وما كان على إمارات وجوههم، وما قالته كلماتهم، وعدم اكتراثهم بصعوبة الوصول إلى المسيح (مرقس 2: 4 ولوقا 5: 19).

ثِقْ يَا بُنَيّ ما أطيب كلمة «يا بنيَّ» هنا، وما أكثرها تشجيعاً لإنسان مسكين فقد عزيمته حتى على الوقوف أو السير. إنه يقول له: تشجع وقم من الأموات فيضيء لك المسيح. «يا بُنيَّ» دليل حبه له، وشفقته عليه، وعلى العلاقة الجديدة بينهما بناءً على إيمانه.

لم يكتف المسيح بمدح إيمان ذلك المفلوج، الذي بالرغم من مرضه الجسدي كان صحيح النفس، فزاده قوة بهذا الكلام. فكأنه قال له: تشجع وافرح بالرجاء. ولعل مرضه وشدة عجزه جعلاه ضعيف الأمل. ويُحتمل أن نفسه قلقت من ذلك المرض لأنها حسبته ضربة من الله على خطاياه، فجاء المسيح ليشفيه نفساً وجسداً، ويعيد إلى نفسه أحسن الرجاء.

مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاك أي في الحال لا في المستقبل، فهو إنجاز لا وعد.

لا نظن أن علة مرضه كانت خطيئته كما كان اليهود يعتقدون. وهذا ما اجتهد المسيح في إزالته (يوحنا 9: 3 ولوقا 13: 2 - 5). ولا نقول إن الخطية لا تسبب مرضاً، لكننا ننفي أن كل مرض نتيجة خطية معينة. وأحب المسيح أن يقرن شفاء الجسد بشفاء النفس ليجعل الأول رمزاً للثاني وعربوناً له، وليبين أنه طبيب النفس كما أنه طبيب الجسد. وفي نبأ المفلوج غرابة وهي أن غفران الخطايا سبق شفاء الجسد خلافاً لعادة المسيح في الشفاء. وقد أبان هنا أن المغفرة هي البركة العظمى، وأنها تشتمل على سائر البركات. وقصد المسيح بذلك أن يحول أفكار الناس من الشفاء الأدنى إلى الشفاء الأسمى، وعندما سُئل أن يشفي جسد المفلوج أعطاه الشفائين. وإن كان للمسيح في حال اتضاعه على الأرض ذلك السلطان على الغفران، فبالأولى أن يكون له وهو مالك في المجد (أعمال 5: 31).

3 «وَإِذَا قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ قَدْ قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ: هٰذَا يُجَدِّفُ».

وَإِذَا قَوْمٌ أي جماعة بينها جواسيس وأعداءٌ للمسيح. لأجلهم قال ما قاله في العدد الثاني في شأن مغفرة الخطايا.

ٱلْكَتَبَة انظر شرحنا في متّى 2: 4 و5: 20. حسد الكتبة المسيح لكثرة الجموع التابعة له، وأبغضوه لأنه فند تعاليمهم (متّى 7: 29) ولم يكونوا من كفرناحوم وحدها بل كانوا من كل منطقة الجليل واليهودية ومن أورشليم عينها (لوقا 5: 17). وإتيانهم بكثرة من أماكن بعيدة ليراقبوه دليل على ما كانت عليه أفكار علماء اليهود من الهيجان لما فعله المسيح وعلمه.

قَالُوا فِي أَنْفُسِهِمْ عرف المسيح ذلك وأن لم ينطقوا به. وهم لم يظنوا أنه عرف، ولكنه عرف إيمان المفلوج وحامليه، كما عرف عدم إيمان الكتبة. وفي هذا برهان على أنه هو الله الذي يعلم أسرار القلوب، فهذا من صفات الله الخاصة (أيوب 28: 9 ورؤيا 8: 27 ورؤيا 2: 23).

يُجَدِّف التجديف ما يشين حق الله والدين. ونسب الكتبة التجديف إلى المسيح لأنه ادَّعى السلطان على مغفرة الخطايا، الأمر الخاص بالله وحده. فأصابوا بقولهم إنه من التجديف أن الإنسان يدعي السلطان على الغفران، لأنه لا يقدر أحد أن يترك ديناً ليس له. وكل خطية ضد الله. فحق المغفرة له وحده. لكنهم أخطأوا في إنكارهم لاهوت المسيح، إذ حسبوه إنساناً مجرداً فحكموا عليه بالتجديف. ويتبين لنا من هذا أن أفضل الناس معرَّض لأن يُتَّهم بارتكاب أفظع الخطايا.

4 «فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، فَقَالَ: لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِٱلشَّرِّ فِي قُلُوبِكُم؟».

مزمور 44: 21 و139: 2 ومتّى 12: 25 ومرقس 12: 15 ولوقا 5: 22 و6: 8 و9: 47 و11: 17

فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ أي أدرك ما في قلوبهم دون أن يبينوه بأفواههم.

تُفَكِّرُونَ بِٱلشَّرِّ كانت أفكارهم شريرة لأنهم لم يؤمنوا بأن يسوع هو المسيح، ولأنهم نسبوا إليه الشر والتجديف.

فِي قُلُوبِكُم قال ذلك لأن حالة قلوبهم كانت علة عدم إيمانهم. واستفهامه هنا للتوبيخ الشديد، كأنه قال لهم: أخطأتم بأنكم ظننتموني مدَّعياً سلطاناً ليس لي، وأني قلتُ ذلك ظناً أن لا أحد يقدر أن يبرهن بُطل دعواي. فكان عليهم أن يعلموا من معجزاته أنه ليس مجرد إنسانٍ.

يتوهم بعض الناس أن الخطية هي ما يُرتكب قولاً أو فعلاً. ولكن ظهر هنا أن الخطية تُرتكب بالفكر أيضاً. فمن الجهل القول بأن لا عقاب على الخطايا الفكرية (عبرانيين 4: 13). ويظهر من سؤال المسيح المتقدم أن الشكَّ في سلطانه على غفران الخطايا خطية!

5 « أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ: مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ، أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَٱمْشِ؟».

انتقل المسيح من البرهان العقلي لإثبات سلطانه على مغفرة الخطايا إلى البرهان الحسي، بأن شفى المفلوج بأمره، لأنه علم أن الأدلة العقلية لا تؤثر فيهم. فجاء بذلك الشفاء الحسي دليلاً على صحة الشفاء العقلي.

أَيُّمَا أَيْسَرُ، أَنْ يُقَالَ الخ لم يقل المسيح: هل غفران الخطية أيسر أم شفاء المفلوج؟ بل سأل: أي الدعويين أسهل على الإنسان المخادع؟ ولا شكَّ أن دعوى المغفرة أيسر له، لعدم القدرة على كشف خداعه في ذلك. فاختار المسيح أصعب الدعويين على المخادع لسهولة بيان الحق فيه، وبرهن صدقه بأمره للمفلوج: قم وامشِ، فقام ومشى.

6 «وَلٰكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لابْنِ ٱلإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ ٱلْخَطَايَا حِينَئِذٍ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: قُمِ ٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ».

خاطب المسيح الكتبة قبل أن يخاطب المفلوج. وادَّعى بسلطانين يستحيل كلٌّ منهما على الإنسان، وربط أحدهما بالآخر، حتى إذا ثبت أحدهما ثبت الآخر. وإن بطل أحدهما بطل الآخر. فكأنه قال: كما قلت قبلاً بأنه مغفورة له خطاياه، أقول الآن بأنه شُفي من دائه. وإن بقي مفلوجاً فالدعويان باطلتان. وإن شفي بأمري ثبتت الدعويان!

سُلْطَاناً عَلَى ٱلأَرْضِ أي أن للمسيح على الأرض السلطان الذي اعتقد الكتبة أنه لله وحده في السماء. وسمَّى نفسه بابن الإنسان إعلاناً أنه هو المسيح، لأن ذلك من الأسماء الخاصة به.

قُمِ الخ بعد أن خاطب الكتبة وجَّه المسيح كلامه إلى المريض المطروح أمامه. فجعل تلك المعجزة دليلاً ظاهراً على حقيقة باطنة.

ٱحْمِلْ فِرَاشَكَ وَٱذْهَبْ أمره بذلك ليدل على كمال الشفاء، لأنه بعد شدة ضعفه وعجزه لا يقدر على ذلك إلا إن عادت إليه القوة والعافية الكاملتان.

7 «فَقَامَ وَمَضَى إِلَى بَيْتِهِ».

لا شكَّ أن أصدقاء المسيح وأعداءه كانوا ينتظرون النتيجة بكل اهتمام، لأنه لو عجز المسيح عن شفاء المفلوج لبطلت كل دعاواه، وكان أمره في ذلك كأمر النبي إيليا وكهنة البعل في جبل الكرمل. فلا ريب في أنه عندما قام ذلك المفلوج افترق بعض الجموع التي منع ازدحامها وصول المفلوج إلى المسيح عن بعض ليعطوا طريقاً لمرور المفلوج الذي أتى يحمله أربعة، فرجع حاملاً ما كان محمولاً عليه. فقد رأينا أنه شُفي بكلمة في الحال ونال تمام الشفاء أمام الجميع أعداءً وأصدقاءً.

8 «فَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعُ تَعَجَّبُوا وَمَجَّدُوا ٱللّٰهَ ٱلَّذِي أَعْطَى ٱلنَّاسَ سُلْطَاناً مِثْلَ هٰذَا».

متّى 15: 31

ذكر متّى هنا تأثير تلك المعجزة في المشاهدين، فإنهم تعجبوا من القوة الإلهية التي ظهرت بشفاء شر الأمراض، ومجدوا الله بنسبتهم كل المجد إليه (لوقا 5: 25).

ٱلنَّاس هذا يدل على أنهم مع كل ما شاهدوه لم يعتقدوا أن المسيح إله، بل ظنوه واحداً من البشر، أو أرادوا بذلك يسوع وتلاميذه.

سُلْطَاناً مِثْلَ هٰذَا أي قوة على شفاء الأمراض ومغفرة الخطايا كما تبرهن. فمشاهدة المعجزات غير كافية للإيمان القلبي بدون فعل الروح القدس.

في هذه المعجزة ثلاثة براهين على لاهوت المسيح: معرفة الأفكار. الثاني: شفاء المريض بأمر. الثالث مغفرة الخطايا لأن كلاً منها مختص بالله.

9 «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ، ٱسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي. فَقَامَ وَتَبِعَهُ».

مرقس 2: 14 الخ ولوقا 5: 27 الخ متّى 21: 31، 32.

ماذا جعل يسوع يدعو متّى العشار؟ في هذه الدعوة خروج على جميع تقاليد الفريسيين وعاداتهم المتبعة بكل دقَّة. وكان يسوع يعرف الصعوبات سيواجهها بسبب هذا التحول عن الفريسيين إلى العشارين والخطاة. والجواب على هذا السؤال نجده بقوله «لا يحتاج الأصحاء». وأية خسارة كنا خسرناها لولا دعوته له. ألا يكفي متّى فخراً أن أصبح الإنجيلي العظيم؟ فما أقصر نظر الفريسيين وأتباعهم، وما أبعد نظر يسوع إلى قيمة الرجال الحقيقيين.

مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاك أي من كفرناحوم (مرقس 2: 1) إلى بحيرة طبرية (مرقس 5: 13).

مَكَانِ ٱلْجِبَايَةِ وهو إما بيت أو خيمة على الشارع، تصلح مكتباً لجمع الجزية. وكانت كفرناحوم تقع على أعظم الطرق، وهي مركز ذو شأن لجمع الجباية من كل تلك البلاد. وكان اليهود يحتقرون العشارين (انظر متّى 5: 46).

ٱسْمُهُ مَتَّى هو كاتب هذه البشارة، ويسمى أيضاً لاوي في بشارتي مرقس ولوقا. فكان ذا اسمين كبطرس ومرقس وبولس، كعادة اليهود. وبعد أن صار تلميذاً شاع اسمه متّى أكثر من لاوي حتى أنه لم يذكر البشيرون الاسم الثاني في قوائم أسماء الرسل الأربع.

فَقَالَ لَهُ: ٱتْبَعْنِي اختار المسيح رسله الأربعة الأولين من صيادي السمك، واختار الخامس من العشارين أثناء ممارسة مهنته. وليس لنا في الإنجيل ما يبين أن متّى لم يشاهد المسيح ولا سمع تعليمه قبل هذه المرة، فيحتمل أنه كان فقط سمعه وآمن به وتوقع هذه الدعوة. وكانت مثل دعوة الله لإبراهيم منذ 1950 سنة قبلها، ومثل الدعوة التي يدعونا بها المسيح اليوم (لوقا 9: 23).

فَقَامَ وَتَبِعَهُ وذلك لدعوتين: الدعوة الظاهرة المسموعة من المسيح، والدعوة الباطنة من الروح القدس. فأجاب الدعوتين في الحال وترك كل شيء (انظر لوقا 5: 28) أي مهنته وربحه وأصحابه الأولين وما شاكل ذلك.

10 «وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي ٱلْبَيْتِ، إِذَا عَشَّارُونَ وَخُطَاةٌ كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ».

فِي ٱلْبَيْتِ لم يذكر متّى لمن كان ذلك البيت ومن قام بالوليمة التي كانت هناك، ولكن لوقا 5 يذكر أن متّى العشار (بعد دعوته) أقام وليمة عظيمة ليسوع وتابعيه، ودعا إليها كثيرين من أصحابه الأولين من العشارين والخطاة. ولعل غايته من ذلك أن يسمعوا تعليم المسيح لخلاص نفوسهم، وأن يكرم المسيح أمام عيون الجميع. فأظهر بذلك صحة إيمانه وتغيير قلبه.

عَشَّارُونَ وَخُطَاة هما فرقتان من الناس اعتاد الفريسيون أن يذكروهما معاً باعتبارهما نجستان ومحرومتان من حقوق أمة اليهود المقدسة. وذلك إما لرداءة صفات أولئك الناس، أو لكراهة مهنتهم، أو لاختلاطهم بالوثنيين، أو لتركهم فرائض الشريعة الطقسية. والظاهر أنهم مالوا إلى سمع وعظ المسيح أكثر من غيرهم. ولعل سبب ذلك أنهم كانوا مهانين من سواهم، وشاعرين بآثامهم وباحتياجهم إلى مخلص.

11 «فَلَمَّا نَظَرَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ ٱلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ؟».

متّى 11: 19 ولوقا 5: 30 و15: 2 وغلاطية 2: 15

ٱلْفَرِّيسِيُّونَ إن لم يكونوا من المدعوين إلى مائدة خاصة في تلك الوليمة فلا ريب في أنهم أتوا رقباء أو جواسيس. هذا إذا لم يظلوا وقوفاً خارجاً يرصدون الداخلين والآكلين.

قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ كان ذلك بعد ما تناولوا الطعام، فاشتكوا المسيح إلى تلاميذه كأنهم خافوا أن يلوموه مواجهةً. أو لعلهم أرادوا أن يفسدوا أذهان التلاميذ ويصرفوهم عنه.

لِمَاذَا يَأْكُلُ؟ اعتبر الفريسيون الأكل مع الوثنيين أو المحرومين من الشعب اليهودي مخالفاً لفرائض الدين (أعمال 10: 28). فيظهر من اعتراض الفريسيين أنهم اعتقدوا أنه لا يجوز أن يجتمع المسيح مع مثل أولئك الناس ويصادقهم، باعتبار أنه نبي ومصلح. فحكموا من معاشرته للأشرار أنه ليس باراً.

12 «فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَـهُمْ: لاَ يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى».

فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ كانت الشكوى للتلاميذ، لكن الجواب عليها كان من المسيح. لقد بنوا اعتراضهم على فساد ظنهم في عمله، فبيَّن لهم أن عمله عمل طبيب، وأن الخطية هي مرض نفوس الناس. وكلما زادوا خطية زادوا احتياجاً إلى وجود المسيح بينهم وعنايته بهم. فهو إذاً لم يعاشر الأشرار للذته بمعاشرتهم، بل لمنفعتهم.

ٱلأَصِحَّاءُ لم يقصد أن الفريسيين أبرياء، لكنه برَّر نفسه بناءً على ما يدَّعونه من بر أنفسهم. فكأنه قال لهم: أنتم تعتقدون أنكم أبرياء، فإذاً لا تحتاجون إليّ. أما أولئك فيشعرون باحتياجهم إليَّ فلذلك أتيت إليهم. ولا شكَّ في أن مرض الفريسيين الروحي كان أشد من سائر الأمراض الروحية.

13 «فَٱذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً، لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً إِلَى ٱلتَّوْبَةِ».

هوشع 6: 6، 7 و8 ومتّى 12: 7 و1تيموثاوس 1: 15، 16

فَٱذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا ذكر لهم ما جاء في هوشع 6: 6 توبيخاً لهم وتبريراً لنفسه، وزاد على توبيخه لهم أن قال إنهم يجهلون كتبهم الدينية التي هم معلموها.

أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً نقل من ذلك قول الكتاب برهاناً على أن الله يحب الرحمة للمصابين ومنح الخلاص للخطاة، أكثر مما يحب كل طقوس الشريعة التي أعظمها الذبيحة. فعمل المسيح الذي لاموه عليه كان وفق هذا المبدأ الإلهي. وأما هم فخالفوا هذا المبدأ بلومهم المسيح لأن الشفقة على الساقطين أحب إلى الله من أثمن القرابين.

لأَنِّي لَمْ آتِ... أَبْرَاراً بَلْ خُطَاةً الأبرار هنا الذين يحسبون أنفسهم أبراراً غير محتاجين، والخطاة هنا هم الذين شعروا بآثامهم. لأنه لو كان في الأرض أبرارٌ بالحقيقة ما احتاجوا إلى التوبة. ولكنه أتى ليدعو الناس إلى التوبة لأنهم خطاة. وبما أنهم جميعهم كذلك وجب أن يخالطهم ليتمم إرساليته. فلا ينتج من هذه الآية أنه وُجد على الأرض إنسانٌ بارٌ لا يحتاج إلى التوبة والحق، وأنه لم يوجد ولا يوجد ولن يوجد مثل هذا الإنسان البار.

14 «حِينَئِذٍ أَتَى إِلَيْهِ تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا قَائِلِينَ: لِمَاذَا نَصُومُ نَحْنُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً، وَأَمَّا تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟».

مرقس 2: 18 الخ ولوقا 5: 33 الخ و18: 12

حِينَئِذٍ أي وقت الوليمة.

تَلاَمِيذُ يُوحَنَّا كان يوحنا يومئذ في السجن، وقد تفرق تلاميذه، وتبع بعضهم المسيح. وكانت إرساليته إعدادية هدفها إرشاد الناس إلى المسيح باعتباره حمل الله الذي يرفع خطية العالم. فلو استفاد الجميع من تعليمه في شأن المسيح لاتبعوه كلهم. لكن أخذ بعض تلاميذ يوحنا يظهرون الغيرة له، وحسبوا المسيح منافساً لمعلمهم (يوحنا 3: 26) فنظموا حزباً سُمي «تلاميذ يوحنا» (متّى 11: 2 و14: 12). وكان لهم اصطلاحات في الصلاة (لوقا 11: 1). واستمروا يشكلون حزباً وقتاً طويلاً، فقد وُجد بعضهم في أفسس بعد ثلاثين سنة من ذلك العهد (أعمال 19: 1 - 7) وعددهم غير معلوم. والظاهر أنهم اقتدوا بمعلمهم بشدة الزهد. ونستدل من اتحادهم مع الفريسيين ومن سؤالهم في هذه الآية أنهم كانوا متعصبين في طقوس الشريعة (مرقس 2: 18).

نَصُومُ نَحْنُ وَٱلْفَرِّيسِيُّونَ كَثِيراً لم يفرض موسى على أمته سوى صوم يوم واحد في السنة (لاويين 23: 26 - 32) زاد عليه اليهود أصواماً لأمور خاصة (أستير 4: 15 وإرميا 36: 9 ويوئيل 1: 14) وأصواماً مطلقة (زكريا 8: 19). وكان الفريسيون يصومون مرتين في الأسبوع (لوقا 18: 12). ولعل تلاميذ يوحنا صاموا أكثر من ذلك لحزنهم على سجن معلمهم، فتعجبوا من أن تلاميذ يسوع لم يشاركوهم في الصوم. ولا دليل على أن يوحنا فرض عليهم أصواماً جديدة. والظاهر أنه أبقى الأصوام المعهودة.

لِمَاذَا... تَلاَمِيذُكَ فَلاَ يَصُومُونَ؟ هذا استفهام للتوبيخ على تركهم الصوم باعتباره فرضاً دينياً ذا شأن واجب بالذات، ومعونة في الصلاة.

15 «فَقَالَ لَـهُمْ يَسُوعُ: هَلْ يَسْتَطِيعُ بَنُو ٱلْعُرْسِ أَنْ يَنُوحُوا مَا دَامَ ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ؟ وَلٰكِنْ سَتَأْتِي أَيَّامٌ حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ عَنْهُمْ، فَحِينَئِذٍ يَصُومُونَ».

يوحنا 3: 29 وأعمال 13: 2، 3 و14: 23 و1كورنثوس 7: 5

في جواب المسيح دفاعاً عن تلاميذه ثلاثة أمثال: (1) يتعلق بعادات الأفراح، و(2) بالملابس، و(3) بالخمر.

هَلْ يَسْتَطِيعُ؟ هذا استفهام استنكاري يريد به أن ذلك لا يتوقعه أحد.

بَنُو ٱلْعُرْسِ هم أصحاب العروسين ورفقاؤهم، لا كلُّ المدعوين.

أَنْ يَنُوحُوا أراد بذلك أن الصوم علامة المناحة، فلا صوم حيث لا مناحة. والمعنى أنه لا يليق اتخاذ علامة الحزن وقت الفرح. والدليل على أن الصوم علامة الحزن قوله «إن صوم الشهر الرابع وصوم الخامس وصوم السابع وصوم العاشر يكون لبيت يهوذا ابتهاجاً وفرحاً وأعياداً طيبة» (زكريا 8: 19).

ٱلْعَرِيسُ مَعَهُمْ تشبيه المسيح نفسه بالعريس يناسب تلاميذ يوحنا، لأن يوحنا قال عنه «مَنْ لَهُ الْعَرُوسُ فَهُوَ الْعَرِيسُ، وَأَمَّا صَدِيقُ الْعَرِيسِ الَّذِي يَقِفُ وَيَسْمَعُهُ فَيَفْرَحُ فَرَحًا مِنْ أَجْلِ صَوْتِ الْعَرِيسِ. إِذًا فَرَحِي هذَا قَدْ كَمَلَ» (يوحنا 3: 29). وأكمل المسيح بوصفه نفسه بذلك بعض النبوات والرموز المتعلقة به في العهد القديم، منها ما ذكر في هوشع 2: 12 وإشعياء 54: 5 - 10 وإرميا 3: 14 ونشيد الأنشاد بأسره. والحق أن مدة وجود المسيح مع تلاميذه على الأرض هي وقت المسرة والابتهاج لا وقت الحزن، فلو صام تلاميذ يسوع وقتئذٍ كانوا كأنهم ناحوا في وقت العرس.

حِينَ يُرْفَعُ ٱلْعَرِيسُ هذه أول مرة أشار بها المسيح إلى صلبه، والأرجح أن تلاميذه لم يفهموا تلك الإشارة، وكذلك تلاميذ يوحنا، وإن كانوا قد استنتجوا من ذلك سفره عنهم فقد حسبوا ذلك سيتم بعد زمن طويل.

فَحِينَئِذٍ يَصُومُون ذلك خبرٌ بما يقع في المستقبل لا أمرٌ به. إن كنيسة المسيح مكلفة بالصوم مدة غياب سيدها عنها بالجسد. فمراد المسيح أن الصوم يليق في غيابه لداعٍ حقيقي (يوحنا 16: 19، 20).

نستنتج من كلام المسيح أمرين: (1) أن الصوم ليس فرضاً واجباً، بناءً على أن الكنيسة اعتادته، أو أن الله أمر به. إلا أنه عمل حسن تمارسه الكنيسة عندما تدعو إليه أحوالها. فالصوم الذي يقبله الله لا بد أن يكون لسببٍ كافٍ وفي وقت مناسب. و(2) أن الصوم بدون ما ذكرناه لا معنى له ولا منفعة، إنما ينفع حين يقترن بالحزن الروحي واتضاع النفس والصلاة القلبية زمن المصاب الشديد. والذي نعلمه من اختبار أولاد الله أنهم وجدوا من الصوم نفعاً عظيماً لهم أو للكنيسة كلها في الأحوال التي يليق الصوم فيها.

16 «لَيْسَ أَحَدٌ يَجْعَلُ رُقْعَةً مِنْ قِطْعَةٍ جَدِيدَةٍ عَلَى ثَوْبٍ عَتِيقٍ، لأَنَّ ٱلْمِلْءَ يَأْخُذُ مِنَ ٱلثَّوْبِ، فَيَصِيرُ ٱلْخَرْقُ أَرْدَأَ».

في هذا العدد ضرب المسيح المثل الثاني دفاعاً على اعتراض تلاميذ يوحنا والفريسيين عليه، وهو مبني على عادة الناس في ترقيع الثياب البالية. والمراد بالثوب في هذه الآية نسيج من الصوف بلي بالاستعمال فتخرَّق، وترقيعه بقطعة جديدة من النسيج يجذب كل ما حول الخياطة، فيتمزق الثوب البالي أكثر! والمعنى أن المسيح لم يأتِ ليصلح طقوس اليهود البالية من عوائد الفريسيين وتقاليد الشيوخ بأن يزيد عليها طقوساً جديدة كالأصوام وغيرها، لأن هذا التصليح يكون كالرقعة المذكورة. ولكنه أتى ليجدد الكنيسة كلها، ليس من جهة جوهرها بل من جهة كل طقوسها الخارجية. فكأنه قال: لا يمكن أن تضاف تعاليمي الجديدة على طقوس الفريسيين العتيقة، فالاجتهاد في ذلك عبثٌ بل ضارٌ.

17 «وَلاَ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ عَتِيقَةٍ، لِئَلاَّ تَنْشَقَّ ٱلزِّقَاقُ، فَٱلْخَمْرُ تَنْصَبُّ وَٱلزِّقَاقُ تَتْلَفُ. بَلْ يَجْعَلُونَ خَمْراً جَدِيدَةً فِي زِقَاقٍ جَدِيدَةٍ فَتُحْفَظُ جَمِيعاً».

المثل الثالث الذي ذكره المسيح مأخوذ من عادات الناس في وضع الخمر في الزقاق، فجلد الزقاق العتيقة رقيق ضعيف، إن وضعت فيه الخمر الجديدة اختمرت داخله فتمزقه. ولكن إن وضعت تلك الخمر في زقاق من جلود جديدة قوية احتملت لمرونتها فعل الخمر عند اختمارها. والمعنى أن المسيحية ذات حياة وحرية ونمو، فلا يمكن حصرها في نطاق ضيق بالٍ كطقوس اليهود الفريسية.. والكنيسة المسيحية إن لم تنتبه إلى تعليم المسيح ترتكب خطأ تلاميذ يوحنا. وكتب بولس رسالته إلى أهل غلاطية إصلاحاً لذلك الغلط. إنما تلك الرسالة هي شرح مطول لكلام المسيح هنا.

18 «وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُهُمْ بِهٰذَا إِذَا رَئِيسٌ قَدْ جَاءَ فَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: إِنَّ ٱبْنَتِي ٱلآنَ مَاتَتْ، لٰكِنْ تَعَالَ وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهَا فَتَحْيَا».

مرقس 5: 22 الخ ولوقا 8: 41 الخ

حدث ما في هذه الآية وهم مجتمعون في بيت متّى بعد الوليمة، وكان الحوار حول الصوم لا يزال دائراً.

رَئِيسٌ زاد مرقس على ذلك أن اسمه يايرس، وأنه رئيس مجمع، أي أنه أحد شيوخ اليهود الذين يقومون بالأمور الدينية في كفرناحوم، وهي وظيفة قديمة عندهم يرثها الخلف في العائلة عن السلف، وأصحاب تلك الوظيفة أشرف أمة اليهود ولادةً ورتبة. ولعله كان أحد شيوخ مجمع كفرناحوم الذين جاءوا إلى المسيح يسألونه شفاءَ غلام قائد المئة (لوقا 7: 3). لقد ألجأت الضيقة هذا الرئيس إلى المسيح، فيجب أن يكون تأثير كل مصائبنا كذلك.

سَجَدَ لَهُ أي طرح نفسه على الأرض قدامه (مرقس 5: 22) ولا يدل ذلك ضرورة على أنه قصد بما فعل أن يعبده، بل يبين أنه احترم المسيح جداً.

ٱبْنَتِي هي ابنة وحيدة له في سن الثانية عشرة (لوقا 8: 41).

ٱلآنَ مَاتَتْ عندما فارقها كانت مشرفة على الموت، حتى رجح لشدة خوفه أنها عند وصوله إلى المسيح ماتت.

تتَعَالَ وَضَعْ يَدَك نستدل من ذلك أن الرئيس اعتقد كسائر الناس أن حضور المسيح بالذات ولمسه باليد أمران ضروريان لإجراء المعجزة. والعجب أن قائد المئة مع أنه وثني كان أحسن إيماناً بالمسيح من هذا الإسرائيلي، لأنه صدَّق أن المسيح يقدر أن يشفي بكلمة وهو غائب عن المريض (متّى 8: 10).

فَتَحْيَا قوله هذا ومجيئه للمسيح يظهران إيمانه وإن كان ناقصاً.

19 «فَقَامَ يَسُوعُ وَتَبِعَهُ هُوَ وَتَلاَمِيذُهُ».

أجاب المسيح حالاً كعادته الدعوة الناتجة عن الحزن والاحتياج فتبعه تلاميذه وجمعٌ ممن أرادوا مشاهدة ما يكون (مرقس 5: 24 ولوقا 8: 42).

20 «وَإِذَا ٱمْرَأَةٌ نَازِفَةُ دَمٍ مُنْذُ ٱثْنَتَيْ عَشَرَةَ سَنَةً قَدْ جَاءَتْ مِنْ وَرَائِهِ وَمَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِهِ».

مرقس 5: 25 ولوقا 8: 43

بينما المسيح ذاهب ليجري المعجزة في بيت يايرس، صنع معجزة أخرى في الطريق. فقد كان في ذلك المجمع امرأة لم تأتِ لمشاهدة ما يكون في بيت يايرس، بل لتطلب شفاءً من مرض اعتراها منذ اثنتي عشرة سنة. وعلى قول مرقس ولوقا «أنفقت كل مالها على الأطباء فلم تستفد شيئاً بل زادت مرضاً» فيئست من البشر، ورجت المسيح بالإيمان. وكان مرضها مما تستحي أن تعلنه، فطلبت الشفاء سراً.

مِنْ وَرَائِه أتت ذلك عمداً لا صدفةً بسبب ما ذكرناه. ولعلها كتمت أمرها لأنها كانت حسب شريعة موسى نجسة بسبب ذلك المرض (لاويين 15: 26).

مَسَّتْ هُدْبَ ثَوْبِه كان هذا الثوب رداءً أو ما يُلبس فوق سائر الثياب. وكان العبرانيون يعلقون الهدب بطرف ذيل الثوب طاعةً لأمر الله، وعلامة على أنهم شعبه (عدد 15: 38 وتثنية 22: 12). ولا بدَّ أن لمسها كان بإيمان وصلاة غير مسموعة.

21 «لأَنَّهَا قَالَتْ فِي نَفْسِهَا: إِنْ مَسَسْتُ ثَوْبَهُ فَقَطْ شُفِيتُ».

قالت ذلك في قلبها وهي تزاحم الناس مقتربة إلى المسيح، معتقدة أن لمس ذيله يشفيها. وهذا دليل على قوة إيمانها.

22 «فَٱلْتَفَتَ يَسُوعُ وَأَبْصَرَهَا، فَقَالَ: ثِقِي يَا ٱبْنَةُ. إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ. فَشُفِيَتِ ٱلْمَرْأَةُ مِنْ تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ».

لوقا 7: 50 و8: 48 و17: 19 و18: 42

ذكر متّى هنا أنها شُفيت حالاً بلمس ثوبه، وزاد مرقس ولوقا على هذا بعض أمور (مرقس 5: 30 - 33 ولو 8: 45 - 47). ولا شكَّ أن المسيح عرف قصد المرأة وهي تقترب إليه لتلمس ثوبه، كما عرف أفكار الكتبة (متّى 9: 4). فإيمانها هبة منه، وهو جذبها إليه.

فَٱلْتَفَتَ التفات الحنو والشفقة

ثِقِي يَا ٱبْنَة قال ذلك دفعاً لخوفها لأنها كانت تتوقع التوبيخ على تلك الجسارة.

إِيمَانُكِ قَدْ شَفَاكِ شفتها قوة المسيح، ولكن إيمانها كان الوسيلة إلى تحريك تلك القوة. فالإيمان هو يد النفس التي تتناول البركة. كلمات المسيح شفت وطهرت. فنرى من التأمل في هذه المعجزة تعزية عظيمة للحزانى، لأن أقل التجاء إلى المسيح بالتواضع والإيمان من قلب خائف يمنح شفاءً تاماً للنفس المريضة.

أتت تلك المرأة خائفة فعادت مبتهجة. وهكذا كل من أتى إلى المسيح بالتوبة، يعود مسروراً مطمئناً.

23 «وَلَمَّا جَاءَ يَسُوعُ إِلَى بَيْتِ ٱلرَّئِيسِ، وَنَظَرَ ٱلْمُزَمِّرِينَ وَٱلْجَمْعَ يَضِجُّونَ».

مرقس 5: 38 ولوقا 8: 51 و2أخبار 35: 25

اختصر متّى الخبر فلم يذكر إتيان الرسول إلى يايرس في الطريق ليخبره أن ابنته ماتت، ولم يذكر كلمات المسيح لتقوية إيمانه (مرقس 5: 35، 36 ولوقا 8: 49، 50). ولم يذكر أنه لما وصل إلى البيت أدخل معه ثلاثة فقط من تلاميذه (مرقس 5: 37 - 40) ولا بد أن التعطيل الذي حصل للمسيح في الطريق كان واسطة لامتحان إيمان يايرس وتقويته. ولا بد أن المعجزة التي شاهدها على الطريق زادت ثقته بالمسيح.

ٱلْمُزَمِّرِينَ ذلك من استعدادات الدفن، فاليونانيون والرومانيون واليهود كانوا يستأجرون نادبين في جنازاتهم. وكان القصد من استعمال آلات الطرب مساعدة النادبين. وبما أن الميتة كانت من عائلة شريفة زاد الاحتفال بجنازتها. وكل ما ذُكر علامة على أنها ماتت حقيقة لأنه كان كله استعداداً للدفن.

24 «قَالَ لَـهُمْ: تَنَحَّوْا، فَإِنَّ ٱلصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ لٰكِنَّهَا نَائِمَةٌ. فَضَحِكُوا عَلَيْهِ».

أعمال 20: 10

صرف المسيح النادبين والضاجين لا لأن الصبية حية، بل لأنه قصد أن يبدل حزنهم إلى فرح عاجل، ولأنه لم يرهم مستعدين وليسوا أهلاً أن يشاهدوا أعظم آياته. ويدل على عدم أهليتهم لذلك هزؤهم به عند قوله «إن الصبية لم تمت».

لَمْ تَمُتْ لٰكِنَّهَا نَائِمَة لم يرد أنه أُغمي عليها، بل قوله إنها نائمة كقوله «لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ» وهو عالم أنه قد مات (يوحنا 11: 11 - 14) فاستعار النوم لموتها لقرب إحيائها، وليوقفهم عن استعدادات الدفن. واستعارة النوم للموت مجازٌ شائع في أكثر لغات الأرض. وما يجمع بين الأمرين: الراحة والسكون في كليهما، ولأنه يلي الموت القيامة كما يلي النوم اليقظة (دانيال 12: 2 و1تسالونيكي 4: 14) فيجوز أن يُقال إن النوم موت قصير والموت نوم طويل.

فَضَحِكُوا عَلَيْه ذكر متّى ذلك برهاناً قاطعاً على أنها ماتت حقاً، وإنما ضحكوا لمعرفتهم علامات الموت، ولأنهم لم يفهموا ما قصده المسيح بالنوم.

25 «فَلَمَّا أُخْرِجَ ٱلْجَمْعُ دَخَلَ وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا، فَقَامَتِ ٱلصَّبِيَّةُ».

دخل المسيح بعد أن أخرج الجمع على غير إرادتهم مع والدي الصبية وثلاثة من تلاميذه إلى حيث الصبية.

وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا تنازل المسيح إلى ذلك تقوية لإيمان أبيها الضعيف، وإشارة إلى أن إحياءها كان بقوته. وزاد مرقس على ذلك أن المسيح قال لها «طليثا قومي» (مرقس 5: 41).

فَقَامَتِ ٱلصَّبِيَّةُ أي من الموت ومن سريرها. وزاد مرقس على ذلك أنها مشت (مرقس 5: 42) وأمر أن تطعم لتقويتها بعد مرضها ولبيان أنها جسد حقيقي لا خيال (لوقا 8: 55) ورأى البعض من أمر المسيح بإطعامه رقة قلبه خوفاً من أن ينسى والداها لشدة فرحهما أن يطعماها. وهذه أول معجزات أربع أظهر بها المسيح سلطانه على الموت، ثلاث منها أقام بها غيره، وهي إقامته هذه الصبية، وإحياءه ابن أرملة نايين، وإقامة لعازر. وواحدة في نفسه إذ قام من الموت. وأثرت هذه المعجزات في الناس أكثر من غيرها لأنهم لم يشاهدوا في تغيرات الطبيعة شبيهاً لها.

26 «فَخَرَجَ ذٰلِكَ ٱلْخَبَرُ إِلَى تِلْكَ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا».

لم يقتصر انتشار الخبر في كفرناحوم، بل ذاع في كل البلاد المجاورة لها.

27 «وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ يَصْرُخَانِ وَيَقُولاَنِ: ٱرْحَمْنَا يَا ٱبْنَ دَاوُدَ».

متّى 20: 30 ومرقس 10: 47 ولوقا 18: 38

ذكر متّى هنا معجزتين أتاهما يسوع بعد إقامة ابنة يايرس لم يذكرهما غيره من البشيرين، وذلك من الأدلة على أنه كتب بشارته مستقلاً.

تَبِعَهُ أَعْمَيَانِ رافق أحدهما الآخر لاشتراكهما في الانفعالات، وليساعد الواحد الآخر عند الحاجة. والأرجح أنهما سمعا من المارين وأبناء السبيل الأخبار عن المسيح ومعجزاته وأنه قريب منهما.

يَصْرُخَانِ وَيَقُولاَن أي يرفعان الأصوات الدالة على الشدة حتى ينتبه إليهما.

ٱرْحَمْنَا أي اظهر شفقتك علينا بمنحنا البصر.

يَا ٱبْنَ دَاوُد أي يا سلالة داود وخليفته على عرش ملكه. وذلك من ألقاب المسيح عند اليهود بناءً على ما جاء في الأنبياء (انظر إشعياء 9: 7 و11: 1 وإرميا 23: 5) وسمياه بذلك على شهادة من شاهدوا آياته. وأظهرا بذلك إيمانهما بأنه قادر أن يشفيهما.

28 «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى ٱلْبَيْتِ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ ٱلأَعْمَيَانِ، فَقَالَ لَهُمَا يَسُوعُ: أَتُؤْمِنَانِ أَنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَفْعَلَ هٰذَا؟ قَالاَ لَهُ: نَعَمْ يَا سَيِّدُ».

متّى 13: 58 ومرقس 9: 23، 24 ويوحنا 4: 48، 50 و11: 26، 40

لم يظهر أن المسيح انتبه لصراخهما إلى أن دخل بيتاً (الأرجح أنه بيت بطرس) امتحاناً لإيمانهما. فبعد ما أظهرا الإيمان به والرغبة في الشفاء أجاب طلبهما. ولعله أحب أن يتوارى عن أعين الناس عند فعله المعجزة، ثم امتحنهما بالكلام كما امتحنهما بالفعل فقال:

أَتُؤْمِنَان طلب اعترافهما بالإيمان استعداداً لنوال الشفاء.

29 «حِينَئِذٍ لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا قَائِلاً: بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا لِيَكُنْ لَكُمَا».

لَمَسَ أَعْيُنَهُمَا لمس الأعين دون غيرها لأنها هي المصابة. ولمسهما يبين أن الشفاء منه. وتلك كانت عادة المسيح في تفتيح أعين العمي دائماً، لأن ما كان يستفيده غيرهم بالنظر إلى وجه المسيح وعمله كانوا يستفيدونه باللمس (متّى 9: 29 ويوحنا 9: 6 ومرقس 8: 12).

بِحَسَبِ إِيمَانِكُمَا أي على قدر الإيمان، لا حسب استحقاقه. وهذا يظهر العلاقة بين إيمان الإنسان وهبة الله، فالإيمان ليس سوى واسطة لقبول البركات الإلهية، وبه الاتصال بين غنى الله وفقر الإنسان. وبمثل إيمان هذين الأعميين والاعتراف به تخلُص نفوسنا من الهلاك الأبدي.

30 «فَٱنْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا. فَٱنْتَهَرَهُمَا يَسُوعُ قَائِلاً: ٱنْظُرَا، لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ!».

فَٱنْفَتَحَتْ يعبر الكتاب عن منح البصر للعميان بانفتاح العيون.

لاَ يَعْلَمْ أَحَدٌ أمر المسيح بإخفاء خبر المعجزة لتواضعه، وعدم رغبته في الشهرة، لأن الافتخار بأنه صانع معجزات كان يعيقه عن العمل الأعظم وعن التعليم، وأنه كان يشغل أفكار الناس بالدنيويات عندما كان يريد توجيهها إلى الروحيات. ولم يرد ذلك خوفاً من أن الناس يقيمونه ملكاً على الرغم منه، وخيفة أن يقوم عليه الحكام توهُّماً أنه يريد الفتنة والعصيان. ولا نعلم لماذا أمر بكتم بعض المعجزات تارة وإظهارها أخرى، ولعله رأى غيرة البعض شديدة فأراد أن يقللها، ورأى غيرة الآخرين ضعيفة فأراد تقويتها. أو لعل الأحوال كانت تقتضي الإظهار تارة والإخفاء أخرى.

31 «وَلٰكِنَّهُمَا خَرَجَا وَأَشَاعَاهُ فِي تِلْكَ ٱلأَرْضِ كُلِّهَا».

مرقس 7: 36

لعل الذي حملهما على تلك الإشاعة الشكر للمسيح. لكن هذا ليس عذراً لعدم طاعتهما أمره، لأن المسيح لا يأمر بشيء يريد خلافه، لأنه عند الله دائماً «الاسْتِمَاعُ أَفْضَلُ مِنَ الذَّبِيحَةِ» (1صموئيل 15: 22).

32 «وَفِيمَا هُمَا خَارِجَانِ إِذَا إِنْسَانٌ أَخْرَسُ مَجْنُونٌ قَدَّمُوهُ إِلَيْه».

متّى 12: 22 ولوقا 11: 14

أَخْرَسُ مَجْنُون الأرجح أن الروح النجس كان سبب خرسه، فحالة هذا المصاب تشبه حالة الإنسان الذي ذكره متّى 12: 22. إلا أن ذلك أعمى زيادة على الجنون والخرس. فكانت قوة الشياطين على إيقاع الضرر بالناس تختلف باختلاف الأشخاص.

قَدَّمُوه لعل الذين قدموه أقرباؤه أو جيرانه لشفقتهم عليه، لأن المرجح أن ذلك المسكين كان أصم، والصمم يرافق الخرس غالباً. فلم يمكنه أن يعرف شيئاً من أمر المسيح. ولو لم يقدموه للمسيح لبقي بلا شفاء.

33 «فَلَمَّا أُخْرِجَ ٱلشَّيْطَانُ تَكَلَّمَ ٱلأَخْرَسُ، فَتَعَجَّبَ ٱلْجُمُوعُ قَائِلِينَ: لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هٰذَا فِي إِسْرَائِيلَ».

تَكَلَّمَ ٱلأَخْرَسُ هذا يبرهن أن الشيطان كان سبب خرسه، لأنه تكلم حالما خرج.

فَتَعَجَّبَ ٱلْجُمُوعُ لأن هذه المعجزة أظهرت قوة جديدة لم يشاهد مثلها قبلها.

لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ الخ ليس أن هذه المعجزة كانت أعظم من سائر معجزات المسيح، بل إن النتائج المذكورة لم تحدث قبلاً عند إخراج الشياطين، وإن الذين كانوا حاضرين وقتها لم يشاهدوا غيرها قط، ولعلهم شاهدوا كل معجزات المسيح أو أكثرها فحكموا عليها بما قالوا.

فِي إِسْرَائِيل أي في أخبار بني إسرائيل منذ كانوا أمة إلى الآن، فلم يفعل مثل المسيح أحد من الأنبياء كموسى وإيليا وأليشع وغيرهم من أنبياء إسرائيل. وقد تم بهذه المعجزة قوله بلسان إشعياء «حِينَئِذٍ تَتَفَقَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ، وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ» (إشعياء 35: 5، 6).

34 «أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَقَالُوا: بِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ».

متّى 12: 24 ومرقس 3: 23 ولوقا 11: 15

ذكر متّى في الآية السابقة خلاصة أفكار الجمهور في أمر المسيح بعد مشاهدتهم الآيات، وذكر هنا خلاصة أفكار الفريسيين بعد ذلك. وهذه هي المرة الأولى التي تجاسر فيها الفريسيون أن ينسبوا معجزات المسيح إلى عمل الشيطان، وكرروا ذلك بعده كثيراً. فجواب المسيح على هذا التجديف ذكره متّى 12: 22 - 37 وأتوا ذلك القول التجديفي ليمنعوا الناس من أن يستنتجوا أن يسوع هو المسيح.

ِرَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ سمي هذا الرئيس بعلزبول (متّى 12: 14). لما لم يقدر الفريسيون أن ينكروا إخراج يسوع الشياطين، نسبوا قوته إلى بعلزبول، فيكون المسيح بهذا شريكاً للشيطان. وكان الواجب أن يعترفوا بالحق أنه هو المسيح.

35 «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ ٱلْمُدُنَ كُلَّهَا وَٱلْقُرَى يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهَا، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ ٱلْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي ٱلشَّعْبِ».

متّى 4: 23 ومرقس 6: 6 ولوقا 13: 22

ذكر متّى هذه الآية عينها في 4: 23 ولكنها كانت هنالك مقدمة لما بعدها إلى هنا. وكانت خلاصة ما ذكر من هنالك بعد الإثبات بالبراهين.

36 «وَلَمَّا رَأَى ٱلْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا».

مرقس 6: 34 عدد 27: 17 و1ملوك 22: 17 وحزقيال 34: 5 وزكريا 10: 2

هذا ما فعله المسيح أثناء جولانه في الجليل يعلم الناس ويشفي مرضاهم.

ٱلْجُمُوع أي الجماعات التي أتت من كل الجهات لتسمع تعاليمه. ولم يعين متّى زمان حدوث ذلك، ولعله زمن اجتماع الناس الذي ذكره في الأصحاح الخامس.

تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ هذا لا ينفي أنه تحنن عليهم في غير هذا الوقت، إنما ذكره هنا افتتاحاً للحديث الذي دار بينه وبين تلاميذه، ومقدمة لإرساله الإثنى عشر مبشرين (متّى 10: 5). ولم يحرك شفقته كثرة عددهم ولا احتياجاتهم الجسدية، بل فقرهم الروحي.

مُنْزَعِجِين أي مضطربين ومهتمين ومتعبين من عدم القوت الروحي، ومن ثقل الأحمال التي حملهم إياها الفريسيون والكتبة من طقوسهم وتقاليدهم.

مُنْطَرِحِينَ كغنم لا تساق إلى مرعى نهاراً ولا تصان في حظيرة ليلاً.

كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا أشار بذلك إلى سوء أحوالهم وعدم الاعتناء بهم ممن كان يجب أن يفعلوا ذلك. وقصد الله أن يكون معلموهم بالنسبة إليهم كالرعاة إلى الغنم، لكنهم غفلوا عن واجباتهم كرعاة غير أمناء (إرميا 23: 1، 2 وحزقيال 34: 1 - 6 و1ملوك 22: 17) فكان في شعب إسرائيل كتبة كثيرون وكهنة وناموسيون ورؤساء دين ومعلمون، ولكن لم يكن من الرعاة الروحيين إلا القليل.

37 «حِينَئِذٍ قَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: ٱلْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلٰكِنَّ ٱلْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ».

لوقا 10: 2 ويوحنا 4: 35

الحديث هنا نتيجة شفقته. والحصاد الذي لا حاصدين له هو الجموع الذين تحنن عليهم، وشبههم بالغنم بلا راعٍ، إشارة إلى ضياعهم. وشبههم هنا بحصاد لم يُجمع إشارة إلى أن الله خسرهم.

ٱلْحَصَادُ كناية عن شيء ذي قيمة، وما يتعب فيه أصحابه ثم لا يستفيدون منه. وهو استعارة للشعب اليهودي بأسره، أو للمستعدين منهم إلى قبول التعليم الروحي.

ٱلْفَعَلَةَ هم الذين يعتنون بجمع حصاد الله الروحي أي بتعليم جهلاء الشعب.

38 «فَٱطْلُبُوا مِنْ رَبِّ ٱلْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِه».

مزمور 68: 11 وإرميا 3: 15 ولوقا 6: 12، 13 و10: 1 ويوحنا 4: 35 و20: 21 وأعمال 8: 4 و1كورنثوس 12: 28 وأفسس 4: 11 و2تسالونيكي 3: 1

فَٱطْلُبُوا مِنْ رَبِّ ٱلْحَصَادِ أن يعين فعلة، فهذا عمل رب الحصاد، وينبغي أن يُطلب إليه أن يعينهم. وكان المسيح هو رب الحصاد. وربما قصد ذلك بقوله ولم يوضحه في حال اتضاعه ولم ينتبه تلاميذه له. وأشار بقوله «اطلبوا» إلى أن الصلاة شرط لإرسال الله الفعلة، كما اتضح من متّى 7: 7 - 11. وتعلمنا هذه الآية وجوب التوسل من أجل العالم، فالحصاد لا يزال كثيراً، والفعلة لا يزالون قليلين. فيجب أن نصلي بلا انقطاع ونسأل الله أن يرسل أناساً أمناء غيورين، يخبرون الأمم بالمسيح الذي صُلب ومات لأجلهم وقام لتبريرهم، وهو الآن يشفع فيهم.

أَنْ يُرْسِل الأصل اليوناني أن يسرع بإرسال أولئك الفعلة. والذين يرسلهم الله هم الذين ينجحون في أعمالهم لا غيرهم.

إِلَى حَصَادِه هذا الحصاد لله وحده، وهو يعتبره كذلك ويصرح به.

الأصحاح العاشر

ذكر متّى أنباء خدمة المسيح إجمالاً في ص 4: 23 حيث يقول «وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب» وبيّن أسلوب تعليمه في 5، 6، 7 وأورد بض الأمثلة من معجزاته في ص 8، 9 وأخذ هنا يبين نظام الرسل الاثني عشر وأوامر المسيح لهم.

1 «ثُمَّ دَعَا تَلاَمِيذَهُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ وَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً عَلَى أَرْوَاحٍ نَجِسَةٍ حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ».

دَعَا تَلاَمِيذَهُ علاوةً على خدمته في نشر بشراه دعا المسيح اثني عشر من تلاميذه ليساعدوه في تلك الخدمة، وكان قد اختارهم قبلاً (متّى 4: 18 ومرقس 3: 14) ليرشدهم ويعلمهم استعداداً لذلك. لكنهم لم يستعدوا كما ينبغي ليكونوا رسلاً إلا بعد يوم الخمسين (لوقا 24: 9 وأعمال 1: 41).

ٱلاثْنَيْ عَشَرَ لا بد أن المسيح اختار أن يكون الرسل اثني عشر ليكونوا وفق عدد أسباط إسرائيل.

سُلْطَاناً أوكل إليهم هذا السلطان من هو أعظم. وهو سلطان مقيَّد بالهدف الذي أعطاهم هذا السلطان لأجله. فليس لهم أن يتصرفوا به كما شاءوا.

أَرْوَاحٍ نَجِسَة ليس على كل الأرواح، بل على الملائكة الساقطين. وسُموا «أرواحاً نجسة» لتأثيرهم النجس.

حَتَّى يُخْرِجُوهَا، وَيَشْفُوا الخ قيد خدمتهم هنا بأن ينادوا بأن المسيح قد أتى، ويشرحوا أمور ملكوته الروحي، ويثبتوا تعاليمهم بمعجزات المسيح. ولكن تلك الخدمة اتسعت بعد يوم الخمسين بأن أسسوا كنيسة المسيح، وأوضحوا التعاليم المسيحية ونشروها. وتطورت أحوال الرسل مع دعوة المسيح في ثلاثة أحوال: (1) أنه اتخذهم أصدقاء، أسمعهم بعض تعاليمه وهم باقون في أعمالهم اليومية. و(2) أنه اتخذهم رفقاء. و(3) أنه عينهم رسلاً وأرسلهم للتبشير. وجاء في لوقا 6: 12 - 19 أنه اختارهم قبل وعظه على الجبل، وأنه قضى الليلة السابقة لاختيارهم في الصلاة.

2 «وَأَمَّا أَسْمَاءُ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ رَسُولاً فَهِيَ هٰذِهِ: ٱلأَوَّلُ سِمْعَانُ ٱلَّذِي يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ، وَأَنْدَرَاوُسُ أَخُوهُ. يَعْقُوبُ بْنُ زَبْدِي، وَيُوحَنَّا أَخُوهُ».

يوحنا 1: 42 وأعمال 1: 13

لأسماء الرسل أربع قوائم مستقلة، (1) ما ذكره متّى هنا. و(2) ذكرها مرقس (مرقس 3: 16 - 19) و(3، 4) ذكرهما لوقا (لوقا 6: 14 - 16 وأعمال 1: 13) وفيها اختلاف في الأسماء وفي ترتيبها. لكن ذُكر فيها كلها اسم بطرس أولاً، واسم فيلبس خامساً، واسم يعقوب تاسعاً، واسم يهوذا الإسخريوطي أخيراً في ثلاثة منها وتُرك في الرابعة.

سِمْعَانُ هو ابن يونا وهو صياد سمك، وُلد في بيت صيدا على شاطئ بحر الجليل، وسكن في كفرناحوم، وكان أولاً من تلاميذ يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 40، 41).

يُقَالُ لَهُ بُطْرُسُ لقَّبه المسيح بذلك في أول معرفته إياه (يوحنا 1: 43) وكرر ذلك بعدئذٍ (متّى 16: 18) وغلب الاسم الجديد، لكن القديم بقي، فدُعي بطرس سمعان مراراً (متّى 16: 16 و17: 25 ولوقا 24: 34 وأعمال 15: 14) ودُعي أحياناً «صفا» وهو معنى اسمه في السريانية (1كورنثوس 1: 13 و3: 22 وغلاطية 2: 9). ولقَّبه المسيح ببطرس أي «صخر» إشارة إلى قوته وجسارته. وورود اسمه أولاً لا يدل على أنه أُعطي الرئاسة على الرسل، ولا أنه أحسن من الآخرين في قواه العقلية أو الأدبية ولكن غيرته وشجاعته وحرارته جعلت له التقدم على الآخرين في القول والفعل (انظر متّى 16: 16 و19: 27 ومرقس 8: 29 ولوقا 12: 41 وأعمال 15: 7).

أَنْدَرَاوُسُ أَخُوه وهو صياد أيضاً، وأحد تلاميذ يوحنا المعمدان قبلاً (يوحنا 1: 37 - 40) وتبع المسيح حين أُشير إلى أنه حمل الله. ويظهر أن طبعه كان غير طبع أخيه بطرس، لأنه كان يميل إلى الهدوء.

يَعْقُوبُ... وَيُوحَنَّا هما ابنا زبدي وسالومي (ومعنى كلمة «زبدي» العبرانية عطية يهوه) ذُكرت دعوتهما قبلاً (انظر متّى 3: 21، 22). ويعقوب أول من مات من الرسل ويوحنا آخر من مات منهم. ويعقوب أول شهيد بينهم قتله هيرودس (أعمال 12: 2). وسُمي هذان الأخوان بابني الرعد (مرقس 3: 17) إشارة إلى قوتهما في الوعظ والإنذار. ولُقب يوحنا بالتلميذ «الذي كان يسوع يحبه». وكتب بشارةً وثلاث رسائل وسفر الرؤيا .

3 «فِيلُبُّسُ، وَبَرْثُولَمَاوُسُ. تُومَا، وَمَتَّى ٱلْعَشَّارُ. يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى، وَلَبَّاوُسُ ٱلْمُلَقَّبُ تَدَّاوُسَ».

فِيلُبُّسُ وُلد في بيت صيدا كالأربعة المذكورين، ودعاه الرب في غد اليوم الذي أتى فيه أندراوس إلى المسيح. وهو غير الشماس الذي ذُكر في أعمال الرسل (أعمال 6: 5 و21: 8).

بَرْثُولَمَاوُس هو ابن ثولماوس والمرجح أنه نثنائيل. وكان شائعاً بين اليهود أن يكون للشخص اسمان أحدهما عبراني والثاني يوناني أو لاتيني. عرَّفه فيلبس بالمسيح، وشهد المسيح له يومها شهادة حسنة (يوحنا 1: 48). ولم يُعرَف باسم نثنائيل بين الرسل بعد ذلك إلا بعد قيامة المسيح (يوحنا 21: 2) كان يسكن في قانا الجليل مكان أول معجزات المسيح (يوحنا 2: 1 و4: 46).

تُومَا وسمي «التوأم» أيضاً (يوحنا 11: 16 و20: 24).

مَتَّى ذُكرت دعوته قبلاً (متّى 9: 9) وسماه لوقا لاوي (لوقا 5: 26) وقد سمى هو نفسه «متّى العشار» تواضعاً. ولم يلقِّبه أحد من البشيرين الثلاثة الآخرين بالعشار.

يَعْقُوبُ بْنُ حَلْفَى حلفى في اليونانية مثل كلوبا في السريانية (يوحنا 19: 25) وكان ساكناً في أورشليم (أعمال 15: 13). وهو كاتب الرسالة المعروفة برسالة يعقوب.

لَبَّاوُسُ ٱلْمُلَقَّبُ تَدَّاوُس وسُمي بهذا اللقب في مرقس 3: 18. والمرجح أنه هو المشار إليه بقول يوحنا «يهوذا ليس الإسخريوطي» (يوحنا 14: 22). ونستنتج من قائمة أسماء الرسل في لوقا أنه هو أخو يعقوب بن حلفى، والأغلب أنه كاتب الرسالة المعروفة برسالة يهوذا.

4 «سِمْعَانُ ٱلْقَانَوِيُّ، وَيَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيُّ ٱلَّذِي أَسْلَمَهُ».

لوقا 6: 15 وأعمال 1: 13 ويوحنا 13: 26

سِمْعَانُ ٱلْقَانَوِيُّ ولقَّبه لوقا بالغيور. وليس المراد من القانوي أنه منسوب إلى قانا، بل هو لقب عبراني معناه الغيور. فإنه كان بين اليهود طائفة صغيرة يسمى أعضاؤها بالغيورين، أخذوا فينحاس بن هارون مثالاً لهم في الغيرة للشريعة الموسوية، وكانت زيادة غيرتهم وسفكهم الدماء علة لسرعة خراب أورشليم. فالظاهر أن سمعان كان من هذه الطائفة قبل أن صار تلميذاً للمسيح.

يَهُوذَا ٱلإِسْخَرْيُوطِيّ هو ابن سمعان (انظر يوحنا 6: 31 و12: 4 و13: 2، 26) وأصل لقبه في العبراني «إيش قريوت» أي رجل قريوت، وهي قرية في أرض يهوذا (يشوع 15: 25).

ٱلَّذِي أَسْلَمَه اختار المسيح هذا الشخص رسولاً وهو يعلم طبيعته يظهر من أغرب الأمور. ولكن «جَهَالَةَ اللهِ أَحْكَمُ مِنَ النَّاسِ» (1كورنثوس 1: 25). ولعل قصده من ذلك أن يعلِّمنا أن أعظم الفرص والوسائط لا تكفي لخلاص نفس، وأنه يمكن أن يوجد في كل كنيسة خائنون. ويدفع اعتراض من يقول إن الشهادة للمسيح كانت كلها من أصدقائه. فيهوذا كان رفيق المسيح ثم أسلمه، ولو كان له أدنى شيء يشتكي به على المسيح ما عدل عن ذكره ليبرر نفسه في ذلك، لكنه شهد ببر المسيح بقوله «قد أخطأت إذ سلمت دماً بريئاً» (متّى 17: 4).

5، 6 «5 هٰؤُلاَءِ ٱلاثْنَا عَشَرَ أَرْسَلَهُمْ يَسُوعُ وَأَوْصَاهُمْ قَائِلاً: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. 6 بَلِ ٱذْهَبُوا بِٱلْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ».

متّى 4: 15 ويوحنا 7: 35 وأعمال 10: 45 - 48 و11: 1 - 18 و22: 21 ورومية 15: 8، 9 و1تسالونيكي 2: 16 و2ملوك 17: 24 وعزرا 4: 9، 10 ويوحنا 4: 9، 20 وإشعياء 53: 6 وإرميا 50: 6، 17 وحزقيال 34: 5، 6، 16 ومتّى 15: 24 وأعمال 13: 46 و1بطرس 2: 25

أَرْسَلَهُمْ ذكر مرقس أنه أرسلهم اثنين اثنين (مرقس 6: 7). وذكر متّى دعوة الرسل مع إرسالهم مع أنه مضت مدة بين الأمرين.

إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا أرسلهم أولاً إلى أمتهم، لكن ذلك لم يكن إلا إلى حين، فالمسيح بعد قيامته أرسلهم إلى الأمم بقوله «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ الخ» (مرقس 16: 15).

لِلسَّامِرِيِّينَ هذه طائفة عقائدها يهودية ووثنية معاً، فكانت كحلقة بين اليهود والأمم، وكانت تسكن البلاد بين الجليل واليهودية، وأهلها من أخلاط، جمعهم الأشوريون وأتوا بهم بدل الأسباط العشرة التي سبوها (2ملوك 17: 24). وبعد ذلك اقتدوا باليهود في بعض الأمور، فقبلوا شريعة موسى (أي الأسفار الخمسة) دون غيرها من كتب اليهود المنزلة ومن تقاليدهم. فبنوا لهم هيكلاً على جبل جرزيم وعبدوا الله هناك تاركين هيكل أورشليم، لأن اليهود لم يسمحوا لهم أن يشتركوا في البناء معهم بعد الرجوع من سبي بابل (عزرا 4: 1 - 3). وكان السامريون يتوقعون مجيء المسيح (يوحنا 4: 25). لذلك وعظ يسوع بينهم وأعلن لهم أنه هو المسيح (يوحنا 4: 26، 29، 39، 42). فنهي المسيح الرسل من تبشيرهم انتهى بعد القيامة وحلول الروح القدس (أعمال 1: 8 و8: 5). وكان بين السامريين واليهود عداوة شديدة منعتهم من التعامل معاً (يوحنا 4: 9).

خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ ٱلضَّالَّةِ أي اليهود الذين ضلوا عن مسالك الحق والعبادة الروحية فكانوا كغنم بلا راعٍ (متّى 9: 36) وعرضة للهلاك الأبدي. والمراد ببيت إسرائيل نسل يعقوب.

7 «وَفِيمَا أَنْتُمْ ذَاهِبُونَ ٱكْرِزُوا قَائِلِينَ: إِنَّهُ قَدِ ٱقْتَرَبَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ».

لوقا 9: 2 و10: 3 الخ

سبق الكلام على موضوع تبشير الرسل في متّى 3: 2، وخلاصته أن المسيح أتى وبدأ ملكوته. فهذا التبشير كان استعدادياً لتنبيه أفكار اليهود وتمهيد الطريق لكل التعاليم المسيحية.

8 «اِشْفُوا مَرْضَى. طَهِّرُوا بُرْصاً. أَقِيمُوا مَوْتَى. أَخْرِجُوا شَيَاطِينَ. مَجَّاناً أَخَذْتُمْ مَجَّاناً أَعْطُوا».

أعمال 8: 18، 20

يجب أن يرافق عمل الكرازة عمل الشفاء أيضاً. الكرازة تتناول النفس فتهدي إلى الله، والشفاء يتناول الجسد فيعود إلى الصحة.

ذكر في هذا العدد براهين صحة إرساليتهم. والمعجزات التي منحهم سلطاناً عليها كانت كمعجزاته، ومنحها لهم إلى أمدٍ محدود وغاية معينة. وكانوا يستعملون ذلك السلطان بإرشاد الله. فإنه بدون تلك البراهين لا يصدقهم أحد، وكانت كلها مفيدة لا كبعض آيات موسى للانتقام إثباتاً لرسوليته أمام فرعون.

أَقِيمُوا مَوْتَى لم يذكر أن الرسل أقاموا ميتاً قبل صعود المسيح.

مَجَّاناً أَعْطُوالم يأذن لهم أن يتقاضوا أجراً مقابل شفاء الأمراض، فخدمتهم ليست تجارة يربحون بها. فكان كل ما استعملوه من قوتهم نفعاً لغيرهم لا لأنفسهم. لكن المسيح لم يمنعهم من أخذ ضروريات حياتهم (لوقا 10: 7 و1كورنثوس 9: 8 - 14 و1تيموثاوس 5: 18) فمجانية خدمتهم رمز إلى مجانية بركات الإنجيل التي هي أعظم.

9 «لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً وَلاَ فِضَّةً وَلاَ نُحَاساً فِي مَنَاطِقِكُمْ».

ذهباً.. فضة نحاساً: هذه المعادن الثلاثة كانت مواد النقود الرائجة في تلك الأيام، كما هي اليوم. وكانت عادة الناس يومئذٍ أن يحملوا النقود في مناطقهم كعادة بعض الناس اليوم.

لاَ تَقْتَنُوا ذَهَباً لأنهم في غنى عن النقود، فهم لا يحتاجون إلى استئجار مأوى أو شراء طعام، لأن الناس كانوا مسؤولين بإطعامهم وإيوائهم، بعد أن ينالوا خدمتهم.

10 «وَلاَ مِزْوَداً لِلطَّرِيقِ وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً، لأَنَّ ٱلْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَه».

1صموئيل 9: 7 ومرقس 6: 7 - 11 ولوقا 22: 35 و1كورنثوس 9: 7 و1تيموثاوس 5: 18

وَلاَ مِزْوَداً أي وعاء لطعام السفر.

وَلاَ ثَوْبَيْنِ وَلاَ أَحْذِيَةً وَلاَ عَصاً ليس المقصود منعهم من أخذ حذاء أو عصا، بل منعهم من أخذ أكثر من حذاء وعصا، وذلك ظاهر من بشارة مرقس (6: 8، 9). فلا تناقض بين متّى ومرقس، لأن متّى قال أن لا يأخذوا أثواباً غير التي عليهم ولا يحملوا أحذية غير ما في أرجلهم ولا عصياً غير ما في أيديهم. ولا يعني هذا أن التقشف فضيلة وأن الفقر الاختياري تقوى. إنما قصد المسيح بمنعهم عما ذكر أن يكونوا بلا ثقل في جولانهم ليتمموا ذلك بالسرعة. ولثقته أن الناس الذين يذهبون إليهم سيقدمون لهم ما يحتاجون إليه. ولعل المقصود بذلك أن يذهب الرسل بما هو عليهم، فالذي له عصاً فليأخذه (كما ذُكر في مرقس). ومن ليس له فليذهب بلا عصاً كما هو ظاهر في كلام متّى.

ٱلْفَاعِلَ مُسْتَحِقٌّ طَعَامَه هذا مثلٌ أراد به المسيح أن خدمتهم توجب لهم أن يثابوا بأن يُعطوا ما يحتاجون إليه. فلا بد من أن يحصلوا على ذلك.

11 «وَأَيَّةُ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ دَخَلْتُمُوهَا فَٱفْحَصُوا مَنْ فِيهَا مُسْتَحِقٌّ، وَأَقِيمُوا هُنَاكَ حَتَّى تَخْرُجُوا».

دَخَلْتُمُوهَا أي للتبشير فيها.

مُسْتَحِقٌّ أي مستعدٌ لقبول رسل الله ضيوفاً. والاستعداد علامة الاستحقاق فيجب أن يفحصوا عن ذلك قبل دخولهم لئلا يهانوا.

أَقِيمُوا أي امكثوا في البيت الذي تدخلونه إلى أن تكملوا تبشيركم. فعليهم أن يبينوا بسلوكهم أن عملهم ذو شأن عظيم، ولا يكلفوا الناس تعباً زائداً في خدمتهم، ولا يظهروا أنهم غير راضين بما قُدم لهم، ولا أنهم يهتمون بالرفاهية.

ولا يخفى أن هذه الأوامر كانت مؤقتة، أي إلى حين، وكانت لمقتضى أحوال خاصة، فهي تختلف باختلاف الأحوال. ولكن لا بد من بقاء روح هذا التعليم على خدام الإنجيل في كل حال.

12 «وَحِينَ تَدْخُلُونَ ٱلْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْهِ».

معنى هذه الآية وجوب أن يكون الرسل لطفاء، وأن يظهروا إمارات الصداقة، وأن لا يهملوا شيئاً من التحيات المألوفة بين الأصحاب، وأن يظهروا الاهتمام بالناس، وأن يحسبوا الإضافة من حقوقهم.

ٱلْبَيْتَ سَلِّمُوا عَلَيْه أي على أهله.

13 «فَإِنْ كَانَ ٱلْبَيْتُ مُسْتَحِقّاً فَلْيَأْتِ سَلاَمُكُمْ عَلَيْهِ، وَلٰكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِقّاً فَلْيَرْجِعْ سَلاَمُكُمْ إِلَيْكُم».

مزمور 35: 13

مُسْتَحِقّا علامة استحقاق أهل البيت أن يردوا تحيتكم ويقبلوكم ضيوفاً.

فَيَأْتِي سَلاَمُكُمْ... فَلْيَرْجِعْ سَلاَمُكُم يعني إن لم ينتفع أهل البيت من التسليم انتفع به من سلَّم. ويظهر من هذا أن تلك التحيات ليست ألفاظاً بلا معنى كما هو غالب العادة، بل هي دعاء قلبي يستجيبه الله.

14 «وَمَنْ لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَعُ كَلاَمَكُمْ فَٱخْرُجُوا خَارِجاً مِنْ ذٰلِكَ ٱلْبَيْتِ أَوْ مِنْ تِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ، وَٱنْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُمْ».

نحميا 5: 13 وأعمال 13: 51 و18: 6

لاَ يَقْبَلُكُمْ وَلاَ يَسْمَع أي من لا يقبلهم ضيوفاً، ولا يسمع كلامهم بروح المحبة والطاعة، بل يكره رسالتهم.

وَٱنْفُضُوا غُبَارَ أَرْجُلِكُم هذه عادة شائعة بين اليهود تقول إن النافض يعتبر الذين تركهم نجسون غير مستحقين لمعاشرته، ولا يريد مشاركتهم في شيء، حتى في غبار أرضهم اللاصق برجله. وقد فعل بعض الرسل ذلك، في أنطاكية بيسيدية، وفي مجمع اليهود في كورنثوس (أعمال 13: 51 و18: 6). ولم يُبنَ هذا على تركهم كأشخاص، بل على رفض أنهم رُسل الله. وكله رمزٌ إلى رفض الله اليهود لرفضهم المسيح.

15 «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: سَتَكُونُ لأَرْضِ سَدُومَ وَعَمُورَةَ يَوْمَ ٱلدِّينِ حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً مِمَّا لِتِلْكَ ٱلْمَدِينَةِ».

متّى 11: 22، 24

عقاب الذين يرفضون رُسُل الله أشد من عقاب أهل سدوم وعمورة، فإن هاتين المدينتين انقلبتا مع ثلاث مدن أخرى في سهل سدوم لزيادة شرها (تكوين 18: 20 و19: 24) فاتخذهما الكتاب مثلاً لمن عظُم شرهم واشتد عقابهم، عبرة لغيرهم. فقال المسيح بهذا المثل إن من يرفضونه (برفضهم رسله) أشرٌ ممن ارتكبوا أفظع الآثام في سدوم وعمورة، لأنهم كانوا جهلة. أما سامعو المسيح ورسله فيعرفون ويرفضون.

يَوْمَ ٱلدِّين أي اليوم الأخير الذي يُدان فيه جميع الناس حسب أعمالهم وعلى قدر نورهم.

16 «هَا أَنَا أُرْسِلُكُمْ كَغَنَمٍ فِي وَسَطِ ذِئَابٍ، فَكُونُوا حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّاتِ وَبُسَطَاءَ كَٱلْحَمَامِ».

رومية 16: 19 و1كورنثوس 14: 20 وأفسس 5: 15

ما قاله المسيح (من الآية 7 - 16) نصائح للرسل في بدء إرساليتهم، وتعليم لهم كيف يتصرفون في أثناء أحوالهم الحاضرة. وما بقي من الآية 16 - 42 كلام يعم كل أعمالهم المستقبلة طول الحياة، وفيه إشارة إلى أحوالهم زمن الاضطهاد الذي لم يثُر عليهم إلا بعد نهاية خدمة المسيح على الأرض. ولم يذكر مرقس ولوقا من هذا الخطاب سوى أوله.

أَنَا أُرْسِلُكُم لا يذهبون من تلقاء أنفسهم، بل هو أرسلهم.

كَغَنَمٍ فِي وَسَطِ ذِئَابٍ أول أمر أنبأهم به أن العالم سيكون عدواً لهم بالطبع، فإن العداوة بين الذئاب والغنم طبيعية. فالغنم ضعيفة والذئاب قاسية. وبتشبيهه تلاميذه بالغنم أعلن ضعفهم وعلاقتهم القريبة إليه، باعتباره راعيهم. وقد شبه أهل العالم بالذئاب لأنهم يكونون أعداءً لهم أقوياء وقساة. فإرساله الغنم بين الذئاب أمر غير طبيعي، إذ تكون عرضة للافتراس والهلاك. وعليه فنجاتهم من الذئاب وانتصارهم عليهم من أعظم البراهين على إرساليتهم الإلهية. وهذه العداوة تقتضي أن تكون لهم صفات خاصة للنجاة. وذكر أربعة تشبيهات: واحداً لأعدائهم إذ شبههم بالذئاب؛ وثلاثة لرسله: (1) شبههم بالغنم، و(2) بالحيات، و(3) بالحمام. وكما شبه المسيح الرسل بالغنم شبه إشعياء المسيح نفسه بذلك (إشعياء 53: 7).

حُكَمَاءَ كَٱلْحَيَّات الخ أفادهم بواجباتهم ليتجنبوا الخطر المحيط بهم. فعليهم أن يُظهروا الحكمة والوداعة والطهارة. وذكر الحكمة كالحيات. وحكمة الحيات مشهورة بشدة احتراسها من الخطر. فوجب على التلاميذ أن يماثلوها بذلك الاحتراس، لا بالخبث والحيلة (تكوين 3: 1). وأمر تلاميذه بأن يشبهوا الحمام لأنه مشهور بالوداعة وعدم الإيذاء. وظهر الروح القدس وقت معمودية المسيح بهيئة الحمام (متّى 3: 16). وقد أظهر المسيح حكمة الحيات في جوابه للكتبة والفريسيين والصدوقيين (متّى 22: 15 - 46) وأظهر وداعة الحمام وقت محاكمته (متّى 26: 63، 64).

17 «وَلٰكِنِ ٱحْذَرُوا مِنَ ٱلنَّاسِ، لأَنَّهُمْ سَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَالِسَ، وَفِي مَجَامِعِهِمْ يَجْلِدُونَكُمْ».

متّى 24: 9 ومرقس 13: 9 ولوقا 12: 11 و21: 12 وأعمال 5: 40

ٱحْذَرُوا مِنَ ٱلنَّاس الذين يشبهون الذئاب، فلا تقعوا في أيديهم بغير ضرورة.

سَيُسَلِّمُونَكُم لتُحاكموا وتدانوا لإيمانكم بي.

إِلَى مَجَالِس هي المجالس الصغرى، وكانت يومئذ في كل قرية ومدينة في البلاد، وتخضع كلها للمجلس الأكبر في أورشليم المؤلف من سبعين عضواً. وقد تم هذا القول على الرسل فعلاً (انظر أعمال 4: 5 - 22 و5: 40 و22: 19 و26: 11).

فِي مَجَامِعِهِم كان أعضاء المجالس يجتمعون أحياناً في المجامع للمحاكمة، وكان في كل مجمع ثلاثة قضاة، لهم سلطان أن يوقعوا بعض القصاص، ومنه الجَلد (أعمال 22: 19 و26: 11).

يَجْلِدُونَكُمْ ذُكر الجلد في شريعة موسى (تثنية 25: 23). وكان القانون أن لا تزيد الجلدات على أربعين، وجعلها اليهود بعد ذلك 39 خوفاً من الغلط. وجعلوا السوط مثلثاً، وعدد الضربات بها 13. وعلى ذلك جُلد بولس خمس مرات (1كورنثوس 11: 24). أما الشريعة الرومانية فلم تعين عدد الضربات. والمقصود بالمجالس والمجامع المحاكم الدينية التي كانت في القرون المظلمة تضطهد تلاميذ المسيح. وكان من وظيفة خدام الدين أن يعلموا غيرهم الرحمة، لكنهم قصروا عن أن يتعلموها.

18 «وَتُسَاقُونَ أَمَامَ وُلاَةٍ وَمُلُوكٍ مِنْ أَجْلِي شَهَادَةً لَهُمْ وَلِلأُمَمِ».

أعمال 12: 1 و24: 10 و25: 7، 23

من أعظم واجبات المؤمن الحقيقي أن يشهد للمسيح بسيرته قبل أقواله، لا سيما وقت الاضطهاد وبين أعداء مجدفين.

وُلاَة هم الحكام الرومان. وتم ذلك لما وقف بولس أمام فيلكس (أعمال 24) وفستوس (أعمال 25) وسرجيوس بولس (13: 7) وغاليون (أعمال 18: 12).

مُلُوكٍ وهذا تم بوقوف بولس أمام هيرودس أغريباس (أعمال 26) وأمام نيرون (أعمال 25: 12). ويكنى بالولاة والملوك المسؤولين عن كل الأحكام السياسية. وكثيراً ما أعانت القوة السياسية القوة الدينية على تلاميذ المسيح. وتمام هذه النبوة برهان على أن المسيح عالم بالمستقبل، فمن المحال أن يقف صيادو الجليل أمام الملوك.

شَهَادَةً لَهُمْ تكون تلك الشهادة لهم إذا قبلوها كما قبلها سرجيوس بولس (أعمال 13: 7). ولكنها تكون عليهم إن لم يقبلوا كما كانت على فيلكس (أعمال 25: 25). وتلك الشهادة بالمسيح. وقد وسع الاضطهاد دائرتها، فكان موت الشهداء شهادة قوية للحق.

وَلِلأُمَم كرر المسيح هذه النبوة بقوله: «ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم، ثم يأتي المنتهى» (متّى 24: 13). وتظهر فاعلية تلك الشهادة مما ورد في فيلبي 1: 12 - 18 وذكر الأمم بعد ذكر ولاتها وملوكها لعموم تلك الشهادة.

19، 20 «19 فَمَتَى أَسْلَمُوكُمْ فَلاَ تَهْتَمُّوا كَيْفَ أَوْ بِمَا تَتَكَلَّمُونَ، لأَنَّكُمْ تُعْطَوْنَ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مَا تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، 20 لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ ٱلْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ ٱلَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ».

خروج 4: 12 وإرميا 1: 7 ومرقس 13: 11 - 13 ولوقا 12: 11 و21: 14، 15 و2صموئيل 23: 2 وأعمال 4: 8 و6: 10 و2تيموثاوس 4: 17

بعد أن أنبأهم بالخطر الذي سيحيط بهم، أراد أن يشجعهم بالتعزية، فوعدهم بإلهام خاص يمكِّنهم حين يُساقون إلى المحاكمة أن يجاوبوا عن أنفسهم وعن الحق الإنجيلي. وإدراكهم هذا الوعد سيحفظهم من اليأس، لأنهم سيقدرون أن يحاموا عن الحق وعن أنفسهم أمام الملوك، مع أن للملوك رتبة تفوق رتب الرسل الذين كانوا في أعين أنفسهم جهلاء وضعفاء.

فَلاَ تَهْتَمُّوا أي لا تتكلفوا الهم الزائد، وهذا مثل ما سبق في متّى 6: 25، 27.

كَيْفَ أَوْ بِمَا أي لا تهتموا بأسلوب الإجابة ولا بحقيقة الأجوبة، فالمعونة التي وعدهم بها هي أن الروح القدس يتخذهم آلات له فيتكلم بألسنتهم.

رُوحُ أَبِيكُمُ هو الروح القدس، وسماه «روح أبيهم» لأنه من الآب، ولأنهم بمنزلة البنين لله (انظر متّى 5: 16) ووعد المسيح بالروح القدس بأكثر إيضاح في يوحنا 15: 26، 27. ورأينا إتمام هذا الوعد في بطرس ويوحنا أمام مجلس السبعين (أعمال 4: 13) فإنهما تكلما بشجاعة وحكمة. ولم يحجب الروح شيئاً من الحق بسبب جهل الرسل أو عدم فصاحتهم، فجاءت كل أجوبة الرسل في سفر الأعمال لا من عندهم بل من عند روح الله. فليس لنا أن ننسب إلى بولس خطأ في جوابه لرئيس الكهنة بالغضب (أعمال 23: 3) ولا أن ننسب إليه الحكمة الدنيوية في تخلصه من الصدوقيين بإلقاء الخلاف بينهم وبين الفريسيين من جهة القيامة (أعمال 23: 6). فكما ألهم الروح القدس الرسل بالكلام في المحافل، ألهمهم بما كتبوه شهادة لكل بشر في كل زمن. ولا نستنتج من ذلك أن الروح القدس اليوم يتكلم بأفواه المبشرين الذين لا يهتمون بالدرس والاستعداد الواجب للوعظ، فهو ليس وعداً لأهل الكسل. وكان مقصوراً على الرسل والمبشرين الأولين في أوقات خاصة، كما يستفاد من القول «فمتّى أسلموكم» وقوله «في تلك الساعة».

21 «وَسَيُسْلِمُ ٱلأَخُ أَخَاهُ إِلَى ٱلْمَوْتِ، وَٱلأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ ٱلأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ».

ميخا 7: 6، 36 ولوقا 21: 16 الخ

مع أن المسيح وعدهم بتلك التعزية، أكد لهم أن امتحان إيمانهم سيكون شديداً حتى ينفصل بعض الأقربين عن بعض.

سَيُسْلِم لا تسليم خيانة، بل تسليم إجبار لرجال الحكومة والقضاة.

وَٱلأَبُ وَلَدَه ولكن حسب الوعد السابق إن من يضطهده الأب الأرضي يعينه الآب السماوي.

يَقُومُ ٱلأَوْلاَدُ أي يعصى الأولاد والديهم ويقاومونهم أشد مقاومة.

يَقْتُلُونَهُمْ ذلك نتيجة التسليم لرجال الحكومة والقضاة. ومن الغريب أن التعصب الديني يزيل المحبة الطبيعية بين الأقربين، فيجعل النساء والرجال أشد شراسة من الوحوش. وتبدو هذه النبوة غريبة جداً أنها بخلاف طبيعة الأبوة والبنوة، لكنها تمت بالفعل مرات لا تحصى.

22 «وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ ٱلْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ ٱسْمِي. وَلٰكِنِ ٱلَّذِي يَصْبِرُ إِلَى ٱلْمُنْتَهَى فَهٰذَا يَخْلُصُ».

مرقس 13: 13 ومتّى 24: 13

من هذا القول يظهر أن المسيحية ستلقى المقاومة من كل الناس في كل الأرض، لا من شعب واحد في عصر واحد. وسبب ذلك أن هذا الدين يضاد فساد القلب البشري الطبيعي. وتمت هذه النبوة في القرن الأول وما بعده إلى الآن، وصدقت على المسيحيين في كل عصر كما صدقت على الرسل الاثني عشر. ولا بد من أن تبقى العداوة بين نسل الحية ونسل المرأة إلى نهاية الزمن.

مُبْغَضِينَ مِنَ ٱلْجَمِيعِ أي عرضة للبغض الذي ينتج عنه الأذى من أكثر الناس.

مِنْ أَجْلِ ٱسْمِ أي لاتحادكم بي، ولأنكم تنادون بي وتشهدون بأني إلهكم والوسيط الوحيد والكاهن والملك (يوحنا 15: 18، 19).

ٱلَّذِي يَصْبِرُ نستنتج من ذلك أن مقاومة الأعداء للمسيحيين لا تميتهم كلهم، وأن نهايتها النجاة. والمراد بالصبر هنا احتمال الاضطهاد، مع التمسك بالإيمان قلبياً، والاعتراف العلني الذي هو سبب الاضطهاد.

ٱلْمُنْتَهَى أي نهاية الاضطهاد عند خراب أورشليم (كما في العدد الآتي)، أو نهاية الحياة، أو مجيء المسيح ثانيةً.

يَخْلُصُ أي ينجو من الموت كنجاة المسيحيين في خراب أورشليم (متّى 24: 15 - 18). أو أنه ينجو النجاة الأبدية إن مات قتلاً من أجل المسيح.

23 «وَمَتَى طَرَدُوكُمْ فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ فَٱهْرُبُوا إِلَى ٱلأُخْرَى. فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ حَتَّى يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».

متّى 2: 13 و12: 15 وأعمال 9: 25 و14: 6 ومتّى 16: 28

أمر المسيح تلاميذه هنا بأن يستعملوا حكمة الحيات في مثل تلك الضيقات، بأن يحذروا الخطر، فلا يعرضون أنفسهم له لغير اضطرار، وأن لا يمكثوا حيث الموت بلا فائدة، بل أن يحسبوا حياتهم عزيزة ليصرفوها بخدمته في المستقبل. وأباح المسيح بذلك لتلاميذه في كل عصر أن يستعملوا الحكمة في إنقاذ حياتهم من الخطر كلما قدروا بلا ضرر للحق.

فالهرب من الاضطهاد لمجرد راحة الجسد جُبنٌ وإثم، لكن المحافظة على الحياة لخدمة الكنيسة ونفعها من الواجبات المسيحية. وقد بيَّن المسيح معنى هذا الكلام بفعله (لوقا 4: 27 - 30 ويوحنا 8: 59 و10: 39) وبيَّن الرسل ما فهموه منه بفعلهم أيضاً (أعمال 8: 1، 4 و11: 19).

لاَ تُكَمِّلُونَ مُدُنَ إِسْرَائِيلَ أراد بذلك أن تلك المدن كانت كثيرة كافية لأن يبشروا أهلها بالتتابع، وهم يعتزلون ما فيها من الاضطهاد. وأنهم لا يفرغون من تعليمهم فيها حتى يُرفع الخطر ويؤسس ملكوته.

يَأْتِيَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ رأى البعض أن هذا إشارة عامة إلى نهاية إرساليتهم بإتمامهم خدمتها، ورأي البعض الآخر أنها إشارة إلى مجيء المسيح للنقمة بإهلاك أورشليم وإزالة الطقوس الموسوية. وتم ذلك بعد ثلاثين سنة من كلام المسيح هذا، وهو الرأي الأصح. وتنبأ الأنبياء علاوة على مجيئه متواضعاً بمجيء آخر بالقوة والمجد (دا 7: 13) فكان إتيانه لخراب أورشليم رمزاً في بعض الأمور إلى ذلك الإتيان العظيم.

24، 25 «24 لَيْسَ ٱلتِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلْمُعَلِّمِ، وَلاَ ٱلْعَبْدُ أَفْضَلَ مِنْ سَيِّدِهِ. 25 يَكْفِي ٱلتِّلْمِيذَ أَنْ يَكُونَ كَمُعَلِّمِهِ، وَٱلْعَبْدَ كَسَيِّدِهِ. إِنْ كَانُوا قَدْ لَقَّبُوا رَبَّ ٱلْبَيْتِ بَعْلَزَبُولَ، فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ أَهْلَ بَيْتِهِ».

لوقا 6: 40 ويوحنا 13: 16 و15: 20 ومتّى 12: 24 ومرقس 3: 22 ولوقا 11: 15 ويوحنا 8: 48، 52

كلام المسيح من هنا إلى آخر الأصحاح يصح أن يوجه إلى كل تلاميذ المسيح إلى نهاية الزمان.

لَيْسَ ٱلتِّلْمِيذُ أَفْضَلَ مِنَ ٱلْمُعَلِّمِ الخ الأرجح أن هذا الكلام كان مثلاً، فاستعمله المسيح مراراً لمقاصد مختلفة (لوقا 6: 4 ويوحنا 13: 16 و15: 20). وكأنه قال لهم هنا: لا تعجبوا من نبواتي بإتيان الشرور عليكم، لأنكم إن احتملتموها اتَّبعتم خطواتي. وقصد بذلك تعزيتهم، إذ يذكرون في كل ضيقاتهم أنهم شركاؤه، فلا يكونون عُرْضة لمشقات وتعييرات أكثر مما احتمل هو لأجلهم.

بَعْلَزَبُولَ أي رئيس الشياطين (متّى 12: 24 ولوقا 11: 15 ويوحنا 8: 48) وهو اسم إله العقرونيين (2ملوك 1: 2) ولفظهُ الأصلي «بعلزبوب» أي إله الذباب، وسمُّوه كذلك لاعتقادهم أنه يقيهم من كثرة الذباب. ولكن اليهود سمُّوا به الشيطان، وبدَّلوا الباء باللام لإهانته. وسموا المسيح به ليهينوه. وأشار المسيح في هذين العددين إلى علاقته بتلاميذه بثلاثة أمور: (1) علاقة المعلم بالتلميذ (متّى 5: 1 و23: 7، 8 ولوقا 6: 20) و(2) علاقة السيد بالعبد (يوحنا 13: 13) و(3) علاقة رب البيت بأهل بيته (متّى 26: 26 - 29 ولوقا 24: 30).

26 «فَلاَ تَخَافُوهُمْ. لأَنْ لَيْسَ مَكْتُومٌ لَنْ يُسْتَعْلَنَ، وَلاَ خَفِيٌّ لَنْ يُعْرَفَ».

مرقس : 22 ولوقا 8: 17 و12: 2 الخ

ذكر المسيح هنا عدة أسباب لإزالة خوفهم: الأول أن انتصار الأشرار إلى حين، كخسوف القمر أو كسوف الشمس، لا بد أن يليه النور بعد قليل. فلا يمكن أن تخفي نميمةُ أعدائهم أو شكاواهم الكاذبة الحقَّ زماناً طويلاً. فأصحاب الحق مهما أُهينوا واتُّهموا لا بد أن ينالوا الاحترام والتبرئة بعد ذلك. وكل شركاء المسيح في عاره وإهانته يشتركون معه في مجد نصرته. وقول المسيح هنا بشرى للأبرار وإنذار للأشرار.

يُسْتَعْلَن قد يستعلن الحق وصدق أهله في هذه الأرض. ولكن لا بد من أن يعلن كل الإعلان في يوم الرب العظيم بدليل القول «حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا ويظهر آراء القلوب. وحينئذ يكون المدح لكل واحد من الله» (1كورنثوس 4: 5) وهذا الاستعلان قد تجريه العناية الإلهية في هذه الدنيا، ولكن الله يجريه في يوم الدين بالذات.

خَفِيٌّ أي حقٌ مستور، أو بر ذي حق محجوب بشهادة زور أو تحريف أو كتم شهادة تجب تأديتها (كولوسي 3: 3 و1يوحنا 3: 2).

يُعْرَف كما قيل «مَتَى أُظْهِرَ الْمَسِيحُ حَيَاتُنَا، فَحِينَئِذٍ تُظْهَرُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ فِي الْمَجْدِ» (كولوسي 3: 4) والقول «وَيُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ بِرَّكَ، وَحَقَّكَ مِثْلَ الظَّهِيرَةِ» (مزمور 37: 6).

27 «ٱلَّذِي أَقُولُهُ لَكُمْ فِي ٱلظُّلْمَةِ قُولُوهُ فِي ٱلنُّورِ، وَٱلَّذِي تَسْمَعُونَهُ فِي ٱلأُذُنِ نَادُوا بِهِ عَلَى ٱلسُّطُوحِ».

مقاومة العالم للتلاميذ تكون واسطة لانتشار الحق، فالذي علمهم المسيح لهم ليس كنزاً يخفونه لأنفسهم ليتمتعوا به، بل هو نور ينشر ليبدد الظلام الأخلاقي.

فِي ٱلظُّلْمَةِ... فِي ٱلأُذُنِ كلام جارٍ مجرى المثل، يُراد به المخاطبات السرية. وليس المقصود أن كلام المسيح كان سراً للرسل، لكن دعاه كذلك بالنسبة إلى قوة ظهوره في ما بعد.

فِي ٱلنُّورِ... عَلَى ٱلسُّطُوح أي الإظهار الكامل. إن تعليم المسيح التلاميذ وهم مسافرون من مكان إلى مكان في الجليل، أو هم مجتمعون في البيت، ليس قاصراً عليهم ليحفظوه في قلوبهم، بل ليبذروه هم ومن بعدهم على توالي الأزمنة حتى تمتلئ الأرض بالثمار. فإنجيل المسيح بشرى لكل أمم الأرض، واضطهاد المبشرين ووقوفهم في المجالس أمام المحاكم والولاة من أعظم الوسائط لإعلان الحق والمناداة بذلك الإنجيل.

ويظهر من هذه الآية أن الوقت الذي تُعلن فيه البشارة كل الإعلان لم يكن قد جاء بعد، ولا يأتي إلا بعد موته وقيامته وحلول الروح القدس يوم الخمسين. فإن قلوب الناس لم تكن يومئذ مستعدة لقبوله. وأن التعليم نفسه لم يكمل إلا بعد أن قال المسيح وهو على الصليب «قد أكمل». وكتم المسيح أمره يومئذ بعض الكتمان، واعتزل اليهود خوفاً من أن يأخذوه ويجعلوه ملكاً بالرغم عنه، وخشية من أن الرومان يتهمونه بتهييج الفتنة في البلاد.

28 «وَلاَ تَخَافُوا مِنَ ٱلَّذِينَ يَقْتُلُونَ ٱلْجَسَدَ وَلٰكِنَّ ٱلنَّفْسَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَقْتُلُوهَا، بَلْ خَافُوا بِٱلْحَرِيِّ مِنَ ٱلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِكَ ٱلنَّفْسَ وَٱلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا فِي جَهَنَّم».

إشعياء 8: 12، 13 ولوقا 12: 4 و1بطرس 3: 14

السبب الثاني لنفي خوف التلاميذ من أعدائهم القساة الأشرار هو أن قوة إيذائهم تقع على الجسد فقط ولا تبلغ النفس. وذلك يدل على أن النفس لا تموت مع الجسد.

خَافُوا بِٱلْحَرِيِّ مِنَ ٱلَّذِي يَقْدِرُ أَنْ يُهْلِك هذا القادر هو الله. فإذا خفنا من الناس فأخفينا الحق أغظنا الله، فيكون غضبه أعظم من غضب الناس. فمن خالف أمره وأهمل واجباته خوفاً من الناس جلب على نفسه وجسده خوفاً أعظم.

ٱلنَّفْسَ وَٱلْجَسَدَ كِلَيْهِمَا لا قوة لأذى الإنسان إلا الجسد بأن يحرمه بعض اللذات ويجلب عليه بعض الآلام، وتنتهي تلك القوة بانتهاء الحياة الأرضية. ولكن لله قوة على النفس والجسد إلى الأبد بأن يهلكهما في جهنم النار.

فِي جَهَنَّم هي محل العذاب (انظر شرحنا لمتّى 5: 22)

29 «أَلَيْسَ عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ؟ وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا لاَ يَسْقُطُ عَلَى ٱلأَرْضِ بِدُونِ أَبِيكُمْ؟».

يجب أن نثق في محبة الله وعنايته كما يجب أن نخشى غضبه. وهذا هو السبب الثالث لنفي خوف الخطر في إتمام واجباتنا. فإن المسيح ذكر أن قوة أعداء تلاميذه مقصورة على أذى أجسادهم آية 28)، وذكر هنا أن تلك الأجساد هي في حراسة الله.

عُصْفُورَانِ يُبَاعَانِ بِفَلْسٍ الفلس عُشر الدينار، والدينار أجر عامل في اليوم.

وَوَاحِدٌ مِنْهُمَا ذكر الواحد منهما لتقليل القيمة.

لاَ يَسْقُطُ عَلَى ٱلأَرْضِ لا يمكن أن يسقط بدون معرفته وإذنه، ولكنه يسقط إذا أراد.

أَبِيكُمْ أشار بتسمية الله أباً إلى محبته للتلاميذ، وأنها كمحبة الأب لأولاده. وإذا كان الذي يعتني بالعصافير كل تلك العناية أباً لهم، فلا يبقى مبرر لخوفهم. فإن كان الله يعتني بما ليس له قيمة كالعصافير، فكم بالحري يعتني بالناس! وإذا كان يعتني بكل الناس فكم بالحري يعتني بمن هم بمنزلة أولاده.

30 «وَأَمَّا أَنْتُمْ فَحَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ».

1صموئيل 14: 45 و2صموئيل 14: 11 ولوقا 21: 18 وأعمال 27: 34

هذا كلام جارٍ مجرى المثل، يراد به العلم الكامل والعناية الشاملة. وليس في ألفاظ اللغة ما يدل على علم الله وعنايته وحمايته أكثر مما دلت هذه الكلمات. فإن شعور الرأس قليلة القيمة حتى لم يهتم أحد قط بإحصائها. لكن عناية الله شاملة إلى هذا الحد حتى أنه أحصاها. فهو يعتني بما لا نظنه يستحق العناية من أمورنا. فالذي نراه لا قيمة له هو عند الله ذو شأن. وإن كانت شعور رؤوسنا محصاة فلا بد أن تكون دموعنا وأوجاعنا وتنهداتنا كذلك.

31 «فَلاَ تَخَافُوا. أَنْتُمْ أَفْضَلُ مِنْ عَصَافِيرَ كَثِيرَةٍ».

هذا خلاصة العدد السابق، فإن اعتنى الله بالعصافير، فكم بالحري يعتني برسل المسيح الذين هم أولاده.

32، 33 «32 فَكُلُّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِهِ قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ، 33 وَلٰكِنْ مَنْ يُنْكِرُنِي قُدَّامَ ٱلنَّاسِ أُنْكِرُهُ أَنَا أَيْضاً قُدَّامَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَات».

لوقا 12: 8 ورومية 10: 9، 10 ورؤيا 3: 5 ومرقس 8: 38 ولوقا 9: 26 و2تيموثاوس 2: 12

أورد هنا السبب الرابع لعدم تأثر تلاميذه من خوف الناس. فمعاملة الله لهم في المستقبل متوقفة على أمانتهم له في الحاضر.

كُلُّ مَن أي كل أحد بلا استثناء.

يَعْتَرِفُ بِي أي يُقر بأني المسيح سيده ومعلمه بالقول والفعل، ويترك كل ما لا يليق بهذا الإقرار وبإتباعه إياي. ولا يعتبر المسيح خدمة أحد ما لم تكن في العلن. والاعتراف بالمسيح أشمل من الاعتراف بالاعتقاد، فيؤثر في كل أعمالنا مدة الحياة.

أَعْتَرِفُ أَنَا أَيْضاً بِه أي أعترف بأنه تلميذي وأني فديته. فهذه الكلمة القصيرة جمعت أبدية المسرات.

قُدَّامَ أَبِي في السماء أو في اليوم الأخير. فمثلما قال في عدد 32 في شأن الاعتراف قال في أمر الإنكار. وكرر الأسلوب لزيادة الإيضاح. فإنكار المسيح قد يكون بالقول، وقد يكون بالفعل بأن يرتكب المسيحي ما لا يليق بدعوته، وقد يكون بسكوته حين يجب أن يتكلم.

أُنْكِرُه هذه العبارة القصيرة جمعت ما لا يُحصى من أنواع الشقاء. فمن أنكره المسيح لا يستطيع أن يرفع دعواه إلى الآب، لأن من رفضته الرحمة لا يعفو عنه العدل.

34 «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً عَلَى ٱلأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً بَلْ سَيْفاً».

لوقا 12: 49 - 53

مقاومة العالم للتلاميذ ليست صدفةً يستغربون حدوثها، بل هي نتائج ضرورية لانتشار الحق يجب أن يتوقعوها.

لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَماً أي لا تنتظروا راحة وسلاماً في وقتٍ لا بد فيه من التعب والجهاد، ولا تتوقعوا أثمار الإنجيل الكاملة في أول أمره. ولكن المسيح كان رئيس السلام، فيحق لتلاميذه أن يتوقعوا سلام العالم من مجيئه. ولا بدَّ من هذه النتيجة أخيراً لأن الإنجيل بشَّر بالسلام بين السماء والأرض (إشعياء 9: 6 و11: 6 ولوقا 2: 14)، وبسلام الضمير، وبالسلام بين الناس. وهذه نتائج الإنجيل الحقيقية التي لا بد منها أخيراً، ولكن نتائجه الحاضرة حروباً وعداوات واختلاف الأقارب. وعلة ذلك عصيان الناس على الله ومقاومتهم للحق.

سَيْفاً السيف هنا كناية عن الحرب، ولا بد من أن تسبق الحربُ السلامَ في المملكة العاصية على ملكها الشرعي. والمسيح أتى لكي يحارب الشيطان وكل أعماله (أفسس 6: 11، 12 و1تيموثاوس 6: 12). أما السلام الذي جاء في ترنيم الملائكة يوم ميلاد المسيح فالمقصود به ليس السلام بين المسيح والعالم الشرير، بل السلام بين الله ومختاريه. وذلك السيف إما سيف المسيح على الشيطان كما فُسر، وإما سيف الاضطهاد من أعداء المسيح عليه وعلى المؤمنين به. وهذا السيف لا يبرح من الأرض ما دام الحق يقاوم الباطل والباطل يقاوم الحق.

35 «فَإِنِّي جِئْتُ لأُفَرِّقَ ٱلإِنْسَانَ ضِدَّ أَبِيهِ، وَٱلابْنَةَ ضِدَّ أُمِّهَا، وَٱلْكَنَّةَ ضِدَّ حَمَاتِهَا».

ميخا 7: 6

هذا مقتبس من ميخا 7: 6 وقد بين إتمامه في يوحنا 7: 2 - 5 وهو من الأمثلة على أن المسيح جاء ليلقي سيفاً. فدينه كثيراً ما يكون علة لاختلاف الأقارب وانفصال بعضهم عن بعض. وإذا قبل بعض أفراد العائلة المسيح ورفضه البعض الآخر، فلا بد أن يقع أولاً الخصام، ثم البغض، ثم الانفصال. فأنبأهم المسيح أنهم لا بد من أن يتوقعوا خسارة محبة أصدقائهم لأجل اسمه. فيخسرون سلام العائلة ليربحوا سلام الله بالمسيح.

36 «وَأَعْدَاءُ ٱلإِنْسَانِ أَهْلُ بَيْتِهِ».

مزمور 41: 9 و55: 12، 13 ويوحنا 13: 18

هذا العدد كالعدد السابق إلا أنه أعم. وقد أثبت اختبار المسيحيين صدقه منذ كان المسيح على الأرض إلى الآن.

أَعْدَاءُ ٱلإِنْسَان أي الإنسان الذي يتبع المسيح بالأمانة.

37 «مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ٱبْناً أَوِ ٱبْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي».

لوقا 14: 26، 27

كثيراً ما يكون الإيمان بالمسيح سبب الاختلاف بين الأقارب، فيضطر الإنسان إلى أن يختار إما ترك أقاربه واتِّباع المسيح، وإما إتباع أقاربه وترك المسيح. وفي ذلك امتحان له يتبين به إن كان مؤمناً حقيقياً.

مَنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً خلق الله الوالدين والأولاد حتى يحب بعضهم بعضاً، وذلك فرض واجب إن لم يخالف فرضاً أعظم منه. فمن أصعب التجارب أن يترك الإنسان والديه أو أولاده لأجل المسيح، لأنه بذلك يقاوم ما فُطر عليه. ولكن إذا حدث مثل ذلك وجب على الإنسان أن لا يتوقف في الاختيار. فيجب أن يُحب المسيح أكثر من كل إنسان، وإلا فلا تحسب محبته شيئاً. أما سبب تفضيل المسيح فلأنه إله.

لاَ يَسْتَحِقُّنِي أي لا يستحق أن أعترف به قدام الآب ولذلك لا أعترف به. والحق أنه لا أحد يستحق المسيح، لكنه هو يتنازل إلى أن يعترف بمن يعترف به قدام الناس ويتبعه. فاعتراف المسيح بالإنسان أفضل شرف وبركة له، وخير ثواب عن كل الضيقات. وإنكار المسيح أعظم عار وأشر خسارة.

38 «وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُنِي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي».

متّى 16: 24، 25 ومرقس 8: 34، 35 ولوقا 9: 23، 24 و14: 27

يَأْخُذُ صَلِيبَهُ كان الرومان يلزمون المحكوم عليه بالصلب أن يحمل صليبه إلى محل العقاب. ومن ذلك صار حمل الصليب كناية عن حمل الخزي والآلام. وتكلم المسيح هنا كأنه حُكم عليه بالموت صلباً، وأنه ذاهب إلى مكان العقاب، وكل واحد من تلاميذه يسير وراءه حاملاً صليبه. وأخذ الصليب إكراماً للمسيح أفضل من مجرد حمله، لأنه يعني التعرُّض للخطر والألم حتى الموت، عن علم واختيار (في 3: 8 - 10). وصار معنى حمل الصليب بعد موت المسيح مصلوباً مشاركة للمسيح في الإهانة والآلام.

وَيَتْبَعُنِي سبق المسيح تلاميذه في طريق الآلام، فاحتمال المصائب اقتفاءٌ لآثار المسيح في تلك الطريق.

لاَ يَسْتَحِقُّنِي انظر شرح عدد 37.

39 «مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا».

يوحنا 12: 25

للحياة معنيان: حياة الجسد وحياة النفس، فالأولى زمنية على الأرض، والأخرى أبدية في السماء. والذي ينكر المسيح ليجد الحياة الأرضية يضيع الحياة السماوية (أي حياة نفسه)، والذي يخسر الحياة الدنيوية لأجل المسيح يربح حياة النفس الخالدة. ومحبة الحياة أقوى من محبة الأقارب، ولكن محبة المسيح يجب أن تفضَّل على كلتيهما.

وربما توهم البعض أن هذه الآية تحثنا على الانتحار (أي قتل الإنسان نفسه) والحق أنها تعني بذل الخير الأدنى الزمني بالخير الأسمى الأبدي، كقلع العين اليمنى وقطع اليد اليمنى (متّى 5: 29، 30). وكلها أمثلة لترك عزيز ثمين لربح ما هو أعز وأثمن منه في المستقبل. فيستحيل على الإنسان أن يبقى في الحياة الطبيعية بكل شهواتها وميولها كما هي ويحصل مع ذلك على حياة المحبة والقداسة في السماء. فلا بد أن يترك الواحدة منهما، لأنه لا يمكن أن يرث ملكوت الله بالطبيعتين العتيقة والجديدة معاً. فيجب على الذي وُلد من فوق وابتدأ الحياة المقدسة مع الله أن يموت للعالم والخطية. فجزاء خسارة الحياة الأرضية ربح جزيل في السماء.

أَضَاع أي سمح عند الضرورة أن يبذل نفسه. لنا في العدد 37 وجوب تفضيل المسيح على أعز الأقارب. وفي العدد 38 وجوب تفضيله على الراحة والصيت. وفي العدد 39 وجوب تفضيله على الحياة نفسها.

40 «مَنْ يَقْبَلُكُمْ يَقْبَلُنِي، وَمَنْ يَقْبَلُنِي يَقْبَلُ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي».

متّى 18: 5 ولوقا 9: 48 و10: 16 ويوحنا 12: 44 و13: 20 وغلاطية 4: 14

بعد أن ذكر المسيح ما يلحق تلاميذه من المصائب عزاهم بأن ذكر أنه يشاركهم في كل شيء، وأن إكرامهم إكرامه وخدمتهم خدمته، وأنه يجازي من يكرمهم ويخدمهم كمن يكرم ويخدم المسيح نفسه.

مَنْ يَقْبَلُكُمْ باعتبار أنكم رُسلي، وأن رسالتكم حق، فيرحب بكم ويكرمكم ويحسن إليكم.

يَقْبَلُنِي أي يُجازى كأنه فعل كل ما ذُكر لي. وقبول الرسول كقبول رسالته، وقبول الرسالة كقبول الذي أرسلها، كما أن إكرام السفير إكرام لملكه، وإهانته إهانة لذلك الملك. وغاية هذا الكلام تشجيعه التلاميذ في مناداتهم بالإنجيل وتعزيتهم حين يرفضون.

41 «مَنْ يَقْبَلُ نَبِيّاً بِٱسْمِ نَبِيٍّ فَأَجْرَ نَبِيٍّ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَقْبَلُ بَارّاً بِٱسْمِ بَارٍّ فَأَجْرَ بَارٍّ يَأْخُذُ».

1ملوك 17: 10 الخ و18: 4 و2ملوك 4: 8 الخ

مَنْ يَقْبَلُ نَبِيّاً قبول النبي باسم نبي ليس قبوله كمجرد شخص، بل قبوله لأنه نبي مع الإصغاء إلى نبوَّته وطاعتها، وإظهار كل الإكرام له باعتبار أنه رسول الله. ومن فعل ذلك يشارك النبي في الثواب يوم الإثابة.

مَنْ يَقْبَلُ بَارّاً المراد بالبار هنا المسيحي بالحق. وقبوله يُظهر الشركة معه في الشعور والهدف، فيستحق أن يشاركه أخيراً في الجزاء. فالذي بأعماله حبَّه للبر وأهله يبرهن أنه أهلٌ للشركة في ملكوت البر وكل ما فيه من البركات.

42 «وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِٱسْمِ تِلْمِيذٍ، فَٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ».

متّى 18: 5، 6 و25: 40 ومرقس 9: 41 وعبرانيين 6: 10

هٰؤُلاَءِ ٱلصِّغَارِ أراد بهم تلاميذه، وسماهم صغاراً إشارة إلى تواضعهم في عيون أنفسهم، وإلى ضعفهم بالنسبة إلى قوة أعدائهم. وكما كانوا صغاراً في عيون أنفسهم كانوا كذلك في عيون أهل العالم، الذين لا يحترمون إلا الكبار الأغنياء والشرفاء والعلماء والأقوياء. ويحتمل أن المسيح أراد بالصغار «الأقل معرفة واعتباراً» بين تلاميذه.

كَأْسَ مَاءٍ بَارِد الماء أرخص منعشات الإنسان، فيكنى به عن أصغر هبة يقدمها الإنسان لغيره. ورفض تقديمه لعطشان توحُّش وعمل غير إنساني.

بِٱسْمِ تِلْمِيذ أي باعتبار أنه للمسيح وأنه تلميذه. فالذي يصنع هذا المعروف الزهيد لأحدٍ باعتبار أنه مسيحي، ولإظهار محبته للمسيح، يكون كأنه صنع ذلك المعروف للمسيح نفسه ويُجازى عليه كذلك.

لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ لا تتوقف قيمة الهدية على كبرها أو صغرها، بل على قصد المُهدي وحالته. فيجب على المسيحي مهما كان فقيراً وضعيفاً أن لا ييأس من أخذ الأجر (لوقا 21: 1 - 4). وذلك الأجر ليس أجرة حقيقية بل هبة يمنحها الله إياه.

الأصحاح الحادي عشر

1 «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ لِتَلاَمِيذِهِ ٱلاثْنَيْ عَشَرَ، ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِزَ فِي مُدُنِهِمْ».

وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ أَمْرَهُ أي حديثه في أصحاح 10.

ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك لم يذكر من أين انصرف، ولكن يظهر من متّى 9: 35 أنه خاطبهم بذلك وهو يجول للتبشير.

لِيُعَلِّمَ وَيَكْرِز أي لينادي بأخبار الملكوت الجديد، فلم يوقفه تعيينه الاثني عشر رسولاً عن التبشير بنفسه.

فِي مُدُنِهِم أي مدن الجليل، كما تدل عليه القرينة.

2 «أَمَّا يُوحَنَّا فَلَمَّا سَمِعَ فِي ٱلسِّجْنِ بِأَعْمَالِ ٱلْمَسِيحِ، أَرْسَلَ ٱثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ».

متّى 14: 3 ولوقا 7: 18 - 35

أوضح متّى في هذا الأصحاح علاقة المعمدان بالمسيح، وكان قد أشار لذلك في متّى 4: 12. ولا علاقة في الزمن بين متّى 4: 12 وما جاء هنا من إرسال يوحنا اثنين من تلاميذه، والأرجح أن هذا الإرسال كان قبل ما جاء في متّى 4: 12.

سَمِعَ من تلاميذه (لوقا 7: 18).

فِي ٱلسِّجْن قال المؤرخ اليهودي يوسيفوس إن هذا السجن كان في قلعة ماخيروس في بيرية شرق بحر لوط، ولا تزال آثار تلك القلعة باقية إلى الآن. وأشار متّى إلى سجن يوحنا قبل هذا في متّى 4: 12 وذكر في متّى 14: 3 سبب سجنه وكيفية موته.

بِأَعْمَالِ ٱلْمَسِيح أي بمعجزاته ليبين أنه المسيح (يوحنا 10: 38 و14: 11 و15: 24).

تَلاَمِيذِه استمرَّ أتباع يوحنا يعتبرونه معلمهم، وأبوا أن يعتبروا المسيح أعظم منه، بالرغم من شهادة يوحنا للمسيح (متّى 3: 11، 14 و9: 14 ويوحنا 1: 20 و3: 25 - 30) وظن أكثر المفسرين أن يوحنا أرسل هذين التلميذين ليزيل شكوك كل تلاميذه التي بقيت فيهم بعد شهادته، وذلك بلقائهم للمسيح وسماع كلامه ومشاهدة معجزاته. ولعله أرسل التلميذين ليتحقق أن النبي الذي ظهر في الجليل هو نفس الشخص الذي عمده في الأردن. أو لعله قصد أن يحث المسيح على أن يظهر نفسه ملكاً زمنياً إسرائيل يحررهم من عبودية الرومان كما كان يتوقع، وتعجب من بطئه في ذلك. وظن بعضهم أن إيمان يوحنا في المسيح ضعف قليلاً في أثناء سجنه، لأن المسيح تركه كل تلك المدة، ولأنه سلك طريقاً يختلف عن الطريق التي توقع يوحنا أن المسيح يسلكها، فاعتراه بعض الشك في ذلك. وقد يعتري بعض المسيحيين الشك مثله بسبب تباطؤ تقدم ملكوت المسيح في العالم.

3 «وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ هُوَ ٱلآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟».

تكوين 49: 10 وعدد 24: 17 ودانيال 9: 24 ويوحنا 6: 14

وَقَالَ بواسطة رسوليه. وهو مجاز مرسل شائع في كل اللغات.

ٱلآتِي أي المسيح الذي انتظر مجيئه منذ قرون كثيرة. وفي اصطلاح اليهود يشير إلى المسيح، وبُني ذلك الانتظار على نبوات العهد القديم (تكوين 49: 10 وإشعياء 9: 1 - 6 و11: 1 - 5 و35: 4 - 6 وص 53 كله ودانيال 9: 24 - 27).

أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟ أي نتوقع إتيان غيرك لتتحقق فيه النبوات؟ لقد بذل يوحنا كل الجهد في سبيل خدمة الله وممارسة وظيفته وإفادة تلاميذه، ولا شيء في ذلك من النفع الخاص له، لأن المسيح لم ينقذه من سجنه.

4 «فَأَجَابَهُمَا يَسُوعُ: ٱذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ».

لم يجاوب المسيح يوحنا بقوله نعم أو لا، بل اقتصر على توجيه أفكاره وأفكار تلاميذه إلى البراهين الحسية التي هي معجزاته، إتماماً للنبوات التي نسبها المسيح إلى نفسه، كقوله بلسان إشعياء «حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذٍ يقفز الأعرج كالإيل، ويترنم لسان الأخرس» (إشعياء 35: 5) ومثل ذلك ما جاء في إشعياء 61.

وهذا أفضل الجواب، فلا شيء يقنعنا مثل العمل، ولا شيء يتكلم بصوتٍ أعلى من سيرة الإنسان وتصرفاته. فلنفحص نفوسنا: لماذا لا يكون لكلامنا التأثير الصالح الذي ننتظره؟ هل السبب أننا نقول غير ما نفعل؟ وما تأثير قولنا عندئذ؟

أَخْبِرَا يُوحَنَّا هذا لا يستلزم القطع بشك يوحنا، فقد وجَّه المسيح الجواب إليه ليمحو شكه. وأفضل طريق لإزالة الشكوك في الدين هي أن نعرضها على المسيح بالصلاة. ومعجزاته ختم الله لصدق تعاليمه، ونتائج دينه النافعة من أفضل البراهين على صحة ذلك الدين.

5 «ٱلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَٱلْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَٱلْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَٱلصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَٱلْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ».

إشعياء 29: 18 و35: 4 - 6 و41: 7 ويوحنا 2: 23 و3: 2 و5: 36 و10: 25، 38 و14: 11 ومزمور 22: 26 وإشعياء 61: 1 ولوقا 4: 18 ويعقوب 2: 5

هذا تفسير قوله في العدد السابق «ما تسمعان وتنظران» وهو ما أراد أن يخبرا يوحنا به. وزاد لوقا على ذلك بقوله «في تلك الساعة شفى كثيرين من أمراض وأدواء وأرواح شريرة، ووهب البصر لعميان كثيرين» (لوقا 7: 21).

وَٱلْمَوْتَى يَقُومُون كانت إقامة ابن أرملة نايين من المعجزات التي شاهدها تلميذا يوحنا.

وَٱلْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُون من النبوات المتعلقة بالمسيح قوله «روح السيد الرب عليَّ لأن الرب مسحني لأُبشر المساكين» (إشعياء 61: 1). فيمتاز دين المسيح على غيره بأنه لا يفرق بين الأغنياء والفقراء والشرفاء والأدنياء، لأن كل بركاته بلا فضة وبلا ثمن، فيمكن للفقير أن يحصل عليها كالغني. إنه يعزي المساكين ولا سيما المساكين بالروح الذين يشعرون بجوع النفس وعطشها إلى البر أكثر من غيرهم. ولا بد من أن هذا البرهان يؤثر في يوحنا وإن كان لا يؤثر في الكتبة والفريسيين، لأنه كان يعتبر النجاة الروحية أعظم العجائب وأن شفاء الأمراض الجسدية رمز إلى تلك النجاة.

6 «وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ».

إشعياء 8: 14، 15 ومتّى 13: 57 و26: 31 ورومية 9: 32 و33: و1كورنثوس 1: 23 و2: 14 وغلاطية 5: 11 و1بطرس 2: 8

هذا كلام عام يناسب يوحنا إن كان هو الذي شكَّ، ويناسب تلاميذه إن كان سؤاله لمجرد نفعهم.

طُوبَى أي غبطة وسعادة من الله.

يَعْثُر أي يشك فيقع في هاوية الإثم والضلال.

فِيَّ أي لفقري وتواضعي وتصرفي خلاف ما يتوقع الناس من المسيح. على أن المسيح صار عثرة لكثيرين (رومية 9: 33 و1كورنثوس 1: 23) وبذلك تمت نبوة إرميا 6: 21. واليهود أكثر من عثروا به، لأنه لم يأتِ وفق انتظاراتهم من جهة حكمه الزمني ومجده العالمي. فكلام يسوع على غبطة المؤمن به يتضمن إنذاراً رهيباً للذين يشكون في أنه المسيح.

وإن سلمنا أن يوحنا شكَّ وقتاً، فلا ريب أنه وثق كل الثقة بالمسيح قبل موته شهيداً، لأن تلاميذه أتوا عند موته وأنبأوا المسيح، فأظهروا بذلك أنه لم يبقَ عندهم شك فيه.

7 «وَبَيْنَمَا ذَهَبَ هٰذَانِ ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجُمُوعِ عَنْ يُوحَنَّا: مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا ٱلرِّيحُ؟».

قصد المسيح من هذا الكلام أن يمنع الشعب من نتائج فاسدة من سؤال يوحنا إياه وجوابه له.

بَيْنَمَا ذَهَبَ هٰذَانِ لم يرد المسيح أن يمدح يوحنا أمام تلميذيه، لئلا يظن السامعون أنه يتملقه. ولكنه لم يسكت بعد ذهابهما دقيقة واحدة عن تبرئة يوحنا، لئلا يظن السامعون السوء في يوحنا.

مَاذَا خَرَجْتُمْ إِلَى ٱلْبَرِّيَّةِ لِتَنْظُرُوا؟ ذكر الشعب بذلك خروجهم إلى البرية عند بحر لوط حيث ذهبوا ليروا ويسمعوا ذلك النبي الشهير الذي كان حينئذ في سجن ماخيروس، ليجدد احترامهم له. وهذا السؤال يدل على أنهم نظروا في يوحنا حقيقة ما خرجوا لينظروه.

أَقَصَبَةً تُحَرِّكُهَا ٱلرِّيحُ؟ كان نبات القصب يكثر على شاطئ الأردن حيث ذهبوا ليشاهدوا يوحنا ويسمعوه. والقصبة التي تحركها الريح ترمز للإنسان السريع التأثر الكثير التقلب الذي يقول اليوم غير ما قاله بالأمس. وهذا السؤال أشد نفياً لذلك عن يوحنا. ومعلوم أن يوحنا كان ثابتاً شديد التمسك بما يعتقده، فيستحيل أن يكون قد غيَّر شهادته. فسؤاله المسيح بواسطة تلميذيه لا شيء فيه من الدلالة على تغيير اعتقاده. وهذا مما يقوي القول بأن قصد يوحنا بسؤال المسيح هو إزالة شكوك تلاميذه فيه لا شكوكه هو.

8 «لٰكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ هُوَذَا ٱلَّذِينَ يَلْبَسُونَ ٱلثِّيَابَ ٱلنَّاعِمَةَ هُمْ فِي بُيُوتِ ٱلْمُلُوكِ».

أَإِنْسَاناً لاَبِساً ثِيَاباً نَاعِمَةً؟ أي مترفهاً هائماً باللذات الجسدية. ولكن لبس يوحنا كان من وبر الإبل ومنطقة من جلد.

فِي بُيُوتِ ٱلْمُلُوك مثل قصر الملك هيرودس. ولم يكن يوحنا من حاشية الملك، ولا كان من أهل التملُّق الذين يشهدون بما يسر الذين يسمعونهم رغبةً في منفعة ذاتية. والخلاصة أن شهادة يوحنا للمسيح لم تتغير، فشهد له وهو في السجن كما شهد له وهو في البرية.

9 «لٰكِنْ مَاذَا خَرَجْتُمْ لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيّاً؟ نَعَمْ أَقُولُ لَكُمْ، وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِيٍّ».

متّى 14: 5 و31: 26 ولوقا 1: 76

سألهم المسيح ثالثةً، كأنهم أجابوا على السؤالين السابقين سلباً من شهادة ضمائرهم. فإذا لم يكن يوحنا كقصبة ولا كأحد أهل البلاد، فماذا يكون؟

أَنَبِيّاً أي كما أنتم تعتقدون. وسألهم هذا لكي يحقق لهم صحة ذلك الاعتقاد.

نعم أقول لكم وأفضل من نبي: كان أفضل من نبي لأن قواه فاقت قوى سائر الأنبياء. ولأن غيره من الأنبياء لم يتنبأ بالمسيح في الوضوح كما تنبأ هو به. وهو كان الواسطة لتعريف اليهود بأن يسوع هو المسيح بشخصه.

10 «فَإِنَّ هٰذَا هُوَ ٱلَّذِي كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِي ٱلَّذِي يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ قُدَّامَكَ».

ملاخي 3: 1 ومرقس 1: 2

أَمَامَ وَجْهِكَ الخطاب هنا للمسيح والكلام على يوحنا.

مَلاَكِي أي رسولي وذلك دليل على أنه لم يأتِ من تلقاء نفسه بل من الله للكرازة. وذكر ملاخي في نبوته التي منها هذا الكلام ملاكين، أحدهما ملاك العهد سيد هيكله، والثاني سابقه وهما المسيح ويوحنا.

يُهَيِّئُ بأن ينبئ بمجيء المسيح ويجهز الناس لقبول تعليمه بواسطة التوبة والانتظار.

11 «ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَمْ يَقُمْ بَيْنَ ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ، وَلٰكِنَّ ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أَعْظَمُ مِنْهُ».

ٱلْحَقَّ أَقُولُ هذا تأكيد لما سيأتي، ودفعٌ لظنهم أنه أراد المبالغة.

ٱلْمَوْلُودِينَ مِنَ ٱلنِّسَاءِ الجنس البشري. (أيوب 14: 1 و15: 14 و25: 4).

أَعْظَمُ مِنْ يُوحَنَّا أي لم يوجد إنسان أعظم منه بين رؤساء الآباء والكهنة ولا الملوك. ولم تكن أفضليته في سجاياه وإن كان باراً، ولكن في أنه سابق المسيح في الوظيفة، وأقرب إليه من كل الأنبياء. فعظمة الإنسان تزيد بقربه من المسيح. وإذا كان سابق المسيح أعظم من جميع الناس، فكم تكون عظمة المسيح نفسه!

ٱلأَصْغَرَ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَات أي النظام الجديد وهو الكنيسة المسيحية. والمعنى أن أصغر المسيحيين يكون لوفرة النور والمعرفة أعظم من أفضل اليهود، لأن الناس كانوا قبل موت المسيح يسيرون على ضوء الفجر فقط. ولكن لما مات المسيح وقام أشرق ضوء الشمس على العالم، فصاروا إلى نهارٍ كامل، بالنسبة لنوع الأخلاق التي يجب أن يظهروها، ويتوقف على نوع السجايا التي يتحلون بها، والتي ذكرها السيد في وصاياه كما وردت في أصحاح 10، وجعلها دستوراً لأتباعه إذا شاءوا أن يؤثروا التأثير الصالح لنشر ملكوته المجيد. فلا يظن من ذلك أن أقل المسيحيين أقدس من يوحنا، فالأفضلية متوقفة على مجرد الوسائط، فإن يوحنا كان واقفاً على عتبة العهد الجديد أما المسيحيون بعده فدخلوا الهيكل. وكان يوحنا صديق العريس (يوحنا 3: 29) وصار المسيحيون مع عدم استحقاقهم العروس نفسها. ولم يحل الروح القدس على يوحنا بالقوة التي حل بها على تلاميذ ذلك العهد.

12 «وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ إِلَى ٱلآنَ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ».

لوقا 16: 16

أشار المسيح بهذا إلى تأثير خدمة يوحنا برهاناً لما بيَّنه من عظمته في العدد العاشر.

مِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا أشار المسيح إلى ما حدث من التغير العظيم بمناداة يوحنا في مدة قصيرة، من بدء كرازة يوحنا إلى أن تكلم المسيح بهذا، ولعلها لا تزيد على سنة أو سنة ونصف. وشهد لوقا بعظمة ذلك التغيير فقال: «كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا. ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله، وكل واحد يغتصب نفسه إليه» (لوقا 16: 16) ونهضت في تلك المدة أمة اليهود كلها على رغم رؤسائها، فكانت حركتها كحركة مدينة عند افتتاح محاصريها.

ٱلْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَه أي أن اليهود تزاحموا على يوحنا ويسوع ليسمعوا تعليمهما، وكانوا غيورين ومجتهدين كأنهم يخطفون غنيمة ودل قوله «مِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ» (متّى 11: 12). على أن تأثير شهادة يوحنا كان باقياً بعد سجنه. وإن كان دخول الملكوت وقتها لزمه كل ذلك الاجتهاد، فلا بد أنه يلزم مثله اليوم للفوز بالنصر والتغلب على كل مانع أو عائق.

13 «لأَنَّ جَمِيعَ ٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا».

انتهى بيوحنا نظام العهد القديم الذي كان استعداداً للمسيح، فكان الحلقة الأخيرة في تاريخ الفداء من سلسلة وسائط ذلك العهد الطويلة. وفي هذا العدد إثبات لما قيل في عدد 11 وردٌّ على توهم البعض أن مثل يوحنا يغير شهادته للمسيح لطول بقائه في السجن.

ٱلأَنْبِيَاءِ وَٱلنَّامُوسَ يراد بها كل العهد القديم، أي إعلان الله إرادته بالأنبياء والناموس. والحق أن الناموس نفسه نبوة، لأن طقوسه رموز إلى المسيح وهي «ظل الخيرات العتيدة» (عبرانيين 10: 1).

إِلَى يُوحَنَّا لأنه آخر أنبياء العهد القديم، وكل ما كان في هذا العهد لم يكن سوى رمز واستعداد.

تَنَبَّأُوا أي اتصلت نبواتهم بالتتابع إلى يوحنا. ومع أن موسى وسائر الأنبياء ماتوا قبل يوحنا بمئات السنين إلا أن المسيح اعتبرهم أحياء لأن شهاداتهم بقيت المكتوبة. فيجوز أن يقال إن البشيرين والرسل لا يزالون يتكلمون إلى اليوم.

14 «وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهٰذَا هُوَ إِيلِيَّا ٱلْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ».

ملاخي 4: 5، 6 ومتّى 17: 12 ولوقا 1: 17

ختم المسيح كلامه عن يوحنا المعمدان بتفسيره لنبوة ملاخي من جهة يوحنا (ملاخي 4: 5، 6) فإنه أنبأ بمجيء إيليا. فبيَّن المسيح أن يوحنا هو المقصود بإيليا كما شهد الملاك الذي بشر بولادته أيضاً (لوقا 1: 17).

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا ذلك يدل على أن بعض السامعين كان يعتقد خلاف تفسير المسيح، فظنوا أن إيليا الحقيقي يأتي بنفسه، لا شخص غيره بروحه وقوته. فقول يوحنا على نفسه إنه ليس إيليا (يوحنا 1: 21) لا يناقض تفسير المسيح، لأن يوحنا أراد أنه ليس شخص إيليا. ويحتمل أن يوحنا في ذلك الوقت لم يعرف تمام المعرفة كيف يتمم نبوة العهد القديم.

15 «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ».

متّى 13: 9 ولوقا 8: 8 ورؤيا 2: 7 و3: 6

معنى هذا أن المسيح ذو شأن، يجب الإصغاء الشديد له، والتأمل لإدراك المعنى الدقيق لكلامه (انظر مرقس 9: 16 ولوقا 14: 35 ورؤيا 2: 7). ولأن لكل إنسان أذنين للسمع تكون كرازة يوحنا المعمدان بالمسيح، وبشرى المسيح بالخلاص للجميع. فعدم معرفة الناس طريق الخلاص ليس لعدم وسائط السمع، بل لأنهم لا يريدون أن يصغوا بآذانهم وقلوبهم.

16 «وَبِمَنْ أُشَبِّهُ هٰذَا ٱلْجِيلَ؟ يُشْبِهُ أَوْلاَداً جَالِسِينَ فِي ٱلأَسْوَاقِ يُنَادُونَ إِلَى أَصْحَابِهِمْ».

لوقا 7: 31 - 35

بعد أن أكمل المسيح شهادته ليوحنا ووظيفته، أشار إلى الفرق بين يوحنا وبينه. ومع هذا الفرق لم يفرق الكتبة والفريسيون بينهما في المعاملة (لوقا 7: 30).

هٰذَا ٱلْجِيل ليس المقصود بالجيل كل أهل العصر، بل رؤساء اليهود الروحيين (لوقا 7: 29)

يُشْبِهُ أَوْلاَداً في أنهم كثيرو التقلب سريعو الضجر يطلبون ما ليس لهم حق أن يطلبوه.

فِي ٱلأَسْوَاق الأسواق متَّسعة تناسب اجتماع الأولاد للَّعب، كما تناسب البالغين للاتجار.

17 «وَيَقُولُونَ: زَمَّرْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَرْقُصُوا! نُحْنَا لَكُمْ فَلَمْ تَلْطِمُوا».

هذه شكوى بعض الأولاد من رفقائهم لأنهم لم يريدوا الاشتراك في اللعب، فقد لعبوا مرةً لعبة العرس ومرة أخرى لعبة الجنازة. ولعلهم عرضوا عليهم ألعاباً أخرى، فرفضوا أن يشتركوا في واحدٍ منها، وبقوا معتزلين اللعب، عابسين.

زَمَّرْنَا لَكُمْ أي طربنا لكم بألحان الفرح فلم ترقصوا طرباً.

نُحْنَا لَكُمْ ذلك إما بالأفواه وإما بالآلات كعادة الناس في الجنازة، فلم يظهروا علامة الحزن.

18 « لأَنَّهُ جَاءَ يُوحَنَّا لاَ يَأْكُلُ وَلاَ يَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: فِيهِ شَيْطَانٌ».

فسر المسيح بهذا العدد والذي يليه المقصود من التشبيه في العدد السابق.

لا يأكل ولا يشرب: أي أنه لم يأكل ولم يشرب كسائر الناس، لأن طعامه كان الجراد والعسل البري (متّى 3: 4). «لاَ يَأْكُلُ خُبْزًا وَلاَ يَشْرَبُ خَمْرًا» (لوقا 7: 33) لأنه كان نذيراً (لوقا 1: 15) فكان لا بد أن يمتاز عن سائر الناس بالأكل والشرب.

فَيَقُولُونَ أي الكتبة والفريسيون.

فيه شيطان: أي أنه يشبه الشيطان في اعتزاله سائر الناس وإقامته في البرية، وفي منعه نفسه عن ضروريات الحياة ولذّاتها كفعل المجنون الذي ذُكر في متّى 8: 28.

19 «جَاءَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ، فَيَقُولُونَ: هُوَذَا إِنْسَانٌ أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاةِ. وَٱلْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَا».

متّى 9: 10

ٱبْنُ ٱلإِنْسَان هو المسيح (متّى 8: 20).

يَأْكُلُ وَيَشْرَب كسائر الناس بلا قهر الجسد.

فَيَقُولُونَ الذين لاموا يوحنا على تصرفه لاموا المسيح على خلاف ذلك التصرف. فجاء يوحنا بقساوة العهد القديم فلم يرضهم، وجاء المسيح بلين العهد الجديد فلم يسروا به.

أَكُولٌ وَشِرِّيبُ خَمْرٍ نسبوا ذلك إليه لا لإفراطه في الأكل والشرب، بل لأنه لم ينكر نفسه في مقتضيات الجسد كيوحنا.

مُحِبٌّ لِلْعَشَّارِينَ وَٱلْخُطَاة لاموه أنه خالط الناس على اختلاف أحوالهم خلافاً ليوحنا المعمدان الذي انفرد عن الناس وسكن البرية. وأرادوا بقولهم محب للعشارين والخطاة أنه يحب عشرتهم، فهو منهم وفيهم. لكن هذا التعيير (أي أنه صديق الخطاة) هو مجده، لأنه لم يصاحب الضالين إلا ليهديهم إلى طريق التوبة والخلاص.

وَٱلْحِكْمَةُ تَبَرَّرَتْ مِنْ بَنِيهَ أي أن حكمة الله التي تجسدت، كما تجسدت في سفر الأمثال هي علة أعمال يوحنا والمسيح كليهما. وترجمة أخرى تقول «والحكمة تحققت بأعمالها» أي لا شيء يحقق الحكمة ويبررها إلا بتطبيقها على الحياة والسلوك. فإذا لام الفريسيون يسوع لأنه اختلط بالعشارين والخطاة فإن لومهم في غير محله، لأن غرض يسوع هو الخلاص لجميع الناس. لذلك فإن الحكمة في تصرفه قد تحققت بأن أظهر هذا الحب العظيم المسيحي حتى لأشقى الناس.

لام الكتبة والفريسيون أعمال المسيح، أما بنو الحكمة الحقيقية فقد حكموا بصلاحها ومدحوها. وبنو الحكمة هم تلاميذ المسيح المؤمنون. وغيرهم من اليهود كانوا كأولاد الأسواق، كثيري التقلب سريعي الضجر.وإنما برر بنو الحكمة يسوع ويوحنا، لأنهم رأوا تصرفهما مناسباً لوظيفتهما الإلهية، ووفقاً لنبوات العهد القديم المتعلقة بهما. فقد عاب عليه أولاد الجهالة بينما برره أولاد الحكمة. وكما كان اليهود يشتكون على المسيح ويوحنا بلا سبب، فإن أهل العالم لا يزالون يشتكون على المسيحيين لغير علة. فكيفما سار أهل التقوى يستنذبهم أهل الدنيا. ولكن الله يعرف خاصته ويبررهم.

20 «حِينَئِذٍ ٱبْتَدَأَ يُوَبِّخُ ٱلْمُدُنَ ٱلَّتِي صُنِعَتْ فِيهَا أَكْثَرُ قُوَّاتِهِ لأَنَّهَا لَمْ تَتُبْ».

لوقا 10: 13 الخ

حِينَئِذٍ ٱبْتَدَأَ لما فرغ المسيح من توبيخ اليهود لشكاواهم بلا سبب على يوحنا وعليه، بدأ ينذر المدن التي نالت زيادة من سماع تبشيره وعمل معجزاته فيها. واستعمل في هذا الإنذار بعض العبارات التي استعملها في خطابه السبعين تلميذاً (لوقا 10: 13 - 15، 21، 22).

يُوَبِّخُ وبخهم إظهاراً لحزنه على عدم توبة الذين حصلوا على أحسن الوسائط لمعرفة الحق.

21 «وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا، لَتَابَتَا قَدِيماً فِي ٱلْمُسُوحِ وَٱلرَّمَادِ».

يونان 3: 6، 7، 8

وبخ المسيح المدن التي كانت وقتئذٍ في غاية العظمة، لكنها خربت منذ قرون كثيرة. والضربات التي أنبأ المسيح بوقوعها على تلك المدن وقعت على أهلها، وعلامات وقوعها لا تزال ظاهرة على أطلالها.

وَيْلٌ أي مصابٌ عظيم. وهذا يدل على شدة حزن المسيح.

كُورَزِينُ لم تُذكر هذه المدينة إلا هنا وفي لوقا 10: 13 ولم يُعرف موقعها يقيناً، غير أنها كانت قريبة من بيت صيدا وكفرناحوم حتى كانت تذكر معهما. والأغلب أنها «كرازة» الواقعة على بُعد نحو ميلين ونصف ميل شمال خربة تل حوم.

بَيْتَ صَيْدَا هي مدينة في الجليل على شاطئ بحر طبرية الشمالي الشرقي عند مصب نهر الأردن في ذلك البحر. فيحتمل أنها كانت مبنية على جانبي ذلك النهر وهي مكان ميلاد ثلاثة من رسل المسيح: فيلبس وأندراوس وبطرس. ولم يذكر في الإنجيل أن المسيح صنع فيها شيئاً من المعجزات ولكن ذلك لا ينفي معجزاته فيها، لأن متّى ذكر القليل من عجائبه الكثيرة.

صُورَ وَصَيْدَاء مدينتان قديمتان في فينيقية على شاطئ بحر الروم، اشتهرتا بالتجارة البحرية والغِنى والترف والمعاصي. وأقدمهما صيدا التي بناها صيدون حفيد حام بن نوح (تكوين 10: 19 و49: 13) لكن صور فاقتها بعد حين (يشوع 19: 29 وإشعياء 23: 8 وحزقيال 27: 32) وأنذر الأنبياء هاتين المدينتين قديماً على شرهما ومعاصيهما (حزقيال 20، 27، 28). وتمت عليها النبوات فعلاً. فقال المسيح إنه لو كان لهاتين المدينتين اللتين كانتا قديماً وثنيتين فرصة لمعرفة الحق، كما كان لكورزين وبيت صيدا، لتابتا بالتأكيد.

فِي ٱلْمُسُوحِ وَٱلرَّمَاد كعلامات التوبة والندامة (يونان 3: 5 - 9).

لنا من هذه الآية ثلاث فوائد:

  1. لا بد من يوم الدينونة.

  2. حال بعض الخطاة في ذلك اليوم شرٌّ من حال البعض الآخر.

  3. عقاب أردأ الوثنيين أخف من عقاب الذين سمعوا الإنجيل ولم يتوبوا.

22 «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكُمَا».

متّى 10: 15 وع 24

أي أن عقاب مدينتي الجليل سيكون أشد من عقاب مدينتي فينيقية، لأن خطيتهما أعظم. ورفض المسيح أشر من عبادة الأوثان. فمن رفض مواعيد النعمة المعروضة عليه أتته بدلاً منها إنذارات النقمة. فالمسؤولية تزيد بزيادة المعرفة. وفي يوم الدين يدان خطاة الأيام الأولى والأيام الأخيرة معاً أمام الجميع. ويدان كلٌّ على قدر ما كان له من وسائط النعمة. وإن لم يتُب أولاد الأتقياء الذين هُذِبوا منذ الطفولية، والذين واظبوا على سماع الصلاة والوعظ، حُسبوا أعظم إثماً من الوثنيين وعوقبوا أشد عقاب.

23 «وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ ٱلْمُرْتَفِعَةَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ، سَتُهْبَطِينَ إِلَى ٱلْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ ٱلْقُوَّاتُ ٱلْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى ٱلْيَوْمِ».

إشعياء 14: 13 - 15 ومراثي إرميا 2: 1

كانت كورزين وبيت صيدا خاطئتين ولكن فاقتهما في الإثم مدينة ثالثة هي كفرناحوم، وطن المسيح ومركز عمله، بعد أن هجر الناصرة. فامتازت على كل ما سواها بوسائط المعرفة والنعمة، وكان فيها بعض التلاميذ المؤمنين بالحق. ولكن أكثر سكانها لم يتأثر بشيء.

كَفْرَنَاحُومَ انظر تفسير متّى 4: 13.

ٱلْمُرْتَفِعَةَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ كانت كذلك لأنه لم يكن لسواها على الأرض ما كان لها من الوسائط التي تشبه وسائط سكان السماء، لأن المسيح سكن فيها مدة، فحصلت على فوائد قدوته وتبشيره ومشاهدة معجزاته.

سَتُهْبَطِينَ إِلَى ٱلْهَاوِيَة أي أنتِ التي ارتفعت فوق كل المدن حتى كدت تبلغين السماء ستنخفضين عن كل المدن حتى تهبطي إلى الهاوية. وذلك دليل على انحطاطها أخلاقياً ومادياً في هذا الزمان وإلى الأبد. وقد تم عليها كل ذلك لأنها فقدت كل العظمة الظاهرة حتى اختلف العلماء على موقعها اليوم. ومقارنة كفرناحوم بسدوم التي هلكت لفظاعة شرها كمقارنة كورزين وبيت صيدا بصور وصيدا. فالمعنى هنا كالمعنى هناك، أي أن وسائط كفرناحوم كانت أعظم من وسائط سدوم، فيكون عقاب أهلها أشد من عقاب أهل تلك.

لَبَقِيَتْ إِلَى ٱلْيَوْم دليلاً على أن خراب سدوم لم يكن من أسباب طبيعية بل من شر أهلها، وكان منع ذلك ممكناً لو تابت. وإمكان نجاة سدوم بالتوبة دليل واضح على أنه يمكن لكل خاطئ أن ينال الغفران لو تاب.

24 «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ ٱحْتِمَالاً يَوْمَ ٱلدِّينِ مِمَّا لَكِ».

لشدة ما وقع على سدوم من العقاب وسرعته ضُرب بها المثل إنذاراً للعبرانيين بالخطر المحيط بهم (إشعياء 1: 10 ومرقس 4: 6 وحزقيال 16: 46 - 57). وكل ما ذكره المسيح من عقاب كفرناحوم يصدق بأكثر تدقيق على الذين يرفضون المسيح اليوم.

25 «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ قَالَ يَسُوعُ: أَحْمَدُكَ أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ، لأَنَّكَ أَخْفَيْتَ هٰذِهِ عَنِ ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ وَأَعْلَنْتَهَا لِلأَطْفَالِ».

لوقا 10: 21 مزمور 8: 2 ومتّى 16: 17 و1كورنثوس 1: 19، 26 و2كورنثوس 3: 14

كان في مدن الجليل وقراها بعض الكتبة الفهماء الحكماء (لوقا 5: 17) وهو قوله «وَفِي أَحَدِ الأَيَّامِ كَانَ يُعَلِّمُ، وَكَانَ فَرِّيسِيُّونَ وَمُعَلِّمُونَ لِلنَّامُوسِ جَالِسِينَ وَهُمْ قَدْ أَتَوْا مِنْ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ». فبعد ما ذكر المسيح ما كان من أمر مدن الجليل، كان لا بد أن يخطر علماؤها على باله، فقد قاوموه أشد مقاومة.

قَالَ يَسُوعُ لأن الأعداء وجَّهوا له سؤالاً لم يُذكر هنا. وقال البعض إن جواب المسيح كان على سؤال أضمروه في صدورهم، ظهرت علاماته على وجوههم وإشاراتهم. وظن آخرون أن السؤال ما تصوره من عدم توبتهم وعدم إيمانهم اللذين وبخهم عليهما، وهو التفسير الأرجح.

أَحْمَدُكَ ليس هذا مجرد الشكر على إحسان كشكر مُحسنٍ إليه للمحسن، لكنه إعلان الرضى بقضاء الله، فكأنه قال لأبيه: حسناً فعلت!

أَيُّهَا ٱلآبُ رَبُّ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ خاطبه المسيح باعتباره ملك الكون، لأنه أظهر ذاته متنزهاً عن كل حكمة وسلطة بشرية، وخاطبه بكلمة الآب بياناً لقرب العلاقة بينه وبين ذلك الملك العظيم.

أَخْفَيْتَ لم يشكر المسيح أباه على أنه أخفى الحق عن بعض الناس، بل على أنه أظهره للأطفال. فما أخفاه عن البعض لم يُخفِه عن الكل. ولا شك أن الله يخفي الحق عن البعض أحياناً عقاباً لهم لأنهم أغمضوا عيونهم عنه وقسوا قلوبهم عليه. ويخفي ذلك غالباً بأن لا يمنحهم النعمة التي تقودهم على قبول الحق، فيتركهم في العمى الطبيعي الذي هو ثمرة خطيتهم الطبيعية. أو أن معنى ذلك أن الله سمح بأن كبرياءهم وعماهم الاختياري يخفيان عنهم الحق الإنجيلي، لأننا نقرأ أن ما سمح بوقوعه يُنسَب إليه، كما يُقال إنه قسى قلب فرعون، والمعنى أنه سمح بأن يتقسى.

هٰذِه أي معرفة الحق الروحية وتأثيره في قلوبهم وتمييز فوائد الإيمان والانتباه لإنذار الإنجيل (لوقا 19: 42) ومواعيده (2كورنثوس 4: 3).

ٱلْحُكَمَاءِ وَٱلْفُهَمَاءِ أراد بهما الكتبة والفريسيين، لأنهم كانوا حكماء وفهماء في الأمور الدنيوية، وفي معرفة الشريعة. وقد ظنوا أنهم كذلك في فهم معناها الروحي وهم يجهلونه كل الجهل. فلم يخترهم الله آنية لنعمته بسبب شدة كبريائهم التي جعلتهم يرفضون تعليمه لأنهم لم يشعروا باحتياجهم إليه. فنحن لا نتوصل إلى معرفة الحق الديني بمجرد الدرس العقلي، ولا بالحكمة البشرية، فكثيراً ما جهل أكابر الفلاسفة أبسط حقائق الإنجيل «لأَنَّهُ إِذْ كَانَ الْعَالَمُ فِي حِكْمَةِ اللهِ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ بِالْحِكْمَةِ» (1كورنثوس 1: 21).

لِلأَطْفَالِ أي تلاميذه، لأنهم كانوا كالأطفال في الصفات الأخلاقية، وشعروا بأنهم كأطفال في المعرفة (1كورنثوس 2: 6، 8، 10). والحق أنهم كانوا جهلاء وضعفاء في الأمور الروحية قبل أن ينيرهم الله ويقويهم. ولأنهم كانوا كالأطفال في التواضع والوداعة والتصديق أعلن الله لهم أسرار ملكوته. واليوم يجب أن نكون كالأطفال ليعلن لنا طريق الخلاص. لقد مجَّد المسيح الله وابتهج لرئاسته الفائقة العادلة. فعلى ذلك يجب أن يبتهج تلاميذه بالله ويمجدوه كلما تأملوا في هذا الشأن.

26 «نَعَمْ أَيُّهَا ٱلآبُ، لأَنْ هٰكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أَمَامَك».

أي أشكرك أيها الآب لأنك اخترت أن تفعل هكذا، وما تختاره هو الأفضل، وهذه هي مسرتك في الأفضل الذي تريده وتفعله.

نَعَمْ هي حرف جواب. والجواب هنا عن سؤال مقدر هو: هل تشكرني على ذلك؟

هٰكَذَا صَارَتِ ٱلْمَسَرَّةُ أي مسرتك يا الله، وهذه المسرة ليست بلا سبب، وليس فيها شيءٌ من الظلم لأحد، وهي مبنية على غاية من الحكمة والمحبة. فإذا علمنا أن الله حكم بأمرٍ كفانا أن نعتقد أنه عن عدل وأنه أفضل ما يمكن حدوثه، لأنه يستحيل أن يخطئ الله في شيء من أعمال قضائه.

27 «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ إِلاَّ ٱلآبُ، وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلآبَ إِلاَّ ٱلابْنُ وَمَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَهُ».

متّى 28: 18 ولوقا 10: 22 ويوحنا 3: 53 و13: 3 و17: 2 و1كورنثوس 15: 27 ويوحنا 1: 18 و6: 46 و10: 15

الأرجح أن المسيح أقال هذا دفعاً لما يمكن أن يتوهَّمه التلاميذ من أن المسيح أدنى مرتبةً من الآب، فأظهر هنا أنه والآب واحد في بيعته الإلهية، وأن الله الآب سلم السلطان إليه في ذلك إلى حين إتمام الفداء.

كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ باعتبار أن المسيح فادٍ سلم إليه كل سلطان (متّى 28: 18 ويوحنا 3: 35 و5: 46 وكولوسي 1: 16 - 19 وعبرانيين 1: 8). فرئاسة الكون لا تزال للمسيح لعمل الفداء، ولكن في نهاية ذلك العمل يرجع كل شيء إلى الحال الأصلي. «وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ اللهُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ» (1كورنثوس 15: 28) فتسلُّم المسيح السلطان من الآب لا يلزم منه أنه أقل من الآب، لأنه لا يستطيع أن يتسلم قوة غير متناهية إلا الله، ولا يقدر أحد أن يحكم في وقت واحد على كل المخلوقات في السماوات والأرض والجحيم إلا وهو.

لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ ٱلابْنَ الخ لا يستطيع أن يدرك إنسان ولا ملاك ولا رئيس الملائكة أن يدرك كُنه الابن، فذلك مقصور على اللاهوت. فالمسيح أعلن أن طبيعته غير محدودة، حتى أنه لا يقدر أن يدركه سوى الآب غير المحدود (1كورنثوس 2: 11) فلا أحد من الناس يقدر أن يدرك تمام الإدراك سر شخص المسيح ووظيفته. ولو كان المسيح مجرد إنسان لما قدر أن يقول هذا.

مَنْ أَرَادَ ٱلابْنُ أَنْ يُعْلِنَ لَه هذا مثل قول يوحنا «الله لم يره أحد قط. الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر» (يوحنا 1: 18) فوظيفة المسيح هي أن يعلن الآب للبشر، لأنه الكلمة الأزلي، ومن تلك الوظيفة يعلن لنا كل ما نقدر أن ندركه عن طبيعته. ولا شيء يمكنه أن يعلن لنا الله من تاريخ أو علم أو عقل أو شيء آخر غير إعلان الابن خاصة (يوحنا 3: 35 و14: 15 - 24). وهذا الإعلان يكون بكلامه، وبأعماله، وبالروح القدس الذي يرسله.

28 «تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ، وَأَنَا أُرِيحُكُمْ».

لنا في هذا العدد جواب السؤال في عدد 3 من هذا الأصحاح وهو «أَنْتَ هُوَ الآتِي أَمْ نَنْتَظِرُ آخَرَ؟» (متّى 11: 3). فبعد أن قال المسيح «كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ» (لوقا 10: 22) وأنه يعلن الآب، استعمل وظيفته فدعا الناس إلى المصالحة مع الله على يده لنوال الراحة الأبدية.

تَعَالَوْا إِلَيَّ أي ارجعوا عن معلمي الناموس الذين يحمِّلون ضمائر الناس أحمالاً ثقيلة. واقبلوا إليَّ بالذات باعتبار لاهوتي وناسوتي، لا لتعليمي أو كنيستي أو رسلي أو غيرهم سواي. تعالوا إليَّ لأني أنا الطريق إلى الآب، ولأنكم لا تقدرون أن تأتوا إليه إلا بي، لأني أنا الوسيط الوحيد بين الله والناس. تعالوا إليَّ لتخلصوا بالشروط التي وضعتها لنوال الخلاص. وهذه الدعوة هي خلاصة البشرى الإنجيلية، وهي دليل على تنازل وشفقة ومحبة لا تحد. ولم يدَّعِ أحدٌ من الناس إلى نفسه كذلك غير المسيح، فلم يقُلها ملاك ولا نبي ولا فيلسوف ولا معلم. ولو كان المسيح مجرد إنسان ما تجاسر على ذلك.

يَا جَمِيعَ ٱلْمُتْعَبِينَ وَٱلثَّقِيلِي ٱلأَحْمَالِ كانت هذه الدعوة عامة لأن الشقاء والحزن والتعب عمَّ الجميع، فإن نسل آدم كله يئن تحت حمل الخطية والشقاء الناتج عنها. فضميره متعب يوبخه على خطيته، وخوفه من العقاب الآتي يثقل عليه. فيدعو المسيح كل واحد إليه لينجو من الحزن والخوف، وهو يغفر له ويطهره ويخلصه من سلطة الخطية ودينونتها. فالذين رغبوا في أن يخلِّصوا أنفسهم بأعمالهم الصالحة وبرهم الذاتي هم تحت حمل لا يطاق من وفاء القوانين وزيارة الأماكن المقدسة والأصوام والأسهار والتقشف والصلوات الطويلة واعتزال الراحة والغِنى والحياة نفسها (وهذا أثقل مما تسمح رحمة الله أن تحمِّلهم إياه لو كان الخلاص بالأعمال) فهؤلاء يدعوهم المسيح إليه ليخلصوا ببره، ويستريحوا من أحمالهم.

أراد اليهود أن يكملوا كل فرائض ناموس موسى ليبرروا أنفسهم، فوقعوا تحت حمل ثقيل (متّى 23: 4 وأعمال 15: 10) وقد كمَّل المسيح الناموس، فهو يدعو اليهود إليه للراحة. والذين يجرون وراء اللذات في طرق الخطية التي هي خدمة الشيطان يجدون أنفسهم أخيراً تحت عبودية شر من عبودية مصر، إذ يقعون تحت عبودية البخل والكبرياء وطلب الرياسة والشهوات.

وَأَنَا أُرِيحُكُمْ لم يَعِدْنا المسيح أن نكون بلا حمل ولا تعب في هذه الأرض، إنما وعد بالراحة كل من ألقى حمله عليه. والراحة أعظم ما يحتاج إليه البشر. والعالم يعد بها كذباً، ولا يستطيع أحد إلا المسيح أن يهبها تامة وإلى الأبد. فهو يمنحنا الراحة لأنه رافع الخطية (يوحنا 1: 29، 36 وإشعياء 53: 4). ولأنه رئيس كهنة يرثي لضعفاتنا (عبرانيين 4: 15). وهو يريحنا من حمل التبرير بالأعمال، ويريح الضمير من التوبيخ، ويريح القلب من مخاوف الموت ويوم الدين. ويريحنا بأن يهب لنا الغفران والسلام والمصالحة، وقلباً وديعاً متواضعاً صابراً قنوعاً يثق به. فطوبى للنفس التي استراحت برجاء الخلاص بالمسيح، فلها به فوق هذا كله راحة أبدية في السماء (عب 4: 9).

29 «اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ».

يوحنا 13: 15 وفي 2: 5 و1بطرس 2: 21 و1يوحنا 2: 6 وزكريا 9: 9 وفيلبي 2: 7، 8 وإرميا 6: 16

هنا إشارة إلى ما يصيب زوجين من البقر معاً، فعليهما أن يشدّا النير بصورة منتظمة لكي يتقاسما الحمل. وفي هذا التشبيه يجعلنا المسيح شركاء له في حمل نير العالم لخلاصه، وهذا منتهى الشرف لنا والفرصة السانحة لنبرهن عن تكريس حياتنا لخدمته.

وَتَعَلَّمُوا مِنِّي باعتبار أنه نبي ومعلم عظيم يعلن الآب للناس (آية 27). ويتم ذلك بتعليمه بالكلام والسيرة، وبثبوته في الناس. وهو لا يأمر بشيء لم يمارسه.

لأَنِّي وَدِيعٌ الخ أول درس ينبغي أن يتعلمه الناس من المسيح هو التواضع والتأثر بتعليمه، وهو خير قدوة لنا في التواضع. فالجلوس عند أقدام المسيح وحفظ هذا الدرس سر الراحة الفضلى والمسرة الخالدة.

فَتَجِدُوا رَاحَةً أي أن الذين يأتون إليه ويتعلمون منه يدركون الراحة التي يسألونها غيره عبثاً (يوحنا 14: 27 و16: 33). وكثيراً ما تم هذا الوعد في أشد المصائب كما قال بولس «فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. لِذلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ» (2كورنثوس 12: 9، 10).

لِنُفُوسِكُمْ أي تستريح أرواحكم من أثقال الخطية وتعب الضمير.

30 «لأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيفٌ».

ميخا 6: 8 و1يوحنا 5: 3

زاد المسيح هذه الكلمات دفعاً للتوهم أن المسيحي يستبدل نيراً صعباً وحملاً ثقيلاً بمثيلهما.

نِيرِي هَيِّنٌ لأن المسيح يعين المؤمن به على حمله، ويهب النعمة الكافية لحامله، ولأن محبة المسيحي للمسيح تجعله لا يشعر بصعوبة حمله، ولأن لحامل ذلك النير وعداً بتواب جزيل. وإلا فذلك النير ليس هيناً، لأنه نير مقاومة الخطية، ونير الأحزان، ونير القيام بالواجبات. ولا يخفى ما في ذلك من الصعوبة على الطبع البشري وعدم قدرة الإنسان على حمله بدون معونة المسيح. ومع ذلك كله فإن نير المسيح أهون من كل نير. إنه أهون من نير الشريعة اليهودية مع ما أضافه إليها الكتبة والفريسيون من الطقوس والتقاليد. وأهون من نير الأديان الباطلة الذي على رقاب الوثنيين. وأهون من نير الشيطان الذي على رقاب عبيد اللذات والشهوات.

وَحِمْلِي خَفِيفٌ تقتضي خدمة المسيح إتمام واجبات كثيرة من جملتها حمل الصليب، لكنها تُسِر من قام بها، لأنها مصحوبة بسلام يفوق كل عقل (في 4: 7). إن حمل المسيح على المسيحي كالريش للطائر يزيد ثقله ولكنه لا يستطيع أن يعلو إلى السماء بدونه.

ومن آيتي 28، 29 نتعلم أن الداعي إلى الإقبال للمسيح أنه ابن الله الأزلي الذي صار إنساناً لأجلنا. وهو يدعو كل من شعروا بثقل الخطية وتعب الضمير، ويعدهم بالراحة والتعزية، على شرط أن يأتوا إليه ويتعلموا منه التواضع والمحبة.

الأصحاح الثاني عشر

معظم هذا الأصحاح يشرح المقاومة الشديدة للمسيح لسبب معجزاته وتعاليمه وقد جُمعت فيه الحوادث بقطع النظر عن أزمنتها.

1 «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ ذَهَبَ يَسُوعُ فِي ٱلسَّبْتِ بَيْنَ ٱلزُّرُوعِ، فَجَاعَ تَلاَمِيذُهُ وَٱبْتَدَأُوا يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ وَيَأْكُلُونَ».

تثنية 23: 25 ومرقس 2: 23 ولوقا 6: 1

اعترض الكتبة والفريسيون على المسيح قبل ذلك ثلاثة اعتراضات: (1) ادعاؤه السلطان على مغفرة الخطايا (متّى 9: 3)؛ و(2) مخالطته العشارين (متّى 9: 11)؛ و(3) إهماله الصوم وما شاكل ذلك من أنواع الزهد (متّى 9: 14 و11: 19). واعترضوا هنا على أنه لم يحفظ السبت حسب تقاليدهم، ولم يُلزم تلاميذه بذلك. وأراد البشير بالوقت بقوله «في ذلك الوقت» الزمن التابع للحوادث المذكورة في أصحاح 7.

فِي ٱلسَّبْتِ أي اليوم السابع من الأسبوع حسب الشريعة اليهودية، ولكن السبت المسيحي هو اليوم الأول منه وصار بدلاً من السابع بعد قيامة المسيح إكراماً لتلك القيامة.

بَيْنَ ٱلزُّرُوع كان الناس من أعداء وأصدقاء يزدحمون على المسيح فكان يضطر إلى اعتزالهم حين يريد الانفراد مع تلاميذه للصلاة. ولعل ذلك هو ما حمله على الذهاب بين الزروع، أو لعله كان راجعاً من الفصح الثاني بعد ابتدائه الخدمة (يوحنا 5: 1).

يَقْطِفُونَ سَنَابِلَ كانت تلك السنابل من الحنطة أو الشعير، وكان قطف الجائع لتلك السنابل من حقل غيره وفركها باليدين وأكلها أمراً عادياً شائعاً مباحاً حسب شريعة موسى (تثنية 23: 25). فنستنتج من قطف التلاميذ للسنابل أنهم فقراء، وكذلك المسيح. ومع أن المسيح كان معهم إلا أنهم لم يكن معهم خبز، واضطروا أن يدفعوا جوعهم بأكل حبوب السنابل. فكون الإنسان بلا خبز لا يعني أن الله تركه.

2 «فَٱلْفَرِّيسِيُّونَ لَمَّا نَظَرُوا قَالُوا لَهُ: هُوَذَا تَلاَمِيذُكَ يَفْعَلُونَ مَا لاَ يَحِلُّ فِعْلُهُ فِي ٱلسَّبْتِ».

كان الفريسيون يراقبون المسيح وتلاميذه دائماً ليمسكوهم في خطأ يشتكونهم عليه. فلم يلوموا التلاميذ على أنه ارتكبوا حراماً، بل على أنهم فعلوا ذلك يوم السبت، فإن الفريسيين كانوا محافظين كل المحافظة على شريعة موسى وعلى تقاليدهم، ففسروا قطف السنابل يوم السبت أنه بمنزلة الحصاد، وفركها بين اليدين بمنزلة الدرس، فحسبوها من المحرمات في السبت.

لقد غضَّ رؤساء اليهود النظر عما قصدته الشريعة بذلك اليوم من الفوائد الروحية، واقتصروا على الامتناع عن كل عمل فيه، وحسبوا من يحفظ السبت بهذا الأسلوب إسرائيلياً حقاً. فجاء في أحد كتبهم أنه يحرم في السبت 39 نوعاً من العمل. ولكن المشكل عندهم كان في تحديد نوع هذا العمل، فإن فرك السنابل باليد مثلاً كان يحسب عملاً ممنوعاً في السبت! بل إن قطفها هو نوع من الحصاد، فحسبوا أن التلاميذ قد ارتكبوا نوعين من الأعمال التسعة والثلاثين الممنوعة، هما الحصاد والتذرية. فهل بعد هذا تفكير أضيق؟! وجاء في كتاب آخر تعيين المسافة التي يجوز فيها المشي بشرط أن يكون صاحبها يحتاج كل الاحتياج.

3، 4 «3 فَقَالَ لَـهُمْ: أَمَا قَرَأْتُمْ مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ حِينَ جَاعَ هُوَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ، 4 كَيْفَ دَخَلَ بَيْتَ ٱللّٰهِ وَأَكَلَ خُبْزَ ٱلتَّقْدِمَةِ ٱلَّذِي لَمْ يَحِلَّ أَكْلُهُ لَهُ وَلاَ لِلَّذِينَ مَعَهُ، بَلْ لِلْكَهَنَةِ فَقَطْ».

1صموئيل 21: 1 - 6 خروج 25: 30 ولاويين 24: 5 الخ وخروج 29: 32 ولاويين 8: 31 و24: 9

ردَّ المسيح على اعتراض اليهود الباطل على تلاميذه بخمسة براهين، ذكر متّى أربعة منها وذكر مرقس الخامس. الأول مَا فَعَلَهُ دَاوُدُ عندما هرب من شاول وأتى إلى نوب وسأل الكاهن خبزاً فلم يجد سوى خبز التقدمة فأعطاه فأكل (1صموئيل 21: 1 - 6) وكان ما فعله داود معروفاً عندهم، وكانوا يعتبرون داود من أفضل رجال الله، ويستحق أن يقتدوا بأعماله. فالضرورة أباحت ذلك لداود. فإذاً الأعمال الضرورية مباحة في يوم الراحة، لا تخالف الوصية الرابعة. واضطرار التلاميذ كاضطرار داود فعملهم مباح كعمله. وأما البراهين الأربعة الباقية فسنذكرها في مكانها.

بَيْتَ ٱللّٰهِ أي المكان الذي يظهر الله حضوره فيه، وهو يصدق على خيمة الاجتماع كما يصدق على الهيكل الذي جاء بعدها. وكانت الخيمة وقت الحادثة المذكورة في نوب (1صموئيل 21: 1).

خُبْزَ ٱلتَّقْدِمَةِ هو اثنا عشر رغيفاً كانت توضع على مائدة في القدس، أي القسم المتوسط من الخيمة. وكان الكهنة يأتون بخبز جديد كل يوم سبت يضعونه على تلك المائدة، ويأخذون الخبز ويأكلونه (لاويين 24: 5 - 9). ولم يكن يجوز لغير الكهنة أن يأكل ذلك الخبز (خروج 25: 30). وكان هذا جزءاً مما أمر به الله من خدمة الخيمة أو الهيكل، فهو واجب كالسبت وإن كان أقل أهمية منه، لأن الله أمر بهما.

لَمْ يَحِلَّ أَكْلُه بحسب شريعة موسى التي لام الفريسيون التلاميذ على مخالفتها. فالمحافظة على الحياة في قصة داود حللت المحرم، وهكذا كان أمر التلاميذ. وفي 1صموئيل 21: 6 أن خبز التقدمة كان عندما أخذه داود سخناً إذ وضع في ذلك اليوم على المائدة، وهذا دليل واضح على أن داود أخذه يوم السبت (لاويين 24: 8).

5 «أَوَ مَا قَرَأْتُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ أَنَّ ٱلْكَهَنَةَ فِي ٱلسَّبْتِ فِي ٱلْهَيْكَلِ يُدَنِّسُونَ ٱلسَّبْتَ وَهُمْ أَبْرِيَاءُ؟».

عدد 28: 9 ويوحنا 7: 22

البرهان الثاني عمل الكهنة يوم السبت، وهو ذبح البهائم المقدمة في ذلك اليوم وسلخها وتقطيعها وإحراقها. فهذا كان حسب حرف الشريعة محرماً، لكنه جاز لأنهم خدموا به الله. فالعمل الذي تقتضيه الخدمة التي أمر بها الله في العبادة يحل يوم السبت.

فِي ٱلتَّوْرَاة أي خمسة أسفار موسى، والمقصود هنا سفر العدد منها، فإنه فيه ذُكر نوع الذبيحة المفروض تقديمها يوم السبت (عدد 28: 9، 10).

فِي ٱلْهَيْكَلِ حيث يتوقع حفظ الشريعة أكمل حفظ، فيكون تعدي الشريعة فيه أشرّ من كل تعدٍّ آخر.

يُدَنِّسُونَ المراد بالتدنيس هنا العمل في يوم السبت كسائر الأيام. فلو لم تكن غاية الكهنة من أعمالهم في يوم السبت عبادة الله لكانت تلك الأعمال تدنيساً للسبت.

يُدَنِّسُونَ لأنهم أطاعوا أمر الله بخدمتهم الهيكلية في يومه. فليس كل عمل محرماً في يوم الراحة بل الأعمال الدنيوية. فالاجتهاد في خدمة الله في يومه أمر واجب.

6 «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هٰهُنَا أَعْظَمَ مِنَ ٱلْهَيْكَلِ».

2أخبار 6: 18 وملاخي 3: 1ويوحنا 1: 3 وعبرانيين 3: 3

أراد المسيح بمن هو أعظم من الهيكل نفسه. وهنا البرهان الثالث على جواز عمل التلاميذ المذكور، وهو حضور المسيح معهم وكونهم في خدمته يومئذٍ. فإذا جاز عمل الكهنة في يوم السبت (وهو مخالف لحرف الشريعة) بسبب قداسة خدمتهم في الهيكل جاز بالأولى عمل التلاميذ لحضور المسيح معهم وقداسة خدمتهم إياه، لأنه هو هيكل الله الحقيقي على الأرض لأنه به حضر الله لشعبه. ولم يكن هيكل سليمان سوى رمز إليه (يوحنا 2: 19، 21). وكان التلاميذ حينئذٍ جياعاً فخارت قواهم. فلو لم يأكلوا حبوب السنابل ما استطاعوا خدمة سيدهم. فأبان المسيح في هذا الكلام أن خدمته أفضل من خدمة الهيكل. فلو لم يكن إلهاً حقاً لكان ذلك الكلام تجديفاً فظيعاً، لأنه ليس لأحدٍ غير الله أن يجيز للإنسان مخالفة الأوامر الإلهية.

7 «فَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لَمَا حَكَمْتُمْ عَلَى ٱلأَبْرِيَاءِ».

هوشع 6: 6 وميخا 6: 6 - 8 ومتّى 9: 13

مَا هُو أي ما معنى قول النبي «إني أريد» الخ. واقتبس المسيح هذا الكلام من نبوة هوشع 6: 6 ومعناه أن الله يفضل أعمال الرحمة على كل الأعمال الطقسية مهما عظم شأنها، واقتبسه المسيح مرة أخرى قبل هذه (انظر شرح متّى 9: 13)

رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً إن حدث وجوب الاختيار بين الرحمة والذبيحة، واستحال أن يجتمعا معاً، ووجب أن نختار واحدة منهما، فنختار الرحمة ونترك الذبيحة. ومثل ذلك قول الرسول «وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلاَ أَنْتَفِعُ شَيْئًا» (1كورنثوس 13: 3). فقد خالف الفريسيون شريعة الرحمة وهم يلومون التلاميذ بسبب أكلهم وهم في حاجة إلى الطعام، لأنهم حافظوا على شريعة السبت الطقسية.

ٱلأَبْرِيَاء أي التلاميذ الذين تبرأوا، لأن قطفهم الطعام كان من أعمال الرحمة، رحموا به أجسادهم، ولأنهم كانوا حينئذ يمارسون أعمال الرحمة والمحبة بخدمتهم للمسيح.

8 «فَإِنَّ ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ ٱلسَّبْتِ أَيْضاً».

البرهان الرابع على جواز عمل التلاميذ هو سلطان المسيح وإباحته لهم ذلك العمل. فالمسيح هو الله، وهو أحقُّ بتفسير شريعة السبت وتوضيح ما تأمر به وما تنهى عنه. فرضاه عن فعل تلاميذه هو تبرئة لهم. وهذه الآية تبرهن لاهوت المسيح صراحةً وبقاء شريعة يوم الراحة في النظام المسيحي.

ٱبْنَ ٱلإِنْسَان ورد هذا الاسم 87 مرة في العهد الجديد، ولم ينسب في مرة منها إلى غير المسيح.

رَبُّ ٱلسَّبْتِ السبت في سلطان المسيح ليجعله وفق الغاية التي وُضع لها، وهي مجد الله وما لا يجوز. وقوله إنه «رب السبت» لا يعني أن المسيح أبطل السبت، بل يدل على أنه أثبته، لأنه لو أبطل السبت لم يبقَ ربَّه. فالله عيَّن السبت لخدمته، والمسيح هو الله لقوله إنه رب السبت. فكل خدمة له في يوم الراحة تقديس لذلك اليوم. فللمسيح سلطان على السبت كما أن له سلطاناً على مغفرة الخطايا. وسلطانه على السبت سندٌ لإبدال اليوم السابع باليوم الأول، ليكون الأحد هو سبت الراحة. والمسيح أمر تلاميذه أن يعلموا كل ما أوصاهم به، وهم علموا المؤمنين أن يحفظوا يوم الأحد سبتاً للرب.

وزاد مرقس على هذه البراهين الأربعة برهاناً خامساً، هو قوله «السبت إنما جُعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت» (مرقس 2: 27) فيحقُّ للإنسان أن يعمل في السبت لحفظ حياته.

9 «ثُمَّ ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ وَجَاءَ إِلَى مَجْمَعِهِمْ».

مرقس 3: 1 ولوقا 6: 6

في الأعداد 9 - 13 مناظرة أخرى جرت بين المسيح والفريسيين التقليديين في حفظ يوم السبت. وذكر متّى هذه بياناً لشدة مقاومة الفريسيين الدائمة للمسيح، وردّ المسيح على اعتراضاتهم. وكانت نتيجة المناظرة أنهم عزموا على قتله.

ٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاك من موضع المناظرة، وهذا يعني أن المسيح كان يشغل وقته بالذهاب من موضع إلى آخر للتبشير (متّى 11: 1 و15: 29).

إِلَى مَجْمَعِهِم المرجح أن هذا المجمع كان في قرية كبيرة أو في مدينة بالجليل. وقال لوقا إن المسيح علم هناك (لوقا 6: 6).

10 «وَإِذَا إِنْسَانٌ يَدُهُ يَابِسَةٌ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ يَحِلُّ ٱلإِبْرَاءُ فِي ٱلسُّبُوتِ؟ لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْهِ».

لوقا 13: 14 و14: 4 ويوحنا 9: 16

يتناول الإنجيل هنا مسألة أخرى من جهة حفظ السبت، وهو هل يجوز عمل الشفاء فيه؟ رأينا في الأعداد 1 - 8 أن الشغل ممنوع أيضاً. وإذا كان ممنوعاً، فما هي حدود ذلك؟

يَدُهُ يَابِسَة ذكر لوقا أن هذه يده اليمنى، فالمصيبة عظيمة. وهذا أليبس نوعٌ من الشلل يُبطل الحركة ويمنع النمو، فهو كمرض يربعام (1ملوك 13: 4 - 6). ولا ضرورة للظن أن حضور ذلك الإنسان إلى المجمع كان بمؤامرة الفريسيين ليتخذوا شفاء المسيح إياه علة للشكوى، لأن المصابين كانوا يتبعون المسيح حيث ذهب.

فَسَأَلُوه أي الفريسيون (كما يظهر من عدد 14). وسأله الكتبة أيضاً (لوقا 6: 6 - 11). وسأله الهيرودسيون أيضاً (مرقس 3: 1 - 6). ولم يقصدوا بالسؤال أن يستفيدوا، بل أن يجدوا علة في جوابه يشتكون بها عليه، كما قصدوا أن يقللوا احترام الشعب للمسيح عندما يظهرونه مخالفاً لشريعة موسى ولإيجاد ما يشتكون به عليه للمجلس المحلي.

لِكَيْ يَشْتَكُوا عَلَيْه لرؤساء المجمع الذين هم المجلس المحلي. ويظهر من سؤالهم أنهم حسبوا الإبراء في السبوت محرماً.

11 «فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ وَاحِدٌ، فَإِنْ سَقَطَ هٰذَا فِي ٱلسَّبْتِ فِي حُفْرَةٍ، أَفَمَا يُمْسِكُهُ وَيُقِيمُهُ؟».

خروج 23: 4، 5 وتثنية 22: 4

أجابهم المسيح على سؤالهم لكي تجيبهم ضمائرهم بالجواب الصحيح وتبين لهم خطأهم بإنكارهم على المسيح عنايته بالناس، وهو ما لا ينكرونه على أنفسهم في عنايتهم بالبهائم.

أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُم أشار بهذا إلى أمر كثير الوقوع أجازته الشريعة اليهودية، لكن علماء اليهود غيّروا هذه الشريعة بعد ذلك، فلم يجيزوا لصاحب الخروف الساقط إلا أن يضع خشبات في الحفرة يصعد عليها الخروف وحده.

12 «فَٱلإِنْسَانُ كَمْ هُوَ أَفْضَلُ مِنَ ٱلْخَرُوفِ! إِذاً يَحِلُّ فِعْلُ ٱلْخَيْرِ فِي ٱلسُّبُوتِ».

الذي يجوز من أفعال الرحمة في السبوت للحيوان أولى أن يجوز فيها للإنسان. فإذاً أفعال الرحمة جائزة يوم الراحة للإنسان والحيوان.

13 «ثُمَّ قَالَ لِلإِنْسَانِ: مُدَّ يَدَكَ. فَمَدَّهَا. فَعَادَتْ صَحِيحَةً كَٱلأُخْرَى».

ما أثمن قيمة الإنسان في عيني يسوع، فكما أن ابن الإنسان هو رب السبت، كذلك فإن الإنسان نفسه يجب أن يستعمل السبت لأجل خيره وتقديسه. ومعنى تقديس السبت هو في تمجيد الله بخدمة الآخرين، لا سيما الذين هم أقل حظاً منا في الحياة. هوذا إنسان يده يابسة لا يستطيع العمل فيعيده يسوع للعمل والكرامة.

مُدَّ يَدَكَ لو لم يكن لذلك الإنسان إيمان ما استطاع أن يمد يده لأنها كانت يابسة لا قوة لها على أن تتحرك، فمده يده برهان على ثلاثة أمور: صدق إيمانه؛ والقوة الإلهية؛ وصحة المعجزة. وقد أظهرت المعجزة قوة الله الشافية، وإرادة المصاب أن يحرك يده. ولكن لا نعلم أي الأمرين سبق الآخر. وكما فعل ذلك الإنسان يومئذٍ يجب أن يفعل الخاطئ الآن، لأن المسيح يقول لكل خاطئ: آمن بي، كما قال له مد يدك. فمن أطاع الأمر الإلهي نال قوة على أن يؤمن، كما نال ذاك قوة على أن يمد يده اليابسة.

ولنا من هاتين الحادثتين والكلام عنهما معرفة ما يجوز عمله في يوم الرب، وهو الأعمال الضرورية، والأعمال الخيرية، والأعمال المأمور بها في عبادة الله، ولا يجوز غيرها في ذلك اليوم. فلا يجوز أن نحسب ما ليس بضروري ضرورياً، ولا أن ننفق شيئاً من ذلك اليوم بالنزهات أو الأعمال الدنيوية العادية. فالذي يفعل هذا يدَّعي بأن ما يخص رب السبت يخصه هو نفسه. فلا حقَّ لأحد أن يخالف شريعة يوم الرب، ولا حق له أن يخالف غيرها من وصايا الشريعة. نعم إن المسيح أبطل كل تقاليد الشيوخ وتعاليمهم الكاذبة التي غيَّروا بها يوم الراحة والعبادة، فجعلوه يوم عبودية. لكنه لم ينطق بكلمة يُظهر بها أنه قصد نسخ الوصية الآمرة بحفظه، بل أثبتها وبيَّن دوامها في النظام المسيحي بقوله: «ابْنَ الإِنْسَانِ هُوَ رَبُّ السَّبْتِ» (لوقا 6: 5).

فَعَادَتْ صَحِيحَةً أعلن المسيح في عددي 6، 8 أنه إلهٌ، وأثبت تلك الدعوى في هذا العدد، فخيب المسيح أمل الفريسيين أن يجدوا عليه علة للشكوى، لأنه لم يدنس فيها السبت بعملٍ جسدي لا ولا بحركة إصبع، فلم يمس المصاب ولم يقل له «اشفَ» بل اقتصر على أن أمره أم يمدَّ يده، وهذا ليس ممنوعاً يوم السبت.

14 «فَلَمَّا خَرَجَ ٱلْفَرِّيسِيُّونَ تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ لِكَيْ يُهْلِكُوهُ».

متّى 27: 1 ومرقس 3: 6 ولوقا 6: 11 ويوحنا 5: 18 و10: 39 و11: 53

هذا أول نبأ في بشارة متّى بأن الفريسيين عزموا بعد المؤامرة على قتل المسيح. وأما ما كان من أمر أهل الناصرة في أن يطرحوه من فوق الجبل فكان نتيجة هيجان الجمع على غير قصد. ولم يعزم الفريسيون على قتله إلا بعد أن عجزوا عن دفع حججه. وهذا ما حدث مع ألوف شهداء المسيح الأمناء، الذين سُجنوا ورجموا وجلدوا وأُحرقوا وأُغرقوا، لا بالحجة والبرهان.

تَشَاوَرُوا عَلَيْهِ المرجح أن الاجتماع للتشاور لم يكن عاماً، بل حُصر في فريسيي المدينة التي صُنعت فيها المعجزة. إلا أن مرقس ذكر أن الهيرودسيين اتفقوا معهم في المؤامرة، لأسباب دينية وسياسية وشخصية، وأعظمها حسدهم المسيح على اتباع الناس له. وما حدث بعد هذه المعجزة يرينا أن ليس للمعجزات تأثير حسن في المشاهدين إن كانوا من المتعصبين.

15 «فَعَلِمَ يَسُوعُ وَٱنْصَرَفَ مِنْ هُنَاكَ. وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ فَشَفَاهُمْ جَمِيعاً».

متّى 10: 23 ومرقس 3: 7 ومتّى 19: 2

فَعَلِمَ يَسُوعُ أي علم مؤامراتهم مع أنها كانت سرية.

ٱنْصَرَف إلى بحر الجليل (مرقس 3: 7) لأنه لو بقي لكان في خطر، إما من تحريك أعدائه رجال الحكومة عليه، وإما من تهييجهم أوباش المدينة عليه، وإما من أن يغتالوه أو يقتلوه مكراً. وانصرافه لم يكن عن خوف بل لحكمة، لأن ساعته للموت لم تكن قد أتت، وكان يجب أن يتمم وظيفته (باعتباره نبياً) في تعليم تلاميذه حقيقة ملكوته وقواعد نظامه، قبل أن يقدم جسده ذبيحة على الصليب (باعتباره كاهناً).

وَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ انصرافه لم يعطله عن عمل الخير، ولم يقسِّ جورُ الناس عليه قلبه. وقد «تبعه جمع كثير من الجليل ومن اليهودية ومن أورشليم ومن أدومية ومن عبر الأردن والذين حول صور وصيدا» (مرقس 3: 7، 8) وكان سكان بعض تلك الأماكن من الأمم. فالذين سمعوه كان بعضهم من الأمم، فاقتبس (في عدد 21 من هذا الأصحاح) قول إشعياء «على اسمه يكون رجاء الأمم».

فَشَفَاهُمْ جَمِيعا أي شفى جميع المصابين بين أولئك الجموع.

16 «وَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يُظْهِرُوهُ».

متّى 9: 30

لأنه لم يرد أن يزيد غضب أعدائه عليه لزيادة انتشار شهرته، لئلا يعطلوه عن التبشير. ولم يرد أن يظهر أن شفاء الأجساد أهم من شفاء النفوس بتعليمه الإلهي. وأبى أن يجعل في قلوب الناس آمالاً دنيوية لئلا يقيموه ملكاً بالرغم منه، ولئلا ينشئ في قلوب ولاة الرومان خوف الفتنة. وتوصيته إياهم بأن لا يظهروه برهان تواضعه.

17 «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإِشَعْيَاءَ ٱلنَّبِيِّ».

إشعياء 2: 1 - 4

أراد البشير أن يبين أن اعتزال المسيح الجموع كان وفق نبوة إشعياء (إشعياء 42: 1 - 4). وامتاز متّى عن سائر البشيرين باقتباسه كلام الأنبياء وبيان إتمامه بالمسيح. ولم يقتبس هنا كلام النبوة بلفظه تماماً، بل بمعناه. لقد انتظر اليهود أن يكون مسيحهم رئيس جيش منتصراً، فلما رأوا يسوع يعتزل الجموع حكموا بأنه ليس المسيح، فأورد متّى هذه النبوة ليبين خطأهم بذلك الحكم، وأن تصرف يسوع تحقيق لنبوَّة إشعياء.

18 «هُوَذَا فَتَايَ ٱلَّذِي ٱخْتَرْتُهُ، حَبِيبِي ٱلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ فَيُخْبِر ٱلأُمَمَ بِٱلْحَقِّ».

متّى 3: 17 و17: 5

فَتَايَ وفي العبرانية «عبدي» لأنه وهو ابن الله أخذ صورة عبد (في 2: 7) ومع كونه ابناً تعلم الطاعة (عبرانيين 5: 8).

ٱلَّذِي ٱخْتَرْتُهُ اختار الله المسيح ليكون رسوله ومخلِّص شعبه، لأن الحكمة الإلهية لم تر غيره لائقاً لتلك الوظيفة من الناس والملائكة.

ٱلَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي وهذا ما قاله الآب بصوتٍ من السماء (متّى 3: 17) فكل رجائنا في قبول الآب لنا مبنيٌ على أن المسيح نائبنا مختار محبوب، سُرت به نفس الآب.

أَضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ حدث هذا بعلامة منظورة وقت معمودية يسوع (متّى 3: 16) فصار أهلاً لممارسة وظيفته (يوحنا 3: 34).

فَيُخْبِر ٱلأُمَمَ بِٱلْحَقِّ الحق هو خلاصة المسيحية والإنجيل، بدليل قوله في عدد 20 «حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» إشارة إلى انتشار الإنجيل في كل الأرض. وهذا لا يناقض أن المسيح أُرسل إلى اليهود لا إلى الأمم، لأن ذلك مقصور على خدمة المسيح الشخصية وهو على الأرض.

19 «لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي ٱلشَّوَارِعِ صَوْتَهُ».

هذا العدد يكمل عدد 18، وفيه بيان صفات المسيح باعتبار شخصيته واعتبار وسائط تأسيس ملكوته وامتداده. أما صفاته الشخصية فهي الوداعة واللطف والحلم وحب السلام واعتزال الجاه والمجد العالمي. وأما وسائط امتداد ملكوته فكانت روحية، قائمة بالهدوء والانفعالات القلبية. فما كان المسيح يصيح كأبطال الحرب، ولا كان يطلب النصرة بكلام الافتخار أو بضجيج المناداة أو بهتاف تابعيه في الشوارع أو بالجدال العنيف أو بالإجبار أو علامات الجاه. لقد كان مختلفاً عن الكتبة محبي الخصومات، وولاة الرومان الذين كان دأبهم الإجبار، وأعمال المسحاء الكذبة في تهييج الفتن. وعلى ذلك يكون الدين الحق في كل عصر وديعاً هادئاً لطيفاً لا يقوم بالصياح ولا الخصومة ولا الإجبار ولا كلام الافتخار فهو محصور في المحبة والتوبة والإيمان والوقار والتقوى.

20 «قَصَبَةً مَرْضُوضَةً لاَ يَقْصِفُ، وَفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً لاَ يُطْفِئُ، حَتَّى يُخْرِجَ ٱلْحَقَّ إِلَى ٱلنُّصْرَةِ».

بهذا يتجلى لطف المسيح الحقيقي، فهو يواسي المساكين ويشفي المرضى، ولكنه كان يعنِّف المتغطرسين والمتكبرين والمرائين المنافقين الذين يتسترون باسم الدين وهو منهم براء.

هذا العدد كالعدد الذي قبله يكملان عدد 18 حيث قيل «فَيُخْبِرُ الأُمَمَ بِالْحَقِّ» وقيل في هذا «حَتَّى يُخْرِجَ الْحَقَّ إِلَى النُّصْرَةِ» وما بين هاتين العبارتين بيان وسائل تحقيق النصرة. وكلها تظهر أن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم (يوحنا 18: 36) وإنه لم يأت بمراقبة (لوقا 17: 20) بحسب القول «لاَ بِالْقُدْرَةِ وَلاَ بِالْقُوَّةِ، بَلْ بِرُوحِي قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ» (زكريا 4: 6) ووفق قول مؤسس ذلك الملكوت «لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ» وقوله «لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ» (يوحنا 18: 36، 37).

قَصَبَةً مَرْضُوضَةً ... َفَتِيلَةً مُدَخِّنَةً هاتان في غاية الضعف. فالقصبة جوفاء فارغة. فإن كانت مرضوضة كانت في غاية الضعف تُقصف بأقل قوة. والفتيلة المدخنة هي فتيلة السراج إذا نفد زيته، فأضعف نفخة تطفئها. ويراد بكلام بالمثلين: القلب المنسحق بالتوبة والندامة، والقلب الذي فيه بقية من أشعة المحبة والإيمان. والمعنى أن المسيح لا يقسو على التائبين بالتوبيخ والإنذار لما سلف من آثامهم، بل يقويهم ويعزيهم ويجبر قلوبهم المنكسرة، ويأتي بزيت النعمة للقلوب التي بقي فيها قليل من نار المحبة والغيرة الدينية. فالخاطئة التي أتت بيت سمعان وغسلت قدمي المسيح بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها كانت «قصبة مرضوضة» أراد سمعان أن يقصفها، أما المسيح فجبر كسر قلبها (لوقا 7: 37 - 48). وزكا عشار أريحا كان فتيلة مدخنة أراد الفريسيون أن يطفئوها ولكن المسيح أتاها بزيت النعمة فأوقدها (لوقا 19: 1 - 10).

ٱلنُّصْرَة هي غاية المسيح وملكوته، ولا بد من أن تكون مجيدة. ولو أنها لم تكن كما توقعها اليهود من مسيحهم.

21 «وَعَلَى ٱسْمِهِ يَكُونُ رَجَاءُ ٱلأُمَمِ».

عَلَى ٱسْمِه أي عليه نفسه. ويُظهر هذا العدد شدة حاجة العالم إلى عمل المسيح الخلاصي، وهو ينبئ أن رسالة المسيح هي لكل العالم، إذ تنضم الأمم إلى مملكته. وذكر مرقس أن كثيرين من الذين تبعوا المسيح في ذلك الوقت كانوا من الأمم (مرقس 3: 7، 8) ولا بد أنهم فرحوا بقول المسيح في هذا العدد.

ٱلأُمَمِ هذا على ما في الترجمة السبعينية، وفي العبرانية «الجزائر». ولا بد أن يكون المقصود سكان تلك الجزائر، وهم كانوا من الأمم. فالمراد بالكلمتين واحد، وهو أن الأمم يسمعون الإنجيل ويقبلونه.

22 «حِينَئِذٍ أُحْضِرَ إِلَيْهِ مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَسُ فَشَفَاهُ، حَتَّى إِنَّ ٱلأَعْمَى ٱلأَخْرَسَ تَكَلَّمَ وَأَبْصَرَ».

متّى 9: 32 ومرقس 3: 11 ولوقا 11: 14

ذكر متّى هذه الحادثة ليبين مقاومة أخرى من رؤساء اليهود للمسيح، وإنذار المسيح الرهيب على أثر ذلك.

مَجْنُونٌ أَعْمَى وَأَخْرَس يُفهم من القرينة أن عماه وخرسه كانا نتيجة سكنى الشيطان فيه. فمصيبته كانت من شر المصائب وأشد من مصيبة المجنون الذي ذُكر في متّى 9: 32، 33، لأن ذاك كان مصاباً بالخرس وليس العمى.

23 «فَبُهِتَ كُلُّ ٱلْجُمُوعِ وَقَالُوا: أَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ دَاوُدَ؟».

فَبُهِتَ كُلُّ ٱلْجُمُوعِ هذه المعجزة المثلثة الشفاء أثرت في الناس تأثيراً غريباً، كما دلَّ عليه قوله «بهت» أي تحير ودُهش كثيراً، فسألوا هذا السؤال.

أَلَعَلَّ هٰذَا هُوَ ٱبْنُ دَاوُدَ؟ أي ألعله المسيح المنتظر الذي قالت النبوات إنه يكون نسل داود؟ (مزمور 110). وابن داود لقبه الغالب على ألسنة اليهود. وسألوا ذلك لاستنتاجهم أنه لا يقدر على هذا العمل إلا المسيح (متّى 9: 27). وسؤالهم هذا أخاف الفريسيين وأغاظهم وحملهم على التجديف الآتي.

24 «أَمَّا ٱلْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا قَالُوا: هٰذَا لاَ يُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ إِلاَّ بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ».

متّى 9: 34 ومرقس 3: 22 ولوقا 11: 15

بعلزبول هو من آلهة الساميين القدماء، وقد دعاه اليهود «بعلزبوب» أي إله الذباب، للتحقير. ثم جعلوه «رئيس الشياطين» زيادة في الاستهزاء. والفريسيون هنا هم الكتبة (وهم قسم من الفريسيين) أتوا من أورشليم لمجرد أن يراقبوا أعمال المسيح ويمحو تأثيرها (مرقس 3: 22). فالظاهر أن رؤساء الأمة اليهودية اضطربوا كثيراً من نجاح المسيح، ورأوا أنه من أهم الأمور أن يحفظوا مقامه ويمنعوا انتشار صيته بعد ذلك.

وأرسل رؤساء اليهود قبل هذا لجنة كهذه إلى يوحنا المعمدان سألته: من هو؟ ولماذا يُعمِّد؟ ولم يكن ممكناً أن ينكر الفريسيون المعجزة، فلم يبق لهم واسطة لمنع تأثيرها في الشعب إلا بأن ينسبوها إلى السحر ومشاركة المسيح للأرواح الشريرة. وهذا يدل على شر قلوبهم وعداوتهم وضعف حجتهم وصحة معجزة المسيح التي لو أمكنهم إنكارها ما قصروا عنه. فعدم اقتناعهم بمعجزات المسيح وإيمانهم به ليس إلا لعمى قلوبهم وقساوتها، ومحبتهم الظلمة والضلال أكثر من محبتهم للنور والهدى.

بَعْلَزَبُولَ هو اسم إهانة لبعلزبول أي إله الذباب وكان أحد آلهة الفلسطينيين (2ملوك 1: 2، 3، 6). عبدوه لاعتقادهم أنه وقاهم من ضربة الذباب وما شابهه من البعوض والهوام الضارة. أو لأن تمثاله كان كهيئة ذبابة. فبدل اليهود الباء في آخر اسمه باللام للإهانة. لقد نسب الكتبة معجزة المسيح إلى قوة الشيطان بعد تشبيهه ببعلزبول، وهذا دليل واضح على غاية بغضهم للمسيح واحتقارهم إياه.

رَئِيسِ ٱلشَّيَاطِينِ أي رئيس الملائكة الذين سقطوا من المقام الأسنى. ويُعرف بإبليس والشيطان. ولقبه اليهود ببعلزبول لزيادة الإهانة. اتهم الكتبة يسوع بمشاركة أنجس الأبالسة لكي يُخرج بقوته الشياطين الذين هم دونه، فارتكبوا بذلك أفظع تجديف. ولا يزال أعداء الإنجيل إلى اليوم يلقبون المسيحيين بأقبح الألقاب وينسبون إليهم شر الأعمال.

25 «فَعَلِمَ يَسُوعُ أَفْكَارَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: كُلُّ مَمْلَكَةٍ مُنْقَسِمَةٍ عَلَى ذَاتِهَا تُخْرَبُ، وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْتٍ مُنْقَسِمٍ عَلَى ذَاتِهِ لاَ يَثْبُتُ».

متّى 9: 4 ويوحنا 2: 25 ورؤيا 2: 23

كُلُّ مَمْلَكَةٍ ردَّ يسوع تهمتهم الفظيعة بدليل مبني على مبادئ سياسية يُسلم بها الجميع، وهي أن المملكة الواحدة إذا حارب بعضها بعضاً خربت لا محالة. ولا نظن ملكاً يبلغ به الجهل أن ينشئ حرباً بين رعاياه. فإذا استحال ذلك في ملك بشري فبالأولى أن يستحيل في أمر الشيطان الذي هو أحكم من الناس، كما أنه أشر منهم. فلا يتوقع أن يفسد عمله عمداً، وهو الذي بدأه منذ بداءة العالم. فمُهلك غيره لن يهلك نفسه.

فمن أوضح المبادئ أن نجاح المملكة متوقف على اتحاد رؤسائها واتفاقهم في الرأي والعمل. فمملكة الشيطان بأسرها مع ما بين جنودها من روح البغضة والخصام متحدة كل الاتحاد على مقاومة ملكوت المسيح.

وَكُلُّ مَدِينَةٍ أَوْ بَيْت ما صدق على المملكة يصدق على المدينة والبيت. فإن حارب بعض أهل مدينة بعضاً، وإن قاوم بعض عائلة بعضاً فلا بد أن تكون النتيجة خراب تلك المدينة أو ذلك البيت. فهل يجهل الشيطان أمراً واضحاً لكل إنسان؟ وهل يقلب عرشه بيده؟

26 «فَإِنْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يُخْرِجُ ٱلشَّيْطَانَ فَقَدِ ٱنْقَسَمَ عَلَى ذَاتِهِ. فَكَيْفَ تَثْبُتُ مَمْلَكَتُهُ؟».

ما صدق على المملكة والمدينة والبيت يصدق على الشخص. فإن حارب الشيطان نفسه ما أمكنه أن يثبت، ولأبطل قوته وهدم مملكته. فأورد المسيح ذلك ليبين استحالة تهمتهم أنه شريك لعدوِّه، واستحالة ظنهم أن الشيطان يساعده على إخراج جنوده من الناس بعدما أرسلهم ليدخلوا فيهم ويعذبوهم، واستحالة حكمهم أن الشيطان يخرب بإحدى يديه ما يبنيه بالأخرى.

27 «وَإِنْ كُنْتُ أَنَا بِبَعْلَزَبُولَ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَأَبْنَاؤُكُمْ بِمَنْ يُخْرِجُونَ؟ لِذٰلِكَ هُمْ يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ».

أَبْنَاؤُكُم أي أبناء أمتكم اليهود وتلاميذكم وأتباعكم. وفي هذا العدد دفع ثان لتلك التهمة. فإن ما اتهموه به أن صحَّ عليه، صح على أبنائهم الذين يدَّعون أنهم يخرجون الشياطين، ويُصدِّق الناس أنهم يفعلون ذلك. إنهم لا يتهمونهم بمشاركة للشياطين، فبأي حق يتهمون المسيح بذلك؟ ويظهر ادعاء اليهود أن لهم قوة على إخراج الشياطين من أعمال 19: 13 فقد كان لسكاوا رئيس كهنة لليهود سبعة بنين يدَّعون تلك القوة، وذُكر مثل ذلك في تاريخ يوسيفوس. فلم يقل المسيح أنهم كانوا يُخرجون الشياطين حقاً. والمرجح أنهم لم يستطيعوا ذلك بدليل ما قيل في متّى 9: 33. فعندما كان المسيح يُخرج شيطاناً كان المشاهدون يشهدون بأنه «لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ مِثْلُ هذَا فِي إِسْرَائِيلَ!».

يَكُونُونَ قُضَاتَكُمْ أي يثبتون كذبهم وبغضهم وظلمهم، إذ ينسبون إليه ما ينسبونه إليهم، مع أن الفعل واحد. والأبناء يحكمون على آبائهم عقلياً لا لفظياً.

28 «َلٰكِنْ إِنْ كُنْتُ أَنَا بِرُوحِ ٱللّٰهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ، فَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰهِ».

دانيال 2: 44 و7: 14 ولوقا 1: 33 و11: 20 و17: 20، 21

ذكر المسيح في هذا العدد النتيجة التي كان على الكتبة أن يستنتجوها لو تبعوا أحكام عقولهم، ولو لم تكن قلوبهم عمياء قاسية.

بِرُوحِ ٱللّٰه أي أنه ثبت مما بيَّنه لهم أن إخراج الشياطين لا يمكن أن يكون بقوة الشيطان. فإذاً لا بد من أن يكون بقوة روح الله، أي بقوة الله نفسه.

أَقْبَلَ عَلَيْكُمْ مَلَكُوتُ ٱللّٰه الله لا يعمل المعجزات ليثبت بها الكذب. فإذاً دعوى يسوع صحيحة، وملكوت الله قد أتى، ومُلك المسيح ابتدأ حسبما أنبأ الأنبياء وتوقع اليهود. ولو أن شيوخ اليهود أخطأوا في ماهية حكمه. وهذا برهان قاطع على أن المسيح أتى، وملكوته تأسس، ولو أن رؤساء اليهود لم يقتنعوا بذلك البرهان.

29 «أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلاً، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ؟».

إشعياء 49: 24 ولوقا 11: 21 - 23

أورد المسيح هنا مثلاً من الحوادث اليومية المألوفة ليوضح لهم عدم صحة دعواهم أنه شريك الشيطان، وليبرهن صحة دعواه أنه يقاومه. فقال إنه إذا سُلب أحد الأغنياء لا يصدق أحدٌ أنه هو سلب نفسه، بل يؤكد الجميع أن السالب عدوٌ له أقوى منه. فكان يجب أن الكتبة عندما رأوا أن الشيطان فقد قوته وطُرد من حصنه يستنتجون أن من هو أقوى من إبليس رئيس هذا العالم التقى به وهزمه (يوحنا 12: 31 و16: 11).

بَيْت أي نفس الإنسان الذي دخله الشيطان.

ٱلْقَوِيّ أي الشيطان.

أَمْتِعَتَهُ أي آلاته، وأراد بها جنوده الأبالسة الذين يدخلون الناس. فإخراج المسيح تلك الجنود وسكنه محلها في قلب الإنسان برهان على أنه أقوى من الشيطان، وأنه ربطه واستولى على بيته.

30 «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ».

قال المسيح إنه والشيطان في حرب دائمة، وزاد على ذلك هنا أن كل من ليس معه هو عدوٌ له كالشيطان، وشريك لذلك الروح الشرير. وكان الكتبة ضده، فيكونون بذلك أعداءه وشركاء الشيطان، فبدل أن يثبتوا شركته للشيطان أثبت عليهم تلك الشركة عينها. وأظهر المسيح بهذا الكلام أن الحياد في تلك الحرب العظيمة بين ملكوته وملكوت الشيطان غير جائز، وأنه يحسب من لا يحارب معه بكل قوته عدواً له (رومية 8: 7).

وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ هذا مثل مأخوذ من عمل الحصاد، وهو به يوضح ويؤكد أن «مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ». فالذي لا يجمع النفوس مع المسيح للخلاص يبددها ويمنعها من الخلاص فيهلكها. وخلاصة كل ذلك أن في هذا العالم مملكتين فقط، هما مملكة النور ومملكة الظلمة، أو مملكة الحق ومملكة الباطل، أو مملكة البر ومملكة الإثم، أو مملكة الله ومملكة الشيطان. وهاتان المملكتان متضادتان، لا تنتهي الحرب بينهما، وليس فيها صلح ولا هدنة. فكل مخلوق عاقل لا بد من أن يكون من إحدى تلك المملكتين في الدنيا وفي الآخرة، يشارك جنودها هنا في العمل، ويشاركهم هناك في الجزاء.

31 «لِذٰلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ، وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيفُ عَلَى ٱلرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ».

مرقس 3: 28 ولوقا 12: 10 وأعمال 7: 51 وعبرانيين 6: 4 - 6 و10: 26 - 29 و1يوحنا 5: 16

اكتفى المسيح بما قاله من العدد 25 - 30 بالرد على الكتبة بدعواهم أنه شريك الشيطان، وأخذ هنا يبكتهم على تجديفهم عليه وبغضهم له بأن يظهر لهم فظاعة إثمهم وشر العقاب الذي عرضوا أنفسهم له.

لِذٰلِكَ أي لتهمتكم الباطلة الناتجة عن الحسد والبغض.

أَقُولُ لَكُمْ أي أنا ابن الله وابن الإنسان، أقول لكم أيها الأعداء الذين تتهمونني كذباً.

كُلُّ خَطِيَّةٍ مهما كانت فظيعة يمكن أن تُغفر إلا الخطية التي ذكرها بعد ذلك.

وَأَمَّا ٱلتَّجْدِيف التجديف أكبر من الحلف، لأنه أعظم إهانة لله ودينه، ولأنه يُرتكب عن عمد.

عَلَى ٱلرُّوحِ شرح المقصود بالتجديف على الروح في العدد الآتي.

32 «وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ٱبْنِ ٱلإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ، لاَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَلاَ فِي ٱلآتِي».

هذا شرح العدد 31. والتجديف على الروح القدس هو الاسترسال في المكابرة رغم معرفة الصواب، بل هو زيادة التحقير للصواب حتى يعتاد القلب على العمى الروحي فلا يقتنع لأنه لا يريد الاقتناع، لذلك لا يغفر له أبداً.

عَلَى ٱبْنِ ٱلإِنْسَان على المسيح في اتضاعه، أي وهو في صورة عبد على الأرض (فيلبي 2: 7). فيكون قصده أن الطعن فيه (ما دام لاهوته محجوباً) إثم يُغفر. وواضحٌ أن ذلك الغفران يُنال على شرط أن يكون مقروناً بالتوبة وطلب المغفرة. ومن أمثال ذلك تعييرهم إياه بأنه من الناصرة، وأنه محب للعشارين والخطاة، وأنه أكول وشريب خمر. ومن أمثاله ما ارتكبه شاول الطرسوسي قولاً وفعلاً.

وَأَمَّا... عَلَى ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُس المقصود بهذا أن الروح القدس شهد أن يسوع هو المسيح، فكانت مقاومة الكتبة له بالبغض والإهانة مقاومة للروح القدس نفسه، وذلك إثم لا يغفَر (انظر مرقس 3: 30). لقد نسبوا القوة التي صنع بها المسيح المعجزات إلى الشيطان، والمسيح صنعها بقوة الروح القدس، فيكونون قد أنزلوا ذلك الروح مصدر كل خير منزلة الشيطان مصدر كل شر، وهذا أفظع تجديف.

فَلَنْ يُغْفَرَ لَه وسبب ذلك أن ليس لهذه الخطية مغفرة، إذ لا يرتكبها إلا الذين حصلوا على أحسن معرفة بالحق كالكتبة الذين شاهدوا براهين لاهوت المسيح بمعجزاته (عبرانيين 6: 4 - 7 و10: 26، 27)؛ وأن مرتكبها لا يمكن أن يتوب ويطلب المغفرة لأن الذي يأتي بالخاطئ إلى التوبة هو الروح القدس الذي أغاظه الخاطئ بمقاومته عمداً حتى فارقه.

والذين في خطر الوقوع في هذه الخطية هم أولاد المسيحيين إذا بقوا بلا توبة، والعاملون في بيوت الأتقياء، والذين واظبوا على سماع الوعظ والإنذار ولم يتأثروا. والذين في خطر مقاومة الروح القدس هم الذين يرفضون تنبيهاته وتوبيخاته، ويتخذون فعله في تجديد القلب موضوعاً للهزء والضحك، لأنهم مشغولون بالملاهي والملذات الدنيوية.

لاَ فِي هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَلاَ فِي ٱلآتِي يوضح مرقس ذلك بقوله «وَلكِنْ مَنْ جَدَّفَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَيْسَ لَهُ مَغْفِرَةٌ إِلَى الأَبَدِ، بَلْ هُوَ مُسْتَوْجِبٌ دَيْنُونَةً أَبَدِيَّةً» (مرقس 3: 29) وقد قسم اليهود الزمان كله إلى قسمين عظيمين: الحاضر، والمستقبل. وسمّوا الأول «هذا العالم» والثاني «العالم الآتي». فذكر متّى القسمين بمعنى أن ذلك الذنب لن يُغفر أبداً. فإذاً الخطايا قسمان: قسم يُغفَر وقسم لا يُغفَر. فكما أن الذي يُغفر يُغفر إلى الأبد، كذلك الذي لا يُغفَر لن يغفر إلى الأبد. ولا صحَّة لزعم البعض أن بعض الخطايا تُغفر في العالم الآتي وإن لم تُغفر هنا.

33 «اِجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ جَيِّدَةً وَثَمَرَهَا جَيِّداً، أَوِ ٱجْعَلُوا ٱلشَّجَرَةَ رَدِيَّةً وَثَمَرَهَا رَدِيّاً، لأَنْ مِنَ ٱلثَّمَرِ تُعْرَفُ ٱلشَّجَرَةُ».

متّى 7: 17 لوقا 6: 43، 44

إذا نظرنا في هذه الآية بقطع النظر عن القرينة رأيناها وفق قول المسيح في وعظه على الجبل (متّى 7: 16 - 20) ومعناه أنه يجب على من يقولون إنهم أتقياء أن يجعلوا حياتهم وفق كلامهم. ومن القرينة نرى أن قصد المسيح أنه يجب على الذين اتهموه بأنه شريك الشيطان أن يقيسوا أعماله على هذا القياس، أي أن يحسبوا الشجرة جيدة إذا رأوا ثمرها جيداً، ويحسبوها رديئة إذا رأوا ثمارها رديئة. فكأن المسيح يقول: إن كانت أعمالي جيدة يستحيل أن تكون بشركة الشيطان، لأن الشيطان مصدر كل شر لا شركة له في شيء من الأعمال الحسنة فإن الكتبة سمعوا أقوال المسيح وشاهدوا أعماله. فإذاً لا عذر لهم على تلك التهمة الباطلة، لأن إخراج الشيطان من الإنسان وشفاءه من الأثمار الجيدة.

34، 35 «يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ ٱلْفَمُ لإِنْسَانُ ٱلصَّالِحُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلصَّالِحِ فِي ٱلْقَلْبِ يُخْرِجُ ٱلصَّالِحَاتِ، وَٱلإِنْسَانُ ٱلشِّرِّيرُ مِنَ ٱلْكَنْزِ ٱلشِّرِّيرِ يُخْرِجُ ٱلشُّرُورَ».

متّى 3: 7 و23: 33 ولوقا 6: 45

بعد أن وبخ المسيح الكتبة على افترائهم الباطل قال إن ذلك الافتراء يدل على سوء نواياهم وطباعهم، دلالة الإثمار على الشجرة.

يَا أَوْلاَدَ ٱلأَفَاعِي هذا ما لقب به يوحنا المعمدان أمثال هؤلاء من الكتبة (متّى 3: 7). ولقبوا بذلك نسل الحية المذكور في تكوين 3: 15 الذي يقاومه نسل المرأة (أي المسيح) دائماً وينتصر عليه أخيراً. فالكتبة بين الناس كالأفاعي بين الحيات، فإنها اشتهرت بالسم وإيقاع الضرر.

كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِٱلصَّالِحَاتِ ما دامت صفاتكم كذلك لا يمكنكم أن تتكلموا إلا بمثل ما قلتم عليَّ.

مِنْ فَضْلَةِ ٱلْقَلْب شبَّه القلب بنبع والكلام بما يجري من النبع، فيمكن أن يُعرف القلب من الكلام كما يُعرف النبع من الماء الجاري منه.

ٱلْكَنْزِ يُقصَد بالكنز هنا أشياء مجموعة بغضّ النظر عن قيمتها، فيحتمل أن يكون حسناً أو رديئاً. والكنز هو ما حصل عليه الإنسان من التعاليم والتربية والعادات وأسلوب التفكير والاتجاهات والميول. وخلاصة هاتين الآيتين أن قلوب الناس تُعرف مما يتكلمونه به اختياراً بلا خوفٍ أو حياء كما تكلم هؤلاء الكتبة، فكلماتهم الشريرة برهنت أن كنز قلوبهم شرير.

36 «وَلٰكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا ٱلنَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ ٱلدِّينِ».

انظر جامعة 2: 14

كلام الإنسان دليل واضح على صفاته، وهو من جملة ما يحاسب الله عليه يوم الدين. وقد قال البعض أن لا حساب على الكلام، إذ لا طائل تحته.

كُلَّ كَلِمَةٍ أي غير نافعة كما هو مفهوم عموماً، لكن القرينة تدل على أن المسيح أشار بذلك إلى الكلمات الشريرة التي قالها الكتبة عليه، فأنذرهم بأن الله يحاسبهم عليها كما يحاسبهم على أفعالهم. ولا ريب أن ذلك يصدق أيضاً على كل الكلمات الكاذبة والكلمات النجسة وكلمات التذمر والكلمات المهيجة الخصومات. قال سليمان الحكيم «اَلْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ فِي يَدِ اللِّسَانِ» (أمثال 18: 21) وقال داود «اجْعَلْ يَا رَبُّ حَارِسًا لِفَمِي. احْفَظْ بَابَ شَفَتَيَّ» (مزمور 141: 3) وقال الرسول «لِيَكُنْ كَلاَمُكُمْ كُلَّ حِينٍ بِنِعْمَةٍ، مُصْلَحًا بِمِلْحٍ» (كولوسي 4: 6).

37 «لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ».

ما أعظم قيمة الكلام في نظر المسيح، فمن فضلة القلب يتكلم اللسان، فهو المعبر الحقيقي عن الفكر، وهو أعظم أداة للإعراب عما في داخلنا. فالناس لا يستطيعون أن يروا قلوبنا ولا يعرفوها، ولكنهم يسمعون كلامنا ويفهمون ما نحن ويحكمون علينا. وفي هذه القاعدة لخَّص المسيح كل ما قاله في هذا المعنى.

بِكَلاَمِك لأن الكلام يبين صفة القلب، لذلك اتخذه الناس مثلاً فيقولون «الكلام صفات المتكلم». وليس المعنى أن الحساب مقصور على الكلام بدون نظر إلى الأعمال، بل المقصود (كما في عدد 36) أن الكلام من جملة ما يحاسَب الإنسان عليه. فبكلماتنا نكتب تاريخ حياتنا والقائمة التي ندان أو نتبرر بها يوم الدين. إن نسيناها فالله لا ينساها «اللِّسَانُ نَارٌ! عَالَمُ الإِثْمِ. هكَذَا جُعِلَ فِي أَعْضَائِنَا اللِّسَانُ، الَّذِي يُدَنِّسُ الْجِسْمَ كُلَّهُ، وَيُضْرِمُ دَائِرَةَ الْكَوْنِ، وَيُضْرَمُ مِنْ جَهَنَّمَ» (يعقوب 3: 6)

تَتَبَرَّرُ الإنسان يتبرر قدام الله بالإيمان لأنه وحده يعرف قلوب الناس، ولكنه يتبرر أمام الناس الذين لا يستطيعون معرفة القلوب بالكلام والأعمال التي تشهد بما في القلب.

38 «حِينَئِذٍ قَالَ قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ: يَا مُعَلِّمُ، نُرِيدُ أَنْ نَرَى مِنْكَ آيَةً».

متّى 16: 1 ومرقس 8: 11 ولوقا 11: 16 ويوحنا 2: 18 و1كورنثوس 1: 22

قَوْمٌ مِنَ ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ أي غير الذين جدفوا عليه منهم لأن لوقا يقول «وَآخَرُونَ طَلَبُوا مِنْهُ آيَةً مِنَ السَّمَاءِ يُجَرِّبُونَهُ» (لوقا 11: 16).

يَا مُعَلِّمُ قالوا له ذلك إما تملُّقاً، وإما تهكماً، لأنهم لم يعتقدوا أنه معلم بالحق.

آيَة أي من السماء (مرقس 8: 11 ولوقا 11: 16) فإنهم شاهدوا معجزاته في شفاء المرضى وإخراج الشياطين، ولكنهم لم يعتبروها برهاناً كافياً على أن يسوع هو المسيح، لأنه كان يفعلها بيده، وكانت متعلقة إما بأهل الأرض وإما بأهل الجحيم، فسألوه معجزة من السماء لا يد له فيها لتكون مجرد برهان من الله على أنه المسيح، لا لمنفعة إنسان. وفي سؤالهم ذلك تعريض بأن يسوع كان يعمل المعجزات بالسحر أو بخفة اليد، ولذلك سألوه معجزة لا تصل يده إليها. وربما خطر على بالهم حينئذٍ المعجزات التي جرت على يد موسى، كإتيانه بخبزٍ من السماء، وكبعض ضربات مصر كالرعود والبروق والبرَد والظلمة، فأرادوا أن يشاهدوا مثلها منه.

39 «فَقَالَ لَـهُمْ: جِيلٌ شِرِّيرٌ وَفَاسِقٌ يَطْلُبُ آيَةً، وَلاَ تُعْطَى لَهُ آيَةٌ إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ».

إشعياء 57: 3 ومتّى 16: 4 ومرقس 8: 38 ولوقا 11: 29 ويوحنا 4: 48

جِيلٌ أراد به أغلب أمة اليهود في ذلك الوقت، فقصد الحاضرين والكثيرين من أمثالهم.

فَاسِقٌ شبه العهد القديم علاقة الله ببني إسرائيل بعلاقة الرجل بامرأته، وأن العهد بينه وبينهم كعهد الزواج (إشعياء 57: 3 وهوشع 3: 1 وحزقيال 16: 15) فلذلك حسب عليهم عبادة الأوثان فسقاً. نعم أنهم لم يكونوا من عبدة الأوثان يومئذٍ، لكن عدم أمانتهم له في أمور كثيرة أوجب عليهم أنهم فاسقون.

َلاَ تُعْطَى لَهُ آيَة أراد أنه لا يعطيهم آية من نوع طلبهم، وليس أنه لا يُجري المعجزات أمامهم بعد ذلك. ورفض طلبهم دفعاً لإرادة الله، ولأنهم أهانوا المسيح به إذ احتقروا المعجزات التي صنعها قبلاً كأنها من أعمال السحر أو الشعوذة، ولأنه قدم قبل ذلك ما يكفي من البراهين على إثبات دعواه.

إِلاَّ آيَةَ يُونَانَ ٱلنَّبِيِّ قدم لهم يونان، والمقصود بها قيامته بعد موته، ليس لأنها وفق طلبهم، بل لأنه حسبها أعظم معجزاته، وأنها توجب عليهم الاقتناع بصحة دعواه. ويونان هو أول أنبياء العهد القديم، وهو «ابن أمتاي الذي أبوه من جث حافر» (2ملوك 14: 25). عاش حوالي 860 ق.م.

40 «لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ ٱلْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ، هٰكَذَا يَكُونُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ فِي قَلْبِ ٱلأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ».

يونان 1: 17

أعطاهم آية موته ودفنه وقيامته بدلاً من الآية السماوية التي طلبوها، وربط ذلك بإحدى حوادث العهد القديم على طريق اللغز، واختار ذلك مثلاً للمشابهة بين الأمرين والمخالفة بينهما في النتائج.

ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَالٍ كان اصطلاح اليهود في تلك الأيام أن يحسبوا الجزء من النهار نهاراً كاملاً، والجزء من الليل ليلاً كاملاً (1صموئيل 30: 2 أو 13 وتكوين 43: 17، 18 و2أخبار 10: 5، 12 وهوشع 6: 2). فيصحُّ أن يكون معنى قوله «ثلاثة أيام وثلاث ليال» يوماً كاملاً أي أربع وعشرين ساعة، وجزئين من يومين آخرين مهما كان الجزآن صغيرين. وليس هذا التفسير من اختلاق المسيحيين كما يزعم أعداء الدين للتوفيق بين نبوة المسيح وإتمامها، فإن ذلك مبدأ من كتاب التلمود أقدس كتب اليهود بعد كتاب الله ففيه «إن إضافة ساعة إلى يوم تُحسب يوماً آخر، وإضافة يوم إلى سنة يُحسب سنة أخرى» وهكذا كان الأمر في زمن أستير (أستير 4: 16 و5: 1). ولو كان هناك خطأ لاعترض اليهود على المسيحيين وادعوا كذب مسيحهم لعدم إتمامهم وعده بقيامته صباح اليوم الثالث. ولكنهم لم يذكروا هذا الاعتراض قط.

فِي قَلْبِ ٱلأَرْض أي في القبر، وذلك يشبه قول يونان في صلاته «صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ.. لأَنَّكَ طَرَحْتَنِي.. فِي قَلْبِ الْبِحَارِ» (يونان 2: 2، 3) وإشارة المسيح هنا إلى أعظم معجزاته وهي قيامته بعد ثلاثة أيام وثلاث ليال لم يفهمها الفريسيون، ولا فهمها تلاميذه وقتها.

41 «رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هٰهُنَا».

إرميا 3: 11 وحزقيال 16: 51 ولوقا 11: 32 ورومية 2: 27 ويونان 3: 5

ذكر المسيح في عدد 40 المشابهة بينه وبين يونان في بعض الأحوال، وذكر في هذا العدد الفرق بين تأثير وعظه ووعظ يونان، وذلك ليبيِّن قساوة قلوب اليهود الذين لم يؤمنوا به، لأن الوثنيين الذين وعظهم يونان تابوا ونجوا، ولكن اليهود الذين وعظهم المسيح لم يتوبوا وكانوا عرضة للهلاك.

نِينَوَى هي عاصمة أشور، بناها نمرود أو أشور (تكوين 10: 11) وموقعها على نهر دجلة. وكانت مدينة عظيمة محيطها 48 ميلاً أو نحو مسيرة عشرين ساعة، وعلو أسوارها مئة قدم، وعرضها عشرة أقدام، عليها 1500 برج، علو كل برج 200 قدم. وأنبأ الله بخرابها بلسان يونان فتابت بوعظه، فتأخر خرابها مئتي سنة. وأنبأ بخرابها بعد ذلك ناحوم النبي (ناحوم 1: 8 و2: 6). وتم خرابها قبل الميلاد بأكثر من ست مئة سنة، وآثارها اليوم قرب مدينة الموصل.

سَيَقُومُون أي وقوفهم أمام منبر الديان، لا قيامتهم من القبور.

هٰذَا ٱلْجِيلِ أي يهود عصر المسيح.

يَدِينُونَهُ لا بكلامهم، بل بأعمالهم الماضية.

وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ هٰهُنَا البرهان هنا من الأدنى إلى الأعلى، كما في شرح لعدد 6 من هذا الأصحاح. المنادي بالتوبة هنا أعظم من المنادي بها هناك، لأن الأول ابن الله والثاني ابن أمتاي. والأسباب الموجبة للتوبة في وقت المسيح أعظم منها في زمن يونان. والهلاك الأبدي الذي أنذر به المسيح أهول من الهلاك الزمني الذي أنذر به يونان.

42 «مَلِكَةُ ٱلتَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي ٱلدِّينِ مَعَ هٰذَا ٱلْجِيلِ وَتَدِينُهُ، لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي ٱلأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هٰهُنَا».

1ملوك 10: 1، 2أخبار 9: 1 ولوقا 11: 31

وفي ترجمة أخرى بدل «التيمن» ذكرت «ملكة الجنوب» أي جنوب بلاد العرب بالنسبة لما كانت عليه من حضارة عريقة وتقدم وعمران. وقد انتقل المسيح من بيان الفرق بين توبة أهل نينوى وعدم إيمان اليهود، إلى ذكر تعجب ملكة سبا من حكمة مجرد إنسان وهزء الكتبة والفريسيين بحكمة معلم إلهي للمشابهة.

مَلِكَةُ ٱلتَّيْمَنِ هي ملكة سبا (1ملوك 10: 1) ولعلها اليمن، وهي الجزء الجنوبي من بلاد العرب.

أَقَاصِي ٱلأَرْض أي بلاد بعيدة، وهو تعبير يوناني يقصد به المسافة البعيدة مع اختلاف الأمة والدين. فالاختلاف بين عمل ملكة التيمن وعمل اليهود يومئذٍ يظهر قساوتهم أكثر مما أظهرها اختلاف عمل أهل نينوى وعملهم، لأن أهل نينوى تأثروا من وعظ يونان وهو أمامهم، أما ملكة التيمن فتأثرت بسمعها خبر سليمان على البعد. واحتملت مشقة السفر من على بُعد نحو ألف ميل وهي امرأة وملكة لتسمع حكمة سليمان. ولكن المسيح نفسه أتى إليهم. وهي أتت بلا دعوة من سليمان، وأما المسيح فلم يكف عن أن يدعوهم إليه. وسليمان لم يستطع أن يعطي تلك الملكة حكمته، أما المسيح فمستعد أن يعطيهم كل كنز الحكمة الحقيقية. فإذاً المسيح أعظم من سليمان، وموضوع كلامه أهم من موضوع حديث سليمان وتلك الملكة، وحكمته أعظم من حكمة سليمان. ومع كل ذلك تأثرت كل التأثر وهم لم يتأثروا. وأعلن المسيح في هذا الأصحاح عظمته الإلهية أولاً بأنه أعظم من الهيكل (عدد 6)؛ وثانياً بأنه أعظم من يونان النبي (عدد 41)؛ وثالثاً بأنه أعظم من سليمان الملك.

43 «إِذَا خَرَجَ ٱلرُّوحُ ٱلنَّجِسُ مِنَ ٱلإِنْسَانِ يَجْتَازُ فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ، يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِدُ».

أيوب 1: 7 ولوقا 11: 24 و1بطرس 5: 8

أخذ المسيح هنا يبين الحال التي صارت إليها الأمة اليهودية كلها وبعض أفرادها بتعليم الفريسيين وتقاليدهم وسيرتهم. لقد نفر اليهود بسبب بقائهم سبعين سنة في سبي بابل من عبادة الأوثان التي كانوا قبل ذلك يميلون إليها، فشبَّه المسيح هذا بإخراج روح نجس من قلوبهم. ولكن تعليم الفريسيين صيَّرهم إلى حالٍ أردأ، وكأنه دخل فيهم سبعة أرواح أشر من الأولى. وحال الإنسان مثل حال الأمة، فيمكن أن يرجع عن بعض الخصال الرديئة ويصلح سيرته بعض الإصلاح، ولكنه إن لم يتغير قلبه يسقط عند التجربة إلى حال الشر والبر الذاتي والكفر وقساوة القلب، فيكون رجاء خلاصه في هذه الحال أضعف مما كان في الحال السابقة.

إِذَا خَرَجَ لا نعلم هل خرج الروح من نفس الإنسان بإرادته أم رغماً عنه، ولكن لا بد أنه إذا قصد الإنسان إصلاح نفسه وابتدأ ذلك لم تكن نفسه مسكناً يرغب فيه الروح النجس، فيخرج مؤقتاً.

فِي أَمَاكِنَ لَيْسَ فِيهَا مَاء كان اليهود يحسبون القفار مساكن الشياطين (إشعياء 13: 21، 22 و34: 14) ونسب يوحنا ما ذكر إلى خراب بابل (رؤيا 18: 2) وكلام المسيح هنا وفق هذا الرأي.

يَطْلُبُ رَاحَةً وَلاَ يَجِد الأبالسة لا يستريحون ما لم يضروا أحداً، فلا يجد الروح في القفار فرصة للضرر كما يجد في قلب الإنسان، فلذلك لا يرضى بما هو فيه من تقلبه في الشقاء من مكان إلى آخر.

44 «ثُمَّ يَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى بَيْتِي ٱلَّذِي خَرَجْتُ مِنْهُ. فَيَأْتِي وَيَجِدُهُ فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً».

بَيْتِي أي جسد الإنسان الذي كان داخلاً فيه ونفسه. والمعنى أن الروح النجس عزم بعد مدة على الرجوع، ليرى ماذا كانت نتيجة شروع الإنسان في إصلاح نفسه.

فَارِغاً مَكْنُوساً مُزَيَّناً قال بعضهم إن معنى ذلك أن روح الإنسان عادت إلى الصحة التامة بعد خروج الشيطان منها. وقال آخرون إن ذلك إشارة أنه مُعدٌ لرجوع الروح الشرير، فيكون «فارغاً» من التأثيرات الصالحة إذ لم يدخله المسيح بعد خروج الشيطان، و «مكنوساً» أي خالياً من كل مانع للشيطان، و «مزيناً» لإبهاجه. والمذهب الثاني أوفق لحال اليهود يومئذٍ لأنهم لم يكونوا حين جاء المسيح في حال الصحة الروحية التامة والطهارة الكاملة، بل كانوا عكس ذلك. فلم يكن إصلاحهم بسبي بابل وبمناداة يوحنا المعمدان بالتوبة إلا ظاهراً، وكان الرياء زينة لهم فكانوا أشبه بالقبور المبيضة.. فلا أمن للنفس بالإصلاح إن لم يسكن الله القلب وتخضع قوى النفس كلها له. فكثيراً ما طُرد شيطان المسكرات من قلوب السكارى، وأقيم كل مانع من رجوعه يستطيع عقل الإنسان أن يخترعه، مع كل القصد بعدم التسليم له. لكن كل ذلك لم ينفع بلا طلب نعمة الله والحصول عليها.

45 «ثُمَّ يَذْهَبُ وَيَأْخُذُ مَعَهُ سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أُخَرَ أَشَرَّ مِنْهُ، فَتَدْخُلُ وَتَسْكُنُ هُنَاكَ، فَتَصِيرُ أَوَاخِرُ ذٰلِكَ ٱلإِنْسَانِ أَشَرَّ مِنْ أَوَائِلِهِ. هٰكَذَا يَكُونُ أَيْضاً لِهٰذَا ٱلْجِيلِ ٱلشِّرِّير».

عبرانيين 6: 4 و10: 26 و2بطرس 2: 20 - 22

ثُمَّ أي حين يجد أنه غير مستريح، وأن قلب الإنسان معدٌّ له.

يَذْهَبُ أي في طلب رفاق له.

سَبْعَةَ أَرْوَاحٍ أي عدد غير معينة (متّى 18: 21، 22). وكان هذا العدد من الأرواح النجسة في مريم المجدلية (مرقس 16: 9 ولوقا 8: 2). وأشار بذلك إلى زيادة تسلط القوات الشريرة على الإنسان، وقلة الرجاء بخلاصه.

هٰكَذَا يَكُونُ الخ نسب المسيح هنا ما سبق إلى يهود عصره، فإن أحوالهم الأخيرة التي صارت أشر من الأولى هي الأحوال التي كانوا فيها بعد رفضهم كون يسوع مسيحهم، وقبل خراب أورشليم. قال يوسيفوس المؤرخ «إن اليهود ولا سيما رؤساؤهم كانوا في ذلك الوقت في أشد الغلو والتعصب والهيجان فأشبهوا من سكنهم الأبالسة». وقد تم قول المسيح على اليهود، فإنهم حين رجعوا من السبي كانوا يكرهون الأوثان وظلوا كذلك، فكانوا أحسن من ذي قبل قليلاً، ثم سقطوا في فسادٍ آخر كمحبة العالم والرياء والتمسك بالطقوس الدينية دون الجوهر وعمى القلب، وزادوا إثماً حتى أنهم صلبوا ابن الله، فأسلم هيكلهم ومدينتهم إلى أيادي الرومان فقُتل منهم ربوات كثيرة وسُبي ربوات كذلك، وتبددوا منذ ذلك الوقت في أطراف الأرض. وهذا نصيب كل خاطئ نبهه الروح القدس فأغاظه، أي أن حاله الأخيرة تكون أشر من الأولى.

46 «وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ ٱلْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ».

متّى 13: 55 ومرقس 3: 13 و6: 3 ولوقا 8: 19 - 21 ويوحنا 2: 12 و7: 3، 5 وأعمال 1: 14 و1كورنثوس 9: 5 وغلاطية 1: 19

لا بد أن هناك سبباً لمجيء أمه وإخوته إليه يطلبونه وهو يخاطب الجمع. والمحتمل أن ذلك خوفهم عليه من زيادة التعب العقلي والجسدي (انظر مرقس 3: 21) أو خوفهم على حياته لأنهم سمعوا ببغض الكتبة والفريسيين له. فلا نتعجب من هذا الاهتمام الناتج عن المحبة العائلية، مع عدم كفاية علمهم بحقيقته وإرساليته (يوحنا 7: 3 - 5). فلو كان لهم كمال اليقين بحكمة يسوع وقدرته لما وقفوا خارجاً يطلبونه.

وَقَفُوا خَارِجاً أي خارج البيت، أو خارج دائرة السامعين. ووقوفهم كذلك إما لعدم إمكانهم أن يصلوا إليه لازدحام الناس عليه، وإما لأنهم أرادوا توفيقه عن الكلام واتخاذ فرصة الانفراد به ليكلموه.

47 «فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ».

يظهر من مرقس 3: 32 أن الجمع كان جالساً حوله فبلغه طلب أمه وإخوته بانتقاله من واحد إلى آخر.

48 «فَأَجَابَهُ: مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟».

حاشا أن يكون في كلام المسيح أي تحقير لنسبه الجسدي بأمه وإخوته حسب ظاهر هذا الكلام، ولكن ما يجب أن نفهمه هو شدة اهتمامه بنسبٍ روحي أسمى وأعظم، وهو نسبه إلى أتباعه المؤمنين باسمه، الذين هم نواة ملكوته السماوي المجيد. فهؤلاء أمه وإخوته الحقيقيون.

أخذ ربنا من ذلك فرصة لتعليم الحاضرين بقوله وفعله أن علاقته بأقاربه ليست كعلاقتهم بأقاربهم، وأن ارتباطه بعائلته الروحية أشد من ارتباطه بعائلته الجسدية. فقرابة الإيمان والمحبة أقرب من قرابة اللحم والدم.

مَنْ هِيَ أُمِّي الخ أراد بذلك أن علاقته بعائلته ليست كعلاقتهم بعائلاتهم، وأنه ليس ملزوماً مثلهم أن يطيع أوامر العائلة. وفي ذلك لا شيء من الإهانة لتلك العائلة أو عدم الاكتراث بها، لأنه أطاعها الطاعة الواجبة وهو ولدٌ. وعندما كان على الصليب اعتنى بوالدته كل الاعتناء (يوحنا 19: 25 - 27). لكنه أراد أن يبين خصوص علاقته بعائلته. فهذا قريب من جوابه لوالديه بقوله «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟» (لوقا 2: 49) وأتى المسيح ذلك بطريق السؤال ليجعلهم يتوقعون الجواب فيحملهم ذلك على زيادة الإصغاء.

49 «ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي».

أتى يسوع مخلِّصاً لجميع البشر، وصار أخاً لكل أولاد آدم إذ صار آدم الثاني، وهو أخو المؤمنين به على نوع أخص.

مَدَّ يَدَهُ ليميز تلاميذه أكمل تمييز. ولا بد من أن تلك الإشارة كانت مصحوبة بنظره إليهم نظر المحب إلى أحبائه.

هَا أُمِّي وَإِخْوَتِ لم ينكر بذلك محبته لأمه وإخوته، بل أراد بيان شدة محبته للمؤمنين به لأنه فوق كل محبة بشرية.

50 «لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي».

يوحنا 15: 14 وغلاطية 5: 6 و6: 15 وكولوسي 3: 11 وعبرانيين 2: 11

أوضح بهذا أن مجرد سمع تعاليمه والتتلمذ له ظاهراً يوجب تلك العلاقة العظمى التي ذكرها، فحقق لهم أن سبب تلك العلاقة هو العمل بموجب تعليمه لا مجرد سماعه، وأن هذا الإكرام مقصور على صنع مشيئة الله. فمن قام بذلك الشرط أُحب واعتبر كأم يسوع وإخوته، وإن كان فقيراً ساذجاً لا صفة له تجذب القلب إلى محبته (يوحنا 1: 12، 13 و15: 15 ورومية 8: 32 - 39 وأفسس 5: 25، 37). ومما يستحق الملاحظة هنا أن يسوع لم يذكر له أباً بين هذه العائلة، ولم يذكر يوسف قط كأبٍ له لأن لا أب له غير الله.

وفي هذا العدد إنذار للذين يبغضون المسيحيين ويضطهدونهم لأنهم يضطهدون أقارب ملك الملوك. وفيه تعزية عظيمة لجميع المؤمنين، فإن إيمانهم به وطاعتهم لله جعلاهم أقرب الخلق إليه، فذلك الأخ الأكبر يعتني بهم إلى الأبد. فإن كان يوسف قد اعتنى بإخوته في مصر، فبالأولى يعتني يسوع بإخوته الروحيين على الأرض وفي السماء. وهذه العلاقة الشريفة من نتائج الولادة الجديدة التي نصير بها أولاداً لله وإخوة للمسيح. وطاعتنا لله أجلى برهان على تلك الولادة السماوية.

وفي هذه الآية ما ينبه المسيحيين إلى وجوب حب بعضهم بعضاً، لأن إخوة المسيح أخوة لبعضهم.

الأصحاح الثالث عشر

1، 2 «1 فِي ذٰلِكَ ٱلْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ ٱلْبَحْرِ، 2 فَٱجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَٱلْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى ٱلشَّاطِئِ».

مرقس 4: 1 الخ، لوقا 8: 4 الخ، لوقا 5: 3

قال متّى في هذا الأصحاح إن المسيح علَّم بأمثال، وذكر فيه سبعة منها، مع تفسير اثنين من السبعة. ويظهر مما قاله متّى ومرقس ولوقا أن شروعه في التعليم بأمثال بدية تطوُّر في أعمال يسوع، فإنه علَّم قبلاً بمواعظ كموعظته على الجبل، وكان لوعظه تأثير عظيم. وشرع الآن بأسلوب جديد يبيِّن حقيقة ملكوته، ليعرِّف سامعيه بدون إعلان أنه المسيح، لأن الناس لم يكونوا قد استعدوا لقبول الإعلان الكامل لدعواه.

عِنْدَ ٱلْبَحْرِ أي بحر الجليل.

جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ أشار بذلك إلى صنوف الناس، كما أشار إلى كثرة عددهم.

دَخَلَ ٱلسَّفِينَةَ أي أحد قوارب الصيد، طلبه لخدمته (مرقس 3: 9). وكان الجموع مزدحمين عليه حتى لم يمكنه أن يخاطبهم وهو واقف بينهم، فجلس في السفينة تجاههم، وخاطبهم وهم وقوف أمامه على الشاطئ.

جَلَسَ كان الجلوس عادة المعلم عند التعليم (متّى 5: 1 و23: 2 ولوقا 4: 20).

3 «فَكَلَّمَهُمْ كَثِيراً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: هُوَذَا ٱلزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ».

كَثِيراً ما أورده متّى من أمثال المسيح جزءٌ قليل من كثير، وأورده مثالاً للأسلوب الجديد من تعليمه.

بِأَمْثَالٍ المثل حقيقة مادية قصصية توضح حقيقة عقلية روحية، وهو أحياناً يُبنى على التشبيه، وأحياناً على المفارقة، وقد يكون خبر حادثة. وقد يُراد بالمثل عبارة وجيزة تتضمن معاني كثيراً كأمثال سليمان. وقد يُراد به كلام يحتمل غير ظاهر معناه. وأكثر الأمثال الدائرة على الألسنة اليوم تصورية لا أصل لها في الواقع، ولكن كل أمثال المسيح مبنية على حوادث حقيقية.

ولا يجب في تفسير المثل أن نطلب المعنى الروحي لكل ما جاء به، ويجب أن نميز بين لب الحق وقشره. وضرب المسيح أكثر أمثاله مما شاهده السامعون في وقته.

هُوَذَا ٱلزَّارِعُ يحتمل أنه كان حينئذ على القارب وأمامه أناس يزرعون.

4 «وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى ٱلطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ ٱلطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ».

عَلَى ٱلطَّرِيق أي الممر إلى الحقل حيث يبقى البذار مكشوفاً لا تغطيه التراب الندي.

5 «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ».

ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَة هي الأرض ذات الحجارة الكثيرة فتكون التربة الرقيقة على الصخور الواسعة الثابتة.

فَنَبَتَ حَالا بسبب رقة التربة أثَّرت الحرارة فيه وجعلته ينبت بسرعة.

6 «وَلٰكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ ٱلشَّمْسُ ٱحْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ».

ٱحْتَرَق لأن حرارة الشمس يبَّست رطوبته، ولأن رقة التربة منعت الزرع من تعمق أصوله.

7 «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلشَّوْكِ، فَطَلَعَ ٱلشَّوْكُ وَخَنَقَهُ».

ٱلشَّوْك ينبت في الحقول عادة.

خَنَقَه اختنق الزرع لأن مدد الحياة انقطع عنه، لأن الشوك أقوى من الزرع، فسلبه الرطوبة والحرارة.

8 «وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ».

تكوين 26: 12

ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَة أي المعدَّة لقبول الزرع ولتقديم وسائط النمو، بخلاف الأرض التي يبست من وطء أقدام المارة، وخلاف المحجرة، والكثيرة الأشواك.

مِئَةً... سِتِّينَ... ثَلاَثِين هناك نسب مختلفة بين مقدار البذار ومقدار غلته.

9 «مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَع».

متّى 11: 15 ومرقس 4: 9

فُسر كلام هذا العدد في شرح متّى 11: 15.

10 «فَتَقَدَّمَ ٱلتَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ؟».

ٱلتَّلاَمِيذ المقصود بالتلاميذ هنا جميع السامعين الذين صدقوا قوله (مرقس 4: 10). وهؤلاء هم الذين بقوا بعد انصراف كل الجمع. فلم يوجه المسيح هذا الشرح لكل الجموع الكثيرة، ولا إلى الاثني عشر وحدهم، بل إلى الذين صدقوا تعليمه. فهذا التفسير جواب لسؤالين: (1) لماذا تكلم بأمثال؟ و(2) ما هو معنى هذا المثل؟

11 «فَأَجَابَ: لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا لأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ».

متّى 11: 25 و16: 17 ومرقس 4: 11، 12 و1كورنثوس 2: 10 و1يوحنا 2: 27

هذا جواب المسيح على السؤال الأول، وهو بيان ما حمله على التعليم بأمثال. فقال إنه بدأ يميز بين سامعيه الذين استناروا بتعاليمه وخلصوا، والذين ليسوا كذلك. وهذا الفرق كله من نعمة الله. وعندما يضرب مثلاً يتضح معناه للراغبين في معرفة الحق، ويصبح مبهماً لمن يريدون أن يبقوا في جهلهم. فالإنجيل رائحة حياة للحياة للبعض، ورائحة موت للموت للآخرين (2كورنثوس 2: 16). فأمثال المسيح للأولين تشرح الحق السماوي للمؤمنين وتخفيه عن الذين يظنونه مجرد قصص وأحاديث.

أُعْطِيَ لَكُمْ على سبيل الهبة لا على سبيل أجرة تستحقونها (رومية 6: 23 وأفسس 2: 8). وهذه العطية موقوفة على الذين يسألون عن معنى المثل ويرغبون في معرفة كل الحق.

أَنْ تَعْرِفُوا أي أن تفهموا بلا مثل القول الواضح، أو أن تدركوا المراد في المثل بواسطة تفسيري المنزه عن الغلط.

أَسْرَارَ أي ما لا يدركه عقل البشر بلا وحي إلهي. وأعظم هذه الأسرار معرفة المسيح حق المعرفة، بدليل القول «عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ» (1تيموثاوس 3: 16).

مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أي حقيقة هذا الملكوت وكيفية انتشاره.

وَأَمَّا لأُولَئِكَ أي الذين لا يبالون بي والذين «هم الذين من خارج» (مرقس 4: 11).

12 «فَإِنَّ مَنْ لَهُ سَيُعْطَى وَيُزَادُ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ لَهُ فَٱلَّذِي عِنْدَهُ سَيُؤْخَذُ مِنْهُ».

متّى 25: 29 ومرقس 4: 25 ولوقا 8: 18 و19: 26

ذكر هذا المبدأ شرطاً لاكتساب المعرفة الروحية. فمراده أن الذي يسمع تعليمه ويحفظه ويعمل بمقتضاه يحصل على معرفة زائدة به. والذي لا يستفيد من المعرفة التي حصل عليها من المسيح ولا يسير بموجبها تؤخذ منه. وهذا مبدأ عام في الحياة الروحية. فلا بد من أن الإنسان يربح أو يخسر في الروحيات، فهو إما أن يتقدم أو أن يتأخر. ولا يمكن أن يقف على نقطة واحدة.

مَنْ لَه أي من يسمع بأذنيه ويدرك بعقله ويقبل بقلبه يستفيد من وسائطه.

مَنْ لَيْسَ لَه أي من لا يستفيد من وسائطه ولا يريد أن يقبل التعليم ويعمل بموجبه، فهذا له شبه العلم. وذلك ليس بشيء عند الله.

سَيُؤْخَذُ مِنْهُ أي تؤخذ منه وسائط النفع والمعرفة القليلة التي حصل عليها من التعليم الروحي. وأورد المسيح نفس هذا المعنى في «مثل الوزنات» في كلامه على صاحب الوزنة الواحدة (متّى 25: 28، 29).

13 «مِنْ أَجْلِ هٰذَا أُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ، لأَنَّهُمْ مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُونَ، وَسَامِعِينَ لاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْهَمُونَ».

مِنْ أَجْلِ هٰذَا أي بناء على المبدأ الذي ذكره في عدد 12.

بِأَمْثَال أكثر المسيح التعليم بالأمثال امتحاناً لقلوب السامعين، فأخذ بعضهم ظاهر كلام المثل، ولم يسأل عن معناه، فكان المثل له مجرد قصة. وأخذه البعض الآخر بخلاف ذلك. فالحق في أيدي بعض الناس كمصباح ينطفئ حالما يمسكونه بأيديهم، ويظل في يد الآخرين موقداً يرشدهم إلى السماء.

مُبْصِرِينَ لاَ يُبْصِرُون الخ ورد مثل هذا الكلام على سبيل المثل في خُطب ديموستينيس وأسكليوس الخطيبين اليونانيين، والمقصود به تأثير الصوت في الأذن دون العقل أو القلب، وبلا فائدة في السلوك. فالمثل بفم المسيح يشبه حجاباً يخفي الحق وراءه، فاكتفى بعضهم بمجرد مشاهدة ذلك الحجاب، ورغب الآخر في إدراك ما وراءه، فرفعه فرأى الحق جلياً. إن المثل يشبه عمود السحاب والنار بين المصريين وبني إسرائيل: مظلم للأولين ومنير للآخرين (خروج 14: 20).

14 «فَقَدْ تَمَّتْ فِيهِمْ نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ: تَسْمَعُونَ سَمْعاً وَلاَ تَفْهَمُونَ، وَمُبْصِرِينَ تُبْصِرُونَ وَلاَ تَنْظُرُونَ».

إشعياء 6: 9 وحزقيال 12: 2 ويوحنا 12: 40 وأعمال 28: 26 ورومية 11: 8 و2كورنثوس 3: 14، 15

نُبُوَّةُ إِشَعْيَاءَ انظر إشعياء 6: 10 وهذا إنذار أورده متّى كنبوَّة والأصل العبراني يحتمل المعنيين.

تَسْمَعُونَ سَمْعاً أي تدركون الصوت ولا تستفيدون منه.

مُبْصِرِين الخ تدركون ظاهر الأمر وتغفلون عن المقصود به. فالمعنى أنهم في السمع والإبصار يدركون الظواهر دون الجوهر الروحي.

15 «لأَنَّ قَلْبَ هٰذَا ٱلشَّعْبِ قَدْ غَلُظَ، وَآذَانَهُمْ قَدْ ثَقُلَ سَمَاعُهَا. وَغَمَّضُوا عُيُونَهُمْ، لِئَلاَّ يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ، وَيَسْمَعُوا بِآذَانِهِمْ، وَيَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ، وَيَرْجِعُوا فَأَشْفِيَهُمْ».

عبرانيين 5: 11

هذا إيضاح لما قبله وتأكيد له. والألفاظ وفق الترجمة السبعينية، وهو يصدق على كل الذين «يحبون الظلمة أكثر من النور» (يوحنا 3: 19).

غَلُظَ أي غلبت حيوانيته على روحانيته فصار بلا شعور بالروحيات.

غَمَّضُوا عُيُونَهُمْ أبوا أن يفتحوها لئلا يبصروا الحق الذي يقودهم إلى التوبة وإصلاح السيرة. فالذي أتوه أولاً عمداً واختياراً وقع عليهم بعد ذلك إجباراً واضطراراً عقاباً لهم.

لِئَلاَّ يُبْصِرُوا... وَيَسْمَعُوا... وَيَفْهَمُوا هذا نتيجة تغميضهم الاختياري وسد آذانهم الإرادي، فإن الله الديان العادل تركهم إلى الظلمة التي اختاروها والجهل الذي رضوه، ليدوموا في الظلمة والعصيان إلى الأبد (مزمور 81: 11، 12 وإشعياء 66: 4).

فَأَشْفِيَهُمْ أي من مرض الخطية.

16 «وَلٰكِنْ طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ، وَلِآذَانِكُمْ لأَنَّهَا تَسْمَعُ».

متّى 16: 17 ولوقا 10: 23، 24 ويوحنا 20: 29

هنأ المسيح تلاميذه هنا بأنهم ليسوا عمياً ولا غليظي القلوب، لأنهم نظروا وأدركوا الحقائق المجيدة التي أعلنها لهم. نعم أنهم كانوا بطيئي الفهم، لكن عيونهم كانت مفتوحة توقعاً لزيادة النور وآذانهم مصغية إلى الصوت الإلهي.

17 «فَإِنِّي ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَنْبِيَاءَ وَأَبْرَاراً كَثِيرِينَ ٱشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا، وَأَنْ يَسْمَعُوا مَا أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَمْ يَسْمَعُوا».

عبرانيين 11: 13 و1بطرس 1: 10، 11

هنأهم المسيح بأنهم أدركوا ما لم يدركه الكتبة والفريسيون في عصرهم، ويهنئهم على مشاهدتهم وإدراكهم ما اشتهى الأنبياء والأتقياء القدماء أن يروه ولم يروا. وقد رغب قديسو العصور القديمة أن يشاهدوا المسيح وظهور ملكوته، فلم تكن لهم إلا الرموز والنبوات وظلال الخيرات المقبلة، وأما التلاميذ فصار لهم الجوهر لأنهم رأوا المسيح عياناً وشاهدوا معجزاته وسمعوا تعاليمه من فمه (2صموئيل 23: 5 وأيوب 19: 23، 27 وعبرانيين 11: 40) وشرح حال أولئك الأتقياء بطرس الرسول بقوله «الْخَلاَصَ الَّذِي فَتَّشَ وَبَحَثَ عَنْهُ أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ» (1بطرس 1: 10، 11). وكانوا ينتظرون التعزية السماوية كسمعان الشيخ، ولكنهم لم ينالوا ما نال من النعمة بأن «أبصرت عيناه خلاص الرب» (لوقا 2: 25، 30).

18 «فَٱسْمَعُوا أَنْتُمْ مَثَلَ ٱلزَّارِعِ».

مرقس 4: 14 الخ ولوقا 8: 11 الخ

يقول: يا تلاميذي الذين أنعم عليهم أكثر مما أنعم على غيرهم بتفسير المثل الذي طلبوه: أدركوا بقلوبكم المستنيرة بالروح القدس المعنى المقصود. ويرشدنا شرح المسيح لهذا المثل إلى تفسير ما لم يفسره من الأمثال. فيجب أن نسمع تفسير هذا المثل كما سمعه الرسل لأن فيه ما يحدث كل يوم حيث يُنادى بالإنجيل.

19 «كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ ٱلْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ، فَيَأْتِي ٱلشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هٰذَا هُوَ ٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلطَّرِيقِ».

متّى 4: 23

كَلِمَةَ ٱلْمَلَكُوت بدأ لوقا في شرح هذا المثل بقوله إن «الزرع هو كلمة الله» (لوقا 8: 11) وقال المسيح إنه هو زارع الكلمة (متّى 13: 37). فكل الذين يبشرون اليوم بكلمته هم زارعون. ولا يستطيع أن يتوقع حصاد النفوس إلا من يزرعون الكلمة الإلهية خالصة.

وَلاَ يَفْهَمُ ذكر المسيح في هذا المثل أربعة أصناف من السامعين. وذكر في هذا العدد أولهم وهو الذي يسمع بأذنه لا بقلبه، أي لا ينتبه لما سمعه ولا يدرك معناه الروحي ولا يعتبر أنه هو المخاطب. وسبب عدم فهمه مذكور في متّى 13: 4 وهو قوله «سقط بعض على الطريق» أي كان قلبه لكثرة الأفكار الرديئة والتأثيرات الشريرة فيه، كالطريق التي تصلَّبت من كثرة المرور عليها، فلم يشقه محراث الناموس ليقبل زرع الإنجيل.

فَيَأْتِي ٱلشِّرِّيرُ أي الشيطان مقاوم ملكوت الله وعدو نفوس الناس، الذي ينتهز دوماً الفرصة لمنع الإنسان عن الاستفادة من كتاب الله، وبذلك يؤكد هلاكه.

يَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِع يفعل الشيطان هذا بأن يصرف أفكار الإنسان عن الحق الذي سمعه إلى الأمور الدنيوية والأهواء، فإنها تسرق الحق بتدبير الشيطان. والشيطان هو رئيس كل ما يسرق الوعظ والإنذار من أذهان السامعين. والقلوب التي تشبه الطريق هي قلوب مشتَّتي الأفكار، الذين لا يتروون في الأمور الأساسية، فلا تؤثر فيهم أهم الحقائق. وللأسف فإن هؤلاء الأكثر عدداً. إنهم مثل المدعوين إلى العرس الذين قيل إنهم «تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ» (متّى 22: 5) «الَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ» (2كورنثوس 4: 4)

20 «وَٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلأَمَاكِنِ ٱلْمُحْجِرَةِ هُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ، وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَح».

إشعياء 58: 2 وحزقيال 33: 31، 32 ويوحنا 5: 35

وصف هنا الصنف الثاني ممن يسمعون الكلمة بلا فائدة. إنهم الزرع المزروع في أرض محجرة. ورجاء الفائدة من هؤلاء أعظم من رجائها من أهل الصنف الأول. ولكن النتيجة واحدة، فمجرد سماع الكلمة لا يكفي للخلاص. وأهل الصنف الثاني هم الذين يقبلون الإنجيل ولا يحسبون النفقة من إنكار الذات والاضطهاد والمشقات (لوقا 14: 25 - 33).

حَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَح هذا الفرح ليس هو الفرح المذكور في غلاطية 5: 22 بأنه أحد ثمار الروح، لأن ذلك الفرح يتبع التوبة عن الخطية، لكنه وقتيٌّ ناتج عن النظر في الوعود بالسعادة الأبدية. فلذة السامعين بالوعظ ليست برهاناً على أنهم استفادوا منه، بدليل قول الله للنبي «هَا أَنْتَ لَهُمْ كَشِعْرِ أَشْوَاق لِجَمِيلِ الصَّوْتِ يُحْسِنُ الْعَزْفَ، فَيَسْمَعُونَ كَلاَمَكَ وَلاَ يَعْمَلُونَ بِهِ» (حزقيال 33: 32) وكذلك مجرد دموع السامعين ونذورهم وعزمهم لا يؤكد تجديد قلوبهم. فاستعارة التربة الرقيقة فوق الصخور مناسبة لأصحاب الانفعالات السريعة الزوال. فكان البذار في أول المثل كلمة الله. ولما صار زرعاً كان المراد به السامعين لها.

21 «وَلٰكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُرُ».

متّى 11: 6 و2تيموثاوس 1: 15

لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ إما لأنه ليس له مبادئ راسخة كالإيمان والتوبة والمحبة لله، أو لأن الحق لا يتأصل في ذاكرته وضميره وأشواقه ومقاصده. يعترف أنه مسيحي، لكنه لم يولد ثانية. وهذا الصنف كالبيت المبني على الرمل (متّى 7: 26) وكالمصابيح بلا زيت (متّى 25: 2).

إِلَى حِينٍ يبقى وقتاً يعترف بالمسيح.

ضِيقٌ أَوِ ٱضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ ٱلْكَلِمَةِ إذا كان الإنسان مسيحياً بالحق ينشئ فيه الاضطهاد زيادة القداسة والاستعداد للسماء. ولكن كما أن حرارة الشمس تفيد الزرع في التربة العميقة وتحرقه في التربة الرقيقة (ع 6) فكذلك الضيقات تجعل صاحب الانفعالات السريعة الزوال، ينكر ما كان قد اعترف به. والزرع في المثل لم ييبس لشدة حرارة الشمس، بل لأن ليس له أصل. فليس للأحوال تأثيرٌ في المسيحي الحقيقي «المتأسس والراسخ» في الإيمان.

فَحَالاً يَعْثُر وتعثُّره سريعٌ سرعة قبوله الحق. فإنه فتح قلبه الحق بالفرح متوقعاً المسرة، فلما نزلت به الشدائد عثر وسقط، بدل من أن يصعد عليها ويرتقي بواسطة الإيمان والصلاة.

22 «وَٱلْمَزْرُوعُ بَيْنَ ٱلشَّوْكِ هُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ، وَهَمُّ هٰذَا ٱلْعَالَمِ وَغُرُورُ ٱلْغِنَى يَخْنُقَانِ ٱلْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ».

إرميا 4: 3، 4 ومتّى 19: 23 ومرقس 10: 23 ولوقا 18: 24 و1تيموثاوس 6: 9 و2تيموثاوس 4: 10

وصف هنا الصنف الثالث من السامعين، وهم الذين أرادهم بالزرع المزروع بين الشوك. وهم الذين سمعوا الحق واعترفوا به موقتاً. وهم يختلفون عن المزروعين في الأرض المحجرة لأن هؤلاء عثروا وتركوا الحق من الاضطهاد، وأما أولئك فخدعتهم الشهوات واللذات عن الاستمرار في الحق.

هَمُّ هٰذَا ٱلْعَالَمِ أي كثرة الانهماك وزيادة الاعتناء بأمور هذه الحياة كالطعام والكسوة وسائر لوازم الجسد، لأن الهموم الجسدية هي من أعظم الموانع للنمو في النعمة والتقوى، إذ هي تمنع الناس من طلب ملكوت الله أولاً.

هم الذين يريدون الأمرين معاً: الله والمال، بل ويعبدونهما معاً، متناسين قول المسيح «لا تعبدوا ربَّين: الله والمال» وهذا لا يعني أن لا يكون لنا مال، بل أن لا يكون للمال سلطان علينا، فلا نسلمه قيادتنا ولا نُستعبد له لئلا نشقى به وتموت كلمة الله في نفوسنا.

غُرُورُ ٱلْغِنَى أي محبة المال وزيادة الرغبة في إحرازه وشدة التمسك به بعد الحصول عليه، لأن هذه هي الأشواك التي تخنق الكلمة في قلب الإنسان. فالخطر للنفس من الغِنى أكثر منه في الفقر، لأن المال يفعل خفية. وأضاف الغرور إلى الغنى، لأن الناس لا يحصلون على الفائدة التي يتوقعونها من الغِنى، فإنهم ينتظرون السعادة الدنيوية منه فيجدون الشقاء الأبدي. والذين يسرعون إلى إدراك الغنى بغية السعادة منه، والذين يحسبون أنفسهم سعداء لأنهم أدركوه بالرغم من أنهم مغرورون ينطبق عليهم القول «وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ، فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ وَشَهَوَاتٍ كَثِيرَةٍ غَبِيَّةٍ وَمُضِرَّةٍ، تُغَرِّقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ» (1تيموثاوس 6: 9). لكن يصعب على أكثر الناس أن يدركوا أن الغنى شوك، لأنهم يحسبونه من خير النعم. ولكنه يشبه بالشوك لأن عاقبته تجرح النفس جرحاً عميقاً وتؤلمها إيلاماً شديداً.

بِلاَ ثَمَرٍ كلمة الله (في هذه الحالة) تكون كالزرع الذي لا يأتي بالثمر المطلوب من إصلاح قلب الإنسان وسيرته.

23 «وَأَمَّا ٱلْمَزْرُوعُ عَلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ فَهُوَ ٱلَّذِي يَسْمَعُ ٱلْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ ٱلَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ، فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ».

وصف هنا الصنف الرابع من الناس الذين سمعوا الكلمة وقبلوها (كالصنفين السابقين) وخالفوهم بأنهم انتصروا على موانع الإثمار، فأثمروا، وأظهروا بأعمالهم وثباتهم نتيجة ما أثرته كلمة الحق في قلوبهم. فهذا الصنف وحده يحقق قصد الزارع.

ٱلأَرْضِ ٱلْجَيِّدَةِ هي القلب الذي ألانته نعمة الله وأعدته لقبول الحق قولاً وفعلاً. فهو مثل قلب ابن السلام (لوقا 10: 6) وقلب ليديا (أعمال 16: 14) وقلوب أهل بيرية (أعمال 17: 11). والناس مسؤولون عن أحوال قلوبهم، واللوم عليهم إذا لم تكن قلوبهم كالأرض الجيدة.

يَأْتِي بِثَمَر هذا هو البرهان الوحيد الكافي على أن السامعين للكلمة الإلهية استفادوا. فعلامات استفادتهم من الكلمة ثلاث: إصغاؤهم إليها، وإدراكها مع اعتبارها موجَّهة إليهم، وطاعتهم إياها. وهذه الطاعة هي الثمر.

بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ الخ اختلاف هذه الأعداد إشارة إلى اختلاف مقدار الاستفادة من الأمانة والغيرة وممارسة الصلاة. فيختلف المسيحيون في مقدار الفضائل وإظهار أثمار الروح ونفعهم للغير. فعلى جميع المسيحيين أن يجتهدوا في أن يصيروا كالأرض الجيدة التي تصير مئة ضعف، أي أن يكونوا مثل إبراهيم الخليل في الإيمان، وأيوب الصديق في الصبر، ويوحنا البشير في المحبة، وبولس الرسول في الغيرة. وذلك وفق قول المسيح «بِهذَا يَتَمَجَّدُ أَبِي: أَنْ تَأْتُوا بِثَمَرٍ كَثِيرٍ» وقوله «أَنَا اخْتَرْتُكُمْ، وَأَقَمْتُكُمْ لِتَذْهَبُوا وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ، وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ» (يوحنا 15: 8، 16) وقول رسوله «كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ» (يعقوب 1: 22) وقول نبيه «اِزْرَعُوا لأَنْفُسِكُمْ بِالْبِرِّ. احْصُدُوا بِحَسَبِ الصَّلاَحِ. احْرُثُوا لأَنْفُسِكُمْ حَرْثًا، فَإِنَّهُ وَقْتٌ لِطَلَبِ الرَّبِّ حَتَّى يَأْتِيَ وَيُعَلِّمَكُمُ الْبِرَّ» (هوشع 10: 12).

24 «قَالَ لَـهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً زَرَعَ زَرْعاً جَيِّداً فِي حَقْلِهِ».

قَالَ لَهُمْ مَثَلاً كالأحجية لينبِّه أفكارهم ليبحثوا عن معناه الروحي.

مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ أي الملكوت الجديد الذي أتى المسيح ليبدأه على الأرض ويتممه في السماء.

إِنْسَاناً زَرَعَ أي أحوال الإنسان أو ما يحدث كثيراً للإنسان.

زَرْعاً جَيِّداً أي نافعاً كالحنطة ومن أحسن الأنواع.

25 «وَفِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ جَاءَ عَدُوُّهُ وَزَرَعَ زَوَاناً فِي وَسَطِ ٱلْحِنْطَةِ وَمَضَى».

فِيمَا ٱلنَّاسُ نِيَامٌ أي في الليل الذي هو وقت النوم وزمن انتهاز الأشرار خفية. فلا لوم على صاحب الحقل ولا على خدامه بأنهم ناموا.

عَدُوُّه أي أحد جيرانه ممن أرادوا ضرره.

زَوَان صنف من الحبوب يشبه الحنطة شكلاً ولكن علاوة على عدم نفعه فهو ضارٌّ. فالمسيح لم يفترض نوعاً من الأذية لم يكن معهوداً للناس، فالأشرار الذين يحبون الانتقام ولا يخافون الله موجودون دائماً، يسهل عليهم أن يأتوا خفية ويضرون غيرهم.

وَمَضَى خفية كما أتى، ولم يحتج بعد ذلك إلى عناء لكي ينتج الشر مما فعل.

26 «فَلَمَّا طَلَعَ ٱلنَّبَاتُ وَصَنَعَ ثَمَراً، حِينَئِذٍ ظَهَرَ ٱلزَّوَانُ أَيْضاً».

لا يظهر الفرق بين الحنطة والزوان في أول الإنبات، لكن متّى ظهرت السنابل ظهر جلياً. وكذلك قلّما نميِّز الشرور في أول حدوثها.

27 «فَجَاءَ عَبِيدُ رَبِّ ٱلْبَيْتِ وَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً زَرَعْتَ فِي حَقْلِكَ؟ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ زَوَانٌ؟».

يظهر من هذا أن هؤلاء العبيد لم يكونوا كسالى أو نياماً حين يجب أن يسهروا لأنه حين ظهر الشر انتبهوا له وأخبروا به سيدهم.

أَلَيْسَ زَرْعاً جَيِّداً أرادوا بالاستفهام هنا إثبات أن الزرع كان جيداً حقيقةً، وفيه تعجب وحيرة من النتيجة التي هي خلاف المنتظر.

فَمِنْ أَيْنَ زَوَانٌ يصح أن نحسب معظم تعاليم البشر جواباً لهذا السؤال لكثرة الآراء الفاسدة، مع أن تعليم المسيح كان زرعاً جيداً.

فسر المسيح هذا المثل بعد ذلك ولم يذكر أحداً من أولئك العبيد. فيكون أن ذكرهم جاء تكملة عرضية للمثل لا لغرض آخر. وإن كان ذكرهم لقصد فهم إشارة إلى المسيحيين الذين يغارون على طهارة الكنيسة، وغيرتهم هي أعظم من حكمتهم، مثل ابني زبدي اللذين أرادا أن تنزل نار من السماء وتحرق السامريين (لوقا 9: 54).

28 «فَقَالَ لَـهُمْ: إِنْسَانٌ عَدُوٌّ فَعَلَ هٰذَا فَقَالَ لَهُ ٱلْعَبِيدُ: أَتُرِيدُ أَنْ نَذْهَبَ وَنَجْمَعَهُ؟».

عَدُوٌّ زرع الزوان وسط الحنطة لا يفعله إلا من تمكنت العداوة في قلبه فلا يمكن أن يفعله صديق.

فَعَلَ هٰذَا أي في وقت الفراغ.

نَجْمَعَهُ أي الزوان.

29 «فَقَالَ: لاَ! لِئَلاَّ تَقْلَعُوا ٱلْحِنْطَةَ مَعَ ٱلزَّوَانِ وَأَنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ».

منع السيد قلع الزوان لأنه يأتي بالشر أكثر من الخير. لا ريب في أن الزوان يضر بالحنطة، ولكن قلعه في أول الأمر أكثر ضرراً من تركه، لأنه يصعب حينئذٍ أن يتميَّز عن الحنطة، فيحتمل أن تُقلع الحنطة معه. وعلى هذا النسق يصبر الله على الأشرار لأجل الأخيار.

30 «دَعُوهُمَا يَنْمِيَانِ كِلاَهُمَا مَعاً إِلَى ٱلْحَصَادِ، وَفِي وَقْتِ ٱلْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ: ٱجْمَعُوا أَوَّلاً ٱلزَّوَانَ وَٱحْزِمُوهُ حُزَماً لِيُحْرَقَ، وَأَمَّا ٱلْحِنْطَةَ فَٱجْمَعُوهَا إِلَى مَخْزَنِي».

ملاخي 4: 1 ومتّى 3: 12

ترك رب الحصاد الزوان ينمو مع القمح، دون أن يتغافله، لأنه قصد أن يفصل الواحد عن الآخر في وقت الحصاد ويجمع النافع ويحرق الضار. وفسر المسيح ذلك بعدئذٍ.

31، 32 «31 قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا فِي حَقْلِهِ، 32 وَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُورِ. وَلٰكِنْ مَتَى نَمَتْ فَهِيَ أَكْبَرُ ٱلْبُقُولِ، وَتَصِيرُ شَجَرَةً، حَتَّى إِنَّ طُيُورَ ٱلسَّمَاءِ تَأْتِي وَتَتَآوَى فِي أَغْصَانِهَا».

إشعياء 2: 2، 3 وميخا 4: 1 ومرقس 4: 30 الخ ولوقا 13: 18، 19

هذا مثل ثالث ضربه المسيح وأخذه من حياة المزارع، لأن كل سامعيه كانوا يعرفونها.

حَبَّةَ خَرْدَلٍ أي بزرة واحدة

أَصْغَرُ جَمِيعِ ٱلْبُزُور أي البزور التي يزرعها الناس. وبينها وبين نبتها أعظم تباين في المقدار. وتستعار حبة الخردل كثيراً للأمر التافه والزهيد (لوقا 17: 6).

وَتَصِيرُ شَجَرَة أي تنمو حتى تستحق أن تُحسب من الأشجار.

حَتَّى إِنَّ طُيُورَ الخ أي أن نبتة الخردل تبلغ كالأشجار قدراً يصح معه أن تستظل الطيور بها.

والمشابهة بين ملكوت المسيح أي كنيسته وحبة الخردل تقوم بثلاثة أمور.

  1. صغر كل منهما في أول أمره.

  2. نمو كل من الكنيسة والبزرة بالتدريج الدائم في هدوء وبلا مراقبة.

  3. عظمة النتيجة في كليهما بالنسبة إلى أول أمره. فإن الكنيسة وإن كانت صغيرة في بدايتها وُعدت بأن تصير عظيمة تمتد إلى أقاصي الأرض. وبذلك تختلف عن برج بابل فإنه قصد أن يكون رأسه في أول الأمر بالغاً السماء فصار ردماً من اللبن والتراب. ويظهر التشابه بين الكنيسة وحبة الخردل من النظر إلى مؤسسها: وهو طفل في بيت لحم، والنظر إليه في ممارسته وظيفته وهو ابن ثلاثين سنة بلا غنى ولا رتبة ولا جند، والنظر إليه وهو معلم نحو ثلاث سنين في مدن فلسطين وقراها يتبعه قليل من التلاميذ الأميين الفقراء، ثم انتهت حياته الأرضية بموته المهين على الصليب، ومن النظر إلى الكنيسة بعد قيامة المسيح حين اجتمع الأحد عشر رسولاً في علّية أورشليم، وكان عدد المؤمنين 120 فأخذت تنمو وتزيد من يوم الخمسين فصاعداً حتى انتشر الإنجيل بعد ثلاثين سنة في كل ما عُرف من المسكونة يومئذٍ. وبعد ثلاث مئة سنة صارت ديانة المسيح ديانة المملكة الرومانية ولم تزل تمتد منذ ذلك العهد إلى اليوم.

ويظهر صدق التشابه إذا نظرنا إلى أول بدء ملكوت المسيح في قلب الإنسان، فيحتمل أن يكون البدء من سماع آية من الكتاب المقدس أو موعظة في الكنيسة، أو نصيحة من صاحب، ومن ذلك نتجت دموع التوبة مع قليل من انفعالات الإيمان والمحبة، ثم تظهر علامات النمو في النعمة بالانتصار على الخطية والشهوات وإظهار الفضائل المسيحية وثمار الروح، حتى يتم العمل في السماء وتحصل النتيجة وهي القداسة الكاملة. فما أعظم الفرق بين حال بولس حين قال عند بدء إيمانه قرب دمشق «يا رب ماذا تريد أن أفعل؟» وحاله حين قال في آخر حياته «أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ. وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ» (2تيموثاوس 4: 6 - 8) وبين حال الابن الضال حين وهو جائع وعريان «أقوم وأذهب إلى أبي» وحاله وهو جالس في بيت أبيه لابساً الحلة الأولى والخاتم في يده والوليمة أمامه.

وفي هذا المثل كما في مثل الزوان، الزارع الأصلي هو المسيح، والزرع هو الكلمة تنبت في قلوب المؤمنين، والحقل هو العالم الذي تنمو الكنيسة في وسطه.

33 «قَالَ لَـهُمْ مَثَلاً آخَرَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا ٱمْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيعُ».

لوقا 13: 20، 21

هذا المثل الرابع وموضوعه كموضوع سابقه: نمو ملكوت المسيح من بدءٍ صغير في الكنيسة وفي قلب المؤمن. والفرق بينه وبين المثل السابق هو أن الأول يتكلم عن علامات النمو الظاهر، والثاني عن النمو الخفي الذي يغيِّر كل الصفات إلى مثل صفات الخميرة، بلا انقطاع حتى يعم تأثيره.

يجب أن تذوب الخميرة وتمتزج بالعجين، فهي لا تريد المجد لنفسها، بل تفعل فعلها غير ظاهرة، ولا تطلب أجراً ولا شكراً. فإن كنا من أهل النعمة الذين يطلبون الخير والإصلاح يجب أن ننسى نفوسنا ونذكر الواجب العظيم الذي أمامنا، فيزيد تأثيرنا بنسبة اختفائنا وراء صليب المسيح الغافر الآثام.

خَمِيرَةً من صفات الخميرة أنها إذا وُضعت في مادة تختلف عنها حوَّلتها كلها حتى صارت مثلها. فهكذا النعمة في قلب الإنسان تحول كل صفاته إلى مثل صفاتها. ومثلها ملكوت الله الذي وُضع بين ممالك العالم حتى يجعلها كلها مثله، وذلك بواسطة تأثير كل مؤمن في غيره تأثير المحبة والغيرة والطاعة التي تمتد من قلب إلى قلب ومن بيت إلى بيت ومن بلاد إلى بلاد، بذهاب المبشرين حاملين إنجيل السلام. ونتيجة ذلك كله اختمار أرضنا بخميرة الإنجيل السماوي، فتصير مثل السماء حيث تتحول قلوب الناس وتتغير وتصير مثل قلب الله في الطهارة.

أَخَذَتْهَا أي من خارج العجنة. فكذلك إنجيل المسيح أتى إلى هذا العالم وإلى قلب كل إنسان من الخارج، أي من السماء. فهو ليس بنشوءٍ طبيعي، ولا بإصلاح موجود، بل بخَلْق جديد.

ٱمْرَأَةٌ خص المرأة بالذكر لأن العجين من اختصاصها.

خَبَّأَتْهَا أي خلطتها بالعجين حتى لم تتميز عنه لكنها تفعل بقوة.

ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيقٍ وذلك هو الإيفة عند العبرانيين وهو مقدار العجنة المعتادة (تكوين 18: 6 وقضاة 6: 19 و1صموئيل 1: 25). فليس للعدد قصد في المثل، وإنما ذُكر بناء على الواقع.

حَتَّى ٱخْتَمَرَ ٱلْجَمِيع في هذا الكلام تاريخ ماضي الكنيسة وإنباءٌ بمستقبلها. ومن تأثيرات الإنجيل التي تشبه تأثير الخميرة إلغاء كثير من عبادة الوثنيين وعاداتهم، وتجارة العبيد ونحوها. ومنها ترقية أحوال المرأة، وتقليل الحروب ونزع قساوة المتحاربين، وإلغاء المبارزة الشخصية ونشر التمدن والعلم بدل التوحش والجهل. وحصول كل ذلك تدريجياً بهدوء كفعل الخميرة في العجين لا فجأة باضطراب عظيم كالزلزلة. وكما حدث في الماضي يحدث في المستقبل، فسيغلب دين المسيح كل قوات الشر في العالم. وهو يقدس كل قلب يدخله تقديساً كاملاً.

عجب بعضهم من استعارة المسيح الخمير لملكوته، لأن الخميرة تُستعار للرياء والخبث (لوقا 12: 1 و1كورنثوس 5: 7 وغلاطية 5: 9) ومُنع الخمير من أن يكون في التقدمات (خروج 13: 3 ولا 4: 11) باستثناء واحدة منها (لا 23: 17). ولكن استعارة الخميرة في بعض صفاتها للشر لا تمنع استعارتها في غير تلك الصفات للخير، فإن الخميرة تنفخ العجين فيزيد حجمه، وبذلك يصح أن تستعار للخبث والفساد. ولكن إذا كان مقداراها معتدلاً فهي تجعل الخبز ألذ طعماً وأسهل هضماً وأوفق للصحة، وبذلك يصح أن تستعار للإصلاح. وظن البعض أن الكتاب المقدس اعتبر الخميرة مادة فعالة مؤثرة في الغير بقطع النظر عن بقية صفاتها، فاستُعيرت أحياناً لقوة فعالة للصلاح، وأحياناً أخرى لقوة فعالة للفساد. وعلى هذا الأسلوب استعير الأسد للمسيح جل وعلا (رؤيا 5: 5) واستعير للشيطان عدوه (1بطرس 5: 8).

ولنا مما ذكر أن أوجه الشبه بين الخميرة والدين المسيحي ستة: (1) أن كلاً منهما ليس شيئاً في أول أمره. (2) أن كلاً منهما ليس مما يؤثر فيه بل هو أمر خارج عنه. (3) أنه لا بد من تأثير كل منهما في غيره عند اختلاطه به (عبرانيين 4: 12 وأعمال 17: 6). (4) أن كلاً منهما ما يؤثر هو فيه مثله تماماً (1كورنثوس 5: 6). (5) أن كلاً منهما يؤثر باطناً بالهدوء (مر 4: 27 ولوقا 17: 20، 21). (6) أن مفعول كلٍ منهما يؤثر في غيره، فالعجين المختمر يخمر غيره، والمسيحي بالحق يجعل غيره مسيحياً.

34 «هٰذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ ٱلْجُمُوعَ بِأَمْثَالٍ، وَبِدُونِ مَثَلٍ لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ».

مرقس 4: 33، 34

هٰذَا كُلُّهُ ليس المراد من هذا أن المسيح من ذلك الوقت لم يكلم الجموع إلا بالأمثال، لأنه كثيراً ما خاطب الجموع بعد ذلك بغير الأمثال. لكن المعنى أنه في الوقت الذي بدأ فيه يعلم بأمثال وروى هذه الأمثال السبعة، اقتصر على هذا الأسلوب من تعليمه.

35 «لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِٱلنَّبِيِّ: سَأَفْتَحُ بِأَمْثَالٍ فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ».

مزمور 78: 2 ورومية 16: 25، 26 و1كورنثوس 2: 7 وأفسس 3: 9 وكولوسي 1: 26

من عادة متّى أنه يأتي بالنبوات لبيان أنها تمت بما فعله المسيح، وهنا أبان أن تعليمه بالأمثال إتمام لنبوءة.

مَا قِيلَ في مزمور 78: 2 على ما في الترجمة السبعينية.

بِٱلنَّبِيِّ أي آساف كما في عنوان المزمور. وسمي آساف الرائي (2أخبار 29: 30) والرائي هو النبي (1صموئيل 9: 9). ويظهر أن حوادث هذا المزمور تاريخية، ولكن لا مانع من أن تكون رمزية أيضاً تشير إلى مجيء المسيح وملكه.

36 «حِينَئِذٍ صَرَفَ يَسُوعُ ٱلْجُمُوعَ وَجَاءَ إِلَى ٱلْبَيْتِ. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَسِّرْ لَنَا مَثَلَ زَوَانِ ٱلْحَقْلِ».

صَرَفَ أي أذن لهم في الذهاب لانتهاء خطابه لهم.

ٱلْجُمُوعَ هم الذين ذُكروا في العدد الثاني من هذا الأصحاح.

ٱلْبَيْتِ الأرجح أن ذلك بيت سمعان بطرس في كفرناحوم (انظر تفسير 8: 14).

تَلاَمِيذُهُ لا الاثنا عشر فقط، بل غيرهم معهم (مرقس 4: 10).

37 «فَأَجَابَ: ٱلزَّارِعُ ٱلزَّرْعَ ٱلْجَيِّدَ هُوَ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ».

هذه مرة ثانية شرح بها المسيح مثلاً، وهو يشبه تفسيره لمثل الزارع في الاختصار والوضوح والنظر إلى الجوهر دون العرض.

ٱلزَّارِعُ أي المذكور في عدد 24 من هذا الأصحاح.

ٱبْنُ ٱلإِنْسَان أي المسيح في حال اتضاعه (متّى 8: 20). وكان بدء زمن ذلك المثل بدء خدمة المسيح على الأرض. وهو لا يزال يزرع الزرع على يد المبشرين بالإنجيل والمعلمين والوالدين الأتقياء وسائر المسيحيين بالحق، وهم يزرعون بأقوالهم وأفعالهم.

38 «وَٱلْحَقْلُ هُوَ ٱلْعَالَمُ. وَٱلزَّرْعُ ٱلْجَيِّدُ هُوَ بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ. وَٱلزَّوَانُ هُوَ بَنُو ٱلشِّرِّيرِ».

متّى 24: 14 و28: 19 ومرقس 16: 15، 30 ولوقا 24: 27 ورومية 10: 18 وكولوسي 1: 6 وتكوين 3: 13 الخ ويوحنا 8: 44 وأعمال 13: 10 و1يوحنا 3: 8

ٱلْحَقْلُ هو الذي زُرع فيه الزرع الجيد والزوان، وهو العالم الذي كان المسيح قد أخذ يؤسس فيه كنيسته فتكون جزءاً منه. ولم يكن التلاميذ محتاجين إلى أن يبين لهم المسيح بمثله اختلاط الأبرار بالأشرار في العالم بأسره، لأن ذلك معروف. إنما أراد أن يوضح لهم أن ذلك الاختلاط يكون في الكنيسة أيضاً كما يظهر من قوله «من ملكوته» (متّى 13: 41). وفسر الحقل بالعالم لأنه جمع كنيسته منه، ولأن كنيسته أخيراً ستشمل كل أهل الأرض.

بَنُو ٱلْمَلَكُوتِ أي أصحابه وورثة بركاته، لا بالميلاد ولا بالإرث الدنيوي، بل بالنعمة. وسموا «الزرع الجيد» لأن كلمة الله التي عبر عنها بذلك الزرع في عدد 19 زُرعت في قلوبهم وصارت واسطة تجديدهم. فأثمرت أعمالاً صالحة (يعقوب 1: 18 و1بطرس 1: 27). وقد قسم المسيح كل صنوف البشر إلى قسمين فقط.

بَنُو ٱلشِّرِّير أي أولاد الشيطان وهم الزوان المذكور في عدد 19 وسُموا أولاد الشيطان لأنهم يشبهونه في صفاتهم، وهو يقودهم، وهم خاصته لأنهم نسل الحية ويعملون أعماله في العالم وسيشاركونه في العذاب أخيراً (متّى 25: 41).

39 «وَٱلْعَدُوُّ ٱلَّذِي زَرَعَهُ هُوَ إِبْلِيسُ. وَٱلْحَصَادُ هُوَ ٱنْقِضَاءُ ٱلْعَالَمِ. وَٱلْحَصَّادُونَ هُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ».

يوئيل 3: 13 ورؤيا 14: 15.

ٱلْعَدُوُّ هو المذكور في عدد 25 وهو عدو المسيح وعدو الإنسان منذ القديم (تكوين 3: 15).

إِبْلِيسُ هو الشيطان ومعناه واشٍ أو مشتكٍ (متّى 4: 1). ومعنى الشيطان «خصم». وسُمي في عدد 38 بالشرير لأنه أعظم الأشرار شراً في ذاته، وهو علة الشر في غيره. وهو على الدوام يعارض المسيح، فالمسيح يزرع الزرع الجيد وهو يزرع الرديء، ويرسل المسيح أنبياء صادقين وهو يرسل أنبياء كذبة. فلا بد من أن يكون «ضد المسيح» حيث يكون المسيح على الأرض، وأظهر الشيطان أشد أعماله حين كان المسيح على الأرض. وهو رئيس ملكوت الظلمة الباذل جهده في منع تأسيس ملكوت النور. وقد ظهر في هذا المثل إدخاله أولاده بين أولاد الملكوت أي كنيسة المسيح على الأرض. وتعليم المسيح هنا يبين لنا أن لا نتوقع الطهارة الكاملة في الكنيسة، فلا بد من وجود المرائين بين المؤمنين الحقيقيين، كيهوذا الإسخريوطي بين الإثني عشر. ونرى سرعة نبت الزوان في الكنيسة الجديدة من قصة حنانيا وامرأته سفيرة (أعمال 5).

ولم يفسر المسيح طلب الخدام أن يقلعوا الزوان ونهي رب الحقل إياهم عن ذلك، فيجوز تفسير ذلك بمقارنته بباقي تعاليم الكتاب المقدس. فليس هناك ما يمنع الكنيسة من تأديب أعضائها على أعمال مضادة لشريعة الله ومضرة لطهارة الكنيسة وراحتها، فإن وجوب ذلك التأديب جليٌّ في الإنجيل. لكن منع الخدام من قلع الزوان يمنع الكنيسة من إجبار المرائين والضالين ليرجعوا عن ريائهم وضلالهم، ويمنعها من قصاص المعاندين لها بذاتها، ويمنعها من معاملة أولادها العصاة بطريق لا تُبقي بها لهم فرصة التوبة والإصلاح والرجوع إليها.

ونستنتج من كلام المسيح أنه لا يريد أن يخرج تلاميذه الحقيقيون من كنيسةٍ إن وُجد فيها بعض المرائين، فيخرجون منها ويؤسسون كنيسة منفصلة عنهم لستة أسباب: (1) أن الذين يفعلون ذلك يخالفون أمر المسيح بقوله «دعوهما ينميان كلاهما معاً» وهم في خطر السقوط في هاوية الكبرياء الروحية. (2) أنه لا يمكن لأحد فصل المرائين عن المخلصين إلا الذي يفحص القلوب والكلى. (3) إنه يخشى أن يُحسب الأخ ضعيف الإيمان مرفوضاً من النعمة ويُقطع. (4) إن اختلاط النوعين في الكنيسة يمتحن إيمان خدام المسيح الحقيقيين وإخلاصهم وصبرهم. (5) إن إبقاء المرائي في الكنيسة فرصة لتوبته ورجوعه إلى الله، فإن بقي على حاله لم تكن له حجة يوم الدين. (6) إن المسيح أجَّل الانفصال إلى يوم الحساب وحينئذٍ يكون تحت نظره بدليل قوله «فِي وَقْتِ الْحَصَادِ أَقُولُ لِلْحَصَّادِينَ.. الخ» (متّى 13: 30).

ٱلْحَصَادُ أي حصاد الله، وهو جمع غلة العالم في كل أزمانه من بدء الخليقة إلى يوم الدين من خيرٍ وشر، لتمييز الواحد عن الآخر وفصله عنه إلى الأبد.

ٱنْقِضَاءُ ٱلْعَالَمِ أي نهاية حال العالم الحاضرة بالنسبة إلى الأبدية، فهو الوقت المعين للفصل.

ٱلْحَصَّادُونَ أي الفعلة الذين يستخدمهم الله للجمع والفصل.

ٱلْمَلاَئِكَةُ هم أرواحٌ أرفع رتبة من البشر منزهون عن العوارض الجسدية والنقص البشري. وأضافهم إلى الله بقوله «ملائكته» لأنهم يطيعون أوامره ويتممون مقاصده. فيليق أن يكونوا الحاصدين لأنهم أصدقاء أمناء للصالحين وأعداء عادلون للأشرار (دانيال 7: 9، 10).

40 «فَكَمَا يُجْمَعُ ٱلزَّوَانُ وَيُحْرَقُ بِٱلنَّارِ هٰكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ هٰذَا ٱلْعَالَمِ».

يهلك الأشرار حالَ فصلهم عن الأخيار.

يُجْمَعُ ٱلزَّوَان وهذا قصاص للأشرار أن يُجمعوا معاً، فما أكره هذه الرفقة!

وَيُحْرَقُ بِٱلنَّارِ لا إهلاك كامل كالإهلاك بالنار المعهودة، ولذلك استعارها الكتاب المقدس لهلاك الأشرار التام في نار جهنم.

41 «يُرْسِلُ ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ ٱلْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي ٱلإِثْمِ».

متّى 18: 7 و2بطرس 2: 2، 2

ٱبْنُ ٱلإِنْسَان هو الذي يُجري كل تلك الأمور وهو الشخص المُهان نفسه الذي كان يخاطبهم يومئذٍ، فإن المسيح وإن احتمل الأشرار بطول الأناة لا يحتملهم إلى الأبد.

جَمِيعَ ٱلْمَعَاثِرِ أي أصحاب المعاثر المضلين، وهم الذين يوقعون غيرهم في الإثم.

42 «وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَانِ».

متّى 3: 12 ورؤيا 19: 20 و20: 10 ومتّى 8: 12، 50

هذا إضافة وتوضيح لعدد 40 وتأكيد له، فإن عدد 40 ذكر كمال الهلاك، وهذا العدد أوضح شدة العذاب المتعلق به. فعلينا أن نلاحظ أن النار هنا للقصاص والهلاك، لا للتطهير.

43 «حِينَئِذٍ يُضِيءُ ٱلأَبْرَارُ كَٱلشَّمْسِ فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِمْ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَع».

هذا تفسير لعدد 30 فسر فيه الحنطة المذكورة هناك بالأبرار.

كَٱلشَّمْسِ وجه الشبه البهاء والطهارة والبهجة وإنارة الغير. وكثيراً ما عبر عن السعادة السماوية بالنور كما عُبر عن جهنم بالنار. وقوله «حِينَئِذٍ يُضِيءُ الأَبْرَارُ كَالشَّمْسِ» يدل على أن مجدهم كان محجوباً قبل ذلك (أمثال 4: 18 ودانيال 12: 3 وكولوسي 3: 3 ورومية 8: 18). فجمال الكنيسة لا يظهر كما هو بالحق إلا بعد فصل الأشرار.

فِي مَلَكُوتِ أَبِيهِم يعترف الله بأن الأبرار أولاده وورثته، وذلك من خير بركات الله عليهم.

مَنْ لَهُ أُذُنَانِ الخ انظر متّى 11: 15.

44 «أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ كَنْزاً مُخْفىً فِي حَقْلٍ، وَجَدَهُ إِنْسَانٌ فَأَخْفَاهُ. وَمِنْ فَرَحِهِ مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَى ذٰلِكَ ٱلْحَقْلَ».

إشعياء 55: 1 وفيلبي 3: 7، 8 ورؤيا 3: 18

مرَّ في عدد 36 أن المسيح صرف الجموع. فالأمثال الثلاثة الباقية من السبعة ضربها في البيت لتلاميذه فقط.

مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ أي مُلك المسيح الجديد الروحي.

كَنْز تكلم المسيح في المثلين السابقين عن نمو ملكوته الغريب من بداية صغيرة، ثم تكلم عن علاقته بكل فرد من المؤمنين كمقتنى خاص. ولا يُسمى كنزاً إلا ما هو ثمين. ففي ملكوت السماوات الغنى الحقيقي، لأن فيه رضى الله والحياة الأبدية والميراث الذي لا يضمحل. وهذا وحده يشبع نفس الإنسان. وأفضل الكنز السماوي هو المسيح «الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ» (كولوسي 2: 3).

مُخْفىً فِي حَقْلٍ كانت عادة الأغنياء في الأزمنة القديمة أن يدفنوا أموالهم في الأرض أوقات الخطر (أيوب 3: 21 وأمثال 2: 4 وإرميا 4: 8). وقوله «مخفى» ليس له معنى جوهري لكنه من الضروريات للمثل لأنه لا يمكن إيجاده ما لم يكن مخفى. ولا شك أن الكنوز الروحية مخفاة عن عيون أهل العالم من عمى قلوبهم، لا لأن الله قصد إخفاءها. قال الرسول «وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا» (1كورنثوس 2: 14). وقال أيضاً «لَّذِينَ فِيهِمْ إِلهُ هذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ» (2كورنثوس 4: 4).

وَجَدَهُ إِنْسَان أحياناً يجد بعض الناس كنزاً مخفى منذ قديم، ولعله هذا ما حدث حينئذٍ في تلك المنطقة، وشاع أمره بين الجميع.

فَأَخْفَاه إلى أن اشتراه فصار له الحق الشرعي أن يملكه. ولم يرد في المثل أن هذا حلال أو حرام، لأنه ليس من غرض المسيح، وإنما ذكره على ذلك النسق هو المعهود من أمثاله. ولم يخفِ الواجد الكنز خشية أن يأخذه غيره، بل خشية أنه هو يخسره. فالمقصود من ذلك رغبة الواجد في استعمال كل الوسائط ليملك ذلك الكنز، توضيحاً لوجوب الاجتهاد في طلب ملكوت السماء والاحتراس من كل ما يمنع من ذلك. ولكن لا حاجة أن نخفي الكنز السماوي عن غيرنا حتى نتمتع به، فإنه يكفي ليُغني كل العالم. وعلى قدر عدد الذين ندعوهم إلى مشاركتنا فيه يزيد سرورنا. فأندراوس حين وجد المسيح الذي هو أعظم كنوز السماء أخبر فيلبس، وفيلبس أخبر نثنائيل بقوله «وَجَدْنَا الَّذِي كَتَبَ عَنْهُ مُوسَى فِي النَّامُوسِ وَالأَنْبِيَاءُ يَسُوعَ» (يوحنا 1: 45).

بَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَه الخ ليس المقصود من ذلك أن الكنوز السماوية تُشترى بمالٍ، لأنها «بلا فضة وبلا ثمن» (إشعياء 55: 1). ولكن الكتاب يشير إلى الحصول على الشيء بشرائه (أمثال 23: 23 ومتّى 25: 9، 10 ورؤيا 3: 18). فلعله أراد بقوله «باع كل ما كان له الخ» إن طالب الخير السماوي يترك كل شيء يمنعه عن إدراك ذلك الخير، وفقاً لقول بولس «لٰكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحاً فَهٰذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ ٱلْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضاً خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، ٱلَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ ٱلأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ ٱلْمَسِيح» (في 3: 7، 8) ووفقاً لقول المسيح «إِنْ أَحَبَّ أَباً أَوْ أُمّاً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. َمَنْ أَحَبَّ ٱبْناً أَوِ ٱبْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. َنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا» (متّى 10: 37 - 39). (انظر متّى 16: 24 ومرقس 9: 43 - 48).

فعلى ذلك يجب على مُحب المال أن يترك طمعه، وعلى المتواني أن يترك كسله، وعلى محب اللذات أن يترك شهواته، وعلى البار في عيني نفسه أن يخلع ثوب بره الذاتي. وهذا الترك يكون اختيارياً سهلاً عليه حين يرى قيمة العوض. فكما أن واجد الكنز «مضى من فرحه وباع كل ما كان له» كذلك المسيحي يترك بكل رضى كل شيء لأجل المسيح.

45، 46 «45 أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً تَاجِراً يَطْلُبُ لَآلِئَ حَسَنَةً، 46 فَلَمَّا وَجَدَ لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ، مَضَى وَبَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا».

أمثال 2: 4 و3: 14 ، 15 و8: 10، 19

هذا المثل يشبه الذي قبله في ثلاثة أمور: (1) عظمة قيمة الموجود. (2) وجوب أن يكون ملكاً خاصاً. (3) أن يترك كل شيء لأجله عندما يجده.

ويختلف عنه في أمر واحد هو أن الواجد في المثل الأول وجد اتفاقاً، والواجد في الثاني وجد بعد بذل جهده في التفتيش. فمثال الأول المرأة السامرية، فإنها جاءت إلى البئر لمجرد الماء وجدت المسيح هناك. ومثلها بولس الذي لم يقصد أن يجد المسيح حين وجده قرب دمشق. ومثال الثاني المجوس الذين أتوا من المشرق يطلبون مشاهدة الملك المولود حديثاً. ومثلهم الخصي الحبشي فإنه وجد المسيح بإتيانه إلى أورشليم للسجود وبدرسه كلام الأنبياء عن المسيح.

لَآلِئَ تُستخرج من الصدف في البحار ولا سيما بحر الهند، وكانت تعتبر قديماً أكثر مما تعتبر اليوم. وكانوا يبذلون مبالغ عظيمة من المال لشرائها، وكان اقتناؤها دليلاً على غنى مقتنيها وعظمته وشرفه، ولهذا رغب فيها الملوك (متّى 7: 6 و1تيموثاوس 2: 9).

وكل أهل الأرض مثل ذلك التاجر في أنهم يطلبون الخير الأعظم، لكنهم يخطئون بأنهم يطلبونه حيث لا يوجد لظنهم إياه في المال أو المراتب العالية أو زيادة العلم. وفاتهم أنه لا يوجد إلا عند الله. فمتّى طلبوا الغنى السماوي برغبة كرغبة التاجر في اللآلئ فلا بد أن يجدوه.

لُؤْلُؤَةً وَاحِدَةً كَثِيرَةَ ٱلثَّمَنِ اللؤلؤة في هذا المثل إما ملكوت الله في نفس الإنسان، وإما الخلاص، وإما معرفة المسيح وإما المسيح نفسه. ومآل الكل واحد، أي المسيح، لأن بالمسيح كل بركات ملكوته. وقوله «لؤلؤة واحدة» دليل على أن الخير الأعظم واحد.

مرَّ في مثل الكنز المخفي أن الذي وجده فرح، ولم يذكر هنا أن التاجر فرح باللؤلؤة. وليس المقصود أن فرح الذي يجد النفيس بعد الطلب أقل من الذي يجده اتفاقاً بلا طلب. ولكنه ذكر فرح الأول إشارة إلى أنه وجد الكنز على غير انتظار. ولكن كليهما اتفقا في أنهما اعتمدا شيئاً واحداً، وهو الحصول على النفيس بأي نفقة كانت.

بَاعَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ وَٱشْتَرَاهَا يتضح معنى ذلك من عدة آيات (أمثال 23: 23 وإشعياء 55: 1 ومتّى 10: 37 - 39 و16: 24 و25: 9، 10 أو مرقس 9: 43 - 48 وفيلبي 3: 4 - 11 ورؤيا 3: 18). فمن تحقق قيمة البركات الإنجيلية لا يعطله شيء عن الحصول عليها، فيكون مستعداً ليترك خطاياه ولذاته ومدح الناس وكل خير دنيوي ولينكر نفسه ويتبع المسيح. ومن فعل ذلك لا يندم أبداً، فإن جواهر الأرض ليست شيئاً بالنسبة إلى جوهرة السماء، لأنها تبقى على بهائها وقيمتها إلى الأبد. وكما أن ذلك التاجر هو الذي سعى لإدراك تلك اللؤلؤة لنفسه، وأنفق كل شيء ليحصل عليها، كذلك يجب على كل إنسان في الأرض أن يسعى في إدراك المسيح، فذلك ليس وراثة من الآباء ولا هبة من الكنيسة، بل هو اقتناء خاص بالإيمان.

47 ، 48 «47 أَيْضاً يُشْبِهُ مَلَكُوتُ ٱلسَّمَاوَاتِ شَبَكَةً مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ، وَجَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْعٍ. 48 فَلَمَّا ٱمْتَلأَتْ أَصْعَدُوهَا عَلَى ٱلشَّاطِئِ، وَجَلَسُوا وَجَمَعُوا ٱلْجِيَادَ إِلَى أَوْعِيَةٍ، وَأَمَّا ٱلأَرْدِيَاءُ فَطَرَحُوهَا خَارِجاً».

متّى 22: 10

هذا المثل آخر الأمثال السبعة، وهو يشبه مثل الزوان، إلا أن ذاك من أعمال الفلاحة وهذا من صيد السمك. ولعل المسيح اختار هذا المثل من الصيد لأن أربعة من تلاميذه كانوا صيادين، فأورده لزيادة تأثيره في قلوبهم، ولأنه كان يجهزهم كلهم ليكونوا صيادي الناس.

شَبَكَةً الشبكة الكبيرة نسيج طويل ذو عيون ضيقة يثقل بقطع كثيرة من الرصاص من الأسفل، ويخفف بقطع كثيرة من الفلين من الأعلى. تُطرح في البحر فتشتمل على دائرة كبيرة ثم تجر من الطرفين بكل ما فيها إلى الشاطئ. ومعنى الشبكة هنا الكنيسة لأنها تجمع أعضاءها من كل العالم.

مَطْرُوحَةً فِي ٱلْبَحْرِ إشارة إلى انتشار الإنجيل في العالم وأنه ليس لأمةٍ دون أخرى. وطُرحت هذه الشبكة قديماً في نهر صغير، يوم كانت مقصورة على بني إسرائيل . وفي قوله «مطروحة في البحر» نبوَّة بامتداد الإنجيل من أمة إلى أمة من يوم أمر المسيح تلاميذه «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مرقس 16:15). وتمَّت هذه النبوة فعلاً من يوم الخمسين إلى الآن. وتطرح تلك الشبكة في البحر كلما بُشر الناس وآمنوا واعتمدوا.

جَامِعَةً مِنْ كُلِّ نَوْع إشارة إلى مختلفي الصفات الذين يدخلون الكنيسة، بالرغم من اجتهاد أعضائها في ألا يدخلها إلا متجددو القلوب. والشبكة تجمع عندما يسحب الصيادون الشباك الكبيرة إلى الشاطئ، مملوءة من كافة الأسماك الجيدة والرديئة.

فَلَمَّا ٱمْتَلأَتْ أي لما تم عدد مختاري الله.

جَلَسُوا يشير هذا إلى أنهم لم يجروا ذلك إلا بعد النظر والتأمل احتراساً من الخطأ.

ٱلْجِيَادَ... وٱلأَرْدِيَاء المقصود بالجياد المؤمنون، وبالأردياء المراؤون. وهم إما مخدوعون وإما خادعون. فلا عجب من أن نجد في الكنيسة من كل نوع، لأنه كان قايين في العائلة الأولى، وحام في الفلك، وعيسو في عائلة إسحاق، ويهوذا الإسخريوطي بين الرسل، وسيمون الساحر بين المعتمدين في السامرة.

ولم يذكر الصيادين، ولكن الكلام يقتضي وجودهم، فالذين يطرحون الشبكة الإنجيلية هم خدام المسيح الذين ينادون بالإنجيل. ولا بد من أن شبكة الإنجيل تختلف عن الشبكة العادية، لأن الأردياء في الشبكة المعتادة لا تتحول داخل الشبكة إلى أن صالحة. ولكن شبكة الإنجيل تلقى لغاية أن يصير الأردياء داخلها صالحين. فالذين يبقون في الكنيسة أردياء إنما يبقون كذلك باختيارهم.

أَوْعِيَةٍ المقصود بالأوعية هنا المقصود بالمخزن (في عدد 30) وبالمنازل الكثيرة (يوحنا 14: 2) وبالمظال الأبدية (لوقا 16: 9).

49 «هٰكَذَا يَكُونُ فِي ٱنْقِضَاءِ ٱلْعَالَمِ: يَخْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَيُفْرِزُونَ ٱلأَشْرَارَ مِنْ بَيْنِ ٱلأَبْرَارِ».

متّى 25: 32.

يَخْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَة أي يظهرون للأبصار خلافاً لما هم عليه الآن. وقد اعتاد صيادو السمك الذين يطرحون الشبكة أن يعزلوا الأردياء عن الجياد. ولكن الأمر في الروحيات ليس كذلك، فإن البشر يكونون صيادي الناس، ولكن الملائكة هم الذين يُجرون قضاء الله ويفرزون الأثمة عن الأبرار (متّى 13: 41 و24: 31 و25: 31 ورؤيا 14: 18، 19).

50 «وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ ٱلنَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان».

أَتُونِ ٱلنَّارِ إشارة إلى مسكن الأبالسة والهالكين من الناس.

ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلأَسْنَان كناية عن الحزن والألم واليأس. كانت غاية المسيح أن ينادي بالخلاص ويبشر بالحياة الأبدية، ولكنه لم يسكت عن ذكر الدينونة الآتية وهول عقاب الأثمة غير التائبين.

فائدة: ينهانا هذا المثل عن أن نكتفي بانتمائنا للكنيسة «لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ» (رومية 9: 6) ويوجب علينا أن «نجعل دعوتنا واختيارنا ثابتين» (2بطرس 1: 10).

والسبعة الأمثال المذكورة في هذا الأصحاح تشتمل على قصد واحد كامل، فالأول (مثل الزارع) يبين أسباب النجاح الإنجيلي أحياناً وأسباب ذلك النجاح في سائر الأحيان.

والمثل الثاني (مثل الزوان) يبين الموانع الداخلية من امتداد الإنجيل، وينسب أصلها إلى الشيطان، ويحذر الناس من إزالتها إجباراً.

والمثلان الثالث والرابع يشيران إلى امتداد الإنجيل وانتصاره أخيراً ظاهراً كما في نمو الخردل، وباطناً كما في فعل الخميرة.

والمثلان الخامس والسادس يُظهران قيمة ملكوت المسيح لكل فرد من الناس، ووجوب ترك كل شيء بغية اقتنائه.

والسابع يشير إلى تمام الانفصال أخيراً بين الصالحين والأشرار المجتمعين الآن في الكنيسة، وأن الله هو الذي يُجري ذلك الانفصال في وقته وفي الطريق التي يختارها.

51 «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَفَهِمْتُمْ هٰذَا كُلَّهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا سَيِّدُ».

بعد أن علَّم المسيح هذه الأمثال وفسر اثنين منها، سأل التلاميذ: هل فهموا معناها الروحي.

نَعَم أصابوا بهذا الجواب مع أنهم لم يفهموا كل معناها ولا سيما النبوات التي تتضمنها إلا بعد ما حل عليهم الروح القدس كما وُعدوا (يوحنا 16: 13، 14).

فائدة: سماعنا كلام الحق لا يفيدنا شيئاً إن لم نفهم معناه ونحسبه خطاباً لأنفسنا، فالألوف يحضرون الكنيسة ويظنون أنهم أكملوا ما يجب عليهم بمجرد سماعهم كلام المبشر، وهم لا يأخذون شيئاً من تعليمه في قلوبهم. فيجب أن يفهم كل السامعين كلام الإنجيل، لأن المسيح يسأل «أفهمتم هذا كله؟». فطوبى لمن يستطيعون أن يجيبوه «نعم يا سيد».

52 «فَقَالَ لَـهُمْ: مِنْ أَجْلِ ذٰلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُداً وَعُتَقَاءَ».

بعد أن أكمل المسيح تعليمه بالأمثال، وسألهم عما استفادوا منها، أخبرهم بالطريق التي يجب أن يسيروا فيها، فيعلِّمون بعد ما تعلموا، ويطعمون غيرهم من خبز الحياة الذي شبعوا به وذخروا منه موزعين على الناس حسب احتياجاتهم.

كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ أطلق على معلِّمي المسيحية الاسم الذي عُرف به معلمو اليهود. فكل من يعرف الإنجيل ومعناه الروحي هو الكاتب المتعلِّم الحقيقي.

رَبَّ بَيْتٍ يعطي بحكمة وحنو كل عضو من أهل بيته ما يحتاج إليه، فلا يقلّب كالبخيل، ولا يكثر على نفسه كالمسرف. لكنه يعتني باحتياجات أهل البيت اليومية والخاصة كما في وقت المرض والمصيبة. فالمسيح هو «رب البيت» العظيم الذي أخرج من كنز السماء كل ما يحتاج إليه الناس. فالمتعلم منه ينوب عنه في توزيع هذا الكنز.

مِنْ كَنْزِهِ أتى المسيح بهذا الكنز من السماء. ولكن كل معلم في ملكوته يأتي بكنزٍ من قلبه المملوء من النعمة، المختبر تأثير الحق، المتعلم من الروح القدس. خلافاً لمن يُخرج من ذاكرته ومعرفته العقلية فقط. فلا يجب أن يعلّم أحدٌ بالإنجيل ما لم يكن قد شعر بقوته وتأثيره في نفسه.

وكنز المبشر الذي يخرج منه ما يُعلّمه للشعب يأتيه من أربعة مصادر. (1) الكتاب المقدس. و(2) بينات لصفات الله. و(3) أعمال العناية الأزلية. و(4) اختباره الحق بإرشاد الروح القدس إياه.

جُدُداً وَعُتَقَاءَ أي مما اقتناه حديثاً وقديماً. واستعار ذلك للحقائق السماوية التي تعلمها التلاميذ وهم يهود من العهد القديم، وللذي استفادوه من تعليم المسيح أو مما سيتعلمونه من الروح القدس. ويجوز أن تكون الحقائق الواحدة عتيقة وجديدة بالنسبة إلى قدر إدراكنا لها. فيجوز مثلاً أن نحسب شرائع الحق والبر التي كتبها الله على صفحات الضمير وعلى لوحي الحجر (أي الوصايا العشر) وفي كتب الأنبياء عتيقة، ويجوز أن نحسب الحقائق التي أُعلنت لنا بمجيء المسيح وتجسده وصلبه وقيامته وصعوده ودعوة الأمم وروحانية ملكوت المسيح ووجوب التبشير بالإنجيل في كل العالم جديدة. فعلى القسوس والمبشرين الآن أن يعظوا الناس بحقائق الإنجيل التي اعتادوا سماعها منذ الصغر حتى صارت عندهم بمنزلة العتيقة. ولكن عليهم أن يجتهدوا في الدرس والاختبار والصلاة حتى يشعروا أعظم شعور بمعناها، ويأتوا بطرق جديدة لبيانها حتى تظهر للسامعين كأنها ذات معنى جديد وقوة جديدة. فكل حقائق الكتاب المقدس من أولها إلى آخرها كنز ثمين، يستخرج منها المعلم المسيحي ما يقوي ضعيف الإيمان، وينير الجهلاء، ويعزي الحزانى، ويرشد الضالين.

53 «وَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هٰذِهِ ٱلأَمْثَالَ ٱنْتَقَلَ مِنْ هُنَاكَ».

هذا نهاية وعظ المسيح بالأمثال كما كان في متّى 7: 29.

54 «وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حَتَّى بُهِتُوا وَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لِهٰذَا هٰذِهِ ٱلْحِكْمَةُ وَٱلْقُوَّاتُ؟».

متّى 2: 23 ومرقس 6: 1 ولوقا 4: 16، 23

هذا بدء كلام على أمر جديد كان في وقتٍ غير وقت الوعظ السابق. ولم يُبيّن متّى زمان حدوثه. فلا تناقض بينه وبين مرقس، فإنه بيَّن أن الحادثة الآتية كانت على أثر إقامة المسيح ابنة يايرس من الموت (مرقس 6: 1 - 6). ولكن متّى ذكر إقامة تلك الابنة قبل أن ذكر الوعظ (متّى 9: 18 - 26).

وَطَنِهِ أي الناصرة (متّى 2: 23). وهذا المجيء إليها غير المجيء الذي ذكره لوقا (لوقا 4: 14 - 30) وهذا كان قبل الذي ذكره متّى هنا. وأحوال المجيئين مختلفة مع أن الناس أظهروا في كليهما عدم الإيمان. ولا عجب من أنه رجع إلى الناصرة غير مرة، وجدد طلباته إليهم بعد رفضهم لأنه تربى هناك، ولم تزل يومئذٍ مسكن أهله.

يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِم اغتاظ أهل الناصرة منه عند مجيئه الأول حتى عزموا على أن يرجموه، أما الآن فلم يعارضه أحد، إما لأن غيظهم كان قد زال، وإما لأن صيته ذاع في البلاد. وسبب قبولهم أن يعلم في مجمعهم أنهم اعتادوا أن يدعوا كل يهودي يظهر أنه من أرباب المعرفة وأنه قادر على الإفادة إلى أن يخاطب الشعب (أعمال 13: 15) أو أن يسوع عُرف يومئذٍ أنه يعلم تعليماً غير عادي، وأنه ربُّ معجزات عظيمة.

بُهِتُوا لم يتحيروا مما علم كما تحيروا مما ادَّعى من اللاهوت والسلطان، خلافاً لما كانوا يعهدون من أمره مثل كونه من عائلة يعرفونها وأنه تربى بينهم.

مِنْ أَيْنَ لِهٰذَ الخ كان الشعب أقل قسوة مما كانوا في مجيئه الأول إليهم، ولكنهم ليسوا أكثر إيماناً من ذي قبل. وفي سؤالهم شكٌّ واستخفاف. وقد اعترفوا أنه أظهر حكمة وقوة غريبة، ولكنهم عزوهما إلى غيره، ولعل بعضهم ظنهما من الشيطان كما اتهمه الفريسيون (متّى 12: 24). ولا ريب في أن أهل الناصرة سمعوا ذلك من أولئك.

أنهم لم ينكروا على المسيح معجزاته لكنهم لم يسلموا بأنها برهان على أنه المسيح، فاكتفوا بأن عجبوا منها كأمر فوق إدراكهم. ولكن تسليمهم بحكمته وقوته لم يترك لهم عذراً على عدم إيمانهم، ودلَّ على أن التعصب والحسد والبغض تعمي القلب وتمنعه من تصديق ما تشهد به الحواس ويحكم به العقل.

55 «أَلَيْسَ هٰذَا ٱبْنَ ٱلنَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ، وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ وَيُوسِي وَسِمْعَانَ وَيَهُوذَا؟».

إشعياء 49: 7 ومرقس 6: 3 ولوقا 3: 23 ويوحنا 6: 42 ومتّى 12: 46 ومرقس 15: 40

رفض أهل الناصرة قول المسيح بسبب معرفتهم له منذ الطفولية، ومعرفتهم أهله وأنسباءه ومهنتهم، فهو واحدٌ منهم! وهذا عذر باطل لأنه بُني على التعصب والهوى والحسد، لا على استدلال عقلي.

ٱبْنَ ٱلنَّجَّارِ اشتهر المسيح بين الناس بأنه ابن يوسف النجار. وكان هو نجاراً (مرقس 6: 3). وكان كل يهودي في ذلك الوقت يتعلم شيئاً من الصنائع، مهما كانت وظيفته أو رتبته. فلا ينتج من دعوتهم إياه بابن النجار أن النجارة كانت صناعة دنيئة، أو أن يسوع صار أدنى منهم لمزاولته النجارة. بل كان غرضهم أن يبينوا أنه مثلهم، لا حق له أن يدَّعي أنه أعظم منهم.

فاتضاع المسيح لم ينتج من كونه نجاراً ابن نجار، بل من أنه صار جسداً وحل بيننا. فلو جاءنا ملكاً لم يكن أقل تنازلاً من كونه نجاراً (في 2: 6 - 8).

وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوب قال بعض المفسرين إن إخوته هم أولاد أخي يوسف، أو أخي مريم أو أختها، أو أنسباؤه من جهة أخرى. وقال البعض الآخر إنهم إخوته وأخواته من أمه ويوسف. ولا توجد إجابة قاطعة. فالذي يرغب في بحث هذا الأمر عليه أن يقارن الآيات الآتية ويحكم لنفسه: متّى 12: 46 ومثله مرقس 3: 31 ومثله لوقا 8: 19.. متّى 13: 55 ومثله مرقس 6: 3..

يوحنا 2: 1 و7: 3، 5، 10 وأعمال 1: 14 و1كورنثوس 9: 5 وغلاطية 1: 19.

56 «أَوَلَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهٰذَا هٰذِهِ كُلُّهَا؟».

عِنْدَنَا أي في الناصرة، مما يدل على أن الناصرة ما زالت مسكن أهل يسوع بعد ما ذهب منها. ومن العجب أنهم اتخذوا معرفتهم أصل يسوع وعائلته دليلاً على عدم صحة دعواه أنه المسيح.

57 «فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهُمْ: لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ وَفِي بَيْتِهِ».

متّى 5: 29، 30 و11: 6، 21 ومرقس 6: 3 الخ ولوقا 2: 34 ولوقا 4: 24 ويوحنا 4: 44

ما أعظم ضرر المعرفة الناقصة المدعية كما فعل هؤلاء، فقد حسبوا أنهم عرفوا يسوع معرفة تامة لأنهم عرفوا نسبه وعائلته ومهنته وإخوته وأخواته. وفاتهم أنهم لم يعرفوه في رسالته الجديدة وفي وظيفته المقدسة أنه المسيح المخلص ابن الله الوحيد. ولأنهم قصروا في المعرفة الحقيقية، كان لهم ضيق النظر والعمى الروحي.

فَكَانُوا يَعْثُرُونَ بِهِ هم كسائر اليهود انتظروا أن يأتي المسيح ملكاً أرضياً فيجعل الأمة اليهودية أقوى من الأمة الرومانية، ومجلس السبعين أعظم من السناتوس الروماني، وهيكل أورشليم أشرف من الكابيتول (أي قلعة روما). فصعُب عليهم أن يعتقدوا أن النجار ابن قريتهم هو المسيح المنتظر. فكان حجر عثرة لهم. فإنهم اعترفوا بحكمته وقوته ولكن أهواءهم منعتهم من قبول تعليمه. وكل برهان على صحة دعوى المسيح أو إنجيله، ورفضه الناس، هو حجر عثرة لهم يسقطون عليه لهلاكهم الأبدي.

لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَة الخ لم يتخذ المسيح رفضهم إياه اعتداءً عليه وإهانةً له، بل تصديقاً لقولٍ جرى عندهم مجرى المثل، وهو أن الإنسان يجد من الغرباء اعتباراً لدعواه لا يجدها ممن هم أقرب إليه. وعلة ذلك أن الغرباء يحكمون بالنظر إلى أعماله العلنية وسيرته باعتبار وظيفته، ولكن أقاربه يحكمون بالنظر إلى أمور ماضية من جهة الأصل والسيرة.

وآثر المسيح ذكر «النبي» في ذا القول إما لأنه صدق في الماضي على الأنبياء أكثر من غيرهم، أو لأن أهل الناصرة أنكروا دعواه أنه نبيّ.

58 «وَلَمْ يَصْنَعْ هُنَاكَ قُوَّاتٍ كَثِيرَةً لِعَدَمِ إِيمَانِهِم».

كانت نتيجة عدم إيمانهم محزنة، وهي أنه لم يصنع بينهم من المعجزات إلا أقل مما صنعه في غير قريتهم من الجليل، لأنهم لم يطلبوا منه شفاءً لعدم ثقتهم بقوته عليه. ولا دليل على أن أحداً منهم طلب أن يشفيه وطُرد. فيظهر من ذلك أن المسيح لم يصنع المعجزات ليقنع منكري دعواه، وإلا جاء بأعظم المعجزات للذين هم أقل إيماناً من غيرهم. ولكنه صنع المعجزات ختماً لسلطانه لمن استعدوا لقبوله بآية إلهية.

الأصحاح الرابع عشر

1 «فِي ذٰلِكَ ٱلْوَقْتِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ ٱلرُّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ».

هِيرُودُس هو أنتيباس بن هيرودس الكبير من امرأته ملثاسي، حكم بعد موت أبيه على الجليل والسامرة وبيرية، أي عبر الأردن. وامرأته الأولى بنت الحارث ملك دمشق المذكور في 2كورنثوس 11: 32. وبعد ذلك رأى هيروديا زوجة أخيه فيلبس، وهي بنت أخيه أرستوبولس بن هيرودس الكبير فأغراها بترك زوجها وتزوجها، ولأجلها طلق امرأته بنت الحارث. فوبخه يوحنا المعمدان على هذا الزنا، وهو محرم حسب الشريعة اليهودية لسببين: (1) أنها ابنة أخيه، و(2) أنها زوجة أخ حي. ووبخه أيضاً على ذنوب أخرى (لوقا 3: 19) فسجنه لتجاسره على توبيخه إياه، ولخوفه من تأثير وعظه في الشعب. وبعد قليل من قتل يوحنا حارب الحارث هيرودس وهزمه وشتت جنوده. ثم ذهب إلى روما يبتغي رتبة ملك، فنُفي إلى ليون في غاليا (أي فرنسا). ورافقته هيروديا وذهبا من هناك إلى أسبانيا وماتا فيها. وكان ظالماً (لوقا 3: 19) خادعاً (لوقا 13: 31، 32). وهو هيرودس الذي أتى المسيح إليه ووقف أمامه بأمر بيلاطس (لوقا 23: 6 - 11).

رَئِيسُ ٱلرُّبْعِ قُصد بهذا اللقب أولاً ما يدل عليه ظاهر معناه، ثم صار بمعنى والٍ (أقل من الملك) بغضّ النظر عن مساحة ما يتولاه من البلاد. وكانوا يدعونه أحياناً ملكاً على سبيل الإكرام والتعظيم (مرقس 6: 14).

خَبَرَ يَسُوع لا ريب في أن شهرة المسيح بتعليمه ومعجزاته كانت ذائعةً في كل تلك البلاد، وانتشر أكثر من ذلك عندما أرسل تلاميذه ينادون به ويصنعون الآيات باسمه، فبلغ خبره هيرودس ورغب في أن يراه (لوقا 9: 9).

2 «فَقَالَ لِغِلْمَانِهِ: هٰذَا هُوَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانُ قَدْ قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ، وَلِذٰلِكَ تُعْمَلُ بِهِ ٱلْقُوَّات».

قَامَ مِنَ ٱلأَمْوَاتِ اعتقد اليهود كلهم سوى الصدوقيين بقيامة الأموات، مع أن هذه الحقيقة لم توضح في العهد القديم كما وضحت بعدئذٍ في العهد الجديد.

كان هيرودس يعتنق مذهب الصدوقيين (مرقس 8: 15) فكان قوله إن يوحنا قام من الأموات مناقضاً لاعتقاده أن لا قيامة لميت.

وَلِذٰلِكَ تُعْمَلُ بِهِ ٱلْقُوَّات يوحنا لم يفعل معجزة (يوحنا 40: 41) فلا يكون صنع المعجزات برهاناً على قيامته. فما قاله هيرودس كان غالباً نتيجة توبيخات ضميره. لكن مخاوفه لم تقده إلى التوبة. فالضمير المؤنب يجعل الخاطئ يتوقع العقاب دائماً، ويتوهم أن كل أمر غريب هو بدء ذلك. وتعنيف الضمير برهان على الدينونة الآتية ونموذجها. وكثيرون يعتقدون في وقت الصحة والنجاح عقائد باطلة ينكرونها في وقت الخطر والاضطراب.

3 «فَإِنَّ هِيرُودُسَ كَانَ قَدْ أَمْسَكَ يُوحَنَّا وَأَوْثَقَهُ وَطَرَحَهُ فِي سِجْنٍ مِنْ أَجْلِ هِيرُودِيَّا ٱمْرَأَةِ فِيلُبُّسَ أَخِيهِ».

لوقا 3: 19، 20

فَإِنَّ أي الكلام الآتي تعليل وإيضاح لقول هيرودس «قد قام من الأموات».

أَمْسَك أي أمسكه العسكر بأمر هيرودس.

أَوْثَقَه إما بالقيود وإما بسجنه، وذلك نحو سنة ونصف سنة وهو نحو نصف الزمن من بداءة تبشيره إلى وفاته.

فِي سِجْنٍ قال يوسيفوس كان ذلك السجن في قلعة ماخيروس شرقي بحر لوط.

هِيرُودِيَّا بنت أرستوبولس الذي قتله أبوه هيرودس الكبير، وزوجها الأول فيلبس عمها. وهو ليس فيلبس رئيس الربع المذكور في لوقا 3: 1 لأنه لم يكن ذا منصب. تركته وتزوجت أخاه هيرودس أنتيباس عمها وسلفها، وهو طلق امرأته بنت الحارث لأجلها وبذلك اشتبك في حرب حميه أبيها ولم ينجُ من تلك الحرب إلا بواسطة الرومان. فنسب اليهود مصائبه إلى قتله يوحنا المعمدان ظلماً كما ذكر يوسيفوس المؤرخ.

4 «لأَنَّ يُوحَنَّا كَانَ يَقُولُ لَهُ: لاَ يَحِلُّ أَنْ تَكُونَ لَكَ».

لاويين 18: 16 و20: 21

حرَّم ذلك العمل الناموسي الطبيعي وناموس الله على يد موسى. وفي عمل هيرودس ثلاث خطايا: تطليق امرأته بلا سبب شرعي، وزواجه بامرأة أخيه وهو حيٌّ، وهي ابنة أخيه (لاويين 18: 16 و20: 21). وأظهر يوحنا المعمدان أمانته وشجاعته بأنه وبخ حاكماً قديراً ظالماً ينتقم من كل إغاظة، فأثبت أنه ليس «قصبة مرضوضة تحركها الريح» (متّى 11: 7) وقوله «يوحنا كان يقول له» المراد به في الأصل اليوناني أنه كان دائماً يقول له ذلك.

5 «وَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَهُ خَافَ مِنَ ٱلشَّعْبِ، لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُمْ مِثْلَ نَبِيٍّ».

متّى 21: 26 ولوقا 20: 6

ما أجمل أن يكون للرأي العام كلمة، ولا سيما إذا كان منصفاً تقياً يرى الصواب فيذيعه، ويرى الخطأ فيبعد الناس عنه. ولكن هذا الرأي العام في ذاك الحين كان ضعيفاً جداً لم يستطع أن يقف في وجه الطاغية ويقول له: هذا لا يجوز. وأمثال يوحنا المعمدان وإيليا النبي قليلون.

تبين لنا مما قاله مرقس (مرقس 6: 20) أن تعليم يوحنا أثر كثيراً في هيرودس في أول عهده به، وأن هيرودس اعترف بحسن صفاته وجودة تعليمه. لكن تأثيراته كانت وقتية وزالت بما أبدته له هيروديا (مرقس 6: 21) وبضجره من كثرة توبيخ يوحنا له، فأراد قتله وامتنع خوفاً من الناس لأنهم اعتقدوا أن يوحنا نبي. وكان أهل الجليل يومئذٍ يميلون إلى الهياج دائماً، وكان هيرودس لا يستطيع تهدئتهم إلا ببذل كل جهده.

6 «ثُمَّ لَمَّا صَارَ مَوْلِدُ هِيرُودُسَ رَقَصَتِ ٱبْنَةُ هِيرُودِيَّا فِي ٱلْوَسَطِ فَسَرَّتْ هِيرُودُسَ».

لَمَّا صَارَ مَوْلِد الاحتفال بعيد ميلاد الملوك من العادات القديمة (تكوين 40: 20) فحضر الاحتفال بعيد ميلاد هيرودس رؤساء البلاد (مرقس 6: 21).

رَقَصَتِ ٱبْنَةُ هِيرُودِيَّا أي ابنتها من فيلبس زوجها الأول، وقال يوسيفوس إن اسمها «سالومي». ولم يكن رقصها كرقص السيدات في بيوتهن بل كرقص المستأجرات في الملاعب بلا حياء، تأباه النساء الشريفات من اليونان والرومان واليهود في المحافل. فخفضت مقامها الملكي وداست شرفها وعفافها لتُسرَّ هيرودس وتنال مرادها. فسُر هيرودس برقصها وبذل جهده في إرضائها وإرضاء مدعويه.

7 «مِنْ ثَمَّ وَعَدَ بِقَسَمٍ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبَتْ يُعْطِيهَا».

تجاوز بهذا الوعد الحد فأظهر به طيشه وشدة لذاته برقص سالومي. ولا يبعد أنه كان نشوان من الخمر، فلم يكتفِ بالوعد بل أثبته بقسم.

8 «فَهِيَ إِذْ كَانَتْ قَدْ تَلَقَّنَتْ مِنْ أُمِّهَا قَالَتْ: أَعْطِنِي هٰهُنَا عَلَى طَبَقٍ رَأْسَ يُوحَنَّا ٱلْمَعْمَدَانِ».

تَلَقَّنَتْ لقَّنتها أمها وأغرتها. وسرعة طلبها تدل على شدة بغض هيروديا ليوحنا وقصدها الانتقام في أول فرصة. ولعلها أغرت سالومي بذلك لهذه الغاية عينها، وإنما رغبت في قتل يوحنا خوفاً من أن يؤثر كلامه في نفس هيرودس فيقتنع بإثمه، لأنه أخذها من زوجها الشرعي.

فمن أسرار العناية الإلهية أن تُبذل حياة أعظم الأنبياء خليفة إيليا وسابق المسيح تشفياً لامرأة شريرة زانية، وأن يعطى رأسُه أجرة رقص ابنتها. وطلبت هيروديا أن يقدم لها رأس يوحنا لأمرين: (1) أن تتيقن أنه هو قُتل لا غيره بدلاً منه، و(2) أن تتشفى من غيظها بمشاهدة وجه عدوها قتيلاً.

9 «فَٱغْتَمَّ ٱلْمَلِكُ. وَلٰكِنْ مِنْ أَجْلِ ٱلأَقْسَامِ وَٱلْمُتَّكِئِينَ مَعَهُ أَمَرَ أَنْ يُعْطَى».

فَٱغْتَمَّ لم يكن غم هيرودس شديداً ولم يشغل وقتاً طويلاً، فهو كتأثره من وعظ يوحنا (مرقس 6: 20) ومثل توقف بيلاطس في الحكم على المسيح. ولذلك لم يمنع الغم هيرودس عن أن يرتكب إثماً آخر فوق آثامه السابقة، فخالف شريعة ضميره وشهادته أيضاً. ولعل ذلك كان آخر تأثير للروح القدس ففارقه بعده إلى الأبد.

ويحتمل أنه اغتم خفية لأنه خاف أن ينتج قتل يوحنا هياج الشعب، لأننا نعلم أنه لم يمنعه عن قتله قبلاً سوى الخوف من ذلك (متّى 14: 5). ولعل هذا هو الأرجح.

ٱلْمَلِك لم يلقبه متّى بالملك لأن له حقاً في هذا اللقب بل أتى به على سبيل التعظيم.

مِنْ أَجْلِ ٱلأَقْسَامِ الذي حمله على إجابة سؤال سالومي أمران: (1) إلزام ضميره إياه أن يفي بوعده الذي أثبته بالحلف، و(2) خوفه من أن يلومه المدعوون ويهزأون به إن لم يفِ. على أنه لم يكن يجوز له أن يجيب سؤلها لأن ليس له حق أن يقتل فاضلاً بريئاً. فخير لنا أن نخالف كلامنا من أن نخالف كلام الله.

ثم أن كل وعدٍ يأتيه الإنسان بلا تأمل ونظر في عواقبه خطيئة، لأنه يعرض صاحبه للضرر، ويضر غيره في الوفاء به، كما كان من أمر يفتاح (قضاة 11: 30 - 40). فيجب أن ننتبه لما نعد به ولا سيما ما نقسم عليه (جامعة 5: 2، 6).

كثيرون يحذرون من الصغائر ويرتكبون الكبائر بلا تأمل فهم «يُصَفُّونَ عَنِ الْبَعُوضَةِ وَيَبْلَعُونَ الْجَمَلَ»